الشهداء الأربعة طليعة الشهداء في الجزيرة العربية

 

     في محرم 1408 هـ/ أيلول 1987 م، صدر للصحفية الأميركية "ساندرا ماكي" كتاب، أكدت فيه بلغة مثيرة. إن آل سعود" يجلسون على قمة نظام سياسي مشرف على الانهيار، وقد أضعفته خلافاته الداخلية، وأضاعت ثقة الآخرين به روابطه المتينة مع الغرب".
هذه الحقيقة بدأ يدركها المراقبون السياسيون ـ كما نلاحظ ـ بشكل واضح، وقد أثيرت قبل هذا الوقت، ولربما قبل حادثة الاعتصام بالحرم المكي من قبل جماعة الدعوة المحتسبة بقيادة جهيمان العتيبي عام 1400 هـ، ومما زاد في تكريسها، أن النظام السعودي ظل مصراً على إقفال كل أبواب الحوار الحضاري: فشعب الجزيرة العربية بجماهيره ونخبه الواعية طالبوا ومنذ أمد بعيد بتغيير طبيعة العلاقة بين النظام والشعب، هذه العلاقة التي لا زالت محكومة بالروح القبلية من جانب الأسرة الحاكمة التي لم تعر أهمية إلى هذه المطالب رغم اعترافاتها المتكررة بوجود خلل بالوضع القائم من خلال وعودها التي أطلقتها بشأن الإصلاحات السياسية، مما تبين ويتبين زيفه وكذبه، فظلت تمارس سلطتها دون أي حق معترف به للشعب، إذ ليس هناك قانون مدوّن يحدد واجبات الشعب وواجبات الحكومة، بل القانون هو إفرازات المزاج الشخصي للملك و"قطيع الأمراء" المتغطرسين الذين يعتبرون البلاد ملكاً طلقاً لجدهم الأكبر، وكنتيجة منطقية فأن البلد تحكمه تقلبات المزاج الشخصي لقطيع هائج من المفسدين المتآمرين، لن يوجد فيه قانون سوى ثوابت القمع والقهر كمنهج رسمي غير مدون هو الآخر!، وكرد فعل لشعب لا زالت الحياة والمبادئ تسري في أوصاله، نلاحظ ولادات متكررة لدوامات العنف التي تبدو منفردة حيناً، ومترابطة ضمن سياق زمني واستراتيجي حيناً آخر، انه الموقف المتوقع من جماهير تحاول إفهام السلطات واقع مطالبها، عبر صخب العبوات الناسفة المدوي، وصرخات الغضب التي ترسم انعكاساتها سحب الدخان الكثيفة، وإشهار رمز الحرية المضرج بالقاني والزكي من دماء المجاهدين "يا أيها الذين آمنوا جاهدوا الكفار والمنافقين وليجدوا فيكم غلظة".
في أواسط عام 1987 ـ 1407 هـ، بدأت سلسلة من العمليات الجهادية، وموجة من العنف كما يحب صحفيو اليوم أن يسموه ـ والغضب المقدس، استهدفت أوكار الشيطان التي تحوّل الحرب غير المعلنة على شعوب الإسلام وتيارات الوعي الديني، وبدءت في /ذي الحجة 1407 هـ.
حيث اندلع في 21/ ذي الحجة 1407 هـ الموافق الخامس عشر آب 1987 م حريق كبير في ورشة كهرباء تابعة لمعامل تكرير النفط في ميناء الجعيمة بالإقليم الشرقي المطل على الخليج، وبلغ حجم الانفجارات التي سببها سريان الحريق الحدّ الذي استغرقت عملية إخماده ثلاثة أيام كاملة، وأكد خبراء يابانيون انه لا يمكن استئناف العمل فيه قبل اقل من ستة أشهر كحد أدنى ، وبينما حرصت السلطات السعودية على إن تعزو سبب الحادث إلى تماس كهربائي عادي، فإنها قامت بشن حملات اعتقال واسعة في المنطقة الشرقية مما يمتلك دلالات صارخة على التمويه المرتبك الذي حاولت أنظمة القمع اللجوء إليه، تحجيماً لدور الرفض الداخلي الذي يعم البلاد.
وبعد بضعة أشهر من 12 شعبان 1408 هـ المصادف لنهاية آذار ـ مارس، 1988، وقع انفجار ضخم في المعمل رقم عشرة التابع لمنشأة تكرير البترول في رأس تنورة نتيجة قنبلة زرعت فيه.
وبعد يومين وفي 14/ شعبان/1408 هـ المصادف مطلع ابريل ـ نيسان، 1988، حدث الانفجار القوي الذي بلغت عنده ذروة العمليات، وذلك في معمل "صدف" للبتروكيمياويات التابع لمدينة الجبيل الصناعية في الإقليم الشرقي، وقد انفجرت قنبلة تحت أنبوب لنقل غاز الميثانول المسال والقابل للاشتعال، وقد استمر الحريق الذي خلفه الانفجار مدة أسبوعين، فيما قدرت الخسائر الناجمة عنه بملايين الدولارات.
كما عثر خبراء المتفجرات في 28/شعبان/ 1408 هـ الموافق 15/4/88، وفي المعمل رقم 15، في رأس تنورة على عبوة احتوت 24 كيلو غراماً من المواد شديدة الانفجار وتم أبطال مفعولها.
وبرغم التعتيم السعودي الشديد على هذه الحوادث والتمويه الذي عمدت إليه أجهزة الأمن، إلاّ إن صحيفة "لويدز ليست" التابعة لشركة لويدز للتأمين، نشرت تقريراً مفصلاً عن الموضوع مؤكدة إن الانفجارات والحرائق نتجت عن "أعمال تخريبية" على حد تعبيرها، وهي الصحيفة الوحيدة التي تولت تغطية أنباء هذه الحوادث، مشيرة إلى تشديد، الإجراءات الأمنية اثر ذلك في إقليم البلاد الشرقي حيث وقعت الحوادث.
إرهاصات الحوادث والموقف السعودي:
إن السبب الرئيس الذي يمكن تفسير دوافع القيام بهذه العمليات على ضوئه هو ما يلاحظه المراقب للسياسة الأمنية (القمعية) التي راحت تنتهجها السلطات والجزار نايف بن عبد العزيز أواسط الثمانينات، حيث إن حملات الاعتقال والتنكيل التي لم تنقطع راحت تتصاعد بشكل ملفت لا سيما في الأعوام 1405 ـ 1407 هـ / 1985 م ـ 1987 م، والمثير جداً هو إن الخطورة بلغت حداً امتدت فيه يد القمع إلى النساء والفتيات اللاتي اعتقل العديد منهن، مما يمثل خرقاً سافراً للتقاليد الاجتماعية المحافظة على اقل التقادير ـ فضلاً عن الانتهاكات الأخرى المتزايدة، حيث تعرض أكثر من خمسين مواطناً إلى الاعتقال والتعذيب وسحب جوازات السفر، خلال الثلاثين يوماً السابقة لانفجار الجبيل فقط.
وفي سياق الرد الشعبي الحاسم جاءت العمليات التي تحمل طابع الردع أولاً والثأر ثانياً، لتستهدف منشآت النظام التي يسخرها في ضرب الحركة الإسلامية في البلاد والتيار الإسلامي العام الذي راح يتنامى على حساب مصالح الكارتلات الاستعمارية المختلفة ومافيا الاستكبار الرئيسية، ومع إن النظام السعودي حاول التملص من الإذعان للحقيقة بادئ الأمر إلاّ أنه شن حملة اعتقالات واسعة النطاق في المنطقة الشرقية شملت أكثر من مائة شخص ـ كما نقلت مصادر بريطانية مطلعة وأكدته الجهات المعارضة في الداخل ـ حيث تم استجوابهم من قبل جهاز القمع السعودي، حول تلك الحوادث المهمة.
وأسفرت تلك الاعتقالات التي بدأت في رمضان المبارك، 1408، عن اعتقال الشهيد محمد علي القروص، وملاحقة ثلاثة آخرين من رفاق الدرب وهم، علي عبد الله الخاتم، أزهر علي الحجاج، خالد عبد الحميد العلق، حيث شخصت السلطات كونهم كوادر إسلامية وجهادية فاعلة، واستطاع الثلاثة التمويه على الأمن القمعي طيلة أربعة أشهر يترددون فيها داخل البلاد وفي المنطقة الشرقية ذاتها لممارسة أنشطتهم الحركية، حتى 18/ذي الحجة/ 1408 حيث اصطدموا مع دورية تابعة للنظام مضطرين إلى دخول اشتباك مسلح معها قتلوا على أثره قائد الدورية الملازم أول علي موسى الربيع، ليعتصموا بعد ذلك بأحد الأبنية القريبة وتستمر المواجهة المسلحة رغم عدم التكافؤ عدة وعدداً حتى فجر 19/ذي الحجة، حيث لجأ الأوغاد أخيراً إلى استخدام الغازات الخانقة مما أدى إلى فقدان الأبطال الثلاثة لوعيهم وفيهم أزهر الحجاج الذي جرح خلال ساعات المواجهة الطويلة، واقتيدوا أخيراً إلى السجن.
كانت السلطات قد استصدرت فتوى من وعاظ السلاطين تمهد بها لعملية البطش التي بينتها للمعارضين عندما توالت عليها الضربات القوية نتيجة الرفض الشعبي الذي تحول إلى كفاح مسلح عنيف. حيث قرر ما يسمى بمجلس هيئة كبار العلماء إن حكم الشرع هو الإعدام لمن ينتمي إلى المعارضة السياسية، ليشرعنَّ بذلك الممارسات الإرهابية والقمعية لأولياء نعمته، ويستمر في أداء دوره العريق تسبيحاً بحمد السلطان، وذلك خلال دورته الثانية والثلاثين المنعقدة في الفترة من 8 ـ 12/1/1409، بالطائف.
وفعلاً فقد تم إعدام ليوث الجهاد يوم 18/2/1409 المصادف 30/9/1988. بساحة الإعدامات في مدينة الدمام، وصدر مساء ذلك اليوم بيان من وزارة الداخلية السعودية برر جريمته الشنيعة بعدة اتهامات زعم أنها ثبتت عليهم، أولها التعاون مع (إيران) ضد سلامة الوطن، والمواطنين، والتدرب على السلاح والمتفجرات لاستخدامها بشكل غير مشروع، وتفجير بعض خزانات شركة "صدف" للبتر وكيمياويات بالجبيل، وخيانة الوطن وزعزعة الأمن وإشاعة الفوضى، وقتل الملازم أول علي موسى الربيع، ثم عاد البيان ليشدد على الارتباط بـ (إيران) بوصفه الشهداء بـ (الموالون لنظام خارجي معاد هو إيران بتنفيذ مخططات ذلك النظام وأهدافه الشريرة)، لكن الجمهورية الإسلامية في إيران نفت ذلك الزعم، كما ورد على لسان الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الإيرانية، قائلاً: "إن حكام آل سعود حاولوا التغطية على جرائمهم ضد المسلمين الثوار بألصاق التهم الواهية التي لا أساس لها".
مع بيان وزارة الداخلية
يبدو أن من نافلة القول التعليق على بيان "القمعية" السعودية، لأن إسماعنا اعتادت على لهجة الزيف، الكذب وتشويه الحقائق، وماذا ننتظر من الأنظمة التي تتشكل من حفنة لقطاء وخونة ضربوا للتأريخ أمثلة في منتهى الوقاحة للاستبداد والظلم، حتى أمكن لنا أن "نفاخر" بسفاكها "نيرون" ذائع الصيث الذي احرقها في الحادثة الشهيرة.
غير أنه من اللازم تسجيل ملاحظتين تعزيزاً للرؤية العامة..
أولاً: إن الجمهورية الإسلامية في إيران قامت بنفي وجود ارتباط لها ـ كما أنف ذكره ـ بأعمال التفجير، والشواهد والأدلة المتوفرة تقف إلى جانبها في ذلك إذ لم تفلح السلطات السعودية في العثور على أي إثبات لزعمها سوى ادعاءاتها الفارغة في البيان، ومع هذا فانا لو فرضنا ـ جدلاً ـ وجود ارتباط وثيق بين بعض الكوادر الجهادية وإيران يتمثل بقدر من الدعم المعنوي، فلماذا لا يشرع هذا الارتباط بينما يسوغ لبني سعود لأنفسهم إقامة شتى أنواع "العمالة" الصريحة التقليدية مع المحور الأنجلو أميركي المتمثل بمعاهدات صريحة وكثيرة تزخر بها الدراسات التاريخية المتداولة تلك المعاهدات التي حرص "الأسياد" على حشدها بتنازلات العار وانطبعت بروحها كل السياسات الاستسلامية الحاكمة في أفق الصراع الراهن، والتي تثبت أن آل سعود أول المؤمنين بضرورة اللجوء إلى "حامٍ ومعين" ضد الأخطار التي تهددهم، آخذين بنظر الاعتبار شرعية المطالب التي تنادي بها المعارضة وفق كل الأعراف الإنسانية والدينية، قبال الأهداف والممارسات اللامشروعة لآل سعود الذين شيدوا مملكة الغصب ببركة العمالة وسياسات التخادم ليس إلاّ.
ثانياً: إن لقارئ سياقات التأريخ التي بلورت العلاقة بين السلطات والمعارضة، أن يدرك ان كل اتهام بالعمالة يوجه للتيارات المعارضة، إنما هو شهادة حسن سلوك وإقرار بالكفاءة، لأن الطغاة حين يواجهون برفض شعبي قوي وتحدٍ داخلي محض يمثل تجسيداً لآلام الطبقات المسحوقة سياسياً واقتصادياً، ثم يجدون أنفسهم عاجزين عن قمعه، لأن القمع لا يولّد إلاّ ردود الفعل الأقوى الخاضعة لإيمان الجماهير بقضيتها، فأنهم يلجؤون إلى أسلوب رخيص لا يتمتع بأدنى شروط الصراع الشريف، وهيهات العقيق، فيعمدون إلى شن حرب نفسية، وإشاعة ضوضاء في الإعلام، وما أزهد قيمة اليراع الهجين، فتفزع إلى امضى أدوات تلك الحرب… الرمي بالعمالة للأجنبي والاتهام بخيانة الوطن وتنفيذ "مخططات الأعداء"، ولعل بيان الوزارة كان صادقاً بوصفه الأخير، لأن العدو الأكثر خطراً يتمثل بالصوت الداخلي الذي لا زال يمثل تحدياً خطيراً بإصراره على ممارسة الرفض العنيد لسياسات الإذلال والطائفية والاستبداد السعودي، والتي تشكل مجمل منظومة القيم التي يعتنقها الطاغية، أي طاغية.

يتتبع