انهيار عناصر قوة النظام في الخارج :
كان التأثير الذي أحدثه انكشاف حقيقة النظام السعودي بعد عام 1990، على الأقل للذين ظلوا يؤمنون بالنظام، قد انعكس أيضاً خارج البلاد، هذا التأثير قد جعل مؤسسات النظام التابعة لمؤسسته الدينية في الخارج، والتي تدار من قبل مواطني الدول الموجودة فيها، تعيش هي الأخرى حالة الانقسام، ولم يستطع النظام من تطويق هذا الانقسام إلا في زيادة عملها التخريبي داخل بلدانها، الذي اتخذ الطابع الطائفي، وكانت الباكستان، المركز الرئيسي لذلك، قد شهدت حوادث في هذا المجال بصورة أكثر من غيرها، كما أن التنسيق المخابراتي بين وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات التابعة للنظام السعودي كان ينصب في هذا الاتجاه، مما يعني أن الأمر قد زاد خطورة، دون أن تقرر الولايات المتحدة، للحفاظ على مصالحها على الأقل، إيقاف هذا العمل. وقد كان للارتياح الأمريكي لعمل الطالبان التخريبي تجاه الإسلام والمسلمين أثره الكبير في زيادة أخطاء النظام السعودي، التي هي أخطاء الولايات المتحدة .
الترتيبات الأمريكية بعد 11 سبتمبر بين إظهار القوة وحقيقة الضعف :
في اليوم الثاني من تفجيرات نيويورك جلس أعضاء الإدارة الأمريكية ومخططوها الإستراتيجيون ليعلن احدهم للآخر، أن السياسة التي اتخذتها الإدارات الأمريكية تجاه المنطقة كانت خاطئة وهي التي أدت إلى هذا الحدث الذي لم تشهد مثله الولايات المتحدة سابقاً. وبدلا من التصرف بحكمة وروية، نجد أن الإدارة الأمريكية تصرفت بطريقة (الكاوبوي) سواء على مستوى ردة الفعل أو على مستوى النظرة الجدية لمجمل سياستها في المنطقة والعالم. وقد أظهرت نتيجة هذه المواقف عجزها أكثر مما أظهرت قوتها، فتحريك الأساطيل والتهديد بالغزو وقلب الأنظمة، في الواقع قد أرهب الأنظمة أكثر مما أرهب الشعوب. فالشعوب التي حكمت عليها الأنظمة ـ التي أوجدتها وحمتها الولايات المتحدة ـ بالموت لمجرد محاولتها أن تظهر أنها من فصيلة البشر وليس من فصيلة أخرى، وجدت أنها في الحسابات الاعتيادية أن الموت يساوي الحياة، بل أن الموت إذا قنن على الطريقة المثلى فإنه يهب الحياة، وهكذا اختارت الولايات المتحدة أن تبدأ بالدوران من مرحلة الصفر كما بدأتها أول مرة .
من جانب آخر سربت الإدارة الأمريكية بعض الأفكار حول النظام السعودي الذي يعتبر بعد انهيار نظام الشاه، الدعامة الرئيسية لتنفيذ السياسة الأمريكية ولحماية مصالحها. هذه الأفكار التي استلمتها وسائل الإعلام الأمريكية، تتمحور حول فشل النظام السعودي في أداء دوره تجاه تنفيذ السياسة الأمريكية، وبدأت تتوسع هذه الوسائل في هذا الموضوع، التي دخل معها بعض رموز الإدارة الأمريكية الحالية، والإدارات السابقة، مكونين جبهة عريضة تطالب الإدارة الأمريكية برفع الحماية عن النظام السعودي، بل اعتباره العدو رقم(1) للولايات المتحدة .
هل أن النظام السعودي قد قصر فعلاً في التزاماته :
يخيل لبعض المراقبين لتصريحات ومواقف الأمريكان، والتي تخص العلاقة مع النظام السعودي أن هناك تيارين داخل الإدارة الأمريكية، أو المجتمع الأمريكي، إلا أنه في الواقع ليس هناك أي انقسام داخل المجتمع الأمريكي تجاه النظام السعودي، فالإدارة الأمريكية تدرك جيداً أن النظام السعودي لم يقصر أبداً في التزامات بل زاد في بعض الأحيان في أن تصرف خارج هذه الالتزامات ظناً منه أن الإدارة الأمريكية ستزيد من مستوى درجاته في السلوك، الأمر الذي كان خطأ في حسابات الولايات المتحدة، فمثلاً كان دعم التيارات المغطاة بغطاء إسلامي، والتي تم التفاهم عليها بين المخابرات المركزية الأمريكية والنظام السعودي، لتفتيت وحدة شعوب المنطقة نتيجة لإثارة الصراع الطائفي، وإشاعة التكفير والحذف للآخرين. وقد كان النظام السعودي يعمل ضمن هذا السقف، إلا أن طموحاته كانت دافعاً في تجاوز هذا السقف، حيث قام بتشكيل جماعات ومراكز قوى خارج نطاق التفاهم الذي تم بينه وبين الولايات المتحدة، الأمر الذي أدى أولاً إلى كشف حقيقة هذه التيارات، وثانياً إدراك الشعوب لحجم جريمة الولايات المتحدة.
وبنظرة سريعة لمجمل نشاط النظام السعودي خلال العقدين الماضيين وبالتحديد منذ الفترة الفهدية في حياة النظام، نلاحظ أن النظام السعودي كان أميناً على تنفيذ مفردات السياسة الأمريكية بكل جد.
فعلى مستوى السياسة النفطية استطاع أن يبعثر جهود منظمة أوبك في ضبط أسعار النفط بما يحقق الحد الأدنى من حقوق شعوبها في ثرواتها المنهوبة، وإهداء مليارات الدولارات إلى خزائن الولايات المتحدة وبريطانيا من أموال المسلمين عن هذا الطريق كما يقول السيد حسين موسوي رئيس وزراء الجمهورية الإسلامية في إيران في الثمانينات حيث قال: ليس هناك ما يبرر عمل (السعودية) بإهداء ثمانية مليارات من الدولارات من بيت مال المسلمين للعالم الصناعي كأمريكا وبريطانيا، وأن هذا العمل يثير ثائرة الشعوب ولن يكون في صالح هاتين الدولتين. قال رئيس شركة النفط الحكومية الفنزويلية أن السعودية ضخت ما يصل إلى 12/9 مليون برميل يومياً في نوفمبر 1997م عندما كانت حصتها الرسمية في أوبك لا تزال ثمانية ملايين برميل يومياً [8].
من جانب آخر كان النظام السعودي قد عمل طيلة فترة القرن العشرين الميلادي على تنفيذ سياسة إجرامية أدت في النتيجة إلى قيام الكيان الصهيوني على الأرض الفلسطينية، ومن ثم قام بعمل مصدات لحمايته من الغضبة الجماهيرية في المنطقة، كما عمل على قيادة أنظمة المنطقة في هذا الاتجاه. وفي الفترة الفهدية كان العمل أكثر شمولية، فبعد بداية نزع الأقنعة في اتفاقية كامب ديفيد، طرح فهد مبادرته في القمة العربية في المغرب عام 1982م والتي تبنتها الأنظمة العربية، لتكون البداية العملية لإنهاء الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني. وبعد سقوط الأقنعة في حرب الكويت عام 1990، استطاع قيادة الوضع الرسمي العربي باتجاه اللقاء الكلي مع الكيان الصهيوني، والذي توّج باتفاقيات أوسلو، ومحاصرة الشعب الفلسطيني وتحويل الجهاد الفلسطيني من عمل مشروع ـ حتى لدى الدول الأوروبية ـ إلى عمل إرهابي لابد من محاربته. وكانت المعادلة التي يؤمن بها النظام السعودي. منذ بداية الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني، هو أن قيام الكيان الصهيوني وحمايته هو سبب لبقائه. يقول السناتور الأمريكي (كيس) من ولاية نيوجرسي في إحدى اجتماعات مجلس الشيوخ الأمريكي: (السعودية تفهم أن ضمان مصالحها يعتمد كلية على قوة إسرائيل في المنطقة، وحجم الدعم الأمريكي لضمان هذه القوة، لأن هذا النظام سوف يمسح من الوجود بمجرد أن تتعطل إمكانية أمريكا في التدخل لإنقاذه [9] .
أما على صعيد التواجد العسكري فقد كانت الفترة الذهبية في حياة هذا التواجد هي الفترة الفهدية، فقد ازداد حجم التواجد، سواء البري أو الجوي أو البحري، زيادة كبيرة. وقد وصل إلى قمته في عام 1990م. أما بناء القواعد الجوية والمواقع العسكرية الأخرى فقد ازداد حجمه أيضاً، يقول (ف. ف ماشين): أن سنوات الثمانينات حملت إلى (المملكة العربية السعودية) أكثر من 40 ألف عسكري... ومن بين هؤلاء قرابة (1500) موظفاً يساهمون في برنامج الأمن، ونحو (2000) أمريكياً يعملون تنفيذاً للاتفاقيات العسكرية([10]). كما اتبعت الولايات المتحدة فكرة التخزين للمعدات والأسلحة في الجزيرة لتكون هذه المعدات في متناول القوات الأمريكية فيما لو استدعيت لاحتلالها، أو لمعالجة وضع ما في المنطقة كما جرى في عام 1990م، كتبت صحيفة نيويورك تايمز تعليقاً على بيع الولايات المتحدة للنظام السعودي في ربيع عام 1983م (1200) دبابة نوع (MI ابرامز) تقول: يغدو بيع هذه الدبابات شكلاً لنشر الأسلحة الثقيلة في منطقة عمليات محتملة للقيادة المركزية للقوات الأمريكية، فإذا ما أرسلت القوات الأمريكية إلى (السعودية) فستكون أسلحتها الثقيلة التي يصعب شحنها قد سبقتها إلى هناك. ويقول الخبراء العسكريون: إن عدد الدبابات التي ستشتريها (السعودية) يكفي لتسليح ثلاث فرق في الجيش الأمريكي([11]). كما عمد النظام السعودي إلى إنشاء وترتيب القواعد العسكرية في البلاد لتكون ملائمة لعمل القوات الأمريكية ومن جميع النواحي، يقول (ريتشارد ميرفي) سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى النظام السعودي بين عامي 1981م ـ 1983م: بأن الجنود والضباط الأمريكيين لا يشعرون بغربة في تلك القواعد.. أنهم يستخدمون طائرات أمريكية، وقواعد أمريكية، ونمط حياة أمريكي، ومختلف التجهيزات تأتي من الولايات المتحدة، وهناك أكبر محطة وقود للطائرات في العالم.. أنهم يشعرون بأنهم في بلادهم([12]). ويقول (س. هندرسون): قدمت السعودية تسهيلات واسعة لإقامة المواطنين الأمريكيين في (السعودية) بما في ذلك البعثات العسكرية الاستشارية المبالغ في عددها ونوعية عناصرها. ذلك يشكل جالية أمريكية ضخمة تلعب في نهاية الأمر دور (النافذة الزجاجية الشفافة) للضمانات الأمريكية)[13].
كما أن رد النظام السعودي بعد تفجيرات 11 سبتمبر كان في أحسن صوره، فقد بكى آل سعود أكثر من الأمريكان على هذه الأحداث، واستنكروها، وأعلنوا براءتهم من ابن لادن الذي يفتخرون بأن اسقطوا جنسيته، وكأن عملية إسقاط الجنسية يعني إلغاء انتمائه الحقيقي لبلده، أو تعني مسح الشعارات التي يرفعها. كما أنهم أعلنوا بأن (السعوديين) الخمسة عشر الذين اتهمتهم الولايات المتحدة بالقيام بتفجيرات 11 سبتمبر، لا يمثلون البلاد. كما أن النظام السعودي وبحركة ظنها بارعة قام بعد يوم واحد من أحداث 11 سبتمبر بإيقاف الاتفاق مع منظمة أوبك، وقام بضخ 9 ملايين برميل نفط إضافية للولايات المتحدة، يقول الكاتب ديفيد أوتاوا: بعد يوم واحد من وقوع الهجمات الإرهابية على البنتاغون ومركز التجارة العالمي، استدعى (ولي العهد السعودي) وزير النفط علي النعيمي وقررا بسرعة إلغاء القرار الأخير لمنظمة الأوبك بإيقاف إنتاج النفط وبدلاً من ذلك قررت (السعودية) ضخ 9 ملايين برميل إضافية إلى الولايات المتحدة لإظهار دعم (السعودية) للحليف المجروح (أمريكا) لتأمين احتياجاتها النفطية، ولمدة أسبوعين كانت (السعودية) تشحن بواسطة ناقلاتها النفطية (500.000) برميل أو أكثر يومياً إلى أمريكا مجاناً. هذه العملية ساعدت على انخفاض سعر النفط من 28 دولار للبرميل في أواخر آب إلى أقل من 20 دولار [14].
الموقف الأمريكي تجاه النظام السعودي بعد 11 سبتمبر 2001م:
أصبح واضحاً لدى جميع الدوائر الأمريكية أن حماية النظام السعودي قد سببت كوارث للولايات المتحدة. وكانت الولايات المتحدة تعتقد بأن بعد الأراضي الأمريكية عن بؤر التوتر ومسارح الصراع في العالم يجعلها في مأمن من التعرض للكوارث، مستندة إلى ما جرى في الحربين العالميتين في القرن العشرين الميلادي. لذلك فإن الترتيبات الأمنية التي تتخذها لمؤسساتها المتواجدة في بقاع العالم، سواء منها الدبلوماسية أو العسكرية أو المخابراتية تهتم بها أكثر من اهتمامها بالترتيبات الأمنية في داخل الولايات المتحدة، إلا أن ما حدث في 11 سبتمبر 2001م، جعل الولايات المتحدة تعيد النظر كثيراً في أساليب ترتيباتها الأمنية، سواء على المستوى الاستراتيجي أو المستوى العملياتي. فإيجادها نظام الطالبان كان خطأ لذلك لابد من إصلاح هذا الخطأ بإزالته، فنظام الطالبان أصبح ملجأ للذين تصنفهم بالإرهابيين لذلك فالموضوع لا يتركز حول شخص ابن لادن بقدر ما يتعلق بالحجم الكبير من الذين تسميهم (الأفغان العرب) كما أن حماية النظام السعودي بهذه التركيبة كان خطأ لذلك لابد من إيجاد مخرج لهذا الوضع، إلا أن النظام السعودي يختلف عن نظام الطالبان، رغم التشابه في الطرح. فالنظام السعودي قد خدم السياسة الأمريكية بشكل صادق وليس فيه تردد. كما أن إجراء ترتيبات وفق النظرة الجديدة تحتاج إلى تهيئة أرضيات مناسبة، كما تحتاج إلى مناورات سياسية، لا لأن تغيير النظام السعودي من الناحية الفنية صعباً، بل قد يكون أسهل بكثير من تغيير نظام طالبان، ولكن الظروف الموضوعية التي تحيط بالمنطقة والأكاذيب التي خلقتها الولايات المتحدة حول هذا النظام والدور الذي لعبه ويلعبه في أكثر قضايا شعوب المنطقة حساسية، وتركيبة الأنظمة الموجودة في المنطقة، وآلية الارتباطات بينها وبين الولايات المتحدة، هي التي تجعل الولايات المتحدة تتحرك وفق هذه النظرة الجديدة بحذر، وكذلك بطريقة الخطوة خطوة التي تؤمن بها السياسة الأمريكية .
وقد بدأت الولايات المتحدة حملتها لمحاصرة النظام السعودي بتسريب أخبار بوجود نية لدى الإدارة الأمريكية بإجراء ترتيبات في الجزيرة تستهدف تغيير الجغرافية السياسية فيها، وإنهاء دور بني سعود في خدمة المصالح الأمريكية، والذي استمر قرن من الزمن. وقد ركزت الحملة في البداية على موضوع حساس وهو الاستبداد وكأن الولايات المتحدة والعالم قد فوجئوا بهذا الاستبداد. كما شملت الحملة إظهار النظام السعودي بأنه، ورغم الإجراءات التي اتخذها، بأنه كان مقصراً فيما يسمى (الحرب على الإرهاب)، فقد كتب ستانلي ريد في مجلة نيوزويك قائلاً: كانت أمريكا تدعم ولفترة طويلة جداً القيادة التي تتصف بالفساد وكانت تسمح بتعبير سياسي قليل جداً. أما إذاعة BBC فقد علقت قائلة: أن الفقر والمجاهدين الإسلاميين في تصاعد داخل (السعودية) والحكومة ربما لا تكون قادرة على احتوائهما معاً. إن الثروة النفطية الهائلة التي تعزز الحكم (السعودي) توزع بصورة قليلة وسط الكثافة السكانية المتصاعدة. الفقر تسلل ببطء إلى المجتمع (السعودي)([15]). وورد أيضاً في وكالة (MSNBC) في 3 ديسمبر 2001م: إن العائلة المالكة تضخ النفط ولكنها تدعم المدارس التي ترّوج الرؤى المضادة للغرب. يقول بعض المحللين أن القبضة الحديدية للعائلة المالكة على السلطة وعلماء الدين المعينين من قبل العائلة المالكة قد جلب الاستياء الشديد والساخن إلى الشعب لحريات الإنسان الأساسية. أما جونثان ريك فقد كتب في نيويورك تايمز يقول: إن انتقاد الولايات المتحدة ليس فقط بسبب مشاركة (الإرهابيين السعوديين) في هجمات 11 أيلول ولكن أيضاً بقاء (السعودية) كنظام حكم استبدادي لم يعط حقوق المرأة والأجانب والأقليات الدينية على الرغم من إنفاق ملايين الدولارات في الدفاع [16].
أما اخطر ما جاء في هذه الحملة، والذي كشفت عنه صحيفة واشنطن بوست في عددها الصادر يوم 6 أغسطس 2002م، هو التقرير الصادر من مجلس استشاري وزارة الدفاع الأمريكية، الذي اعتبر فيه (السعودية) دولة معادية للولايات المتحدة، وتساند الإرهاب الأصولي، وطالب باستهداف حقولها النفطية وأصولها الخارجية إذا لم تذعن الرياض وتغير مواقفها الداعمة للحركات الأصولية. وأضافت الصحيفة إن معد التقرير هو (لوران مورافيتش) الباحث في مؤسسة راند كوربوريشن، ووصف فيه السعوديين بأنهم نشطاء على جميع مستويات سلسلة الإرهاب. ومضت واشنطن بوست قائلة أن التقرير قدم يوم 10 يوليو الماضي إلى مجلس السياسات الدفاعية ويضم مثقفين ومسؤولين سابقين ويقدم النصيحة للبنتاغون بشأن السياسات العسكرية .
أما تصريحات بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي فكانت أكثر تحديداً من وسائل الإعلام، فبيتر كنغ ـ وهو أحد أعضاء مجلس الكونغرس الكبار وممثل مدينة نيويورك عن الجمهوريين ـ يقول: يجب اعتبار (السعودية) بأنها العدو في هذه المرحلة، وأضاف أن (السعوديين) أعداؤنا بالكامل في هذه المرحلة([17]). أما (توم لانتوس) عضو الكونغرس الأمريكي من الحزب الديمقراطي فيقول: إن الولايات المتحدة أنقذت بيت آل سعود. لو لم نفعل ما فعلنا لصار بيت آل سعود الآن مجرد فيلا في الريفيرا وليس دولة مهمة في المنطقة([18]). وقال عضو الكونغرس (سام باونباك): إن النواب الأمريكيين يعدون مشروع قانون يعتبر الولايات المتحدة في حالة حرب مع (السعودية). وانتقد النائب مايكل بارون إعلانات (السعودية) التلفزيونية والمذهب الوهابي والأسرة الحاكمة والإعلام والمؤسسات الدينية زاعماً أنها السبب وراء مشاركة (السعوديين) في أحداث 11 سبتمبر[19].
إذن أصبح واضحاً أن الولايات المتحدة تستهدف من هذه الحملة أمرين: الأول: هو امتصاص نقمة شعوب المنطقة تجاه ما تفعله من جرائم بتعليق هذه الجرائم على شماعة النظام السعودي المنهار، ومن ثم إظهار نفسها بأنها نصيرة الشعوب التي ستحقق لها الديمقراطية بإلغاء هذه الأنظمة .
فكرة تفتيت النظام السعودي :
في الواقع أن موضوع تفتيت النظام السعودي وتحويل الجزيرة إلى أكثر من دولة، لم تكن جديدة في واقع السياسة الأمريكية. فكما قلنا سابقاً أن الطرف الضعيف في المعادلة، التي تتشكل من طرفين، كان مهدداً من الطرف الثاني القوي في حالة تقصيره بالالتزامات التي تقررت عند إجراء العقد بينهما. ولما كانت الولايات المتحدة تنظر بنظرة استعلائية لشعوب المنطقة فقد أورث ذلك سياسييها الجهل بحقيقة طبيعة شعوب المنطقة وبالتالي تجاهل طموحاتهم. فقد كانت تعتقد أن هذه الشعوب يمكن أن تنساق بمجرد وضع أنظمة عميلة مزودة بأجهزة قمع وإمكانات أمنية وعسكرية. كما أن الطفرة في العائدات النفطية جعلها تظن أن توسيع النزعة الاستهلاكية داخل هذه الشعوب، سيوفر لها، إضافة إلى المردود الاقتصادي، تغييراً في القيم والمفاهيم التي يحملها أبناء هذه الشعوب، مما جعلها تطمئن إلى المستقبل. ورغم أن الثورة الإسلامية في إيران، التي أبكت سياسيي الولايات المتحدة، كانت أكبر ضربة تتعرض لها الولايات المتحدة، وأشارت إلى فشل نظرية الأنظمة العميلة التي تحكم شعوبها باستبداد، إلا أنها لم تستفد من الدرس، بل على العكس قامت باستبدال رموز بعض الأنظمة بأشخاص يمتلكون جرأة في محاربة أبناء شعوبهم إلى درجة لا يمكن تصورها أن تحدث في القرن العشرين الميلادي، الذي صنف بأنه قرن التخلص من الديكتاتوريات، كما فعلت في العراق عام 1979م، الأمر الذي سجل خطأ في سجل أخطاء الولايات المتحدة. كما أنها أمعنت في محاربة الطرح الأصيل للإسلام الذي جاءت به الثورة الإسلامية في إيران، مستخدمة نفس الأساليب القديمة، ومعتمدة على براعة النظام السعودي في هذا المجال .
ولو عدنا إلى الوراء وتحديداً إلى الخمسينيات من القرن العشرين الميلادي، وقمنا باستقراء الخارطة التي كان النظام السعودي يتحرك بموجبها نلاحظ أنه بعد هلاك (الملك) عبد العزيز في نوفمبر 1953م، واستلام ابنه سعود السلطة، كان النظام السعودي يعيش تحت هاجس الخوف من الانقلاب العسكري الذي أطاح بالنظام الملكي في مصر في يوليو 1952م، لذلك ظن سعود أن بعض التصريحات والمواقف التكتيكية قد تجعل وضعه متوازناً، فتحت تأثير الشعارات التي رفعها الانقلابيون في مصر، واندفاع شعوب المنطقة لتأييد هذه الشعارات كان النظام السعودي يجد نفسه معزولاً، لهذا لابد من ابداء بعض المرونة في تأييد هذه الشعارات. وقد تورط سعود في بعض المواقف التي حسبت أنها تجاوز للخطوط الحمراء التي وضعت بالاتفاق المعقود بين الطرفين.
ففي صيف 1954م أثار الاستياء في واشنطن طلب (السعودية) من الولايات المتحدة إن تغلق بعثتها الخاصة بالمساعدة الفنية في (السعودية) وتسحب العاملين فيها([20]). والظاهر من تتبع حركة النظام السعودي في هذه الفترة، أن هذا الموقف الخطير قد اتخذه سعود دون موافقة بقية أفراد العائلة، وخاصة فيصل، (والذي كان معروفاً بشكل أفضل وكان يحظى باحترام أكبر من إدارة ايزنهاور)([21]). وقد استند سعود في هذا الموقف على خوفه من قيام الجيش بنفس العمل الذي قام به الانقلابيون في مصر. يقول بنسون لي جريسون: وكانت الحكومة (السعودية) من جانبها مترددة إزاء الحصول على أسلحة أمريكية، ليس فقط لنقص النقد الأجنبي وإنما أيضا لأن الأسرة المالكة كانت لا ترغب في تحديث قواتها المسلحة إلى الحد الذي قد يشكل تهديداً بالإطاحة بالنظام من خلال انقلاب عسكري([22]). ونتيجة لهذا الأمر وقيام سعود بإطلاق تصريحات اتجاه الكيان الصهيوني دون الاتفاق مع الولايات المتحدة، فقد اعتبر ذلك في الإدارة الأمريكية خللاً كبيراً في بناء المعادلة التي ظهرت نتيجة العقد بينهما. وقد استغلت بريطانيا هذا التطور في العلاقة بين الجانبين لدعم موقفها في الصراع على واحة البريمي لجعل موقف الولايات المتحدة بجانبها.
وعلى ضوء ذلك فقد طرحت فكرة تهديد النظام السعودي بعملية التفتيت وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل سيطرة ابن سعود على البلاد، وقد عمدت الإدارة الأمريكية على تسريب هذا الأمر عن طريق (واغونر) السكرتير الأول في سفارة الولايات المتحدة في دمشق.
ففي 27 يناير 1956م أرسل السفير البريطاني رسالة بالغة السرية إلى رئيس الدائرة الشرقية في وزارة الخارجية في لندن ( رقم 1056/ 6/ 56 ملف FO 371/ 1/ 120764) قال فيها: نظراً لاختلاف وجهات النظر الذي منع الأمريكيين ومنعنا من الاتفاق على سياسة مشتركة تجاه العربية السعودية، رأيت أنكم قد يهمكم حديث جرى مؤخراً بين أحد مسؤولي سفارتي وبين السيد واغونر (WAGGONER) السكرتير الأول في سفارة الولايات المتحدة في دمشق ...
3ـ وأضاف واغونر قائلا إن أحد الحلول يتمثل في التخلص من العائلة المالكة في السعودية، وذكر بعد ذلك أن ابن جلوي حاكم منطقة الإحساء، قد لا يكون ممانعاً في أن يصبح مستقلاً. وفي هذه الحالة، يتحرك الهاشميون (الأردن والعراق) للاستيلاء على الحجاز، ولينعم السعوديون بالصحراء[23].
 

يتتبع