ملاحظات رئيسية
الملاحظة الأولى:
لقد رفض الإسلام الاعتراف باستخلاف الحكم للأبناء والأقارب ، لما فيه من الأضرار الفادحة التي تلحق بالمسلمين عامة .. ذلك لأن حكم الأُسر "يحيط العائلة الحاكمة ـ بشيبها وشبابها وصبيانها وغلمانها ونسائها ومهرجّيها، ومن لا يذكر الله فيها ـ بسياج من الهيبة والامتياز المادي والمعنوي، على حساب كل الآيات التي وردت في الكتاب الكريم حول القسط والعدل والمساواة بين الناس"… إن حكم العائلة "قد رهن ـ ومازال يرهن ـ أوضاع الأمة الإسلامية بعمومها ضمن إطار على ضيقّة طارئة تاريخياً في عمر الزمان والتاريخ، ويحدد طبيعة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يجب ان تمر بها دون هدي من الشرع أو التجربة الإنسانية الحرة .. وحكم كهذا يحوّل ـ بالضرورة ـ العائلة الحاكمة إلى مؤسسة تآمرية : التآمر على الأمة كيف تبقى خاضعة، والتآمر ضمن العائلة الحاكمة، فيمن يأتي للحكم بعد هلاك الحاكم..
إن حكم العائلة ـ سواء كانت العائلة الأموية أو العباسية أو الفاطمية أو الحمدانية أو العثمانية ، أو أية عائلة حاكمة اليوم في عالمنا الإسلامي المسلوب الإرادة ـ هو مستنقع لكل الطموحات غير الشرعية، وهو الذي أدى إلى كل الانهيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تعاني منها الأمة الإسلامية في وقتنا الحاضر.. التجزئة السياسية والتبعية الاقتصادية والتخلف الاجتماعي والضعف والخور والدنّية والوهن في كل مؤسساتنا وبنياناتنا…"[6].
كما (أن طبيعة السلطة السياسية التي يدور محورها حول عائلة معينة، وتتحدد شخصيتها السياسية وفق مقتضيات مصلحة العائلة الحاكمة، لا تستطيع قطعاً الارتقاء لمنهج الإسلام في الحكم، وهو منهج أممي عالمي يخرج عن الدوائر المغلقة للعائلة والقبيلة والقوم والعشيرة، ويتجاوزها ويتخطاها، لأنه منهج يقوم أساساً على تحرير الإنسان ـ لكونه إنساناً ـ من كل أشكال العسف الاجتماعي والإقطاعي والسياسي والتفاوت الطبقي المشين الذي يفرزه الحكم العائلي. ولقد كان الحكم الأموي ـ كحال أشكال الحكم العائلي . اليوم في كثير من الأقطار "الإسلامية "! ـ حكماً عائلياً ضيقاً أفرز عسفاً اجتماعياً .. وإقطاعاً سياسياً . وتفاوتاً طبقياً واقتصادياً مشيناً، وكل ذلك يعد بلا شك انحرافاً أساسياً عن منهج الإسلام في الحكم، ومقررات الشريعة الإسلامية في العدل المطلق) [7].
ومع أننا لا نعترف بشرعية حكم الملك "عبد العزيز" الذي أخذه بالسيف، فإننا نتساءل : بأي حق يعين حاكماً جديداً قبل أن يموت ؟.. فلقد أقر الفقهاء أن إمامة المعهود إليه تنعقد بعد موته، وليس في حياته، كما يرى ابن تيمية أن عمر إنما صار إماماً بمبايعة الناس له بعد موت أبي بكر، لا بمجرد عهد أبي بكر إليه بالخلافة. فالعبرة إذن في تعيين رئيس الدولة إنما هو في اختيار أهل الحل والعقد ومبايعة الناس بيعة حرة، وليس في ولاية العهد[8].
الملاحظة الثانية:
إن إقرار ولاية العهد لسعود ابن الملك اعتمد على أمرين .. الأول : اعتماداً على أمر الملك برقم "2716 " بتاريخ 17 5 / 1351 هـ ، والثاني : اعتماداً على بيان صدر من مجلس الوكلاء ومجلس الشورى .. وهذين المجلسين يختصان فقط بأمر منطقة الحجاز، وأعضاؤهما يعينون مباشرة من الملك وينفذون إرادته، لذا فان بيعتهم تلزمهم وحدهم فقط، ولا تلزم أهالي الحجاز والمناطق الأخرى.
ولو راجعنا أسماء الموقعين على بلاغ مبايعة سعود من أعضاء المجلس ، لوجدنا أن عددهم "13" فقط، وكلهم من الحجاز، أومن رجال الملك "عبد العزيز" الذين وفدوا لخدمته وخدمة أنفسهم من الخارج، كيوسف ياسين، وفؤاد حمزة.. أو من وزرائه، كوزير المالية "عبد الله سليمان الحمدان " !!
وفضلاً عن هذا، ولو أننا سلمنا أن هؤلاء يمثلون إرادة كل الشعب بمختلف فئاته ومناطقه، ولو أننا ألغينا كل الاعتبارات السابقة الذكر، فان الملك لا يمثل إرادة الشعب، وليس حكمه شرعياً حتّى نقبل به، فيكف به ومما يصدره من أوامر مخالفة للشرع ؟!
لهذا كله، فان بيعة سعود بولاية العهد باطلة بالشرع والعقل، فحرية الرأي والاختيار ليست متوفرة، وكأن المطلوب أن تأتي وتبايع شخصاً واحداً ومحدداً..
الملاحظة الثالثة :
إن إقرار أسلوب توارث الحكم وولاية العهد قبل موت الحاكم للأبناء ، الأكبر فالأكبر.. أو الأقوى فالأقوى، يقضي على أساسيات الحكم الإسلامي، ويجرد أبناء الشعب من اختيار الحاكم الكفوء الصالح، بمعنى أن الحاكم الأصلح لا يأتي بالوراثة، وإنما باختيار واحد من أبناء الشعب من بين عدّة أفراد آخرين.
بيد أن الملاحظ اليوم ـ كما بالأمس ـ أن الحكم السعودي القائم، ليس فقط يحكمه من لا تتوفر فيه صفات الحاكم الإسلامي، بل وأنه ينصب من يريد .. وفي أي موقع يريد، اعتماداً على صلة القرابة أو الولاء الشخصي، متغافلاً عن كل الأحاديث النبوية التي تحث على اختيار الشخص الصالح والكفوء، بمقياس كفاءته لا قرابته وولائه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:
(من ولي أمر المسلمين شيئاً ، فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله).
هذا إذا كان المولِّي صالحاً وجاء بالطريقة الشرعية، فكيف به إذا انتزى الحكم بدون وجه حق ؟ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(من ولي من أمر المسلمين شيئاً ، فأمَّر عليهم أحداً محاباة، فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً. حتّى يدخله جهنم، ومن أعطى أحداً حمى الله، فقد انتهك في حمى الله شيئاً بغير حقه، فعليه لعنة الله).
"أخرجه الإمام أحمد والحاكم عن ابي بكر " عن ابن عباس قال، قال رسول الله:
(من استعمل رجلاً من عصابة، وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين).
وعن حذيفة، قال، قال رسول الله :
(أيما رجل استعمل رجلاً على عشرة أنفس، علم أن في العشرة أفضل ممن استعمل، فقد غشّ الله، وغشّ رسوله، وغشّ جماعة المسلمين).
وتأتي ولاية العهد، لتنسف هذه الأحاديث من أساسها، فيتولى خلق الله من لا يذكره ولا يسبحه ولا ينفع أمته.. إذ كيف تتوصل الأمة لاختيار الحاكم الأصلح "عدالة وعلماً وفهماً وتقوى" ، ما دام الأمر يورث على أساس النسب والقرابة فقط؟..
إن تولية العهد ـ بأي مبرر كان ـ خيانة لله وللرسول وللمؤمنين .. ففيها ابتعاد عن الأصلح، وتحكيم لمعايير ما أنزل الله بها من سلطان .. يقول الشيخ ابن تيمية [9]:
(فان عدل ـ الحاكم الشرعي ـ عن الأحق الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة أو صداقة، أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس، كالعربية والفارسية والتركية والرومية ، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغن في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ، ودخل فيما نُهي عنه في قوله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) "الأنفال، 27".
فان الرجل لحبه لولده، أو لعتيقه، قد يؤثره في بعض الولايات، أو يعطيه ما لا يستحقه، فيكون قد خان أمانته وكذلك قد يؤثره زيادة في ماله أو حفظه، بأخذ مالا يستحقه، أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات، فيكون قد خان الله ورسوله ، وخان أمانته).
والطريف هنا، إن احد كتاب النظام نفى مقولة وراثة الحكم في البلاد يقول : "لم يعرف النظام السعودي من نشأته الأولى نظام الملك الموروث، وإنما عرف نظام أخذ البيعة لولي العهد في حياة الملك القائم، وأخذ البيعة هذا له شروط ومستلزمات وإجراءات كثيرة، لا يملك معها عملياً أكثر من التنسيب والترشيح " [10].
إن الفقهاء يقرون الترشيح، ولكن بعد مماتهم ـ وليس قبل ـ كما فعل معاوية وابن سعود، وللمسلمين أن يختاروا الحاكم الأصلح، أما أن تؤخذ البيعة من الناس بقرار ملكي، فهذا يتنافى مع الشريعة ومع الترشيح والتنسيب ..
والمضحك أن الترشيح لا يقع إلا على أبناء العائلة ذاتها وليس خارجها، كما لا يقع في الغالب إلاّ على الأكبر من أبناء الملك أو الحاكم..
ففي الدولة "السعودية" الأولى، حكم محمد بن سعود، ثم جاء ابنه "عبد العزيز"، الذي تولى الحكم بعده ابنه سعود، ثم أخذ هذا الحكم وولاه ابنه من بعده.. إلى أن انتهت الدولة..
وفي الدولة "السعودية" الثانية، جاء تركي بن عبد الله، ثم ابنه فيصل إلى أن مات، ثم ابن فيصل الكبير واسمه عبد الله، ثم عزله الأخ الذي يصغره "سعود" ثم عاد عبد الله وأخذ الحكم من سعود، ثم عاد سعود من جديد، ثم أخذ الحكم الذي يصغره من إخوته "عبد الرحمن أبو الملك عبد العزيز".
وفي الدولة "السعودية" الثالثة، حكم ابن سعود إلى أن مات، ثم من بعده ابنه الأكبر سعود ثم عزله الأخ الذي يصغره في السن مباشرة "فيصل " وأخذ الحكم إلى ان مات هذا، لكنه ـ وقبل موته بأكثر من عشر سنوات ـ ولى أخاه خالداً ولاية العهد، فأخذ الحكم من بعده وعين فهداً ولياً للعهد، فأخذ الأخير الحكم من بعده وعين أخاه عبد الله ولياً للعهد، وهكذا ، دواليك .. فأين الترشيح والتنسيب ؟ .. وأين الاختيار والبيعة ؟…
وهناك كاتب آخر، من أقرباء "آل سعود"، راح يعدد محاسن الملكية، فجاء في مقدمة محاسنها "الوراثة!!" التي ذمها القرآن والخلفاء : (ففي النظام الملكي، يعرف الشعب ملكه المقبل منذ صغره، ولذا له به معرفة تامة بخصاله وما يتوقعه منه).. وفي موقع آخر، يزعم إفكاً وافتراءً على الله ورسوله، أن الحاكم يورث الشرعية لأبنائه الملوك، وأنها ـ أي الشرعية ـ تتوثق مع كثرة التوراث ومرور الزمن، يقول:
(وهكذا يورث الزعيم، الملك ، القبول به لمن يخلفه، وبمرور السنين تزداد الشرعية توثقاً باستمرار التوارث …)[11].
 

يتتبع