هــ ــــ حاول السديريون خلط الأوراق على بقية أفراد العائلة عن طريق طرح إشكالية تواجه حكم العائلة وهي حسم مسألة (ولاية العهد) فـي الحكم (السعودي) لمحاولة زعزعة (ولاية) عبد الله. وقد تطوع (الأمير) طلال بن عبد العزيز بطرح ذلك حيث كان يصرح قائلاً: أن (ولاية العهد) فـي (السعودية) ليست محسومة بعد تولي (ولي العهد) الحالي (الأمير) عبد الله بن عبد العزيز (العرش). ودعا (الأمير) طلال إلى إصدار مذكرة تفسيرية للنظام الأساسي (السعودي) تنظم (ولاية العهد) (1). وقد اختير طلال لطرح ذلك على اعتبار أنه ليس من الأخوة السديريين، وبالتالي فلن يحرج فهد.
فـي الواقع أن كل الخطوات التي سار بها السديريون تجاه تغيير آلية انتقال السلطة فـي داخل النظام هي تحت المجهر الأمريكي، وتبقى فـي مرحلة الأماني، لأن الأمر أساساً يهم الولايات المتحدة وهي التي تقرر ما يكون شكل السلطة فـي البلاد، وقد عبّر ريغان الرئيس الأمريكي الأسبق عن ذلك بصراحة وبكلام غير قابل للتأويل عندما صرح فـي الأول من أكتوبر عام 1981 م ـــ 3/12/1401 هـ فـي المؤتمر الصحفي الذي جرى فـي البيت الأبيض قائلاً: (أن الولايات المتحدة لن تسمح بأن تخرج المملكة العربية السعودية من المعسكر الغربي كما خرجت منه إيران) ويعلق ف. ف. ماشين على ذلك قائلاً: وفـي جوهر الأمر أعلن ريغان نفسه حامياً للمملكة وصرخ بأعلى صوته على مسامع الملأ كلهم أن على واشنطن منذ اليوم تحديد النظام الذي يجب أن يكون فـي هذا البلد وأية حكومة يجب أن تحكمه. (2)
تصريحات عبد الله الأخيرة:
أصبح من الواضح إذن، ومن خلال ما عرضناه، ما يلي:
1ــ إن عبد الله ضعيف اتجاه مراكز القوى الخارجية المتمثلة بالولايات المتحدة ورغبتها فـي رسم آلية انتقال السلطة داخل النظام السعودي حسب ما يقتضيه ضمان (مصالحها) فـي البلاد والمنطقة، والداخلية المتمثلة بوجود الأخوة السديريين واستحواذهم على كل المراكز الحساسة فـي السلطة.
2 ــ حتى ولو استلم عبد الله السلطة فإن وضعه لن يستقر وستجري عليه العملية القيصرية التي أجريت لسعود بن عبد العزيز أو لفيصل بن عبد العزيز، وقد ذكرنا سابقاً وحسب ما نشرته صحيفة الصاندي تلغراف اللندنية عام 1416 هـ أن الولايات المتحدة قد أعدت خطة سرية لممارسة نفوذها لتعيين (الملك) المقبل فـي البلاد.
3 3ـــ إن عبد الله لا يكّن للولايات المتحدة الحب الحقيقي لا لقضية مبدئية ولكن بسبب عدم رغبة الولايات المتحدة به.
وأمام هذه الحقائق التي أشرنا لها، ومعرفة عبد الله الأكيدة بضعف كفته تجاه كفة الأخوة السديريين المدعومة برغبة الولايات المتحدة فـي تنحيته، يحاول عبد الله العمل فـي اتجاهين:
الاتجاه الأول: محاولة إيجاد مناصرين فـي داخل البلاد، وفي دول المنطقة. ولما كان يعرف بصورة قاطعة أن الأجهزة السياسية الرسمية فـي البلاد أو فـي دول المنطقة هي أجهزة تعمل ضمن الإطار العام للتبعية، فإن اهتمامه اتجه إلى الشعوب، وهذا ما يفسر لنا ما خرج به علينا عبد الله من تصريحات فاجأت الجميع، حتى أن البعض من الذين يعرفون حقيقة بني سعود قد خُدع بهذه التصريحات. وفـي نظرة لكلمته التي ألقاها فـي مؤتمر القمة الخليجية الأخيرة نلاحظ ذلك جلياً من خلال قوله: إنّ تغيير الواقع الأليم، لا يتسنى إلاّ بتغيير أنفسنا أولاً، ... إن هذه المشاهد الأليمة تحتم على الأمة العربية والإسلامية فـي مشارق الأرض ومغاربها أن تواجه مسؤوليتها التاريخية التي تتطلب محاسبة النفس قبل محاسبة الغير، ولا يكون ذلك إلاّ بمواجهة أسئلة ملحة وخطيرة طالما تهربنا من مواجهتها فـي الماضي ... إن وقتنا أثمن من أن نضيعه فـي استجداء الدول والمنظمات الدولية واستعطافها، وقد فعلنا هذا، عبر عقود طويلة من الزمن، بلا جدوى ... واحسبنا لا نتجاوز الحقيقة إذا اعترفنا إننا جميعاً، ولا استثني أحداً، بأننا أخطأنا فـي حق امتنا الكبرى.
كذلك نجد هذا الأمر قد أشار إليه فـي لقائه مع صحيفة نيويورك تايمز وواشنطن بوست حيث يقول: نجد من الصعب جداً الدفاع عن أميركا فـي المناخ الحالي وأضاف ان على أميركا إن تتبع ضميرها وترفض القمع!!
الاتجاه الثاني: هو التقرب من الولايات المتحدة ومحاولة إيجاد ما يعينه على الخروج من مأزقه، مستفيداً من الوضع المعادي الذي نشأ داخل الرأي العام الأمريكي للنظام السعودي بعد تفجيرات 11 سبتمبر، لذلك نراه يقول فـي كلمته فـي مؤتمر القمة الخليجية الأخيرة: إن امتنا العربية والإسلامية تضررت أبلغ الضرر بسبب تصرفات رعناء لقتله رفعوا شعارات الإسلام، والإسلام منهم براء ... لذلك فواجب المسلمين جميعاً فـي هذه الظروف إدانة الأعمال الإرهابية كافة دون لبس أو غموض، وإدانة من يؤازرها بقول أو فعل.
والواقع أن عبد الله يريد أن يقول للأمريكان أنه مستعد لتنفيذ كل الخطط الأمريكية والتي تريد أن تطبقها فـي هذا المجال، وكتم كل الأنفاس التي تعاطفت مع أسامة بن لادن وتنظيمه حتى ولو كانت المؤسسة الدينية نفسها، التي أعلن بعض رموزها تأييدهم لأسامة بن لادن، وهذا أقصى ما يستطيع إن يقدمه كما أنه يريد أن يقول أن السديريين المدعومين من قبلكم لم يستطيعوا أن يتجاوزوا هذا الخط الأحمر لحد الآن.
ولكي يوازن بين الخطابين، الخطاب الذي وجهه لشعوب المنطقة والخطاب الذي خاطب به الأمريكيين، اضطر إلى التصريح عبر صحيفة نيويورك تايمز وواشنطن بوست بتأريخ (15/11/1422 هـ) قائلاً: أنه لا يكن للولايات المتحدة عداءاً، وأضاف: اتهمت بأنني اتخذ موقفاً نقدياً من الولايات المتحدة ولست ميالاً إليها ... ردي هو: اسألوا الرؤساء الذين تعاملوا معي، الرئيس كارتر والرئيس ريغان والرئيس بوش والرئيس كلينتون، والرئيس بوش الابن الذي أتوقع أن أطور علاقة قوية معه. ولكي يطمأن أفراد عائلة بني سعود وخاصة الذين فـي موقع خلاف مع السديريين قال: إن (المملكة) ليست لديها أي نية فـي تبني الديمقراطية الأمريكية.
إذن هذه هي حقيقة أسباب تصريحات عبد الله الأخيرة، ولا يمكن لعاقل أن يخدع بما يطرحه بنو سعود مهما كانت تحمل تصريحاتهم من مفاجئات.
___________________________
_____________
(1) ناصر السعيد ـ تأريخ آل سعود : ص 868.
(1) بنسون لي جريسون ــ العلاقات السعودية الأمريكية: ص 90. 7
(2) نفس المصدر السابق.
(3) نفس المصدر السابق.
(4) نفس المصدر السابق.
(5) نفس المصدر السابق: ص 121.
(1) دراسة أمريكية عن (السعودية) صدرت عن معهد واشنطن السياسة الشرق الأدنى.
(2) كيهان العربي 6 رجب 1416 هـ.
(3) صحيفة الشعب 5 يناير 1996 م .
(1) دراسة أمريكية عن (السعودية) صدرت عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. رسالة الحرمين العدد 50/51 جمادى الأولى 1415 ـ ص 65.
(2) مجلة الجزيرة العربية ــ العدد 16 ذو القعدة 1416 ـ ص 34.
(3) نفس المصدر السابق: ص 35.
(4) الشعب 5/1/1996 م .
(1) مجلة العالم 4/ جمادى الأولى / 1418 هـ.
(2) ف. ف. ماشين ــ الخليج العربي فـي خطط الغرب: ص 233.

مركز الحرمين للإعلام الإسلامي 1/12/1422 هـ