مـــــــــــــبادرة ريغان واتفاق شباط:
لقد واصل السعوديون سياستهم الاستدراجية تلك بما يضمن لهم إقفال المجال الفلسطيني أمام المبادرة الدبلوماسية الإيرانية، والسماح لهم بتشكيل محور إسلامي ـ عربي فاعل بإمكانه أن يُحاصر كامب ديفيد أو الحوار العربي الآخر الذي تتزعمه السعودية. وفي سياق هذه المواصلة أعلن السعوديون ترحيبهم «بمبادرة ريغان التي قامت على أشلاء مشروع فهد، فأعلنوا موافقتهم عليها شريطة موافقة منظمة التحرير التي حاول الحكم السعودي والأردني وغيرهما، دفعها إلى قبول تلك المبادرة»(8). كما أن الموقف السعودي بقي يدفع بالأمور بما يضمن إتفاق 11 شباط 1985 الأردني ـ العرفاتي الشهير. إن ما يرمز إليه هذا الإتفاق من تراجع عربي يعد إنجاراً لسياسة الإستدراج السعودية في هذا الإطار، كما أنَّ الموقف المذكور كان يقوم في جانب من جوانبه على التمرير، تمرير انحرافات الآخرين والأحداث الخطيرة التي تحصل على محور القضية الفلسطينية بحيث يؤدي إلى سد الطريق أمام نهج بديل تقف في طليعته إيران التي كانت دبلوماسيتها تسعى دائماً لأن تستثمر الفرص المناسبة لدفع الصراع الشرق أوسطي باتجاه التمرّد على ثوابته السلبية والأخذ بقوى هذا الصراع وأطرافه نحو مسلك إيجابي يقوم على ثوابت جديدة رافضة للنهج الإستسلامي والتساومي.
ثمة نماذج كثيرة للنهج التمريري الذي تسلكة السياسية السعودية في إطار القضية الفلسطينية فالغارة الصهيونية على مقر منظمة التحرير في تونس، وقمة ايفران بين الملك الحسن وشيمون بيريز، وقمة عمان التي عادت بالخطر الصهيوني إلي مستوى الخطر الثاني فيما رفعت الإسلام إلى مستوى الخطر الأول، ثم جهود الرياض لإعادة مصر إلى ما يسمى بالصف العربي، كل هذه الأحداث وغيرها هي نماذج لنهج التمرير السعودي.
ففي إطار الحدث الأول كنموذج، وفي يوم الغارة الإسرائيلية على تونس كان «رد الفعل من جانب الملك فهد سريعاً وعاجلاً فلقد اتصل فوراً بالزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، ثم بعث برقيات تأييد وتعزية للرئيس التونسي ورئيس وزرائه، وبدأت الخطوط الساخنة من الرياض إلى أكثر من عاصمة مهمة» كما تقول مجلة المجلة السعودية، وتضيف: «وكان الملك فهد قد أيقظ الأمير سلطان في ساعات الصباح الأولى وطلب إليه التحرك على وجه السرعة في جميع الإتجاهات، مع المسؤولين الأمريكيين وإبلاغهم استياء المملكة الشديد من الموقف وكذلك الإتصال بالأمين العام للأمم المتحدة دي كويلار من أجل أن تتخذ المنظمة قرارات عالية في معاقبة إسرائيل، ووصلت جدية وصرامة الموقف السعودي حدوداً فكّر فيها المسؤولون الأمريكيين، لكن وزراء الخارجية العرب تمنوا على الأمير سلطان المضي قدماً في عقد اللقاءات، لان ذلك يمثل فرصة مهمة جداً لشرح الموقف العربي بشكل عام»(9).
هكذا إذن، جريمة بحجم الغارة الصهيونية على تونس بكل دلالاتها وضحاياها كادت أن تلغي فقط المواعيد بين أحد أفراد العائلة المالكة وبين المسؤولين الأمريكين لولا «حكمة» السعودية!.
الواقع أنّ كل شيء من ردود الفعل السعودية «الحكيمة» على الغارة الإسرائيلية كان قد تبخّر بعد أيام قلائل ليظهر بدلاً عنه لون آخر من ألوان تمرير الأحداث الخطيرة التي تعتمدها السياسة السعودية.

      أمـــــــــــــــــــريكا وسياسة التمرير:
إنّ نهج التمرير الذي تسلكه السياسة السعودية كان واضحاً لدى الأمريكان، بما يجلعهم يتعاطون به على مستويات مختلفة. فوزير الخارجية الأمريكي الأسبق جورج شولتز كان يقول: «إنّ السعوديين أسهموا بشكل ملموس في عملية السلام وفي الإستقرار في منطقة الخليج المتفجرة» وحين طُلِب منه أن يضرب أمثلة على ما يقول أجاب شولتز: «لا أريد أن أنتهك أسلوب عملهم بمزيد من التحديد»(10).
إنّ محاذير جورج شولتز في إطار تحديد الأسلوب السعودي «البارع» في خدمة أهداف «السلام» لا يأخذها جورج بوش بنظر الاعتبار عندما كان نائباً للرئيس، فهو حين يتحدَّث من الأرض السعودية أثناء لقائه بعدد من رجال الأعمال الأمريكيين العاملين فيها يرد على ما قاله أحد هؤلاء الأمريكيين من أنّه «كأمريكي أعيش في السعودية أجد من الصعب علي أن أفهم العلاقات الخاصة بين بلدي وإسرائيل، فيبدوا للكثير من الأمريكيين أن النفوذ الإسرائيلي لم يقتصر على صفقات الأسلحة وإنما امتد إلى الإدارة الأمريكية، فما هو تعليقك على ذلك؟» رداً على ذلك لم يتردّد بوش من القول: «نَعَم» علاقاتنا خاصة بإسرائيل ونحن فخورون بها، ونعتقد أن هذه العلاقة الخاصة من مصلحتنا الإستراتيجية. فإسرائيل ليست لنا خلافات معها مثل الدول الصديقة الأخرى، وعلاقاتنا مع إسرائيل استراتيجية، وإسرائيل دائماً في المقدمة عندما تتعرض المصالح الأمريكية للخطر، بينما يرفض الآخرون التحرك لحماية المصالح لأسباب كثيرة نفهمها نحن»(11).
أما ميلتون فيورست فإنّه كان يقول: «والمعضلة بالنسبة للمصالح الغربية تتمثل ليس فيما إذا كان السعوديون سيهاجمون إسرائيل، لأنهم لن يهاجموها ابداً، بل فيما إذا كان بقدورهم الدفاع عن أنفسهم وعلى الدول المجاورة»(12).
هكذا يبدوا الإستيعاب الامريكي بحيث أنه يهمل أي حديث عن أية درجة من درجات الخطر يمكن أن تمثلها السعودية سياسة وموقفاً إزاء «اسرائيل» لا بل أنّه يربط ربطاً مباشراً بين الأمن السعودي والأمن الإسرائيلي، كما يوضح ذلك قول السناتور الأمريكي «كيس» من ولاية نيوجرسي حيث يقول في إحدى اجتماعات مجلس الشيوخ الأمريكي: «السعودية تفهم أن ضمان مصالحها يعتمد كلية على قوة إسرائيل في المنطقة، وحجم الدعم الأمريكي لضمان هذه القوة، لأنَّ هذا النظام سوف يسمح من الوجود بمجرد أن تتعطّل إمكانية أمريكا في الدخول لإنقاذه»(13).
        لقـــــــــــــــاء بندر:
لا نحتاج بعد ذلك إلى المزيد من حشد الأرقام والحقائق، طالما كان الدور السعودي واضحاً في ماضي هذه المملكة وحاضرها، إزاء الغرب وإسرائيل. وبالتالي فإنّ لقاء بندر الشهر الماضي مع القيادات اليهودية في أمريكا هو حلقة أخرى، وإن كانت مهمة في المرحلة الراهنة، على طريق تكريس الدور السعودي التاريخي، إنّ امتداح هنري سيجمان رئيس المؤتمر اليهودي الأمريكي، وشوشانا كاردين رئيسة مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية، اللقاء مع بندر بن سلطان، إنما جاء في سياق «الثمن» الذي ينبغي للرياض أن تؤديه لإسرائيل، بعد الحرب الأخيرة وما تلاها من تطورات. وبذلك فإنَّ المسألة لا تقتصر على الحاجة لـ «هدم الحواجز» كما عبَّر عن ذلك بندر، ولا أيضاً إلى توفير عناصر «بناء الثقة بين إسرائيل والدول العربية المشاركة في محادثات السلام» كما قال ـ في الاجتماع ـ لأن الحواجز كانت قد رفعت منذ وقد طويل، وعناصر «الثقة» لمسها الجميع، بعد أن دخلت حقيقتها في الوعي الإسرائيلي منذ عام 1948، حين أدرك الإسرائيليون أنهم يحسون في ظل حكم عائلة آل سعود بجدار آمن!.
إذاً حقائق اللقاء الأخير تتجاوز هذه المهام «المرحلية والمبسطة» والتي كانت السياسة السعودية قد استوعبتها منذ أربعة عقود، لتصب مباشرة في نتائج التحوّل الكبير الذي يجري الآن في مسرح المنطقة، من خلال الصراع الكبير بين الإسلام والغرب.
إن ما أطلق عليها بأزمة الخليج شكَّلت المحضن المباشر لمؤتمر مدريد وحلقاته التالية، وبالتالي فإن العائلة الحاكمة في الحجاز، انسجمت مع دورها التاريخي في الاصطفاف، مع الغرب في محاولته الراهنة لإنهاء الوجود الآخر (الإسلامي والشرقي) وبالتالي غلق التاريخ البشري في إطار نهاية واحدة اسمها المركزية العالمية للغرب.
وهنا تحديداً يكمن خطر عائلة آل سعود في حاضرنا الراهن كما في ماضينا!!

   المــــــــــــــــــــــــــراجع

(1) السفير البيروتية 30/3/1979.
(2) السياسة الخارجية السعودية منذ عام 1945، دراسة في العلاقات الدولية، غسان سلامة، ص558.
(3) المصدر السابق، ص553.
(4) السفير، 17/7/1979.
(5) الأنوار البيروتية، 25/10/1982.
(6) عن لوماتان الفرنسية الصادرة بتاريخ 19/10/1981، مجلة الهدف الفلسطينية، العدد 559.
(7) من خطاب الإمام الخميني بتاريخ 17/11/1981.
(8) شيوعيون في السعودية، دراسة في العلاقات السعودية ـ السوفياتية، 1902 ـ 1988، فهد القحطاني، ص17.
(9) مجلة المجلة، العدد 196، 9 ـ 15 تشرين الأول، 1985.
(10) مجلة الثورة الإسلامية، العدد 73، نيسان 1986، نقلاً عن إذاعة لندن.
(11) مجلة المجلة، العدد 223، 16 ـ23 نيسان 1986.
(12) صحيفة الواشنطن بوست 14/3/1986.
(13) مجلة الثورة الإسلامية، العدد 52، آب 1984.