إن بث ثقافة التمييز في الوسط الاجتماعي والتركيز على إيجاد طبقية من نوع ما، يخلق حدودا ويضع حواجز في طريق العلاقات الاجتماعية مما ينتج عنه جمودا في العلاقات، بل انسداد طريق وسبيل أي شكل من أشكال التواصل بين أبناء المجتمع، بسبب تلك الحواجز النفسية التي تولدت من خلال التصنيف والتمييز.
إضعاف اللحمة "وانعدام التعاون الاجتماعي"
إن القوة الحقيقية تكمن في توحد أبناء المجتمع، فإذا ما عاش أبناؤه حالة التشتت والتفكك فإن ذلك يحول تلك القوة إلى وهن وضعف، مما يجعل من ذلك المجتمع عرضة الكثير من الأمراض والمشاكل التي تتوالى عليه من جهات كثيرة، ولا يمكن السيطرة أو القضاء عليها.
ونحن اليوم في أمس الحاجة للمحافظة على توحدنا وألفتنا أمام تلك التحديات التي يتعرض لها مجتمعنا كل يوم وعلى أصعدة مختلفة.
فالوقوف أمام تلك التحديات بشكل أحادي متفرد، أو بحزبية أو فئوية قائم على التصنيف والتمييز، لا يشكل عامل قوة من خلاله يمكن أن نجتاز ما نتعرض إليه.
الانطواء والانكفاء
إن جعل البعض في زاوية ضيقة وعزله اجتماعيا يساهم في الانكفاء على الذات «أفرادا أو جماعات». فمن يقوم بسن تلك القوانين وجعلها الفيصل للانتماء أو الإقصاء، يقوم بحالة عزل تامة لطرفين:
• الطرف الأول: هو؛ حيث قام بعزل نفسه عن سائر أبناء المجتمع من خلال عملية التمييز التي اعتمدها
• الطرف الثاني: بعض أبناء المجتمع الذين ليسوا مؤهلين (من وجهة نظره) للدخول ضمن إطار ذلك التصنيف.
وهنا يخسر المجتمع -مضافاً لتفككه وخلخلة نظامه- طاقات وكفاءات، المجتمع أحوج ما يكون إليها. وذلك أن عملية التصنيف والتمييز تؤدي إلى انكفاء وانطواء على الذات، فلا يرى الواحد نفسه معنياً بالاهتمام بالوضع الاجتماعي العام من خلال الخروج عن إطار ودائرة المعنيين.
التحقير والاستهزاء "النظرة الدونية"
تولد الفئوية والحزبية -وإن لم تتخذ طابعاً تنظيميا- نوعاً من النظرة الدونية والاشمئزاز للآخر المختلف، بحسب ما يصنفه صاحب الشأن. فإذا ما كان الشعور والإحساس قائما على التمييز بوضع امتيازات معينة، ينظر إليها صاحبها على أنها القانون العام الذي يفرق بين أبناء المجتمع في الانتماء أو عدمه، فتتحول النظرة إلى نظرة تعالي على الآخر ويقلل من شأنه، ويحتقره ويستهزئ به، لعدم توفر تلك الصفات التي تجعله من المميزين فيه.
لذلك يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ}. فهنا يقولون باستهزاء وتحقير لمثل هؤلاء الفقراء أو الذين لا ينتمون لذات الطبقة: هل هؤلاء هم الذين فضلهم الله علينا؟!
ولماذا هذا التفضيل؟!
وبأي شيء فضلوا علينا، ونحن أصحاب الجاه والمال والثروة؟!
ومن هؤلاء حتى يمنّ الله عليهم من بيننا، ونحن من علية القوم وأفاضلهم؟!
ولكن كل ذلك لا يفيد، حيث أن المقياس هو القرب والبعد من الله تعالى، وليس بالمال أو الجاه أو العرق أو نحو ذلك.
إن الإسلام قد كرّم بني آدم بشكل عام والمؤمنين على وجه الخصوص، ولم يجعل هنالك أي ميزة تفضيل لأحد على أحد إلا بالتقوى، فكون الإنسان يعيش وضعا معيشيا متدنيا، لا يعني تحقيره أو الاستهزاء به ورفضه، ولكون مستواه الثقافي أو الفكري أو المعرفي أقل من غيره لا يعني ذلك تهميشه أو تحقيره.
إن الله تعالى يحذر من يحتقر أو يستهزئ بأي أحد من خلقه حيث يقول: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [8] . ويقول أيضا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [9] .
كـــــــيف تكون المعاملة؟!
فلا بد أن تكون المعاملة منطلقة من خلال قيم الدين ومبادئه، لا أن تكون من خلال قناعات أو مفاهيم قد اصطلح عليها الناس تتباين مع قيم السماء.
حـــــــــسن الظاهر كفيل بالثقة
المرء ليس مكلف بتفتيش قلوب الناس وتقصي عقائدهم وأفكارهم الباطنية، وإنما مكلف بظاهر ما عليه الإنسان، فإن ظاهره كفيل للدلالة على حسنه وإيمانه. فالله سبحانه وتعالى قد ذكر صفة ظاهرية من صفات أولئك المؤمنين واكتفى بذكرها دون غيرها، هذا ما يدل عليه ظاهر الآية، حيث يقول تعالى: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ }.
فهم يذكرون الله بالغداة والعشي، ولم ينسب الحساب لهم ولا له، بل أوكل ما في داخلهم الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل إلى نفسه ونفاه عن رسوله وكذلك نفى حسابه عنهم. إن النيات يعلمها الله تعالى وهو كفيل بها، ولا يجوز للإنسان أن يحاسب الناس على نياتهم أو على ما يؤمنون ويعتقدون به. ثم؛ أن من أعطى نفسه الحق لمحاسبة الناس على معتقداتهم، أعطى غيره ذلك أيضاً، فمن يجيز لنفسه محاسبة الآخرين عليه أن يجيز لهم محاسبته أيضاً.
فليس لنا إلا التعامل مع الظاهر، وهو عنوان الثقة وحسن الظن وعليه قد أبيحت الفروج وأكلت الذبائح وحقنت الدماء. ولا يصح إقامة محاكم التفتيش كما كان في القرون المظلمة التي كانت تلف بسوادها أوروبا، حيث كانت تفتش في قلوب الناس وتحاسبهم على ما يؤمنون به.
الفقر والتزويج
وأخيراً: لابد من وقفة عند أمر يكاد يكون ظاهرة اجتماعية، وهو من الأمور التي فرضتها الحياة الموغلة في المادية..
إن من الأمور التي يضعها الكثير من الآباء والبنات عائقاً أمام التعجيل في عملية الزواج هو الجانب المادي للمتقدم لخطبة الفتاة، فيقيسون وضعهم بوضعه، أو يقدمون صاحب المال وإن لم يكن على خلق على غيره، أو يردونه ويعيبون عليه فقره، والله تعالى يقول: ( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [10] .
فالزواج يؤدي للغنى والتوسعة على الإنسان لفقير، ويحسن وضعه الاقتصادي إلى الأفضل والأحسن. يقول الرسول الأكرم :«من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا» [11] . ويقول الإمام الصادق :«من ترك التزويج مخافة الفقر فقد أساء الظن بالله عز وجل إن الله عز وجل يقول: «إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله». [12]
فلا يشكّل الجانب المادي مقياساً من خلاله يقبل شخص ويرفض آخر، وإنما الكفاءة هي المقياس، يقول الرسول الأكرم :«إنما زوجت مولاي زيد بن حارثة زينب بنت جحش، وزوجت المقداد ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب لتعلموا أن أكرمكم عند الله أحسنكم إسلاما»13 .
إن النظرة المادية وليدة ثقافة دخيلة على المجتمع من خلال قنوات التفلزة، التي انعكست على واقعنا وتحولت إلى نمط ثقافي وسلوكٍ عملي، قد صعّب الزواج على الكثير من أبناءنا، وأرهق كواهلهم بمتطلبات قبل وبعد الزواج.
إن هذه النظرة تحول طقوس الزواج إلى ساحة تباهي وتفاخر، تحرم الزوجين من الدفء العاطفي والاستقرار الأسري، لكون الرابط بينهما رابطا ماديا. وكان بالإمكان توفير كل تلك المصاريف التي أنفقت لتهيأت وبناء بيت سعيد، يعيش فيه الزواجان حياة هانئة مستقرة.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله الطاهرين.

________________
____________
[1] سورة الأنعام/ 52-53.
[2] سورة الحجرات/ 13.
[3] نهج البلاغة. ص429. ضبط صبحي الصالح. الطبعة الأولى: 1387هـ. 1967م.
[4] المصدر السابق ص432.
[5] سورة هود/ 27.
[6] سورة آل عمران/ 103.
[7] سورة آل عمران/ 105.
[8] سورة الهمزة/ 1.
[9] سورة الحجرات/ 11.
[10] سورة النور/ 32.
[11] ميزان الحكمة: ج4، ص274.
[12] المصدر السابق: ج4، ص274.
[13] المصدر السابق: ج4، ص2.
 

شبكة راصد الاخبارية 23/11/2005