يقول د. تيسير كاملة: هذا الأسلوب، أسلوب تسريب المعلومات عن طريق البوابة الدبلوماسية الخلفية و (الشخصية) البحتة، يعيد إلى الأذهان مبدأ أمريكياً واضحاً الآن، خصوصاً بعد أوسلو وديتون وحرب الخليج، وهو أسلوب يعتمد على إمساك العصا من منتصفها، بهدف الاستنزاف المالي والنفطي والاقتصادي، وتمييلها حسبما تتطلبه مصالح واشنطن، وذلك بشكل لا يموت معه الطرف المهزوم، ولا يقوى كثيراً الطرف المنتصر، وربما الحليف لأمريكا. ضمن هذا السياق، أبقت الوضع في الخليج على ما هو عليه، ونشرت وتنشر لوائح بأسماء الدول العربية والإسلامية (المساندة للإرهاب) وضمن هذا السياق أيضاً نشرت (مراكز دراسات إستراتيجية أمريكية) غير بعيدة عن مراكز اتخاذ القرار السياسي في واشنطن[24].
إذن فإن موضوع تفتيت النظام السعودي لم تكن مسألة مستحدثة وإنما هي مسألة قديمة، وظهورها أو سترها يعود إلى طبيعة حركة النظام السعودي والتزامه في تنفيذ السياسة الأمريكية، وضمان مصالحها. فالولايات المتحدة أو الغرب تريد ضمان مصالحها، فأي شكل سياسي في الجزيرة يؤمّن هذه المصالح فسيكون هو الشكل المختار، يقول جورج غالوي النائب العمالي في البرلمان البريطاني عن بعض المسؤولين الذين جاءوه وتحدثوا معه حول موضوع النظام السعودي: كل هذا النوع من المسؤولين جاؤوا إليّ في مقهى البرلمان وتحدثوا عن نجد، والحجاز وغير ذلك أن نقاش هؤلاء المسؤولين ينطلق من فكرة المصالح النفطية للدول الغربية في الجزيرة ومخاوفهم من تصاعد سلطة الإسلاميين في (السعودية).. وفي حالة عدم رضا الإسلاميين عن تواجدنا في بلادهم، إذن دعونا نقيم دولتين (سعوديتين).. دع المسلمين يديرون مكة والمدينة فنحن ليست لنا أطماع بإدارة أماكنهم المقدسة، أن اهتمامنا منصب على النفط ..
وهنا شرخ ديمغرافي واضح بين الإقليم الشرقي وبقية الأقاليم فهناك نسبة 25 في المائة سكانه من الشيعة.. و (السعودية) رفضت حتى الآن دعم الحملة الأمريكية لضرب العراق، ومن هنا فإنها ستقوم بجعل (السعوديين) يدفعون ثمن عدم تعاونهم معها[25].
ما هي ردود فعل النظام السعودي تجاه الحملة الأمريكي:-
إن النظام السعودي في الواقع ينظر إلى الحملة الأمريكية ضده بنظرة جدية، لأنه على الأقل يعرف طريقة متبوعة في السياسة، والتي عاش في كنفها أكثر من خمسين عاماً. لذلك نراه قد استنفر كل أجهزته لمواجهة هذه الحملة. وقد سارت جهوده على مسارين: الأول هو المسار الدبلوماسي الذي يقوم به بندر سفير النظام في واشنطن، والذي استطاع على مدى السنين التي كان فيها بهذا المنصب من إقامة علاقات قوية مع بعض الرموز في المجتمع السياسي الأمريكي، والتي استهلكت الملايين من الدولارات. وكذلك تحركات سعود الفيصل وزير الخارجية، والاتصالات التي قام بها (ولي العهد) عبد الله بن عبد العزيز. وكان من نتيجة هذه الاتصالات والعمل الدبلوماسي أن أخذ يصرح مسؤولوا البيت الأبيض بأن العلاقات بين الولايات المتحدة والنظام السعودي علاقات قوية ومبنية على أسس متينة. هذه التصريحات قد تطمّأن بني سعود قليلاً إلا أنهم يعرفون جيداً بأن ما يجري خلف الكواليس يختلف تماماً عما يصرح به مسؤولو الإدارة الأمريكية. لذلك نشطوا في المسار الثاني الذي كان يركز على إقامة حملة في الغرب بصورة عامة والولايات المتحدة بصورة خاصة لإظهار النظام السعودي بوجه آخر يتصف بأنه حليف جيد للولايات المتحدة والغرب، وأنه مؤيد للحملة الأمريكية على ما يسمى (بالإرهاب) فقد صرح سفير النظام في لندن (غازي القصيبي)، الذي أقصي من منصبه في 16 سبتمبر 2002م، وعين وزيراً للمياه ضمن ترتيبات النظام لإظهار أنه ضد (الإرهاب) حيث نشر القصيبي قصيدة يمجد بها بالاستشهاديين الفلسطينيين، قائلاً: أن (المملكة العربية السعودية كانت بالدرجة الأولى أول من عرف مآسي الإرهاب مشيراً إلى أنه وحتى قبل أحداث 11 سبتمبر فإن (المملكة) كانت في طليعة الذين يحاربون الإرهاب كما أنها أول دولة حذرت من نشاطات أسامة بن لادن بأن نزعت عنه الجنسية (السعودية).. إن بلاده لعبت دوراً ريادياً في تأسيس الاتفاقية العربية لمحاربة الإرهاب كما لعبت دوراً مماثلاً داخل مجلس التعاون الخليجي. وأكد القصيبي أنه وعقب جرائم 11 سبتمبر فإن (المملكة) كانت أول الدول التي أدانت تلك الجرائم الشنيعة وانضمت للحملة الدولية للحرب ضد (الإرهاب). كما أيدت (المملكة) قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بمحاربة الإرهاب والتزمت بتنفيذها بدقة. وقال القصيبي أن (العلماء) في (المملكة) أعلنوا بوضوح كامل إدانتهم (للإرهاب) في كل صوره وأشكاله. كما أن المؤسسات المالية (السعودية) تعاونت بصورة كاملة في الجهود العالمية التي هدفت للتأكد من عدم وصول التبرعات المالية لمنظمات الإرهابيين، وأضاف أن الجهات الأمنية (السعودية) حافظت على حوار نشط مع وصيفاتها المماثلة في البلدان الصديقة بهدف التعاون وتبادل المعلومات، مشيراً إلى أن (المملكة) قامت مؤخراً باعتقال 13 شخصاً يشتبه في أن لهم نشاطات إرهابية مما يمثل دليلاً جديداً على أن (المملكة) تقف ضد الإرهاب بكل جدية([26]). كما بدأ النظام السعودي حملة مطاردة دولية لمئات من الأشخاص متهماً إياهم بالقيام بعمليات غسيل أموال وتهريب المخدرات والتخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية. وهذا هو أول تحرك علني للنظام السعودي على نطاق دولي من بعد إعلانه اعتقال مجموعة تضم 13 شخصاً كانوا يخططون لعمليات على أراضيه([27]). كما علمت جريدة نيويورك بوست بأن (السعودية) قد استأجرت شركات دعائية كبيرة ومؤثرة من أجل تخفيف الصدمة التي تعرض لها الأمريكان أثر هجمات 11 سبتمبر. وحسب المجموعة التي كسبت العقد، فقد استخدم السعوديون شركة (ساندلر اتوسينزي) والتي تعمل إلى (لجنة الجمهوريين الوطنية) لعرض إعلانات تلفزيونية ـ بين البرامج ـ تظهر (المملكة) على أنها حليف ضد الإرهاب. وقال (مايكل بيترو زيلو) المدير التنفيذي لشركة (كورفيس) المسؤولة عن هذه الحملة الدعائية، أن الشركة تستلم شهرياً مبلغ (20.000) دولار من (السعوديين) ولكن على الرغم من جهود هذه الشركة فقد رفضت عدة شركات تلفزيونية عرض هذه الشرائط الدعائية مثل شبكة (Weather Channel) وشبكة (A&E) وذكرت شركة (كورفيس) أن من بين الزبائن العاملين في هذه الحملة الدعائية هو (توم دلاي) أحد أعضاء الكونغرس المؤيدين والمدافعين بشدة عن (إسرائيل). كما استأجرت الحكومة (السعودية) شركة (باتون بوكز) ذات التأثير والنفوذ الكبير بمبلغ (100.000) دولاراً ولمدة شهرين. كما وقعت اتفاقية لمدة سنة واحدة مع شركة (هل ونولستن) العملاقة وبمبلغ (77.000) دولاراً شهرياً. كما دفعت (المملكة) حوالي مليونين ونصف مليون دولاراً إلى شركة (بورسون مارستيلر) الدعائية لنشر إعلانات دعائية (للمملكة) في الصحف الأمريكية تتضمن تقديم التعازي لأهالي ضحايا الهجمات الانتحارية في 11 سبتمبر. وذلك بعد ثمانية أيام من الهجمات الانتحارية. كما دفع (السعوديون) مبلغ (20.000) دولاراً إلى السناتور السابق (جيمي كالاكر) من أجل إبداء النصيحة والمشورة حول لقاءات المسؤولين (السعوديين) مع جورج بوش وبقية المسؤولين الأمريكان في مجلس الشيوخ والنواب الأمريكي([28]). وتقول صحيفة الصنداي تايمز: ربما تعتقدون أن العلاقات (الأمريكية ـ السعودية) أصبحت سيئة جداً ولكن حكام (المملكة) لديهم قدرة وبراعة فائقة في تسجيل أهدافهم. فقد وافقوا جميعاً على مشروع يهدف إلى إنقاذ اقتصادهم ويجعله أكثر التصاقاً بالغرب بكلفة (25) مليار دولار. لقد طرح مشروع الغاز السعودي قبل أكثر من سنة بعد عدة سنين من المحادثات بصدده. إن أحد أهداف هذا المشروع هو استغلال المخزونات الغازية الهائلة واستخدامه في المراكز الصناعية والمعامل من أجل إيجاد فرص العمل للشباب (السعودي).. ومن جهة أخرى إنها ترسل إشارة سياسية إلى واشنطن بأن الوريث (الشرعي للملك) العليل فهد هو في (جانبنا) وسيرحب بالشركات الأمريكية في (المملكة) [30].
كما عمل النظام السعودي على كسب ود اللوبي الصهيوني المؤثر في الولايات المتحدة، حيث قام عبد الله بن عبد العزيز بطرح ما يسمى ب‍) مبادرة عبد الله للسلام) لتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، يقول الكاتب جارلس كراوثامر: أن خطة السلام (السعودية) مناورة واضحة للتقليل من حدة الغضب الأمريكي بسبب الدور السعودي في هجمات 11 أيلول بالتظاهر كصانعي سلام[30] .
استطاع عبد الله أن يفرض هذه المبادرة على رؤساء الأنظمة العربية في قمة بيروت، إلا أنها لم تجد نفعاً، فقد رفضها شارون عملياً عندما اجتاحت قواته المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية في اليوم الثاني من اعتماد هذه المبادرة من قبل مؤتمر القمة في بيروت، كما ركلها بوش عندما أعلن في خطاب له أنه في صدد دفع الأمور باتجاه قيام دولة فلسطينية مؤقتة في بعض المناطق الفلسطينية. وعلى ضوء بعض التصريحات التي أخذ يدلي بها سلطان وأخوه نايف بدفع من المؤسسة الدينية لإحراج عبد الله، اصدر الأخير أمراً بحصر التحدث باسم النظام بوزير الخارجية سعود الفيصل، حيث ذكرت السفير أن وزير دفاع النظام السعودي (كشف عن قرار أصدره ولي العهد السعودي الأمير عبد الله يقضي بتعيين متحدث باسم المملكة.. وأوضح أن وزير الإعلام فؤاد الفارسي يختص بما يصدر من مجلس الوزراء من قرارات، فيما يعتبر وزير الداخلية نايف بن عبد العزيز متحدثاً باسم السعودية في كل ما يتعلق بأمن البلاد، على أن يختص وزير الدفاع بكل ما يتعلق بالقوات المسلحة والعسكرية وأمن البلاد الخارجي، ويكون وزير الخارجية سعود الفيصل المسؤول عن السياسة الخارجية[30].
الرأي العام في الجزيرة حول فكرة التفتيت :
لا توجد هناك استفتاءات قد أجريت، أو يمكن إجرائها داخل صفوف شعب الجزيرة، ولا توجد هناك أيضاً رغبة من أصحاب القرار في هذه المسألة لإجراء مثل هذا الاستفتاء لبقائهم، رغم الدروس التي مروا بها، تحت تأثير نظرية تهميش هذا الشعب، ولكن من المعروف أن أبناء الجزيرة الذين يمتلكون قيماً أصيلة، لا يمكنهم أن ينزلقوا إلى مهاترات تقوم بين أعدائهم الحقيقيين سواء الولايات المتحدة أو النظام السعودي. فالمعركة الحالية هي معركة بين عميل وسيده، بين سيد يريد إنهاء عميله، وهذا العميل يتشبث بكل ما أوتي من قوة للحيلولة دون تنفيذ السيد لهذا القرار. فأبناء شعب الجزيرة الذين حرموا من أبسط الحقوق الإنسانية، والتي تقرها كل الشرائع السماوية والوضعية، يعرف جيداً أن العقد الذي يربط النظام السعودي بالولايات المتحدة ما هو إلا عقد إجرامي بني على أساس نهب ثروات البلد، وسحق كرامة اعرق شعوب المنطقة، مقابل أن يتمتع الرأسمالي الأمريكي البشع، ويزيد من غطرسته وهيمنته على الشعوب المستضعفة، ومقابل أن يتمتع أفراد بني سعود، وأذنابهم بإشباع شهواتهم التي لا تشبع، وإدامة سلسلة بناء القصور التي لا تنتهي في جميع أنحاء العالم، واقتناء الجواري من جميع الأجناس، ويبقى المواطن يعيش في بيت صفيح، وآخر لا يجد من يؤويه، تحت أقنعة التنمية والازدهار الكاذب للبلد، ولا يعرف ماذا يقول أمام إهانة محافظ نيويورك للوليد بن طلال عندما قدم بذل لمدينة نيويورك ملايين الدولارات كتبرع للولاية بعد تفجيرات 11 سبتمبر فرفضها المحافظ، ولم يلتفت هذا إلى استغاثة امرأة من الشعب لا تجد من يدفع لها ثمن دوائها في بلد الغربة
هذا المواطن الذي يعيش على مياه الآبار، لن يجد ما يقوله في هذه الحملة بين السيد والتابع، ولكنه، وهو الذي رفض المساومة على كرامته وكرامة أمته وقبل أن يعيش الكفاف دون أن يكون أداة بيد النظام، لن يقبل أن تقوم الولايات المتحدة بتنفيذ مشاريعها التي تؤمن مصالحها من خلال ما ترتأيه هي، ولن يقبل للنظام أن يقدم المزيد من التنازلات على حساب البلاد لبقائه في السلطة، فشروط التغيير قد نضجت في أرض الجزيرة ولم يبق إلا أن تبدأ المطحنة بطحن آخر هياكل الفساد فيها .
________________________________________

1ـ من عام 1717م إلى عام 1775م زود سجن أولد بايلي في لندن وحده، زود أمريكا بنحو عشرة آلاف سجين.... إن عدد المحكومين بالأشغال الشاقة الذين نقلوا حتى نهاية القرن السابع عشر إلى مناطق كبيرة في أمريكا بلغ 4500 محكوماً. وبدءاً من مطلع القرن الثامن عشر اخذوا يتوافدون بواسطة سفن كاملة على ميريلاند وفرجينيا. ووفقاً لتخمينات ريتشارد موريس، فإن أكثر من 50.000 مسجون في السجون الانجليزية قد نقلوا إلى أمريكا قبل الثورة. الجريمة على الطريقة الأمريكية ـ فرانك براوننغ ـ ص 92 ـ 93.
2ـ البوريتانية أو التطهيرية: مذهب الجماعة التي تتبع قواعد في السلوك تفوق في شدتها القواعد السائدة عادة وخاصة فيما يتعلق بالنواحي الخلقية والدينية. ونظرة أنصار هذا المذهب إلى المجتمع نظرة ثيوقراطية، ويتمتع فيه رجال الدين بسلطة مطلقة لمراقبة سلوك الأفراد، تفرع هذا المذهب عن البروتستانتية في انكلترا، ونيواسكلند في القرنين السادس والسابع عشر وهاجر الكثيرون من أنصاره إلى أمريكا .
3ـ تاريخ آل سعود ـ ناصر السعيد ـ ص 590
4ـ الخطر اليهودي ـ محمد خليفة التونسي ـ ص105
5ـ نفس المصدر ـ ص114
6ـ نفس المصدر ـ ص146
7ـ ف. ف ماشين ـ الخليج العربي في خطط الغرب ـ ص233
[8] 8ـ وكالة رويتر ـ 22 يناير 1998م
ـ مجلة الثورة الإسلامية ـ العدد 52 أغسطس 1984م 9
ـ الخليج العربي في خطط الغرب ـ ف. ف ماشين ـ ص236 10
ـ صحيفة نيويورك تايمز ـ 4 ابريل 1983م 11
التلفزيونية يوم 16 فبراير 1992م PBS12-شبكة
ـ س. هندرسون ـ ماذا بعد الملك فهد ـ ص83 13
14ـ الواشنطن بوست ـ 12 فبراير 2002م
ـ 24 نوفمبر 2001م 15B.B.C15-
ـ نيويورك تايمز ـ 29 يناير 2002م 16
ـ 21 ابريل 2002م News Max17- وكالة
ـ BBC ـ 1 يونيو 2002م BBC- 18
ـ الجزيرة نت ـ 19 يونيو 2002م 19
ـ بنسون لي جريسون ـ العلاقات السعودية الأمريكية ـ ص94 20
ـ نفس المصدر السابق ـ ص96 21
ـ نفس المصدر السابق ـ ص 90 22
ـ محميات وعملاء لا حلفاء ـ د. تيسير كاملة ـ ص24 23
ـ نفس المصدر السابق 24
ـ القدس العربي ـ 7 أغسطس 2002م 25
ـ البلاد ـ 21 يوليو 2002م 26
ـ موقع إيلاف الالكتروني ـ 19 يوليو 2002م 27
ـ نيويورك بوست ـ 1 مايو 2002م 28
ـ صحيفة الصنداي تايمز ـ 10 سبتمبر 2002م 29
ـ الواشنطن بوست ـ 6 مارس 2002م 30
ـ السفير 35 يونيو 2002م 31