|
إن المراقب للعلاقة بين النظام السعودي والولايات المتحدة والتي بنيت على أساس التبعية الكاملة يلاحظ أن العقد الذي تم بين الولايات المتحدة والنظام السعودي، وبدون رتوش، يتألف من طرفي معادلة طرفها الأول حماية النظام السعودي وتأمين تسلطه على شعب الجزيرة، وطرفها الثاني حماية المصالح الأمريكية وتنفيذ سياستها في المنطقة. وقد استلم أولاد عبد العزيز بن سعود (الأمانة) من والدهم ونفذوا الوصية بدقة، وبما أن العقد المذكور لم يكن منطلقاً من إرادة مستقلة من أحد طرفي المعادلة، أو تناظر في القوة أو الموقف في طرفي المعادلة وإنما كان الطرف الأمريكي هو الأقوى وهو الذي يملي، فقد أصبح العقد يمثل تبعية وليس عقداً صحيحاً. وعلى ضوء ذلك يمكن القول إن أي خلل يصدر من جانب الطرف الأول وهو النظام السعودي تكون نتائجه سلبية على هذا النظام، وليس العكس صحيح. ففي الحالات التي يكون فيها النظام السعودي مقصراً في تنفيذ مأمورياته في نطاق تنفيذ السياسة الأمريكية، نجد أن الولايات المتحدة تلوّح بالتخلي عن حمايته، مما يدفعه إلى الاستغراق أكثر في تبعيته .
واقع طرفي المعادلة:
في الواقع أن الولايات المتحدة، التي كانت تعيش عزلتها منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق (مونرو) في عام 1823 مبدأه، لم تكن بالمستوى الذي يؤهلها لأن تلعب دوراً كبيراً في الصراع الاستعماري القديم. ولعل السبب في ذلك هو أن نشوء الولايات المتحدة كدولة بحد ذاته كان نتيجة للصراع الاستعماري القديم الذي كان أهم أطرافه بريطانيا وفرنسا، وبعد استقرارها كدولة أصبحت الولايات المتحدة مختبراً كبيراً لإنتاج النظريات الرأسمالية، ساعدها في ذلك أن المغامرين الذين قدموا من أوروبا حاولوا في سباق محموم أن يكوّنوا إمبراطوريات مالية كبيرة، مستفيدين من الثروات التي تمتلكها الولايات المتحدة، وتجارة العبيد، وعملية نقل السجناء المحكومين بالأشغال الشاقة من بريطانيا إلى الولايات المتحدة([1])، مع فكر ديني متعصب، جاء به البوريتانيون([2]) من انكلترا، الذي أصبحت مخالفة تعاليمه يعني الكفر والحكم عليه بالموت. ومع التطور الذي حدث في وسائل الإنتاج والذي أدى إلى وفرة كبيرة في البضائع، كان الرأسماليون الأمريكان يفكرون خارج البحار التي تفصلهم عن العالم الآخر، وقد نشطت التجارة بشكل ملفت للنظر، مما دعى الإدارات الأمريكية إلى أن تعمل على تأمين حماية لهذه التجارة التي تشكل عنصراً مهماً في إدامة الحياة الأمريكية .
وجاءت الحرب العالمية الأولى لتضع حداً للعزلة التي اختارتها الولايات المتحدة. فالصراع الدموي الذي شهدته أوروبا في أراضيها والبحار والمحيطات في العالم، لم يكن خطره مقتصراً على دول أوروبا في صراعها من أجل الاستحواذ على العالم، فتجارة الولايات المتحدة هي الأخرى بدأت تتضرر، فإدامة الحرب قد استفادت منه المصانع الأمريكية وتضخم رأس مال الشركات الأمريكية، ولكن مع مرور الزمن بدأت الدول المتحاربة تشعر بالإنهاك، مما يعني ذلك أن الاقتصاد الأمريكي سيتضرر هو الآخر، لهذا دخلت الولايات المتحدة الحرب لغرض حسمها .
وبعد انتهاء الحرب بتسجيل نصر للحلفاء، والذي انضمت إليه الولايات المتحدة، لم تستطع أن تبقى في عزلتها، لذلك اختارت أولاً أن تطرح نظرية استعمارية مخالفة للنظريات الاستعمارية القديمة، هذه النظرية التي طرحها (ولسن) الرئيس الأمريكي، تمحورت حول ما يسمى بالديمقراطية الأمريكية ممزوجة بالعامل الاقتصادي. وقد نضجت هذه النظرية بشروطها الأمريكية في السبعينيات إلا أن الثورة ـ الإسلامية في إيران ـ قد فاجأت المنظّرين الأمريكان، الذين اضطروا إلى مزجها بالعامل العسكري، متراجعين قليلاً عن أسس نظرية (ولسن). وقد طرحت أخيراً بما يسمى بالعولمة، الذي تحركت عجلات قطارها قبل إعلانها لتتوقف أولاً في محطة بنما، ثم تلتها أفغانستان، وأخيراً وليس آخراً محطة العراق.
أما النظام السعودي، الذي فرضت عليه العزلة منذ إقرار وجوده بجهود مكتب الهند للمخابرات البريطانية، والتي قننت بمعاهدة دارين عام 1915م، وحتى عام 1927م (تاريخ معاهدة جدة) لم تكن رموزه من نتاج الرأسمالية، وإنما جاء نتيجة للنظرية الاستعمارية البريطانية، فبريطانيا قد أحكمت سيطرتها على الخليج وأنشأت محمياتها فيه وطردت كل طرف يحاول أن ينافسها عليه، في الوقت نفسه لم تنس الصحراء الكبيرة التي تنفتح على غرب منطقة نفوذها، فعمدت إلى استثمار شهوة بني سعود للتسلط القبلي التي يعيشونها كعقدة منذ أن طردوا من الرياض يجوبون الصحاري بحثاً عن مأوى يأويهم، وشكلت دولة كبيرة، مساحتها أكثر من مليوني كيلو متر مربع، يقودها بنو سعود بعقلية لم تكن تخدم سوى الترتيبات الاستعمارية، متناسية أن الشعب الذي يقطن هذه الأرض أنتج حضارة لا زالت وستبقى تشكل التحدي الكبير لفساد المدنية الأوروبية .
وبعد إفلاس بريطانيا بعد الحرب، وتراجع مكانتها الاستعمارية، وخروج الولايات المتحدة من عزلتها، وقرارها بتنفيذ نظريتها السياسية التي ذكرناها سابقاً، كان النظام السعودي مهيئاً ليكون نموذجاً لتطبيق احد جوانب هذه النظرية .
والواقع أن الولايات المتحدة قد استفادت كثيراً من النظرية البريطانية التي كانت تؤكد على إيجاد نظامين في المنطقة، يقول حاييم وايزمن ـ أول رئيس للكيان الصهيوني ـ في مذكراته: (إنشاء الكيان السعودي هو مشروع بريطانيا الأول... والمشروع الثاني من بعده إنشاء الكيان الصهيوني بواسطته)([3].
وقد عملت بريطانيا على إنشاء هذين النظامين بجدية. وهذان النظامان كانا يحملان نفس التوجه، ونفس الوسائل، رغم وجود الاختلافات نتيجة للظروف الموضوعية التي تحيط بهذين النظامين، فالكيان الصهيوني قد بني على أساس ديني يتمحور حول ما يسمى بأرض الميعاد، متبيناً أيديولوجية تنطلق من التلمود والتوارة، مستفيداً من كل العقد التي ظهرت في الغرب سواء منها الاجتماعية، أو الفصل العنصري، معتمداً على مبدأين مهمين هما الاستحواذ على المال والإعلام، مع بناء ترسانة أسلحة يوفر للكيان الصهيوني تفوقاً كبيراً في المنطقة. جاء في البروتوكول الأول من بروتوكولات حكماء صهيوني: (إن الاستبداد المالي ـ والمال كله في أيدينا ـ سيمد إلى الدولة عوداً لا مفر لها من التعلق به لأنها ـ إذا لم تفعل ذلك ـ ستغرق في اللجة لا محالة)([4]). وجاء في البروتوكول الثاني: (إن الصحافة التي في أيدي الحكومة القائمة هي القوة العظيمة التي بها نحصل توجيه الناس)([5])، وجاء في البروتوكول الثاني عشر: (الأدب والصحافة هما أعظم قوتين تعليميتين خطيرتين ولهذا السبب ستشتري حكومتنا العدد الأكبر من الدوريات) [6].
أما النظام السعودي فقد بني أيضاً على أساس أيدلوجية (دينية) مشابهة في انطلاقاتها وفي تطبيقاتها العملية لنظرية الكيان الصهيوني، مع الاستحواذ على كل ثروات البلاد، مع هوس كبير في الحصول على اكبر قدر من الأسلحة للحصول على تفوق في المنطقة.
كان الكيان الصهيوني يطمح في أن يبني مجتمعاً صهيونياً بلباس غربي، كما أن النظام السعودي كان يحاول أن يبني مجتمعاً (سعودياً) بلباس غربي. وقد عمل النظام السعودي في إطار بناء هذا المجتمع بتكريس سياسته التي تحددت على الشكل التالي:
1ـ إنشاء مؤسسة دينية قوامها الرجال الذين يستفيدون من حركة هذا النظام في تحقيق مآرب شخصية.
2ـ جعل المجتمع في الجزيرة العربية مؤلفاً من طبقات وتتحدد مكانة هذه الطبقات حسب الولاء للنهج الذي يتبناه النظام سواء الديني، أو الدنيوي .
3ـ محاصرة الطوائف الإسلامية الأخرى، والتي لا تلتقي مع نهجه، تمهيداً لشطبها من مجتمع الجزيرة، مستخدماً أساليب كثيرة عمودها الفقري هو الاتهام بالشرك والكفر، مما حرم مجتمع الجزيرة من الطاقات الخلاقة التي تزخر بها الجزيرة العربية، والتي من الممكن أن تساهم في دفع عملية التطور وعلى جميع الأصعدة. وقد أخذت هذه المحاصرة أشكالاً متعددة منها: حرمان أبناء الطوائف الأخرى من الدخول في القوات المسلحة، والدخول إلى الجامعات، والمساهمة في إدارة مؤسسات الدولة وفي جميع المراحل التي تتألف منها التركيبة السياسية في البلاد، وكذلك حرمان أبناء الطوائف الأخرى من المساهمة في النشاط الاقتصادي، سواء الصناعي أو التجاري، حيث انحصرت المكاسب في هذين القطاعين بالدرجة الأولى في المنتسبين لبني سعود، ومن والاهم مما خلق فوارق طبقية كبيرة.
4ـ طرد جميع منتسبي الطوائف الأخرى من مجمل النشاط الديني في البلاد، سواء التبليغي، أو إدارة المؤسسات التابعة لوزارة الأوقاف، الشؤون الإسلامية ووزارة التعليم العالي ووزارة المعارف ووزارة الحج وغيرها وعلى رأس هذه المؤسسات هو إدارة الحرم المكي، ومسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والذي كان يدار من قبل أتباع المذهب المالكي .
هل كانت الولايات المتحدة تدرك خطورة سياسة النظام الداخلية على مصالحها؟
الواقع أن الإجابة على هذا السؤال تأتي من خلال الإجابة على سؤال آخر يتعلق بمساهمة الولايات المتحدة في خلق هذه السياسة وتشجيعها .
إن المتتبع للعلاقة بين النظام السعودي والولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى أساس العقد الذي جرى بينهما، يجد أن النظام السعودي لم يكن مستقلاً في اتخاذ القرارات سواء الداخلية منها أو الخارجية. فالولايات المتحدة التي كانت تدير هذه السياسة في الجزيرة من خلال شركات النفط والمفوضين السياسيين المعتمدين لدى النظام السعودي، استطاعت أن تحول البلاد إلى ولاية أمريكية في تنفيذ سياستها، و لربما تفوق هذه الولاية في تنفيذ هذه السياسة بعض الولايات الأمريكية التي تتمتع باستقلالية في تشريع القوانين. وسوف لا نستغرب ذلك إذا علمنا أن طبيعة نظام الحكم في الجزيرة تحدده الإدارة الأمريكية، يقول (ف. ف ماشين): وقد كشف الرئيس الأمريكي (ريغان) القناع عن حقيقة نظرة الولايات المتحدة للنظام السعودي عندما أعلن في الأول من أكتوبر عام 1981م، في مؤتمر صحفي له جرى في البيت الأبيض. أن الولايات المتحدة لن تسمح بأن تخرج (المملكة العربية السعودية) من المعسكر الغربي كما خرجت منه إيران، ولن تتيح (للعربية السعودية) أن تصبح إيراناً، ولن يتركوا مجالاً يمكن (للسعودية) أن تقع فيه في أيدي أولئك الذين يمكن لهم أن يقطعوا عن الغرب إمدادات النفط الذي يعتبر ضرورة حيوية بالنسبة إليه. وصرح بأعلى صوته على مسامع الملأ كلهم أن على واشنطن منذ اليوم تحديد النظام الذي يجب أن يكون في هذا البلد وأية حكومة يجب أن تحكمه)[7].
وتأسيساً على ذلك أصبح لزاماً على الولايات المتحدة أن تبرمج سياسة النظام الداخلية، فإنها عندما قررت حماية هذا النظام مقابل حماية مصالحها، فإن الخطوات التي اتخذها النظام، والتي كان الغرض منها حمايته، كانت في الواقع من وحي صناع القرار في الولايات المتحدة، وخاصة دوائر المخابرات المركزية، ووزارة الدفاع والخارجية الأمريكيتين. فالمخابرات المركزية الأمريكية تقوم بحمايته أمنيا وتقدم له المعلومات عن المعارضين، أو عن العسكريين الذين يفكرون بالانقلاب العسكري، كما أن وزارة الدفاع تقوم بإرسال المستشارين الذين يعملون كقادة حقيقيين للوحدات في جيش النظام، كما أن وزارة الخارجية تعمل على تحسين سمعة النظام في المحافل الدولية، إضافة إلى برمجة سياسته الخارجية. هذا الفعل قد سبب الكثير من الإحراج للولايات المتحدة أمام المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، بسبب ظهور النظام للعلن بأنه نظام دكتاتوري متسلط وينتهك حقوق الإنسان على كل المستويات. ففي الوقت الذي تعلن فيه الولايات المتحدة، ولأسباب سياسية، أنها تريد مساعدة الشعوب لنيل الحرية السياسية، وتعلن أنها تعمل على تحسين حقوق الإنسان في الأنظمة الدكتاتورية، فإنها تستثني النظام السعودي من جميع إجراءاتها في هذا الصدد، أن سياسيي الولايات المتحدة يظنون أن الطفرة في العائدات النفطية، التي ستنعكس بشكل وسائل لهو ومتعة في البلاد، ستكون عاملاً مساعداً على عدم ظهور ردود فعل على السياسة التي ينتهجها النظام السعودي. كما أن القضية المشتركة التي هي في صلب اهتمام الطرفين، وهي القضية الفلسطينية، والتي أصبحت من المحركات الأساسية للرفض الشعبي لكل الأنظمة الراكبة في القطار الأمريكي، وللوجود الأمريكي والسياسة الأمريكية برمتها، كانت تتطلب في الواقع هذا النهج الذي ينتهجه النظام السعودي في البلاد، كما أنه يريح الولايات المتحدة، رغم خطورة ذلك، والذي يدركه حتماً الساسة الأمريكان ويجهله أو يتجاهله النظام السعودي، لذلك فقمع انتفاضة المنطقة الشرقية عام 1400ه ـ 1979م، وانتفاضة الحرم عام 1400ه ـ 1979م، كانت تدار من قبل عناصر تابعة للمخابرات الأمريكية. إذن نستنتج من ذلك أن الولايات المتحدة كانت هي وراء ما يجري في داخل الجزيرة، وهي المسؤولة عن تقنين هذه السياسة، إلا أنه يمكن القول أنها لم تكن تدرك حجم الخطر الناشئ عن ذلك قبل 11 سبتمبر 2001م، نعم كانت هناك مؤشرات لهذا الخطر بدأت بعد احتلال قواتها للجزيرة في عام/1990م بحجة تحرير الكويت، فردة الفعل التي أحدثها هذا الاحتلال لربما كانت أكبر مما توقعته، فالمأزق الذي وقع فيه النظام نتيجة لذلك وابتعاد رجال كانوا محسوبين على مؤسسته الدينية، جعله يحاول بمشورة أمريكية أن يعلن عن إصدار قوانين تتعلق بالحكم ومجلس شورى. هذه القوانين التي جاءت لتكريس سلطته، وتعبيراً عن استهزائه بعقلية مواطن الجزيرة، كان رد الفعل اتجاهها قاسياً على النظام. فالتفجيرات التي طالت بعض مؤسسات النظام، وتوّجت بتفجير الخبر عام 1996م ضد مؤسسات الجيش الأمريكي في الجزيرة، كان إنذاراً للولايات المتحدة بأن تعيد حساباتها في التعامل مع الوضع. وكانت الولايات المتحدة تتصور بأن الأساليب التي يعالج بها النظام السعودي هذا الوضع ستؤدي إلى ضبط الأمور، وربما استكانت لهذه الترتيبات، رغم أن الأحداث طالت مؤسساتها في دول المنطقة، سواء منها المدنية كما حدث في تفجير السفارتين التابعتين لها في أفريقيا، أو العسكرية كما حدث في تفجير المدمرة (كول) في اليمن .
|