|
ماذا يجري في السعودية؟
الكل يتحدث عن مكافحة الإرهاب، وخاصةً الدول المجاورة للعراق، والكل أيضاً يدّعي أنه ضحية "الإرهاب الخارجي" إذا صحّ التعبير، لكن الأكثرية تتفق على أن الإرهاب السلفي أو ما يُصطلح عليه "الوهابي" يتصدر القائمة، خاصةً في العراق. نظرة خاطفة على قائمة الإرهابيين في العراق وسرد بسيط للمُعتقلين هناك أو الانتحاريين نرى أن من يتصدّر هذه القائمة هم من السعوديين، كما تصدّروا قائمة الجريمة الكُبرى بتاريخ 11 سبتمبر 2001 م عندما اصطدمت طائرتين ببرجي التجارة العالمي.
منذ ذلك الوقت، والسعودية تتحدث عن عملها الدؤوب في مكافحة الإرهاب، وأنها "السعودية" وأمريكا صفاً واحداً ضد الإرهاب. إن اتهام الحكومة السعودية بدعمها للإرهاب "العالمي" لم يأت من فراغ، فبلايين الدولارات صبّت ولازالت تصب في المؤسسات المحلية والدولية المتطرفة التي أنشأتها الحكومة، وعليه كانت النتائج أيضاً دولية، فقد كسح المد الوهابي كل سُبل التسامح والمحبة وقبول الآخر، وحفر مكانها الموت على صفة كراهية المختلف والولاء والبراء والتكفير حتى أصبحت معظم مصطلحات هذا المد هي قطع الرؤوس والعمليات الانتحارية والخطف والتفجير في أكثر من مكان، وفي العراق والسعودية على الأخص.
مدير العلاقات العامة والتوجيه بوزارة الداخلية السعودية د. سعود المصيبيح ذكر في مقابلة له على الهاتف مع قناة الإخبارية بُعيد العملية الانتحارية يوم الأربعاء (28 ديسمبر 2004 م) التي استهدفت وزارة الداخلية، قال بأن الفكر يُحارب بالفكر، وأضاف بما معناه، بأن المعركة ليست فقط معركة سلاح ولكن هناك دور كبير للجهات الأخرى "غير الأمنية" للمساعدة في مكافحة الإرهاب. من يستمع له، ويستمع لمسؤولين آخرين في الحكومة السعودية يخرج بنظرة مفادها أن الحكومة السعودية تعرف المشكلة ولا تحتاج لمن يساعدها في فهم الإرهاب الداخلي والجهات التي تقف معه، وأنها فعلاً تسعى لاستئصاله؛ لكن على أرض الواقع يرى المراقب تناقضات خطيرة وتضارب في التصريحات وكذلك في التحركات الساعية للقضاء على الإرهاب. بل أحياناً يكون العكس صحيحاً، حيث أن العديد من تلك التحركات تُساعد على زيادة وتيرة العنف وتُقلل من الأعمال السلمية والفكرية التي تكافح العنف والتطرف وتدعو للتسامح وقبول الآخر.
أين التسامح وقبول الآخر؟
خلال الأيام القليلة الماضية فقط ومع بداية العام الميلادي الجديد، انتشرت موجة الكراهية من جديد على مواقع مشايخ الإرهاب وعلى رأسها موقع الإسلام اليوم لسلمان العودة وكذلك موقع المسلم للنازي ناصر العمر الموالون لتنظيم القاعدة والذين تدعمهم الحكومة السعودية، ففتاوى تحريم الاحتفال بالعام الجديد ومشاركة النصارى فيه، وكذلك تحريم بيع ما يساعد على الاحتفال به، بل حتى تحريم التهنئة للنصارى بالعام الجديد أو بالهدايا أو الحضور في هذه الاحتفالات، يعني أن الوضع مازال في مرحلة الخطر. هذا التحريم لا يقف عن حد معين بل يصل إلى وصف هذه الأعمال بأنها مساعدة على الإثم والعدوان وإن العقوبة شديدة مستدلين بالآية الكريمة" وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" لأن ذلك يعني تعاوناً مع الكُفّار. فتاوى أخرى تضيف بأن ذلك في تشابه مع "الكفاّر" وأن ذلك يخالف "الولاء والبراء" وتصل إلى وجوب كراهيتهم واحتقارهم.
هذا من جانب النصارى، أماّ ناحية الوضع الداخلي وأعني الشيعة في السعودية، فالوضع أكثر تعقيداً. ففي الوقت الذي افتتح فيه الأمير عبدالله حقل القطيف الذي ينتج حوالي مليون برميل يومياً، ظهر لنا "إرهابي" جديد موالي لتنظيم للقاعدة الارهابي باسم د. محمد الطرهوني في مقال له بعنوان "ملفُ السنةِ والشيعةِ لن يغلق" بتاريخ 25 ديسمبر (نشره موقع الساحات) يصف التشيع بأنه ديانة غير الإسلام ويُحرّض الحكومة ضد الشيعة ويمتدح فعلتها بحجب شبكة راصد الإخبارية؛ ولا يكتفي بذلك بل يدعو إلى مواقع إرهابية متطرفة لزيارتها ومعرفة حقيقة الشيعة. بل في موقعه المتطرف يستقي أخباره من موقع الكذب والإرهاب المسمّى بمفكرة الإسلام.
الطرهوني لمن لا يعرفه، هو داعية لطالبان والقاعدة، بل يقوم بتجنيد الشباب لتنظيم القاعدة عن طريق دورات "جهادية" وله في هذا المجال عشر محاضرات عن فقه الجهاد يدعو فيها لقتال "الكفاّر"، ويصف الحرب على العراق بأنها صليبية في محاضرة "فضل الشهداء والحال في العراق وجهاد الدفع" بتاريخ 8 صفر 1424 هـ. يضيف في محاضرته بأن هذه الحرب الصليبية "تستهدف الإسلام والمسلمين ودفع هذه القوات الغازية عن بلاد المسلمين ومحاربتهم وقتالهم إنما هو جهاد في سبيل الله يؤجر عليه صاحبه، ومن استطاع أن يجاهدهم بنفسه وماله وما يمكنه فهو في سبيل الله"، وبهذا فهو يختلف مع الحكومة التي "يُحرِضها ضد الشيعة" ويمتدح فعلتها بحجب موقع شبكة راصد، وكذلك يختلف مع أشد المتطرفين مثل العمر الذي ينفي أنه دعا "للجهاد" في العراق.
كذلك فالطرهوني في مقابلة له مع موقع مجلة العصر المتطرفة (17 نوفمبر 2004 م) ينال من الشيخ عبدالمحسن العبيكان لانتقاده الذهاب للعراق وأن المقاتلين هناك ليسوا مجاهدين، فوصف الشيخ العبيكان أوصافاً بها من الوقاحة والانتقاص الكثير. ففي رد حول تصريح العبيكان يقول الطرهوني "لو لم نعرف عين القائل بذلك لقلنا إنه إما جاهل أو مدفوع الأجر، ولكن كما قال كثير من العلماء من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب، والشيخ ليس من أهل التفسير وغالب انشغاله بالقضاء الذي يستنفذ وقت القاضي ويشغله، ولعله السبب في عدم ترقي الشيخ في الدرجات العلمية". في موقع آخر من المقابلة يقول عن هيئة كبار العلماء بأنهم يفتون للحكومة "وعلى كُلٍ هيئة كبار العلماء جهة رسمية معينة أفرادها لا يزيدون علماً عن غيرهم من أهل العلم، بل هناك من هو أعلم منهم بلا جدال ولا ريب، وكل ما في الأمر أن هذه جهة معتمدة لدى الدولة في أوقات الحاجة، وهذه الهيئة غير معتمدة في غير المملكة"، فهو هنا يطعن في مستوى أعضاء الهيئة وفي نزاهتهم أيضاً وأنهم يفتون بما تراه الحكومة.
ماهو موقف الدولة من دعاة التطرف والإرهاب؟
في الوقت الذي تستمر فيه الحكومة السعودية بتضييق الخناق على الإصلاحيين ودعاة السلم وتسجن من يدعو للإصلاح، في الوقت الذي قارب العام على سجن قادة المجتمع المدني الأبطال الأساتذة عبدالله الحامد، متروك الفالح وعلي الدميني؛ لازالت الحكومة تغض البصر عن أعمال دعاة الكراهية والعنف والتطرف والإرهاب، بل تدعمهم مثل السماح لسلمان العودة بإنشاء مجلة "الإسلام اليوم" مخالفةً بذلك كل القوانين التي سنّتها الدولة نفسها وعلى رأسها وجود رأس مال كبير وتفرغ كامل لطاقم لا يقل عن ثلاثين شخصاً، وتمنع في الوقت ذاته الإصلاحيين من تقديم عريضة ورقية تطالب فيها بالإصلاح.
في الوقت الذي تدعو فيه الحكومة للتسامح وقبول الآخر وتتحدث عن المواطنة، تراها تصمت عن دعوات العنف والكراهية ليس فقط على مواقع التطرف، بل وصل ذلك إلى الصحف والإذاعة نفسها. فهاهو محمد بن أحمد الفيفي عضو الدعوة والإرشاد في وزارة الشؤون الإسلامية في مقاله الذي نشرته صحيفة الاقتصادية بتاريخ 24 ديسمبر 2004 م بعنوان "تثير الفتن وتحدث الشغب وتسفك فيها الدماء 4 شواهد تؤكد مخالفة "المظاهرات" للكتاب والسنة" يقول في المفاسد المترتبة على المظاهرات "ما أكثر المظاهرات التي خرج فيها المسلم والنصراني والرافضي متماسكين يعضد بعضهم بعضا، يصرخون بصوت واحد، فإن كان هذا ليس مما يخدش مظاهر الولاء والبراء عند المسلم". نحن نفهم ونتفهم الفتوى لمنع التظاهر خدمةً للحكومة، ولكن لا نستطيع إيجاد العذر للحكومة عندما يتم إخراج الشيعة من الإسلام ووصفهم بالرافضة وأن المظاهرة يخرج فيها المسلم والنصراني والرافضي، يعني أن الشيعة ليسوا مسلمين. كذلك في الإذاعة السعودية ذاتها التي تحاول محاربة الغلو والتطرف تراها تمارس الغلو والتطرف نفسه. في يوم الأحد 18 ديسمبر 2004 م، الساعة الواحدة مساءً، بثّت إذاعة القرآن الكريم (تردد 100 على موجة إف إم) محاضرة الأسبوع، وهي خطبة للشيخ إبراهيم بن تركي بن حمود بعنوان "الغلو الفكري ونتائجه" تحدث فيها عن الغلو الفكري. يُخّيل للسامع بأن العنوان سيتحدث عن دعاة الإرهاب وتجنيد الشباب للانضمام إليهم في هذا الوقت الحرج، ولكن العكس صحيح، فقد دخل في البدعة وأهل البدع، والغلو في الأئمة وعصمتهم. لا يخفي على السامع بأن هذا الشيخ يتحدث عن الشيعة، وليس عن بن لادن، فأين مكافحة الغلو الفكري في إذاعة حكومية تتحدث باسم الوطن كاملة، وليس باسم فئة شاذة تحدّد مصير الوطن كُلّه؟
المراقب للأوضاع المحلية مؤخراً يرى أن هناك حملة إعلامية طائفية تقودها وزارة الداخلية للنيل من الشيعة خاصةً بعد زيارة الأمير عبدالله للقطيف وافتتاحه حقل القطيف؛ وربما من ضمن أهداف هذه الحملة هي تقليل الضغط على التيار الوهابي على حساب الشيعة والوطن كما تم في السابق فتح نفس القنوات إبان الحرب العراقية الإيرانية وكذلك في فترة "الجهاد ضد السوفيت" في أفغانستان، وكذلك إظهار الأمير عبددالله بأنه غير قادر على إدارة دفّة البلاد وأن الإدارة الفعلية كما هو واضح بيد وزير الداخلية نايف. هذا يُبين بأن وجود الأمير عبدالله أو غيره على قمة الهرم الحكومي لن يغير في سياسة الحكومة السعودية التي هي مثال وضاح للعنصرية والطائفية وهي اليد الطولى للتيار السلفي.
|