السياسة السعودية من كامب ديفيد حتى مفاوضات واشنطن

 

   بعد لقاء بندر بن سلطان مع القادة اليهود
هذه المقالة لا تتعامل مع لقاء بندر بن سلطان مع القيادات اليهودية في أمريكا على مستوى الدلالات السياسية للاحداث التي ترتبط بمؤتمر مدريد ومفاوضات واشنطن، ومجمل ما يطلق عليها بـ «استراتيجية السلام" وحسب، وإنما تحاول أيضاً أن تضع «اللقاء» في إطار الدور الذي تلعبه العائلة الحاكمة في الحجاز (السعودية) على صعيد محاولة أمريكا والغرب الدائبة لغلق التأريخ وإنهائه لصالح الغرب وذيله «إسرائيل» من خلال تكريس مركزية الهيمنة الغربية ـ الإسرائيلية وإلغاء ما سواهم، وفي طليعتهم المسلمين، من الفعل المؤثر إقليمياً ودولياً وفي المستوى السياسي والحضاري.
ومما يُبرِّز هذا الفهم أنَّ الدور السعودي بهذا المستوى لم يقفز إلى السطح مباشرة، وبالتالي لم يكن وليد حدث حتى وإن كان بمستوى لقاء بندر، وإنما ثمة مقدمات متراصة رافقت تاريخ العائلة الحاكمة في أرض الحجاز (السعودية) وصاغت الدور في مستواه الراهن ولكنّا لم نختر متابعة الدور في حلقاته الزمنية كافة، وإنما اقتصرنا على القضية الفلسطينية مجالاً، ومن ثم تابعنا مقطعاً يشهد على كثافة الحضور السعودي، وهو في دلالته أقرب إلى الوعي العام في بلدنا والمنطقة فرصدنا الخط العام لسياسة العائلة وموقف الرياض من كامب ديفيد حتى إجتماع واشنطن، مروراً بالمرحلة الأولى من مؤتمر مدريد ولقاء بندر.

   المــــــــــــــوقف من كامب ديفيد:
كانت السياسة السعودية ميالة للوهلة الأولى إلى عدم مقاطعة النظام المصري إثر زيارة السادات وتوقيع المعاهدتين «الصلح ثم كامب ديفيد». الذي يؤكد هذا الرأي مواقف الرياض في قمة بغداد، ومن بعده اجتماع وزراء الخارجية الذي عُقد في آذار 1979، وحاول سعود الفيصل أن يعيد صياغة الموقف العربي الرسمي بما ينسجم مع سياسات الرياض، فما كان من ياسر عرفات إلا أن قرَّر الإنسحاب من الاجتماع، الأمر الذي وضع المجتمعين في أزمة كادت تعصف بالمؤتمر وتثير بالتالي حفيظة بغداد وعواصم أخرى ضدَّ محور الرياض، حيث الصراع التقليدي المعروف بين الجناحين. لذلك تنازل سعود الفيصل، وأبدى مرونة ذكية حيث ناشد أبو عمار بقوله: «إنك تعرف يا أبو عمار، أسرتنا وتعرف أن والدي الملك فيصل قد قتل بسبب القدس، فأجابه عرفات: يا سعود الفيصل! أبوك قُتِل من أجل القدس فلا تخن دم فيصل بن عيد العزيز»(1).
ثمة سبب آخر دعا السعودية إلى المرونة إذ كانت الرياض حريصة على إبقاء العلاقة مع القوى السياسية الفلسطينية بعيدة عن أجواء التوتر، لأسباب ترتبط بالثورة الإسلامية في إيران التي كانت قد انتصرت للتو، إذ كانت الثورة الفلسطينية هي المجال الأول الذي التحمت معه الثورة في إيران، وسعت إلى التكامل مع أهدافة الثورية، وكان النظام السعودي في ظل المسعى الإيراني بما يطرحه من مفاهيم وإجراءات، يحاول أن يعطّل حركته انطلاقاً من حالة الصراع الإقليمي التي شكَّلت بين الرياض وطهران بمجرد وصول قادة الثورة الإسلامية في إيران إلى الحكم، وانهيار حليف السعودية التاريخي شاه إيران. ولما كان التأثير على الشعب الفلسطيني محدوداً في إمكانياته بالنسبة للنظام السعودي، فلقد وقع اختيار مواجهة الثورة في إيران، في المجال الفلسطيني، على المحور القيادي. وهذا ما حصل فعلاً حيث لم يمض وقت طويل على العلاقة الثورية بين طهران وقادة منظمة التحرير الفلسطينية، حتى دخلت السعودية على الخط وبفعل بعض الضغوط العربية والدولية، لإقناع هؤلاء القادة، بالإبتعاد عن إيران والثورة الإسلامية، والعمل بالتنسيق مع الخندق الذي بدأ يحارب هذه الثورة من بغداد التي اختيرت دولياً لكي تقود أول حرب عدوانية ضدَّ المركز الإسلامي المنتصر.
نعود الآن إلى الموقف السعودي من كامب ديفيد لنجد أنَّ السعوديين وعلى رغم تحفظاتهم الأولية إزاء فرض عقوبات سياسية واقتصادية على مصر، أجبروا ـ تحت ثقل الصدمة التي ولدتها الإتفاقات وفي ظل جوّ الإستنكار العارم ـ أن يوقعوا على مقررات قمة بغداد، ويتساءل الدكتور غسّان سلامة في هذا الإطار قائلاً: «هل كان السعوديون يتوقعون فشل الإتفاقية أم أنهم كانوا يُراهنون على مبادرات أمريكية لاحقة تجعلها مقبولة من عدد من الدول العربية،أم انَّ الرياض كانت تجاري المؤتمرين في بغداد على أمل فرط عقدهم في القريب العاجل، أم أنها كانت تعبِّر عن رأي الأكثرية في العائلة الكريمة؟ لا بد أن هذه الأسباب هي مجتمعة وراء القرار السعودي بالتوقيع على مقررات بغداد»(2).
ومع ذلك ما كان السعوديون يخفون تأييدهم العلني لاتفاقيات كامب ديفيد ليشكّلوا بهذا التأييد ازدواجية واضحة في مواقفهم، ففهد بن عبد العزيز كان يقول في تصريح للنيوز ويك في 22/1/1979: »كانت محادثات كامب ديفيد تهدف لإحلال السلام، وبما أننا ندافع عن السلام، فقد أيّدنا هذه المحادثات، غير أنَّ النتائج لم ترض الشعب الفلسطيني الذي هو جوهر المسألة، وهذا ما يشكل الفارق»(3).
وعندما كان فهد في إسبانيا للعلاج الطبي استقبل «ديفيد نيوسوم» أحد كبار الموظفين في وزارة الخارجية الأمريكية، بناء على طلب من حكومة الولايات المتحدة «وكان هدف أمريكا من هذا اللقاء إقناع المملكة العربية السعودية بدعم معاهدة الصلح المنفرد مع السادات ومواصلة المساعدات الإقتصادية له. وبعد طرح نيوسوم هذه المسائل أجابه الأمير فهد أنًّه لا يؤيّد فكرة انضمام السعودية إلى محور السادات ـ بيغن لأن ذلك سيؤدي إلى استقطاب جديد في المنطقة العربية، وأوضح أنَّ هذا الإستقطاب قد يضع بعض الدول العربية المناهضة لخط السادات في موقف حرج ليجبرها على الإرتماء في أحضان الإتحاد السوفياتي» وتضيف السفير نقلاً عن مصادر دبلوماسية موثوق بها «أن الأمير فهد أخبر نيوسوم بأنه من الأفضل تجنّب مثل هذا الإحتماء الذي يهدِّد مصالح كل من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية سياسية الموقف العربي الواحد لتبقى الدول العربية المعارضة للسادات تحت مظلة عربية سعودية بدل من مظلة سوفيتية»(4).
إن خير ما يفسّر الموقف السعودي آنذاك هو هذا الكلام الذي قاله فهد فالسعودية لم تتخلف عن اللحقاق بمحور السادات من أجل أن تحاصر هذا المحور سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً، وإنما من أجل أن تسيطر على موقف المحور العربي الآخر، لكي لا يندفع في معارضته لكامب ديفيد، اندفاعات خطيرة ويضر بالتالي بكلا السياستين الأمريكية والسعودية.
وفعلاً استطاعت السعودية أن تقوم بمهمة الضبط هذه على أحسن وجه، وأن تمتص بعد فاصل زمني قصير من اتفاقات كامب ديفيد، جو المعارضة العربي الشديد لهذه الإتفاقات، وأن تُدجّنه في إطار ما سمي فيما بعد بمشروع فهد.
    مشـــــــــــــــــروع فهد:
لنقف أولاً مع التفسير السعودي للمشروع من خلال كلام مباشر لفهد بن عبد العزيز الذي قال: «بالنسبة لدوافع وأهداف المبادرة، وبدون الخوض الكثيراً في أصول وجذور صراعنا مع الصهيونية نجد أنه منذ نكبة 1948 أي منذ أكثر من ثلاثة عقود درجنا نحن العرب على اعتماد أسلوب الرفض ورد الفعل، وليس الفعل …، ومع وقوع هزيمة 1967 التي أدَّت إلى احتلال كامل أراضي فلسطين بالإضافة إلى أرضٍ عربية أخرى، بدأنا نعي بالتدريج خباياً اللعبة الدولية، وأسرار موازين القوى في العالم بحكمة قانون الغاب، ومبدأ البقاء للقوى، وأيقنا أن وجود الحق معنا لن يكفل لنا وحده استرداد ما احتل من بلادنا ما دام أعداؤنا الصهاينة متفوقين علينا في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي قوة وأداءً».
ثم يضيف فهد: «وعلى الرغم من النجاح الهائل الذي حققته حركة المقاومة الفلسطينية في غضون سنين قليلة إلا أنَّ إسرائيل بقيت تتحكم في إدارة الصراع العربي الإسرائيلي سياسياً وإعلامياً بعد أن تمّ لها التحكم العسكري، ثم جاءت مرحلة كامب ديفيد التي تصدّى لها العرب ورفضوها في قمة: بغداد بإجماع يندر مثله في التاريخ العربي المعاصر، بحيث ظهر للعالم أنّ الأمة العربية قالت لا لكامب ديفيد أسلوباً ومحتوى، ونحمد الله أن الموقف العربي الذي تجلى في بغداد بقي متماسكاً من حيث رفضه لاتفاقيات كامب ديفيد على الرغم من الخلافات التي عصفت بالأمة العربية منذ ذلك الحين»(5).
وبغض النظر عمّا تنطوي عليه تلك التبريرات من مغالطات ومن نفس تراجعي انهزامي، ومن رضوخ مذل وواضح لـ «قوة إسرائيل» فإنها توضح الحرص السعودي على الإمساك بقرار الحوار العربي المعارض لكامب ديفيد، بما يكفل تطويعه معها على المدى البعيد، وبما يبرِّر سياسة استدراج مرحلية كانت الأطراف الأوروبية تدرك أبعادها فتبادر إلى المساهمة بتمريرها، فكلود شيسون كان يقول مثلاً: «إن مستقبل التطورات في المنطقة يتحدَّد في إقامة جسر بين كامب ديفيد ومشروع الأمير فهد»(6).
في مقابل ذلك كانت إيران تستوعب مخاطر السياسة السعودية بدقة، وتدرك مكان هذه السياسة حيال فلسطين، في مجمل الصراع الدائر بين الجمهورية الإسلامية وبين السعودية. لذلك كان الإمام الخميني يقول: «إنني أحذّر من خطر هذه المسألة، ومن الخطر المحدق بالإسلام جرّاء هذا المشروع وكذلك الذين قدّموا هذا المشروع وكذلك الذين يزعمون بوجود جانب إيجابي فيه، إما أنهم جهلة أو وقعوا تحت التأثير الأمريكي والصهيوني. فلو لم يكن في هذا المشروع إلا مسألة الإعتراف الرسمي بإسرائيل ومنحها الضمان التام، أقول لو لم يكن في هذا المشروع إلا هذه المادة، وكانت باقي النقاط إيجابية لانهارت جميع تلك النقاط الإيجابية أمام هذه النقطة التي أشرنا إليها»(7).

 

يتتبع