|
ولما كان النظام السعودي هو الدعامة الكبيرة التي تعتمد عليها فـي حماية (مصالحها) فـي المنطقة، إذن لا بد وأن ينصرف تفكير صناع السياسة فـي الولايات المتحدة إلى معالجة الوضع فـي المنطقة بصورة عامة والجزيرة بصورة خاصة عبر تقييم شامل لما حققه النظام على أرض الواقع ومدى مقدرته على الاستمرار فـي تنفيذ مهامه المستقبلية وعلى ضوء هذه المتغيرات، وغير متجاوزين لردة الفعل التي حدثت نتيجة أحداث 11 أيلول للرأي العام الأمريكي الذي تهيمن عليه وسائل الإعلام. وقبل أن نؤشر سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الجديدة تجاه النظام السعودي لا بد لنا من أن نؤكد على بعض الملاحظات.
1ــ إن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك جيداً أن التخلي عن النظام السعودي يعني سيطرة أبناء الجزيرة على مقاليد الأمور الأمر الذي يؤدي إلى نهاية مصالحها).
2ــ حتى لو فكرت فـي إحداث تغيير فـي بنية النظام السياسي فـي الجزيرة للخروج من المأزق، فإنها لن تقوم بذلك قبل إجراء بعض التدابير لدفع مخاطر قد تكون جدية فـي المنطقة حسب تصورها وأهمها وجود النظام العراقي بهذه الهيكلية.
3 ــ إن الخيارات المطروحة أمامها كبدائل للنظام لا يمكن الوثوق بها، وبعضها لا يمكن الالتقاء بها، فالمعارضة فـي المنطقة الشرقية لا يمكن أن تلتقي معها فـي أي حال من الأحوال، كما أن المعارضة السلفية والتي انفصلت عن المؤسسة الدينية للنظام لا تستطيع قبول الأطر الجديدة التي تطرحها الولايات المتحدة، إضافة إلى أنها لم تقدم برنامجاً سياسياً واضحاً من الممكن أن تتفق الولايات المتحدة معها على تعديله وفق هذه الأطر ولكن مستقبلاً من الممكن أن يكون هناك التقاء أما الليبراليون فإن وجودهم فـي عمق مجتمع الجزيرة لم يتجذر وبقي هامشياً، فإنها قد لا تفكر فيه حاليا.ً
إذن ما هي اطر سياسة الولايات المتحدة الجديدة والمحتملة اتجاه الجزيرة؟!
يمكن أن نؤشر ــ اعتماداً على المعطيات السابقة والتي ذكرناها ـ على هذه الأطر:
1 ــ تجزئة الجزيرة إلى أكثر من نظام سياسي لضمان السيطرة عليها بجهود قليلة، لاسيما أن الولايات المتحدة تدرك أن العائدات النفطية الحالية سوف تقل كلما تقدم الزمن لأنها أصبحت هي التي تتحكم بأسعار النفط، وكذلك لنضوب النفط بسرعة نتيجة للسياسة التي يتبعها بنو سعود حالياً وهي استخراج أقصى ما يمكن استخراجه من النفط لتدعيم وجودهم ولتنفيذ لعبة الأسعار التي وضعتها الولايات المتحدة. وقلة العائدات النفطية يعني عودة بني سعود إلى حقبة المعونة الغربية، التي كانوا يعتمدون عليها قبل الطفرة الكبيرة فـي أسعار النفط، وبالتالي عودة الخلافات القديمة والصراع بين مناطق الجزيرة والتي استطاع بني سعود أن يغطوا عليها بهذه العائدات، مما يعني تهديد استقرار الثوابت التي بنتها الولايات المتحدة فـي المنطقة، وحسب سياسة تحقيق مصالحها.
وهذا الاحتمال تؤكده المعلومات التي تسربت إلى مجلة فيغارو الفرنسية، والتي نقلتها عنها المحطة الفضائية (New TV) يوم 19 ديسمبر 2001 الموافق 4 شوال 1422 هـ ، هذه المعلومات كشفت عن خطة أمريكية سرية تقضي بفصل المنطقة الشرقية من (السعودية) عن أرض الحجاز.
2 ــ عدم التخلي عن إطار عائلة بني سعود ولو بدفع الجيل الثاني لهم، على اعتبار أنهم أمريكيون تعليماً وتثقيفاً وتوجهاً، وبالأخص سعود بن فيصل وبندر بن سلطان وليد بن طلال وسيف الإسلام بن سعود، أما عقبة الجيل الأول وهم أبناء عبد العزيز بن سعود فهي قادرة، لما تملكه من خبرة ونفوذ، على تجاوزها.
3 ــ بعيداً عن ضغط وسائل الإعلام الأمريكية، فإن الإدارة الأمريكية ترى أن النظام السعودي فـي الواقع لم يُقصّر فـي واجباته الملقاة على عاتقه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الصحوة الإسلامية التي اجتاحت الشعوب الإسلامية، والتي استخدم أسامة بن لادن الشعارات التي طرحتها هذه الشعوب، بدأت تخيف الولايات المتحدة، لذلك فهي تحتاج إلى أن يكون هناك نظام يلبس قناع إسلامي لخلط الأوراق على هذه الشعوب، وقد برع النظام السعودي فـي هذا الدور ونجح نجاحاً كبيراً، إذن فليس من المنطق الصحيح التخلي عن هذا النظام، لذلك فمن المحتمل أن تعمد الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب وضع النظام السعودي وفق مسارين: ـــ
أ ــ المسار الأول: هو دفع النظام السعودي إلى إدخال تحسينات على النظام الأساسي للحكم ومجلس الشورى، بشكل يظهر أن النظام على طريق تحسين حقوق الإنسان فـي الجزيرة لتلميع صورته، التي صدأت، أمام شعب الجزيرة والشعوب الإسلامية والرأي العام الأمريكي.
ب -المسار الثاني: هو تقوية النظام وإنهاء حالة صراع الأجنحة التي يعيشها فـي ظل قضية خلافة فهد.
ومن هنا نعتقد أن تصريحات عبد الله بن عبد العزيز (ولي العهد)، والتي رصدت من قبل البعض بأنها تؤشر موقفاً وطنياً لعبد الله، بأنها تأتي فـي هذا السياق، ولكن كيف؟
فـي الواقع أن الإجابة على هذا السؤال هو طرح مشكلة خلافة فهد وتفاعلاتها ومن خلال النقاط التالية:
1 ــ نظرة الولايات المتحدة اتجاه آلية انتقال السلطة فـي النظام السعودي: فـي الحقيقة أن الولايات المتحدة، وبعد أن استلمت النظام السعودي من بريطانيا بعد إعلان الأخيرة عن تخليها عن دورها كقوة عظمى، حرصت على أن تكون آلية انتقال السلطة فـي النظام السعودي هي نفس الآلية التي أقرتها بريطانيا والتي تنص على أن الملك فـي أولاد عبد العزيز فـي أولاده على أن يكون المرشح غير مناوئ للحكومة البريطانية.
هذه الآلية فـي الواقع لا تسبب أية مشاكل للولايات المتحدة طالما أن الملك بيده مفاتيح كل السلطة.
ولكن رغم المتابعة والمراقبة الدقيقة للإدارة الأمريكية لهذه الآلية، إلاّ أن هناك متاعب قد ظهرت خلال الفترة التي أعقبت موت عبد العزيز بن سعود، فالولايات المتحدة لا يهمها أن يحكم الابن الفلاني لعبد العزيز أو الآخر بقدر ما يهمها أن يكون ملتزماً بالمهام التي توكلها له الإدارة الأمريكية. وقد ظهرت أول المتاعب للولايات المتحدة فـي هذا المجال بعد استلام سعود السلطة بعد أبيه عبد العزيز فـي 9 نوفمبر 1953 م ـــ 1/2/1373 هـ فبعد مرور فترة على تسلم سعود للسلطة لاحظت الإدارة الأمريكية أن اهتمام سعود بملذاته بدا أكثر من اهتمامه بمهامه الملقاة على عاتقه، كما أن سذاجته، ورعبه من الانقلاب العسكري الذي وقع فـي مصر على الحكم الملكي قاده إلى إعلان بيان فـي 9 يناير 1954 م ــ 5/5/1373 هـ تضمّن تصريحاً خطيراً تجاوز فيه الخطوط الحمر المرسومة عندما قال: (إن إسرائيل سرطان ينبغي على العرب أن يستأصلوه)(1). وقد زاد الطين بلة عندما طلب من الولايات المتحدة فـي صيف عام 1954 م أن تغلق بعثتها الخاصة بالمساعدة الفنية فـي (السعودية) وتسحب العاملين فيها(2). وقد برر النظام السعودي هذا الطلب بصغر حجم البرنامج الذي تقوم به البعثة. فـي حين يرى بنسون لي جريسون أن هذا الإجراء كان بمثابة إيماءة للتعبير عن خيبة الأمل فـي ضالة المساعدة العسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة( 3).
والواقع أن السبب فـي ذلك هو الخوف الذي أصاب النظام السعودي نتيجة التطورات التي ظهرت فـي المنطقة ومن أبرزها الانقلاب العسكري فـي مصر. فبنو سعود يرون أن ما حدث فـي مصر يمكن أن يحدث فـي الجزيرة، لذلك فتحديث الجيش يمكن أن يكون نقمة عليهم، وقد أشار نفس الكاتب إلى هذه الحقيقة عندما يقول: وكانت الحكومة السعودية ـ من جانبها ـ مترددة إزاء الحصول على أسلحة أمريكية، ليس فقط لنقص النقد الأجنبي وإنما أيضاً لأن الأسرة المالكة كانت لا ترغب فـي تحديث قواتها المسلحة إلى الحد الذي يشكل تهديداً بالإطاحة بالنظام من خلال إنقلاب عسكري(4).
وأمام هذه المتاعب التي خلقها سعود قامت بدفع فيصل (ولي العهد)، والذي يملك ثقلاً داخل عائلة بني سعود والخبير بمقتضيات السياسة الأمريكية فـي المنطقة، بالعمل على تعبئة عائلة بني سعود وتمحورها حوله وصولاً إلى تحجيم سلطة سعود ومن ثم إقصائه
وقد نجح فيصل فـي ذلك نجاحاً كبيراً، وقام بدوره بمهارة وإتقان، ولكن عندما تجاوز بعض الخطوط الحمر فكان القرار هو تنحيته، ففي أغسطس 1974 م أصر فيصل بسحب عرض (السعودية)، لبيع كمية كبيرة من النفط فـي المزاد، وهذا العرض الذي كان مقصوداً منه فـي الأصل خفض السعر العالمي للبترول(5). هذا الأمر كان يعتبر مؤشراً خطيراً لا يمكن للإدارة الأمريكية أن تتجاوزه، ومما زاد الطين بلة أيضاً أن فيصل أخبر كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق ـ أثناء اجتماعه به ـ فـي 13 أكتوبر 1974 م ــــ 27/9/1394 هـ إلى أنه سيحاول أن يتوصل إلى خفض فـي السعر العالمي للنفط إذا ما وافقت (إسرائيل) على تقديم تنازلات مهمة.
هذه الأزمة انتهت فـي 25 مارس 1975 م ــ 2/3/1394 هـ عندما أطلق فيصل بن مساعد رصاصاته على فيصل وأراده قتيلاً، وقد استلم أخوه خالد السلطة الذي عين فهد (ولياً للعهد)، وأصبح الأخير هو (الملك) الفعلي. ولما كان فهد هو الأقرب للولايات المتحدة فقد استقرت الأمور كما أرادتها الولايات المتحدة أن تكون، حيث ضمنت أنه سيكون هناك استقرار فـي داخل النظام السعودي على اعتبار أن فهد من الأخوة السديريين الذين يتميزون على الأخوة الآخرين بتبعية غير محدودة للولايات المتحدة.
2 ـ نظرة الولايات المتحدة لعبد الله بن عبد العزيز: كما ذكرنا فـي الفقرة السابقة فإن الولايات المتحدة تنظر إلى استلام فهد للسلطة على أنه بدء مرحلة مستقرة للنظام وكذلك لآلية انتقال السلطة، على اعتبار أن أخوة فهد الذين سيمنحهم فهد المناصب الحساسة فـي النظام هم مرشحون أيضاً لمنصب (الملك) إلاّ أن الذي حدث هو أن خالد مات دون أن يستكمل فهد ترتيباته بهذا الاتجاه. وقد حاول فـي البداية أن يؤخر إعلان اسم (ولي العهد) لحين ترتيب الأوضاع، إلاّ أن محمد بن عبد العزيز، الملقب بـ (أبو الشرّين)، الذي يمتلك ثقلاً كبيراً فـي العائلة باعتباره أكبر من (الملك) خالد، وقد تنازل له عن المنصب، إضافة إلى موقعه السابق من والده عبد العزيز، أجبر فهد على إعلان عبد الله (ولي العهد). وتذكر بعض المصادر أنه عند هلاك خالد فـي الطائف حضر محمد (أبو الشرّين) وسأل فهد عن (ولي عهده)، فأجاب بأنه سيتريث قبل أن يعلن (ولي عهده)، وكانت العادة أن يبايع (الملك) و(ولي العهد) فـي وقت واحد وفي نفس اليوم الذي يتوفى فيه (الملك) ... هنا رفض محمد (ابو الشرّين) ــ وكان حينها أكبر أبناء عبد العزيز الأحياء ــ وقال: هذا لا يكون أبداً وأشار إلى أحقيته فـي (الملك) من فهد، وأنه لن يتنازل عن (الملك) إذا ما أصر فهد على عدم تعيين عبد الله (ولياً للعهد). وافق فهد على هذا الإجراء على أن ينظر مستقبلاً فـي ذلك وبعد أن يرسخ أقدامه وأقدام إخوته فـي السلطة.
من الواضح أن الولايات المتحدة، كانت غير مرتاحة لهذا الإجراء، فعبد الله بن عبد العزيز ليس بالشخص الذي ترغب به، ولكن ليس كما يصوره البعض بأن سبب ذلك هو معارضته للسياسة الأمريكية، ولكن عدم رغبتها به تأتي للأسباب التالية:
أ ــــ إن عبد الله كبير فـي السنن، حيث يكبر فهد بسنتين تقريباً، وهذا يعني أنه فـي حالة استلامه للسلطة ستبدأ نفس المتاعب التي حدثت باستلام سعود للسلطة، ولما كان عبد الله وحيداً ويعتمد على تحالفات مختلفة فهذا يعني بروز خلافات داخل العائلة قد لا تبرز لو أن أحد السديريين يستلم السلطة بعد فهد
ب ــــ إن عبد الله بن عبد العزيز يعرف الكليات فـي سياسة الولايات المتحدة داخل الجزيرة وليس التفصيلات، فهو لم يتقلد حقيبة وزارية، أو أسندت إليه مهمة سياسية، وقد كان إسناد قيادة الحرس (الوطني) له ضرورة اقتضتها حالة الصراع بين السديريين وبقية الأخوة لذلك فالولايات المتحدة تعتبره جاهلاً بمفردات سياستها.
ج ـــ وقد برزت تحفظات الولايات المتحدة أكثر جدية نتيجة لتمسك عبد الله بقيادة ما يسمى بالحرس الوطني، وإصراره على تطويره وجعله قوة كبيرة موازية لقوة الجيش، الأمر الذي تخشى منه الولايات المتحدة هو قيام عبد الله بتغيير خريطة آلية انتقال السلطة داخل النظام السعودي، وبالتالي انهيار بنيان مضى عليه عشرات السنين، كان ثمرة عقليات مخابراتية عريقة فـي الإدارة البريطانية والأمريكية.
د ــــ فـي حالة استلام عبد الله السلطة وقيامه بتغيير آلية انتقال السلطة ربما سيجر هذا العمل إلى بروز تكتلات عديدة داخل عائلة بني سعود، التي وصل تعدادها إلى أكثر من خمسة آلاف شخص، هذه التكتلات ربما ستجر إلى تدخل أطراف أجنبية مما يهدد مصالح الولايات المتحدة .
كما أن بروز التكتلات وخلافات داخل عائلة بني سعود سيؤدي إلى قيام المعارضة النشطة فـي الجزيرة على كل اتجاهاتها باستغلال هذه الحالة وتحقيق ما لا يحمد عقباه بالنسبة للولايات المتحدة.
3 ــ قلق الأمريكيين وإجراءات الأخوة السديريين: بات من الواضح أن الأمريكيين يشعرون بالقلق الجدي من اقتراب عبد الله من استلام السلطة، ولم يعد هذا القلق تخميناً تلوكه وسائل الإعلام، وإنما هو حقيقة واقعة، وقد بدأ هذا القلق يظهر للسطح منذ عام 1994 م، عندما بدأت الأخبار تتحدث عن تدهور حالة فهد الصحية. فـي وقتها أرسلت الإدارة الأمريكية إلى الرياض وفداً رفيع المستوى لبحث أمور الخلافة، وهذا الوفد الذي ضم (مارتن إندايك) تمحورت أهدافه حول استقصاء المعلومات حول مسائل خلافة فهد (1). كما ذكرت صحيفة الصاندي تلغراف اللندنية: أن الولايات المتحدة أعدت خطة سرية لممارسة نفوذها لتعيين (الملك) المقبل فـي البلاد (2) . وأثناء الأزمة الصحية التي تعرض لها فهد عام 1996 م، والتي قام على أثرها بتكليف عبد الله بتولي أمور البلاد مؤقتاً، أعلنت وقتها الولايات المتحدة ارتياحها وقالت: إنها مرتاحة لتولي (الأمير) عبد الله شؤون الدولة، وأنها تعتبر ذلك إجراءاً مؤقتاً وليس دائمياً (3)!! وعبارة (مؤقتاً وليس دائمياً) والتي وردت بتصريح الإدارة الأمريكية هو تأكيد على أن الإدارة الأمريكية لا ترغب بأن يكون عبد الله هو (ملك) البلاد مستقبلا.ً
أما ما هي إجراءات السديريين لمواجهة معضلة اقتراب عبد الله من استلام السلطة؟!
فـي الواقع أن الأخوة السديريين (فهد وأشقائه) قد اهتموا بذلك اهتماماً جدياً، وخاضوا صراعاً ظهرت بوادره إلى السطح، وقد تمثلت إجراءاتهم على النحو التالي:
أ ـــ حاول فهد عندما بايعته عائلة بني سعود (ملكاً) بعد وفاة أخيه خالد أن يدفع عبد الله عن (ولاية العهد) ولكنه لم يتمكن بسبب (أبو الشرّين) وكما ذكرنا سابقاً.
ب ــــ حاول فهد من خلال إصدار النظام الأساسي للحكم أن يلتف على التقليد الذي أرساه عبد العزيز فـي تعيين (الملك) عندما جاءت المادة الخامسة من النظام المذكور لتنص على أن يختار الملك (ولي العهد) ويعفيه بأمر ملكي ويكون (ولي العهد) متفرغاً (لولاية العهد وما يكلفه به الملك من أعمال) ويقول معهد الدراسة الأمريكية عن السعودية (التي صدرت عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) أن هذا التغيير تضمن مفاجأة مذهلة لأوساط آل سعود فـي الخارج والداخل، فلقد أعلن (العرش) هو لأبناء ابن سعود ومنهم لأبنائهم ... وأن الملك هو من يختار وريثه الشرعي وبإمكانه تحريره من مهامه بأمر ملكي، حيث أن الوريث الشرعي يستطيع تسلم السلطة فـي حال وفاة (الملك) وبانتظار تقديم الولاء له ... ووفقاً لمصادر متعددة، فإن هذا القانون روّع العديد من كبار الأمراء، وقيل أن (ولي العهد) عبد الله كان (حانقاً) غاضباً لأن القانون جدد منصبه كوريث شرعي ، كمجرد نزوة (للملك) فهد وليس كحق له باعتباره التالي فـي خط الخلافة . (1)
فـي الواقع أن هذه الفقرة التي وردت فـي المادة الخامسة من النظام الأساسي وضعت خصيصاً لتجريد (ولي العهد) من رئاسة الحرس الوطني، حسب رأي مناصري عبد الله، الذي يقولون بأن المادة التي اقترحها (الملك) أساساً ـــ حسب توصية صبري العسيل مستشار الملك القانوني ـ تفيد بصورة قاطعة أن لا يتولى (ولي العهد) أي منصب غير ولاية العهد ... وحين ناقش (الملك) اللجنة المكلفة بوضع الأنظمة اعترض الشيخ عبد العزيز التويجري، نائب رئيس الحرس الوطني المساعد، وهو أحد الرجال المعتمدين (لولي العهد).... فقال (الملك) فهد أن هذا لا علاقة له بموضوع (الأمير) عبد الله .... فرد التويجري، وبذكاء، بأنه لا يبحث مسائل تتعلق بالأخوة (فالملك) و(ولي عهده) عبد الله قادران على حل ما بينهما من خلافات إن وجدت ولكن ــ وهنا بيت القصيد ـ (الملك) سيكون مقيداً حسب هذه المادة، فـي إيكال أي عمل (لولي عهده) ... واقترح إضافة جملة (وما يكلفه الملك من أعمال)(2)
وقد حاول الجناح السديري أن يظهر هذا المعنى الذي تضمنه هذا التغيير فـي موضوع الحكم وذلك عن طريق إثارته بصورة أخرى حيث نشرت جريدة الحياة فـي اليوم التالي لصدور الأنظمة وتحت عنوان (الأمير عبد الله يستمر ولياً للعهد) لقد أرادت الصحيفة (وهي مدعومة من جناح الملك) فيما يبدو الطعن والإثارة حول مسألة تولي عبد الله (لولاية العهد)، والتأكيد بان استمرار الأخير فيها مرهون بأوامر (الملك).... وقد اعترض عبد الله على الأمر مما أدّى إلى منع توزيع الحياة فـي (السعودية) فـي ذلك اليوم (3)
ج ـــ حاول فهد الضغط على عبد الله للتخلي عن قيادة الحرس (الوطني)، وذلك لتجريده من قوته الفعلية، ومن بعدها يمكن إزاحته عن (ولاية العهد)، إلاّ أن الملاحظ أن عبد الله كان يدرك هذه الحقيقة ويدرك خطورة هذا الإجراء، لذلك رفض هذا الاقتراح وظل متشبثاً بقيادة الحرس وقد ضمّن عبد الله ـــ حسب ما ذكرته مجلة الشراع فـي عددها الصادر يوم 13 جمادى الثانية 1417 هـ ــ موافقته على ذلك بتحقق شرطين لا يمكن لفهد أن يقبلهما، هما أولاً أن يقوم عبد الله بتعيين قائد الحرس بنفسه ومن الأشخاص الذين يختارهم، وثانياً أن يتنحى سلطان بن عبد العزيز عن وزارة الدفاع والطيران.
د ـــ حاول سلطان أن يقحم المؤسسة الدينية أو بمعنى آخر إقناعها بضرورة ترشيحه لخلافة فهد أثناء الأزمة الصحية التي انتابت فهد عام 1996 م . (4) |