الغرق في شائعات الفساد
ونظراً لعدم وجود صحافة حرّة أو مجلس استشاري، لا يستطيع السعوديون التعبير عن شكواهم إلاّ سرّاً، وفيما بينهم. وهذا يعني أن الرياض غارقة في شائعات بعضها صحيح، وأغلبها يصدقه الناس. أما الشكوى الرئيسية هذه الأيام فتتعلّق بظاهرة الفساد. يقول أحد رجال الأعمال السعوديين الذي يتنقل كثيراً «لا توجد رشوة أو فساد متواضع في هذا البلد، على غرار ما يجري في مصر أو بعض الأقطار العربية الأخرى. الفساد والرشوة هنا في السعودية، هي في القمّة فقط..".
لنأخذ مثلاً أقنعة الغاز المضادة للغازات الكيماوية.. لقد عاشت العاصمة حالة من الفوضى والقلق لأن أقنعة الغاز التي أشترتها مديرية الدفاع المدني وأعلنت عن ضرورة استعمالها طوال أسابيع، لم تصل إلى البلاد. بعد وقوع الهجوم الصاروخي الأول على الرياض، تجمّع الآلاف من السعوديين والأجانب يطلبون الأقنعة، لكن نقاط التوزيع المحليّة السبعين، لم يكن لديها سوى عدد محدود من هذه الأقنعة.
بعد وقوع الهجوم بدأ تفسير غياب الأقنعة يظهر في الرياض. كان الأمير محمد بن نايف، ابن وزير الداخلية، قد منح عقداً احتكارياً لاستيراد الأقنعة، حسب قول رجل أعمال سعودي من ذوي الصلات القوية.
وبعد اندلاع الحرب أيضاً قفرت أسعار التئمين الجنوني، لم يعد العقد مربحاً للأمير الذي أبلغ السلطات بذلك، وأنه لا يستطيع دفع رسوم التأمين الجديدة، وفي نهاية الأسبوع الرابع كان ما يزال هناك نقص في عدد الأقنعة في الرياض، ورفض الأمير محمد، كما رفضت مديرية الدفاع المدني إجراء ايّة مقابلة مع ـ كاتبة التقرير ـ بخصوص هذا الموضوع.
لم تكن أقنعة الغاز هي عقد الإثراء الفاحش الوحيد الذي هبط على البعض بفضل أزمة الخليج. فقد ثبت أن التلفزيون كان أيضاً مصدراً مغرياً للدخل العائلي الملكي، خصوصاً لأولئك المعروفين بإسم "فيتامين واو"، أي أصحاب الواسطة والمحسوبية، أو أصحاب النفوذ. أحد المستفيدين مما جرى في التلفزيون كان شركة إنتاج تلفزيوني تدعى شركة ARA الدولية، يملكها خالد الإبراهيم، أحد أصهار الملك. هذه الشركة يجري إغداق المال عليها إلى درجة البذخ لإنتاج أفلام قصيرة وأغاني مديح عن المملكة.. ويقول أحد رجال الأعمال أن الملك نفسه يشارك شخصياً أحياناً في تنقيح النسخة النهائية للفيلم.
أما قضيّة العمولات والسمسرات فهي قصّة قديمة في العربية السعودية.. الملك وشقيقه الأصغر، الأمير سلطان وزير الدفاع، هما المستفيدان الرئيسيان من هذه العمولات. كما أن إغداق الأموال الهائلة على البعض يثير حفيظة الكثيرين من السعوديين الذين يصرّون على أن التحكّم بالخزينة السعودية والرواتب والامتيازات التي تمنح لكلّ أمير من أمراء العائلة المالكة من قبل البلاد الملكي، هما موردان كافيان للعائلة المالكة. ويقال إن بعض كبار أفراد العائلة المالكة يعارضون مثل هذه العمولات، من هؤلاء الأمير سلمان، حاكم الرياض وابنه الأمير عبد العزيز، وكلاهما يتمتع بشهرة الاستقامة المالية.
الأمير سلمان الذي رفض إجراء مقابلة معي ـ أي مع الصحيفة ـ مستقيم عنيف الاستقامة، كما يقال.. وتمتزج استقامته تلك بطبع يعبّر عنه أحياناً علناً وأمام الأمراء والأثرياء السعوديين.. يقال أنه حين زوّد أحد رجال الأعمال السعوديين أميراً شاباً ذا مركز مرموق بالمخدرات، استدعى الأمير رجل الأعمال إلى المجلس وجلده. وحين فقد رجل الأعمال ذلك ـ وهو فلسطيني الأصل ـ عدّة ملايين من الدولارات في جلسة قمار في مونتي كارلو في أوائل أزمة الخليج، صادر سلمان جواز سفره، أي منعه عملياً من مغادرة المملكة.
وفي مطلع شتاء هذا العام، أمر الأمير سلمان بجلد أمير شاب علناّ وأمام الناس (اسمه الأمير بدر) لأنه تلاكم بالأيدي مع المطاوعة الذين ضايقوا ـ كما يقول ـ إحدى قريباته، أثناء زيارتها لأحد المراكز التجارية.
لكن أمثال الأمير سلمان هم حالة شاذة في النظام السعودي. فمعظم الأمراء، غير القادرين وغير الراغبين بالاكتفاء برواتبهم، يدعمون رواتبهم بالعمولات الهائلة التي يتقاضونها من الشركات الأجنبية العاملة في البلاد. هذا النظام، وهو سعودي سعودية الرمال ذاتها، يثير اليوم استياء وحفيظة العديد من التكنوقراطيين السعوديين.

    قضايا مستعصية
في حين ينظر إلى الفساد في السعودية على أنه مشكلة يكمن حلّها في أيدي القيادة السياسية في المملكة، فإن بعض القضايا الأخرى تبدو عصيّة مستعصية على قدرة السلطة على حلّها، سواء بإصدار الأوامر أو بالسلوك المثالي.
أحد أصعب هذه المشاكل هو دور المرأة الخاضعة المعزولة عزلاً مطلقاً في المجتمع السعودي.. وفي حين يعرف عن الحكومة، بما في ذلك الملك نفسه، تأييدها منح حريّة أوسع للنساء السعوديات، فإن الردّ على تظاهرات حرمانهن من قيادة السيارات يظهر مدى استعداد الحكومة ورغبتها في مهادنة وإرضاء المحافظين الدينيين.
بعض السعوديين، رجالاً ونساءً، أعربوا عن إعجابهم الشديد بتمرد النساء الصغير. قال أحد المثقفين السعوديين: إن الشجاعة كلها الموجودة في المجتمع السعودي قد تجسدت في قيادة النسوة السبع والأربعين لسياراتهن ذلك اليوم، ومع ذلك "فانظر ما حدث لهن.. لقد ألقي بهنَّ إلى الذئاب".. والحقيقة أن الحكومة أنزلت بهن عقاباً شديداً شدّة العقاب الذي تنزله بأي متظاهر علني. كل من كانت تحاضر منهن في إحدى الجامعات تمّ طردها من عملها بموجب أمر صدر عن الملك.. كما منعت هؤلاء النسوة، ومنع أزواجهن وبعض أقاربهن، من مغادرة المملكة، وحرم عليهنَّ إجراء المقابلات مع المراسلين الأجانب، أو مناقشة وضعهنَّ مع أي غريب.. وهددن بإنزال العقوبات الأقسى بهنَّ إن هنَّ حاولن قيادة سياراتهنَّ ثانية، أو القيام بمظاهرة أخرى.
لكن العقاب الذي أنزلته الحكومة بهؤلاء النسوة كان خفيفاً جداً إذا ما قورن بالمعاملة التي تلقينها على يد المؤسسة الدينية، خصوصاً أولئك المتطرفين فيها الذين أخذ تحديهم لرجال الدين المعيّنين من قبل الحكومة يتصاعد مؤخراً.
قبل أن تتعرض تلك النسوة للمضايقات والطرد من وظائفهن على يد الحكومة، قام المشايخ الأصوليون باستنكار وإدانة تصرفهن، ومن على واحد من أهم منابر المملكة السياسية وأقواها: منابر المساجد ففي خطب الجمعة التي تلت المظاهرة، أطلق على النساء المتظاهرات صفات وألقاب «الشيوعيات الحمر»، و «العلمانيات الأميركيات القذرات»، و «العاهرات الداعرات»، و «النساء الساقطات»، و «المدافعات عن الرذيلة".
كما وزّعت المنشورات التي حوت ـ خلافاً للتقاليد السعودية التي تنص على حماية النساء ـ أسماء تلك النسوة ووظائفهن وأرقام هواتفهن، وأسماء أزواجهن، وزّعت في المساجد والأماكن العامّة الأخرى. ولقد إتهمتهن إحدى تلك المنشورات بأنهن خرجن على الإسلام وتبرأن منه وهي جريمة يعاقب مرتكبها بالموت في السعودية. ودعت منشورات أخرى «كل مسلم إلى استئصال هذه النبتة الشريرة من جذورها قبل أن تنتشر إلى كل بقاع الأرض المقدسة)).
ورغم الحظر المفروض، إلتقت بي عدد من هؤلاء النساء وقلن إنهن يخفن على حياتهن وسلامة عائلاتهن.. وفي أعقاب المظاهرة، أصدر الشيخ عبد العزيز الباز، رئيس هيئة العلماء المعيّنين من قبل الحكومة، أصدر فتوى تحرم على النساء قيادة السيارات في الوقت الحالي.
قالت إحداهن «خاب أملي بالطبع من هذه الفتوى، ولكن خيبة أملي كانت أكبر حين أمتنع الملك عن تقديم أي عون لنا.. أما خيبتنا الكبرى فكانت من بعض أصدقائنا» الذين وقفوا موقف المتفرج من الحادثة.
ذلك أن بعض الذين عبّروا عن تأييدهم لهن في البداية، سرعان ما تبرّأوا منهن، بعد أن بدا واضحا أن العقاب الصارم سينزل بهنَّ.. أما دعاة التحديث والتكنوقراط الذين كان يفترض بهم أن يكونوا حلفاء طبيعيين للنساء في هذا الصراع، فقد التزموا الصمت.. فالمنشورات التي وزّعت ضد هؤلاء النساء، هاجمت أيضاً الليبراليين، ووصفتهم «بالعلمانيين القذرين».
وبعد مضّي ثلاثة أشهر على تفجّر الأمة شاع رأي في الرياض لقي إجماعاً مصلحياً واسعاً، مقادة أن أولئك النساء لم يتصرفن بشكل غير لائق فحسب، بل إنهن سببن ضرراً بالغاً وأذى عظيماً لقضيّة المرأة، على المدى القصير على الأقل. قال أحمد التويجري عميد كلية التربية في جامعة الملك سعود «أنني من مؤيدي حق المرأة في قيادة السيارة، لكن توقيت تحركهن والأساليب التي أتبعنها، أعطت مفعولاً عكسياً)).
بقيت بضع نساء على موقفهن ولم يتراجعن عنه، وهن مقتنعات بأن مركزهن وقضيتهن ستجد حلاً في نهاية الأمر. تقول إحداهن «ليست القضية قضيّة قيادة سيارة، إنما هي قضيّة أنني في المملكة إنسانة ينحصر وجودها في المنطقة الكائنة ما بين أسفل البطن والركبتين».

       الملك فهد والتغيير
العادة في السعودية أن تكون الحكومة ـ وخصوصاً الملك ـ البادئ في أي تغييرات إجتماعية جرئية وضرورية.. أما المعارضة الدينية لمثل هذه التغييرات فهي حقيقة حياتية دائمة في العربية السعودية. يقول أحد المثقفين السعوديين: «بلادنا تطفح بفتاوى عديدة تتجاهلها الحكومة عادة إذا اقتضت المصلحة ذلك، وإن ما ضعف فعلا إنما هو تصميم على الملك على تشجيع عملية التغيير في المجتمع)).
في مطلع حرب الخليج أمل بعض السعوديين أن يستغل الملك فهد المناسبة لزياد فرص العمل أمام النساء وإلغاء بعض القيود المفروضة على نشاطهن واستقلالهن، فالمملكة مهدّدة، والأزمة أوضحت للملايين الستة أو الثمانية السعوديين مدى خطورة التهديد الذي يتعرض له اعتمادهم على ما يزيد عن أربعة ملايين عامل أجنبي، حاول معظهم الهروب من البلاد عقب الاحتلال، مما أجبر السعودية على إغرائهم بالحوافز السخيّة لكي يبقوا.
بعد تفجّر الأزمة، وفي الخريف الماضي جرى نقاش واسع حول مدى منطقية منع النساء من دخول قطاعات كبيرة جداً من مجالات العمل والقوى العاملة. يقول بعض دعاة التحديث السعوديين، أنه كان من الطبيعي أن يسمح الملك للطبيبات والعناصر الطبيعة النائية الأخرى أن يقدن سياراتهن إلى مراكز أعمالهن كي يعاونَّ الجنود السعوديين والآخرين المحتاجين إلى المساعدة. لكن الملك لم يفعل شيئاً من ذلك. ويلاحظ العديد من التكنوقراط والدبلوماسيين، أن الشلل الحاصل هو ظاهرة مألوفة وأن الملك خلافاً لأسلافه، لم يظهر أبداً أي رغبة في تحدّي القوى الدينية في البلاد.
ويعزو بعض السعوديين تردّد الملك وليونته الى حياته الشخصية.. فهو ـ خلافاً لسابقيه ـ أشتهر، وشهرته موثقة توثيقاً حسناً، بأنه مقامر وماجن. وعلى الرغم من محاولة خلق صورة مختلفة له بعد توليه السلطة، يعتقد بعض السعوديين أنه غير راغب في تحدّي المتطرفين الدينيين خوفاً من أن ينبش هؤلاء ماضيه، ولذلك فهو مجبر على أن يبرهن على تقواه وخصائله الإسلامية. ويقول آخرون إن القضية قضيّة مزاج. فهذا الملك كسول، ويحاول دائماً تجنّب المواجهات المؤذية له.
هناك من يكذب هذه الادعاءات والاتهامات، فهو الذي أظهر أعظم الشجاعة في دعوة الكفرة الأميركيين إلى المملكة لحمايتها، جالباً عليه سخط واحتقار العرب والسعوديين. وفهد هو الذي تخلّى عن الشعارات الكاذبة والغيبيات المضللة والبلاغيات الفارغة المتعلّقة بالتضامن العربي في مواجهة الحقائق الجديدة التي فرضها صدام حسين. وهو الذي أصر على وجوب تصدي أصدقاء السعودية ومساندوها لهذا الخطر، باعتبار أن ذلك جزء من «النظام العربي الجديد». نظام أكثر منطقية وبراغماتية تكون فيه الرياض عاملاً فاعلاً رئيسياً.
السعوديون الذين يقولون ذلك يجدون حسابات ذكيّة في قراراه ترك النساء تحت رحمة الأصوليين الإسلاميين، وعدم الإصرار على إحداث تغييرات محرجة في هذه المرحلة خصوصاً وأن معظم من في البلاد ـ حسب رأي مثقف سعودي ـ لا يؤيدون حقّ المرآة في قيادة السيارة.

   صفقة بين الملك ورجال الدين
ويقول آخرون إنه لم يكن باستطاعة الملك أن يناصر النساء بسبب الحرب، فقد كان بحاجة إلى دعم المشايخ الذين أفتوا له بشرعية استدعاء القوات الأميركية والبريطانية، وخصوصاً المتطرفين منهم، الذين أيدوا موقفه في الحرب. يقول أستاذ سعودي أن القرار كان يهدف إلى حل سياسي وسط المعارضة الدينية رفضت وجود القوات الأجنبية وحق لأن النساء في قيادة السيارات على حد سواء. وهكذا فقد توصّل الملك معهم إلى حلّ وسط: وافقهم على موقفهم من النساء، مقابل موافقتهم له وتأييدهم لقراره باستدعاء القوات الأميركية. وقد تأمّن ذلك له فعلاً.
وتتوفر بعض الدلائل المبرهنة على عقد هذه الصفقة فعلا: فالمنشورات وأشرطة التسجيل التي هاجمت وجود القوات الأجنبية ووزّعت في الخريف الماضي، اختفت تماماً من الساحة. أما خطب الجمعة في مساجد الأصوليين فقد اختارت مؤخراً أن تعالج مشاكل بعيدة عن موضوع الحرب.. وحين أصدر الشيخ بن باز فتواه في شهر يناير الماضي والداعية الى الجهاد ضد صدام حسين، والمباركة لكل القوى ـ بما فيها غير المسلمة ـ التي ساندت العربية السعودية في الحرب، مارس الأصوليون صمتاً مطبقاً إزاءها.
إلاّ أن بعض المتطرفين فسّروا بعض الصفقة إيّاها على أنها مؤشر على ضعف الحكومة. وهكذا، ففي أعقاب تظاهرة النساء، أثار المطاوعة غضب الليبراليين ودعاة التحديث حين بدأوا بشن غارات واقتحامات حظيت بتغطية إعلامية واسعة ضد مباني الأثرياء، وذوي الصلات السياسية القوية من السعوديين. في إحدى هذه الغارات، ألقى القبض على مترجم الملك وتمَ احتجازه في السجن لحضوره حفلة قدّمت خلالها المشروبات الكحولية وحضرتها نساء عاريات.
ردّت الحكومة على هذا الإجراء بتعيين رئيس جديد لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو شخصية معروفة باعتدالها. أعلن هذا على الفور بأن مثل تلك الغارات لن تقع مرة أخرى، وقال إن مهمّة جهازه ليست الحض على الصلاة فقط، وإنما تقديم المثل الذي يحتذى، وذلك عن طريق تأدية عناصر الجهاز للصلاة أيضا.
 

يتتبع