|
|
|
القسم الأول
المسألة الإسلامّية في
العصر الحديث |
|
( 1) شروط أوّلية لمقاربة
المسألة: |
|
1 ـ العمق التاريخي: ما من
قضيّة يواجهها المرء ضمن
مدار الشعوب الإسلاميّة،
إلا ويجد نفسه مغموراً
بسرعة تدفّق أمواجها التي
تجبره على بذل جهد كبير،
للتعاطي معها. ولكن ما ان
يتم له ذلك حتّى يجد نفسه
من جديد أمام مدّ من
التعقيدات التي تطيح بما
سبق واعتبره نقطة توازن
جديّة… عندها يبدأ بتوطين
النفس على ضرورة التعامل مع
طبقات عميقة من التيارات
المندفعة بأكثر من اتّجاه
والتي تحفر مجار حادّة لها
في أنسجة الأمّة وأبنيتها
المختلفة.
فعلى امتداد مواطن الشعوب
الإسلاميّة في آسيا
وافريقيا وبعض جنبات
أوروبا، تتداخل وتتفاعل
حركات وأنشطة ملايين من
الأنفس وفق مروحة من
المرجعيّات الفكرية
والسياسية التي تتشعّب حتّى
تصل إلى حدود القطيعة، ولكن
القطيعة لا تتم. اذ ما ان
تقارب حركة احدى الفئات
حدود هذه القطيعة، مستقوية
بمعطى تاريخي ما، حتى تجد
نفسها انها دخلت نفقاً
مظلماً، مآله التشتت
والانحلال، فتنتفض على
نفسها "الأمّارة بالسوء"،
لتعود متمسّكة بحبل التوحيد
المتين من هذه النقطة أو
تلك، معلنة حدود المغامرة
ومخاطرها. وهذا ما أرسى عبر
التاريخ عنوانا عقائديّاً
واحداً لجموع هذه الشعوب،
هو عنوان التوحيد المهيمن
على مدارها المعتقدي
والنفسي والاجتماعي، رغم ما
خالطه ويخالطه من عناصر
وعناوين أخرى، قد تجد لها
مكانه مهيمنة في صقع ما وفي
حياة شعب ما، ولكن رياح
التوحيد سرعان ما تحضر على
مسرح الوقائع، لتغمر صحراء
الانحلال والالتواءات معيدة
الأمور إلى أنصبتها
الطبيعيّة..
تلك هي سنّة من سنن الحراك
التاريخي التي حكمت مسار
الشعوب الإسلاميّة، وحقنت
أنسجتها بديناميّة مستمرّة،
فما ان يصيب الركود والخمول
احدى تعبيراتها، حتى تهبّ
الحركة في تعبيرات أخرى،
لتشكّل سدّاً منيعاً في وجه
الفساد والانحلال. فاذا
انحرف السلطان وبدأت دورة
الانحلال، بادر الإمام
والعالم والشهيد والداعية
لتكوين دورة جديدة جاذبة
لجموع المؤمنين والمستضعفين
لا تهدأ الا وعالم السلطان
الجائر قد بعثرته أيدي
الأمّة الشاهدة.
لذا يعتبر الامساك بناصية
هذا السّنة، الشرط الأوّل
لكل مقاربة فكريّة تطمح إلى
التّمسّك بنقطة ثانبة في
تعاملها مع تقلّبات الزّمن
وخطوط المصالح والمواقع في
تاريخ الشعوب الإسلاميّة،
منذ البعثة النبويّة
الشريفة، حتّى دخول العالم
الإسلامي في عصور الاستعباد
الحديثة. |
|
2 ـ النسق الغربي الحديث
يستعبد العالم الإسلامي: |
|
بالامكان القول، أنّ مسار
العالم الإسلامي بقي حتّى
سقوط غرناطة عام 1492م،
تتحكّم فيه اساساً معطيات
الوحدة والصراع الدّاخلي،
فيما تشكّل المواجهات
الخارجية شأناً برّانياً
طارئاً ـ كما حصل أبّان
غزوة هولاكو في القرن
الثالث عشر او ابّان الحروب
الصليبيّة ـ يدخل نوعاً من
الاضطراب على قوانين اشتغال
ديناميّات العالم الإسلامي،
دون أن يحدث تغييراً
أساسيّاً فيها.
الا أنّ الأمر لم يعد على
النّحو المذكور، في القرون
التي تلت سقوط الأندلس،
وذلك لأسباب عديدة نذكر
منها:
أولاً:
أن النظام الغربي الحديث
والذي بدأت أعمدته بالتشكّل
بعد سقوط القسطنطينية عام
1452، على ايدي مسلمي
الدّولة العثمانيّة، وما
نتج عن هذه الواقعة
التاريخيّة، وانتقال مركز
الثقل في قارة أوروبا
المسيحيّة إلى غربيها، لم
يؤد إلى صراع مصالح مضبوطة
ضمن حدود جغرافية لنظامين
مختلفين، بل تعدّى ذلك
بكثير عندما استطاع النظام
الغربي الوليد من احداث
تغيرات نوعيّة في خريطة
العالم القديم، وعلى امتداد
مساحاته البحريّة والبريّة
بدأت بواكيرها بطرد
المسلمين من الأندلس
واجلائهم كليّة مع مطلع
القرن السابع عشر. واستكملت
خطواتها لاحقاً في أكثر من
حلقة، في جمود أصاب التوجه
العام لسياسة السلطنة
العثمانية، في تعاملها مع
التّحديات الجديدة.
فقد نقلت الممالك الأوروبية
الناشئة عن الصراع مع
العالم الإسلامي من
الدّائرة البريّة، حيث تبرز
نقاط قوّة الدولة العثمانية
إلى عالم البحار، حيث تبرز
نقاط قوّة الدولة العثمانية
إلى عالم البحار، حيث عرفت
أوروبا الغربية نهضة
ملاحيّة كبرى منذ أواخر
القرن الرابع عشر. أحسنت
استخدام توظيفها على
المستوى العالمي، ممّا
مكّنها من احداث انقلاب
جذري في خريطة الشعوب
والقوى والثقافات
الإنسانية، لعل أبرزها
ازاحة شعوب أمريكا الأصليّة
من خارطة الوجود البشري.
وقد خصّ الدائرة الحضاريّة
الإسلاميّة، بخطط عديدة
بدأت مع سقوط القسطنطينيّة
لتقسيم واستتباع العالم
الإسلامي عموماً والدّولة
الإسلامية خاصة، من البابا
ليون العشار حتّى نابليون.
حتّى غدت (المسألة
الشرقيّة)، بالنسبة للنظام
الغربي الصاعد، هي "مشكلة
القضاء على قوّة الإسلام
السياسيّة" على حدّ تعبير
. اذاً لم تكن التحديات التي واجهت العالم الإسلامي
مع صعود النظام الغربي
المعاصر، استمراراً
ميكانيكيّاً للمواجهات
السابقة. فقد انطوت على
معطيات كيفيّة جديدة، على
أكثر من صعيد. فهي تحدّيات
ذات طابع شمولي من جهة
واقتحامي تفكيكي من جهة
أخرى. ذلك أن اسباب القوى المختلفة التي استحوذ عليها
النظام الجديد، حملت في
احشائها ومنذ البدايات،
اتجاهاً اساسياً للسيطرة
على العالم بمجمله، ولم يكن
يحد من هذا الاتجاه سوى
المعوقات والمقاومات
المختلفة، التي تبديها
الشعوب المقتحمة التي
طوّرتها التجربة الغربيّة
المعاصرة والتي تجمع على
اضفاء صورة عقلانيّة على
نفهسا تدّعي، أنّها في
توجّهها العالمي تهدف إلى
اعادة انتاج العالم على
صورتها ومثالها، إلا غطاء
تبريرياً يستهدف ستر وتغطية
المنحى الفعلي للنظام
الناشئ، الذي يجعل من
التدمير والنهب والابادة
شرطاً تكوينيّاً من شروط
نشأة النظام واستمراريته. نعم لقد اعاد النظام الغربي المعاصر تشكيل صورة
العالم، ولكن بما يتناسب
واتجاهه العام في تدمير ما
يعترض مصالح النظام التسلطي
الناشئ.. ان اتّجاه السيطرة العام للنظام الغربي الصاعد،
اقترن بتوجه اقتحامي تجزيئي
للعالم الإسلامي. فاتجاهات
النّهب والسيطرة لم تبق
شأناً عسكرياً أو اقتصادياً
أو سياسيّاً برّانياً، يضاف
إلى عناصر البنية الحضاريّة
لواقع المجتمع الإسلامي، بل
تعدّى ذلك مدخلاً إلى
الدائرة الإسلامية خططاً
استراتيجيّة عامة، وسياسات
تفصيليّة طاولت شتّى جوانب
الحياة الاجتماعيّة للعالم
الإسلامي، وأحدثت فيها
تغيّرات داخلية كبيرة جعلت
من الاستحالة بمكان مقاربة
المسألة الإسلامية العامّة
وتفرّعاتها المختلفة،
انطلاقاً من حدود اللغة
المعرفيّة والسياسيّة
السابقة على العصر
الاستعماري الجديد.. |