|
سيهات: ألقى الشيخ صادق أحمد الرواغة يوم الجمعة بتاريخ 15 شوال 1426هـ الموافق 18 نوفمبر 2005م في مسجد العباس بمدينة سيهات كلمة بعنوان «التمييز في ظل العلاقات الاجتماعية "
فيما يلي نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
قال تعالى: ( وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ!وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
)[1]
الإسلام دين المساواة، دين ليس من ركائزه التفريق بين أبناء الأمة، دين قد كفل لكل شخص حقه، وألغى كل صفة أو ميزة من شأنها أن توجد فوارق مصطنعة بين أبناء المجتمع.
فقد ألغى الإسلام عنصر الجاه والمال أو القبيلة والعشيرة أو الانتماءات الأخرى، ولم يجعل للرجولة أو الأنوثة أي ميزة أو تفضيل، فليس الرجل أفضل من المرأة ولا المرأة أفضل من الرجل، ولكن الجميع متساوون في ماهية الإنسانية وليس لأحد فضل على أحد.
نعم؛ إن لكل من الرجل والمرأة مهام ووظائف فرضتها طبيعة التكوين لكل منهما من خلالها يكون كل واحد منهما مهيأ لشغل مهمة تتوافق وتنسجم وطبيعة تكوينه ونمط مسؤوليته.
يقول تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
)[2].
فليس للذكر أفضلية على الأنثى، ولا الانتماء القبلي العشائري أو الشعبي السياسي، ولا اللون أو الشكل، ولا المال والثروة.. ليس كل تلك الفوارق الطبيعية التي اقتضتها حكمة الخلق ميزانا للتفريق بين أبناء المجتمع الواحد، أو مدعاة لتفضيل بعضهم على بعض.
التقوى هي المقياس
إن تفضيل بعض على بعض وتقديمه في الرتبة الاجتماعية هو القرب أو البعد من الله تعالى الذي يعبر عنه القرآن الكريم بالتقوى، فالتقوى هو المقياس لقبول عمل قوم ورفض عمل آخرين عند الله تعالى.
يقول الإمام علي في عهده لمالك الأشتر:«وليكن أبعد رعيتك منك، وأشنأهم عندك، أطلبهم لمعائب الناس..» [3] . فالذي يطلب معائب الناس، ويسعى في تشويه سمعتهم أو فضح أسرارهم، يكون قلبه خاليا من أي ذرة من تقوى أو خوف من الله تعالى. والتقوى عبارة عن «الفرامل» التي تسيطر على الإنسان قبل الوقوع في الخطأ، وجرس الإنذار المبكر لاتخاذ الإجراءات اللازمة وتوخي السقوط في الهاوية.
"الطبقية" التمييز معنى شمولي
ففي عهد مالك الأشتر قسّم أمير المؤمنين المجتمع إلى أقسام مختلفة، ولكن لا يعني بذلك أن هذا التقسيم لابد من إيجاده، بل هو تقسيم طبيعي لتباين أبناء المجتمع ولوجود تلك الفوارق التي اقتضتها حكمة الخلق والإيجاد.
يقول :«واعلم أن الرعية طبقاتٌ لا يصلح بعضُها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض: فمنها جنود الله، ومنها كتّاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمّال الإنصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة» [4] . فهذا التقسيم والتصنيف من طبيعة الوضع الاجتماعي العام، ولكن لا يعني الطبقية التي تفصل الناس بعضهم عن بعض وتجعل بينهم حواجز وسدوداً.!
وفلسفة هذا التنوع إنما هو للتكامل الاجتماعي وإيجاد التعاون بين أبناء المجتمع، وسد العجز بينهم، وتوفير حاجات بعضهم، فيذوب بعضهم في بعض لتتشكل القوة الحقيقية بذلك الانسجام، و«صلاح الطبقات» وانتظام أمرها وانسجام بعضها مع بعض، واحتياج بعضها لبعض في شؤونهم ومعايشهم.
والإسلام قد ألغى وحارب أي مظهر من مظاهر الطبقية البغيضة وعلى أي صعيد كانت، فلا يصح تصنيف الناس وفق فئات أو نخب، وتمييز بعضها على بعض أو تقديم بعضها على بعض لفقدان بعض الصفات أو المؤهلات المصطلحة.
وقد يُتَصور أن الطبقية لا تكون إلا ضمن حدود الوضع المالي الاقتصادي والمعيشي، ولكن يمكن أن نوسع ذلك المفهوم ليشمل أي شكل وأي لون من ألوان التمييز بين أبناء المجتمع ووفق أي قاعدة أو منطلق.
فتمييز الناس وتصنيفهم إلى طبقات أو نخب وفئات تحت أي مسمى كان هو أيضا لون من ألوان الطبقية التي يرفضها الإسلام رفضا قاطعا، وإن كانت متواجدة بشكل طبيعي، إلا أنه لا يصح التعامل على ضوء ذلك، أو سنّ القوانين والأنظمة التي تقصي الآخرين اجتماعياً وتبعدهم عن أداء دورهم وتحمل مسؤولياتهم، وتبقي على البعض الآخر في دائرة ذلك المفهوم أو المسمى.
فهذا التصنيف من الأمور التي تساهم في إضعاف البنية الاجتماعية، لما يسببه ذلك من عزل مساحة اجتماعية واسعة والاكتفاء بشريحة وفئة معينة.
يضاف إلى ذلك؛ أن هذا النوع من التصنيف يؤدي إلى خلخلة العلاقة بين أبناء المجتمع، إلى غير ذلك من سلبيات:
نتــــــــــــــــائج الطبقية
إن للطبقية المادية والمعيشية نتائج تنعكس سلبا على وضع العلاقات الاجتماعية، لما تسببه من تمييز بين فئات المجتمع، فضلاً عن حصر الثروة في أيدي المرفهين والبرجوازيين وحرمان الطبقة الكادحة من أي امتيازات وحقوق.
وكذلك التمييز الطبقي والفئوي القائم على تصنيفات معينة يخلقها ويوجدها أصحاب ذلك الشأن، تؤدي إلى تفتيت البنية الاجتماعية، وتجعل أبناء المجتمع يعيشون حالة التجمع الذي لا يربط بعضهم ببعض أية قواسم مشتركة إلا كونهم يعيشون ضمن تجمع لا مجتمع واحد.
إن فقدان القواسم المشتركة بين أبناء أي تجمع أشبه بمجموعة أشخاص ليس بينهم علاقة تربطهم أو هدف يوحدهم أو غاية في تواجدهم، وبالتالي تكون نتيجة ذلك انعدام الصلة والميل لبعضهم مما يجعلهم متفردين كل يعيش ضمن حدوده، ولا يهمه إلا مصلحته فحسب. وبفقدان ما يشتركون تنعدم كل صفة أو ميزة تؤدي إلى انسجامهم وتعاونهم.
بث ثقافة التصنيف المزيف
تداول الرؤى وبثها في الوسط الاجتماعي والتركيز عليها ونشرها يساهم في بث ثقافة مغلوطة قائمة على المصلحة والتوجهات، يتربى عليها أبناء المجتمع وتنسحب على أجيال قادمة تتبنى ذلك الرأي والمفهوم وتسعى جاهدة في نشره وبثه وتحكيمه.
فينشأ في الوسط الاجتماعي تيارٌ منعزلٌ قد تربى على ذلك النوع من الثقافة الفاسدة التي يرفضها الإسلام جملة وتفصيلاً، فينظرون لأنفسهم على أنهم الصفوة والفئة المختارة من بين سائر الناس، فيشعرهم ذلك بالتعالي.
وإذا ما سادت تلك النظرة وتأصلت، فإنها سوف تتحول إلى ثقافة أساس في تحديد مستقبل العلاقات الاجتماعية.
إن وجهة نظر ورأي المترفين في كل زمان ومكان قائم على تصنيف البشر إلى فئات ونخب وطبقات، تحكمهم قوانين قد اصطلحوا عليها ووضعوها لتكون حاكمة على العلاقة بينهم وبين غيرهم من سائر أبناء المجتمع، وعلى ضوئها تتكون العلاقة أو تنعدم وتلغى، وبكلمة أخرى: إن أصحاب النفوذ في أي مجتمع، يقومون بسنّ وتشريع قوانين في طريق و تحديد نمط العلاقات الاجتماعية سعة وضيقاً.
هكذا كان منطق قوم نبي الله نوح حيث يقول تعالى حاكيا عنهم:( فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ
) [5].
خلق الحدود والحواجز بين أبناء المجتمع
يركز الإسلام في أكثر من آية ورواية على التوحد والألفة بين المؤمنين، وإلغاء كل ما من شأنه أن يكون عائقا في طريق الترابط وإنشاء وتقوية العلاقات بين أبناء الأمة والمجتمع. يقول تعالى:( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
) [6] . ويقول أيضا:( وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
) [7].
|