|
لا يمكننا أن نطلق على أي نظام صفة "الإسلامية " ونسبغ عليه الشرعية، إذا لم تتوفر ثلاثة شروط رئيسية:
الأول:
أن يكون الحاكم قد وصل إلى منصبه وفق الأصول والضوابط الإسلامية، باختيار الجمهور وانتخابهم له.
الثاني:
أن يكون الحاكم متمتعا بالشروط التي حددها الإسلام: كالعدالة، والرجولة، والعلم، والكفاءة، والتفقه في الدين..
الثالث:
وهو تابع للشرطين الأولين، أن يجري الحاكم قوانين الشارع جلّ وعلا في كل خطوة يخطوها في إدارة البلاد، سياسياً، وثقافياً واجتماعياً، واقتصادياً.
فإذا تحققت هذه الشروط، يمكننا بعدها أن نطلق على هذه البلاد.. أو هذا النظام، بأنه إسلامي، أما إذا اختل احدها.. أو كلها، زالت الصفة الإسلامية عنه..
وإذا قسنا هذه الشروط، على الحاكمين من "آل سعود" منذ استلابهم الحكم في دولتهم الحالية منذ مطلع القرن العشرين، لوجدنا أن أحداً منهم، لم تتوفر فيه هذه الشروط.
فالجميع وصلوا إلى الحكم، دون اختيار الناس وانتخابهم لهم. "فعبد العزيز" اخذ الحكم بالقوة، والإسلام لا يعترف بشرعية القوة.. وأولاده كلهم أصبحوا ملوكاً بالوراثة تحت مسمّى "ولاية العهد" وهذا مخالف للشرع..
وإذا نظرنا إلى الشرط الثاني، فان أهم صفتين في الحاكم الإسلامي "العدالة، والكفاءة" لم تتوفر في واحد منهم، فكلهم أصحاب هوى، وكلهم مشكوك في كفاءتهم وعلمهم.
أما الشرط الثالث، فان سيرة الملوك "السعوديين"، ليست إسلامية، فقد ربطوا البلاد وخيراتها بالأجانب، وأشاعوا الفساد، وعطلوا شرع الله، وجرّوا على ديار الإسلام أفدح الأضرار… ولو تمعنّا في الوضع القائم في البلاد حالياً، لرأينا ان السياسة والاقتصاد، والتوجيه الثقافي والاجتماعي، بعيد عن الدين، وكل ممارسات الحاكمين تتناقض وبوضوح مع تعاليم الله.
لا شرعية للقوة
يصر الملك "عبد العزيز"، على أن أحقيته في الحكم ترجع إلى أنه ورث البلاد وحكمها من آبائه وأجداده .. وكان كثيراً ما يكرر أن الحكم أخذه بسيفه وأن لا فضل لأحد عليه، وبالتالي على الجميع أن يخضعوا له.. قال مرة لـ "بيرسي كوكس" في مؤتمر العقير: (العشائر يا حضرة المندوب لا يفهمون إلا السيف. وإلا فهم يركبون على ظهر الحكومة ويسوقونها والبلاد إلى مهاوي الخراب … أشهروا السيف يرتدعوا ! يتأدبوا)[1].
وبعد أن ثار الأخوان عليه، عقد مؤتمراً في 19 / 10 / 1928 ، حضره العلماء وقادة العشائر، وكان الغرض منه إدانة الإخوان وتجديد البيعة له.. وهناك خطب خطاباً جاء فيه : "لقد بنيتُ ملكي بعون الله وقوة ساعدي .. ولقد بلغني أن الكثير منكم غير راض عني وعن حكومتي، ولكنني لست ممن يتخلون تحت الضغط والقوة عن عروشهم.. ولكني أتخلى عنه الآن بين أيديكم [2] ..
ويعلق حافظ على هذا التنازل الشكلي والوهمي والهزلي : (أما مسألة التنازل عن العرش، فلم تقبل، لأنهم يعلمون أن ابن سعود لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بمعونة سيفه. . وفي الواقع لم يكن الملك يرمي في هذا المؤتمر إلاّ إلى اجتماع كلمة النجديين وإثارة حميتهم ضد الإخوان المتطرفين…" .. لكن الإخوان حين ثاروا، قالوا له : "إنك دائماً تتحدث عن السيف الذي أوصلك إلى ما وصلت إليه ، فمن هو سيفك غيرنا نحن؟!).
وما يهمنا هنا هو التأكيد على أن شريعة الغاب قد تجيز للأقوى التسلط على الآخرين، أما الدين الإسلامي، فقد أبعد الحكم عن شهوات المتسلطين، ووضع معايير للحاكم الصالح، حتّى لا يقود الصراع على الحكم المسلمين إلى الانهيار والدمار والتآكل.. فليس كل من امتلك القوة وسيطر على الحكم أصبح حكمه شرعياً يجب الخضوع له..
لا شرعية للوراثة:
إن نظام الحكم السعودي وراثي، فالحكام يورث أبناءه الحكم كما يورثهم بيته وماله، فهل هذا من الإسلام؟.. وأين رأي الأمة في الحاكم؟.. وأين البيعة بالرضى والاختيار؟ .. وأين صفقة اليد وثمرة القلب؟
اتفق جمهور الفقهاء أنه لا يجوز عقد ولاية العهد للأبناء أو الأقارب إذا كانت النية حفظ الحكم في باب الإرث، لأن الخلافة لا تورث، لذلك يقول الفقهاء أن الخلافة لا تنعقد بالاستخلاف ، أي بولاية العهد، لأنها عقد بين المسلمين والخليفة، ووراثة الحكم لا يحصل فيه ذلك ، أي ليست فيه طبيعة العقد ، فهو ملك جبري، كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أنهم لا يأخذون البيعة من رعيتهم بصفقة اليد وثمرة القلب، أي بطوع واختيار ، بل بالجبر والقهر، وفي ظل الحكم الوراثي ـ حكم العائلة ـ ليس المسلمون فيه هم الذين يختارون الخليفة "رئيس الدولة" : وإنما هو الذي يفرض نفسه عليهم، ثم يأتون يبايعون بيعة المجبورين ، ولا يترتب على عدم رضاهم بهذا الخليفة أن ينعزل، كلا ، بل الأمر جبري، وحكم كهذا ليس على منهاج النبوة ولا علاقة له بالإسلام ولا طاعة له على المسلمين[3].
إن الإسلام يخالف الحكومات العائلية القيصرية والهرقلية، التي ابتدأها معاوية بن أبي سفيان، حيث حول الخلافة الإسلامية إلى ملك عضوض، محصور في ذريته كما يفعل "السعوديون" اليوم، فمعاوية حينما أراد أن يأخذ البيعة وولاية العهد لابنه قبل أن يموت، جمع الناس في المسجد وقام أحد رجاله "يزيد بن المقنع العذري" فقال : "هذا أمير المؤمنين" وأشار إلى معاوية "فان هلك فهذا" وأشار إلى يزيد "ومن أبى فهذا" وأشار إلى سيفه، فقال معاوية "اجلس فأنت سيد الخطباء…".
لقد انتقد "عبد العزيز" ـ الملك ـ ، الشريف حسين لأنه سمى نفسه ملكاً على الحجاز، ولأن الأشراف يتوارثون الحكم خلافاً للإسلام، لكنه ما إن خرج الشريف علي من الحجاز، حتّى أعلن نفسه ملكاً بعد أسبوعين.. وبعد بضع سنوات عين ابنه الملك سعود ولياً للعهد، ضارباً عرض الحائط كل القيم والأعراف الإسلامية..
في السابع عشر من جمادي الأولى عام 1351 هـ / 18 أيلول عام 1932 م، أصدر ابن سعود أمراً ملكياً برقم "2716"، نصّت المادة السادسة منه على ما يلي:
"على مجلس وكلائنا أن يضع أنظمة جديدة للحكم ولوراثة العرش ولأجهزة الحكومة، وأن يعرض هذه الأنظمة علينا لإصدار أوامرنا بشأنها".
وبناء على هذا الأمر، صدر بلاغ في السادس عشر من محرم الحرام 1352 هـ / مايو 1933 م، من مجلس الوكلاء ومجلس الشورى، مبايعاً فيه سعود بولاية العهد جاء فيه:
(أما بعدن فان صاحب الجلالة مليكنا العادل الموفق، ناصر السنة ، قامع البدعة "عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود" ملك المملكة العربية "السعودية" أََيدّ الله ملكه، وأمدّ في عمره، وأدام تأييده ونصره، لما رأى بعين حكمته الساهرة على راحة رعاياه، والعاملة على تثبيت دعائم هذا الملك العربي الوطيد، وتشييد أركانه، وإدامة تسلسله، أن يجيب طلب رعاياه، ويوافق على شكل واضح ثابت لولاية العهد،كما ورد في أمره الملكي الكريم الصادر في 17 جمادى الأولى 1351 هـ الموافق 18 سبتمبر 1932 م، وأن يسير في ذلك على المنهاج الشرعي الذي سار عليه خلفاء المسلمين وملوكهم، وأن يعقد البيعة بولاية العهد على من كان مستجمعاً للشروط الشرعية المرعية.
هذا ولما كان حضرة صاحب السمو الملكي الأمير سعود، النجل الأكبر لحضرة صاحب الجلالة، قد تحلىّ بكلية الأوصاف الشرعية الواجب توافرها فيمن يخلف ولي الأمر أمدّ الله في عمره، وقد اشتهرت عدالته وصفاته الممتازة بين الجميع، فإننا عملاً بالمأثور من المبايعات، نبايعه ولياً لعهد المملكة العربية "السعودية"، نبايعه على السمع والطاعة على كتاب الله وسنة رسوله، ونسأل الله له الهداية والتوفيق، ونضرع إليه تعالى أن يمدّ في عمره وعمر والده الملك العادل الموفق خلّد الله ملكه.. وقد أخذنا هذه البيعة على أنفسنا لسموه، وعلقناها بأعناقنا..)[4].
وبصورة دعائية سمجة، صدر بلاغ رسمي ملكي في نفس اليوم "مما يدل على أن العملية مدبّرة" برقم (3)، يحدد يوم مبايعة الناس لسعود، هذا نصه:
(إنفاذاً لمنطوق الأمر الملكي الكريم رقم "2716" تاريخ 17 جمادي الأولى 1351 هـ الذي صدر بمناسبة توحيد أجزاء المملكة باسم المملكة العربية "السعودية"، فقد وضع مجلس الوكلاء والشورى بالاتفاق، قراراً خاصاً بولاية العهد وكيفية إعلانها، ورفعه إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم للموافقة عليه، وستعلن الإجراءات الخاصة بذلك، وتجرى مراسم البيعة باسم حضرة صاحب السمو الملكي الأمير سعود أكبر أنجال حضرة صاحب الجلالة المعظم ولياً للعهد يوم الاثنين المقبل.
في 16 محرم 1352 هـ ، الموافق 11 مايو 1933 م) [5].
وقبل ن يأتي يوم الاثنين، دعت السلطة وجهاء المدن والقرى والبوادي للحضور إلى الرياض ومبايعة سعود، أما غير المتمكنين، فعليهم الذهاب إلى أقرب دائرة حكومية لتسجيل أسماء المبايعين.. وهكذا تم حفل البيعة !.
|