|
ولكن ما الحل إذا كانت الشرعية قد هربت عن الملك الزعيم ؟.. فهل يورث الشرعية الهاربة لأصحاب السمو، الملوك القادمين؟
وفي معرض حديث الكاتب ـ السابق الذكر ـ عن فضائل ومزايا الحكم الملكي الذي ذمه القرآن والأحاديث مرات عديدة يقول: (في النظام الملكي، ولاية العهد محددة في حياة الملك، وليس هناك تساؤل يقود للتصارع ، حول خلافة الملك).
إن تحديد ولاية العهد ليست ميزة للنظام السعودي، بل سلبية كبرى، تحسب عليه .. أما أنها لا تقود للتصارع حول خلافة الملك، فهي ليست مبرراً لتخطي كتاب الله وسنة رسوله وخلفائه الراشدين، فضلاً عن كونها غير صالحة للتطبيق . وقد دلت تجربة الحكم الماضي بأن الصراع على الحكم وطلب الرئاسة صفة من صفات الأمرا، وما تنحية سعود عن الحكم، بعد صراعه الطويل مع فيصل، إلا مثالاً واضحاً في هذا المجال.. كذلك الصراعات الحالية التي تدور بين أجنحة الحكم المختلفة، أثبتت أن تعيين ولي للعهد، لا يعني دفن الصراع والقضاء على بذوره.
وهذا كاتب سعودي ثالث يتحدث عن نظام توارث العرش بالقول:
"هناك سمة مشتركة بين كل صور الأنظمة الملكية، ألا وهي ما يعرف بـ "نظام توارث العرش" .. الذي يعتبر حجر الزاوية في النظام الملكي الدستوري [12] السعودي…".
وفي هذا الصدد يحدثنا الدكتور جعفر عبد السلام [13] ، في كتابه "النظام الإداري السعودي" ، "بأن وراثة العرش في الأنظمة الملكية تكون جبرية، ولأكبر الأولاد سناً، ومن هنا تأتي عيوب النظام الملكي التقليدي، والتي تتمثل في حصر الملك في هذه الطبقة، وقد تكون فاسدة، أما في المملكة العربية "السعودية"، فان النظام يختلف ، فمن ناحية وراثة العرش، يلاحظ أنها ليست جبرية، وإنما يلزم قبلها العهد بها إلى شخص معين من الأسرة".
"وقد جرى التقليد على حصر وراثة العرش في أبناء الملك "عبد العزيز"، فيتولى العرش منهم الأخ بعد أخيه، لا الولد بعد أبيهن مع ترجيح الأكبر سناً"[14].
ويضيف المؤلف :
(أن نظام توارث العرش السائد في المملكة نظام مقيد، فكما ذكر سابقاً، ان وراثة العرش في المملكة ليست جبرية، وإنما يلزم قبلها العهد بها إلى شخص معين من الأسرة …)[15].. وهكذا يكون التقييد في الأسرة، وليس بأحكام الشرع!.
الملاحظة الرابعة:
جاء في بلاغ مجلس الوكلاء والشورى، انّه لما كان سعود يتحلى بكلية الأوصاف الشرعية، وقد اشتهرت عدالته وصفاته الممتازة بين الجميع ، فإنهم يبايعونه بولاية العهد..
ونحن هنا لا نريد أن نكرر القول بأن صفات ولي العهد، حتّى لو بلغت درجة عالية، وأنه الأصلح والأجدر، فان تولية العهد وطلب البيعة له بالإكراه أو بالرضا، تفقد الموَلّى شرط العدالة، لأنه خالف الشرع، وأن ولي العهد حتّى ولو كان نظيفاً وأصلح الناس، فانه بقبوله ولاية العهد بالصورة التي ذكرناها، تفقده شرط العدالة أيضاً .
لكننا سنبحث هنا صفات الحكام "السعوديين" وأهليتهم للحكم ومدى انطباق الشروط الإسلامية عليهم، من خلال استعراض صفتين "فقط" من صفات الحاكم الإسلامي :
الأولى .. العلم والثقافة :
(إن هذا الشرط يتضمن عنصرين : أحدهما معرفة الإسلام نفسه في عقيدته أولاً .. أما العنصر الآخر فهو الثقافة العامة للعصر، التي تعينه على تطبيق المبادئ والأحكام وعلى استيعاب المشكلة الزمنية المعاصرة وحلها في إطار مبادئ الإسلام عقيدة وشريعة ..
وأن رئيس الدولة، إمام المسلمين وأميرهم، هو المرجع الأعلى في الدولة للاجتهاد في التشريع ولتطبيق الأحكام على الأحداث النازلة في شؤون السياسة والعلاقات الاجتماعية، مع وجود مبدأ الشورى، لذلك كان الأصل أن يكون رئيس الدولة الإسلامية بالغاً درجة عالية في فقه الإسلام وفهم مبادئه وحسن تطبيقها، وإن كان ينبغي أن يكون معه من العلماء من يستشيرهم ويأخذ آراءهم تجنباً للاستبداد، واستنارة بمختلف الآراء.
كما أن الدول التي تقوم في عصرنا الحاضر على عقائد ومذاهب، يخُتار رؤساؤها من أعلم الناس بالمذهب الذي تلتزمه تلك الدولة وأعمقهم فهماً له، وأحسنهم إدراكاً لأهدافه، ليتمكن من سياسة الدولة على أساسه في شؤونها الخارجية والداخلية، وليتمكن من تحقيق مقاصدها.
وبهذا يتضح أمامنا هذا الشرط الذي أورده الماوردي في شروط الإمامة "العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام" ، وذكره أبو يعلى بإيجاز فقال : إن الإمام يجب أن يكون "من أفضلهم في العلم والدين".
المهم في الأمر أن رئيس الدولة في وجهة النظر الإسلامية، يجب أن يكون بالغاً الحد الأعلى من الثقافة الإسلامية، التي على فلسفتها وعقيدتها وعلى تشريعها وأحكامها تبنى الدولة، حتّى يستطيع تسيير هذه الدولة نحو أهداف هذه الثقافة وفي مسالكها…)[16].
إن صفة العلم بالدين، واشتراط الحد الأعلى من الثقافة الإسلامية، لم تنطبق على أي ملك من الملوك "السعوديين" وولاة عهودهم.. وكيف يكونوا كذلك وهناك العلماء وكبار الفقهاء؟.. فلم يعهد إن ابن سعود ـ مثلاً ـ كان أكبر عالم بالدين، والفقيه الأول في البلاد.. كما لم يكن من أولئك الذين يمتلكون قسطاً وافراً من الثقافة العامة. وإذا كان الرئيس المتفقه في الدين، والملم لخلفيات الثقافة الإسلامية، لا يجوز له الاستفراد بالحكم، ويجب عله مشاورة العلماء الآخرين الذين هم أدنى مرتبة منه، فكيف نقبل بتبرير أن ابن سعود هو الأصلح، بمجرد أنه يستفتي العلماء المقربين منه في بعض مسائل الحكم، التي يتأكد له أنهم يوافقونه الرأي فيها؟
أما الملك سعود، فانه يوم ولي العهد، كان هناك عشرات الفقهاء الكبار، ولكن لأنه ابن الملك الأكبر، أصبح هو الحاكم من بعده، رغم أن هناك من هو أعلم منه، وهو الذي لم يطلع إلا على قليل من الثقافة الدينية، ولم يلتزم بما هو أقل منها.. فهل مثله يحق له الحكم؟
يقول الحسن البصري : (أربع خصال كن في معاوية، لو لم تكن فيه إلا واحدة لكانت موبقة : انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتّى أخذ الأمر من غير مشورة .. وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه سكِّيراً خِّميراً يلبس الحرير ويضرب الطنابير، وادعاؤه زياداً .. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" .. وقتله حجراً وأصحاب حجر، فيا ويلا له من حجر، ويا ويلا له من حجر وأصحاب حجر).
فتبين الصفتين الأوليتين، كيف أنهما تنطبقان على ابن سعود وابنه سعود؟.. فهو جاء إلى الحكم بالسيف رغم أنف الأمة وفيها من العلماء وذوي الفضيلة من فيها، خصوصاً في الحجاز.. كما أنه استخلف ابنه سعود ـ بذات الطريقة التي استخلف فيها معاوية ابنه ـ وهو يعلم أنه غير جدير بها، وأنه يميل إلى الهوى والفساد وقد قال تعالى :
(ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً).
وينقل عن ابن سعود أنه قال ذات مرة في أكبر أولاده الأربعة (إن سعود يحب الأبهة "والمظاهر" والزينة والقصور والرياش والجواري، وفيصل يحب السلطة والحكم والرسميات، أما خالد فالأجدر به أن يكون إماماً لمسجد، وأما محمد فهو "أبو شرّين" .. أبعدوه عنِّي..".
أما الملك فيصل، فهو لا يختلف عن أخيه الأكبر سعود، إلا بفارق أنه أكثر كفاءة من أخيه، ولكن هذا لا يعني أنه "الأكفأ" على الإطلاق .. أما ثقافته الدينية ، فهي قليلة رغم أنه تربي في بيت جده لأمه" الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ"، ولم تؤثر على مسلكه الشخصي يوم كان شاباً يدير منطقة الحجاز. . لكنه وفي صراعه مع أخيه، دعمه آل الشيخ الذين ينتمي إليهم من جهة أمه، والذين يشكّلون عصب المؤسسة الدينية الرئيسي، وراح هؤلاء يندّدون بممارسات سعود ومسلكه الشخصي، فكان المقابل له وهو فيصل، الوجه المتديّن المدعوم من رجال الدين، ولم يكن الأخير حاله خافياً عن الآخرين وخصوصاً رجال الدين، إلاّ لأنّه بعيد عنهم في الحجاز.
كما أنّه في صراعه مع عبد الناصر، حاربه بوجه ديني، فطرح نفسه كزعامة دينية مقابل الزعامة القومية.. ولكن ما تجدر الإشارة إليه هو أن فيصل لم يكن متجاهراً بالفسق، خصوصاً بعد توليه الملك ، فثقل المسؤولية وكبر السن، فرضا نفسيهما عليه، بعكس سعود..
وعلى أيّة حال،لا يمكن القول أن ثقافة فيصل الدينية والدنيوية "العامة" تؤهّلانه لتسنم منصب الملك، لو لا اتساع الهوة بين العقيدة والشريعة، أي بين الدين والسياسة، الأمر الذي أبعد رجال الدين والعلماء عن تبوء المنصب الأعلى في الحكم.. هؤلاء الذين اكتفى معظمهم ـ رغم إيمانهم بعدم الفصل بين الدين والسياسة ـ بممارسة الطقوس والشعائر والمهمات الدينية، بعيداً عن الاهتمام بالمشاكل السياسية والاجتماعية ..
ولعل خالد ـ الملك السابق ـ تتجسّد فيه كل ضروب الجهل بالدين والدنيا، فلا علم ولا ثقافة ولا أي أمر آخر يمكن القول أنه أهله للوصول إلى الملك الذي لم يمارسه سوى بالاسم.. وقد كان وصوله إلى الحكم وتوليه العهد يرجع إلى سبب واحد، لا يتعلق بالعلم الديني أو غيره، ألا وهو تنازل شقيقه محمد .. المشهور "بأبي الشرّين" له بولاية العهد، فأبو الشرّين ترتيبه ضمن أبناء الملك "عبد العزيز"، الثالث ، ويأتي بعد سعود وفيصل، بينما ترتيب الملك خالد الرابع.. وكان من حسن حظّ الأخير أن ترتيبه الرابع، وقد وصفته مجلة نيوزويك الأمريكية بشيء مطابق للحقيقة ، فقالت "إنّه رجل صيد أقرب منه إلى رجل سياسة"[17]..
والملك خالد ليس فقط لا يفقه في الدين، بل وحتى القراءة لا يحسنها، كما توضح ذلك في كل الكلمات القصار التي كان يتلوها من على صفحات الورق، فهو بعد التلقين والتكرار ووجود الخطاب مكتوباً، يحتاج إلى شخص آخر يملي عليه، كما حصل أثناء انعقاد مؤتمر القمّة الإسلامي في الطائف، حينما نقل التلفزيون كلمة خالد الافتتاحية، فكانت فضيحة ما بعدها فضيحة، حيث كسر الملك رأس سيبويه ونفطويه وابن الأخفش، برفع المجرور وجرّ المرفوع ونصب المجرور ورفع المنصوب، إضافة إلى التعتعات والتوقفات، وكان فهد الجالس بالقرب منه يسعفه في التلقين، حتّى غلب صوته على صوت الملك، على مسمع ومرأى من الرؤساء والملوك العرب، وعلى مسمع من المواطنين الذين تابعوا الخطاب من على شاشة التلفزيون، دون أن تخجل وزارة الإعلام فتمتنع عن عرضه .
وقبل هذا ، حدث في الخطاب الذي ألقاه الملك خالد في لندن بمحضر من الملكة اليزابيت، أثناء زيارته لها عام 1980 م ، حيث راح الملك يحدو ويشدو إلى أن اضطر المشرفون على التلفزيون أن يختاروا مقاطع من الحديث المقروء..
وكان إخوة الملك أدرى بجهالة أخيهم، فكانوا إذا ما داهمته الحاجة واضطروا لأن يلقي الملك كلمة، يتعمدون بأن تكون قصيرة لا تتجاوز بضعة اسطر..
هذا عن خالد، أما فهد الملك الحالي، فالصحافة المحلية لا زالت تصفه بـ "رائد العلم والثقافة" وأب النهضة التعليمية، وتصوره الصحافة على أنه ذكي.. بل خارق للذكاء، مطلع .. بل واسع الاطلاع ، يحب القراءة ويقدر العلم والأدب ومرتاديه.
إن السمة التي تجمع بين أبناء "عبد العزيز" الذين تولّوا الملك ، هو أن أيّاً منهم لم يتلقّ أي تعليم مدرسي أو أكاديمي، سوى الملك الحالي، الذي أخذ الشهادة الابتدائية في مدرسة الأمراء في الرياض.. أما الثقافة الدينية، فإن كل أبناء "عبد العزيز"، يعرفهم كتاب Who is Who in Saudi Arebia بأنهم تلقّوا تعليماً دينياً وسياسياً على يد أبيهم مؤسّس المملكة !، ومن ضمنهم بالطبع "الملك فهد".
ولكن أين هي ثقافة فهد الدينية والعلمية؟
إذا كانت الثقافة تعرض بالأفكار والمعارف التي تصوغ نفسية الإنسان وتوجه سلوكه، وإذا كانت الثقافة الإسلامية تعرف بأنها تلك التي تعطي للإنسان الرؤية الإلهية التي ينظر من خلالها للحياة والمجتمع، والتي تدفع به للسلوك المسؤول، والقيام بالواجب تجاه الله وخلقه.. فإننا نقطع بأن الملك الحالي ـ كما الملوك السابقين ـ ومن خلال ملاحظة سلوكياته الشخصية والسياسية، أنه لا يفقه الثقافة الإسلامية ولا يلتزم بها.. ومن جانب ثقافته العلمية فلا نعتقد أن الشهادة الابتدائية تمكّنه من إدارة دولة ترفع شعار الإسلام.. فكيف يكون مثله حاكماً لدولة "إسلامية" كما يدّعي المدّعون!؟..
على أية حال، ما ينبغي التأكيد عليه هنا، هو أن الملوك "السعوديين" بمستوياتهم التعليمية الدينية والعلمية، ليسوا جديرين بحكم البلاد من الوجهة الشرعية والعقلية، ذلك إذا كانت دولة "آل سعود" "إسلامية" فينبغي عليهم أن يكونوا من أرباب الثقافة الإسلامية ومن المتبحرين فيها، ومن المطّلعين على كل الثقافات العصرية حتّى يستطيعوا تطبيق أحكام الإسلام، واستيعاب المشكلة الزمنية المعاصرة وحلها في إطار المبادئ الإسلامية ..
لقد صدق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين قال :
(إذا وُسّد الأمر لغير أهله، فانتظروا الساعة).
الثانية .. العدالة:
الشرط المهم الآخر، الواجب توفره في الحاكم الإسلامي، هو ما يسمى في اصطلاح الفقه الإسلامي بـ "العدالة".
(إن من يتولى حماية شؤون أفراد المجتمع في أموالهم وأعراضهم ونفوسهم وتحمل مسؤولية الدفاع عنهم وعن ديارهم وعن دينهم، لابد أن يتصف بالأمانة والنزاهة والاستقامة، وعلى مستوى عال من هذه الصفات .. ولا بد لمن يعاقب المجرمين ومرتكبي المنكرات الأخلاقية ـ في نظر الإسلام ـ أن يكون يعيداً عنها وعن ما يحوم حلولها من الشبهات..
لقد كان الخلفاء الراشدون، وعدد من تولى أمر المسلمين من الخلفاء والملوك .. كعمر بن "عبد العزيز" .. وصلاح الدين .. ونور الدين وأوزنك زيب المغولي، مثالاً في النزاهة البالغة والورع الشديد بالنسبة لأموال بيت المال، وأموال رعيتهم من المسلمين وغير المسلمين، بل في التضييق على أنفسهم، والتقشف في حياتهم، وفي البعد عن مواطن الشبه وعن أي نوع من الفساد الأخلاقي، وكانوا يضربون أعلى الأمثلة في العبادة المؤدية بهم إلى التواضع وحسن السيرة" [18].
إن الأمانة والنزاهة والاستقامة، والبعد عن الشبهات والسقطات الأخلاقية، والتقشف والتعفف عن أموال المسلمين، والتواضع وحسن السيرة.. كل هذه مفردات حفل بها التاريخ الإسلامي في عهوده الأولى، ولا تجد لها مكاناً في القاموس السعودي..
فإذا أخذنا الالتزام الشخصي حتّى بشكليات الدين، فان الملوك "السعوديين" وإخوانهم الأمراء متهاونون فيها.. أما من ناحية ابتعادهم عن الشبهات، فان من الواضح أنهم سقطوا فيها حتّى النهاية.. لنتأمل ما تكتبه الصحافة العربية والأجنبية عن فضائحهم ومفاسدهم التي أزكمت الأنوف .. ولنتأمل قصورهم وما تحوي من العهر والفحش .. إن أحداً لا يستطيع أن يتكلم وينال من العرب والمسلمين من الأجانب .. إلا وهو يعتمد على أرشيف مخازي الملوك "السعوديين" وأمرائهم.. وإذا كانت أعمالهم يستنكفها الغربيون على فسادهم، فكيف بنا نحن المسلمين الذين لنا معايير وقيم خاصة تحكم الأفراد وسلوكياتهم؟
إن فساد الأخلاق، والانحراف الأخلاقي، الذي يمارسه أقطاب الأسرة الحاكمة يتناقض مع صميم العدالة التي يجب أن تتوفر في الحاكم الإسلامي.
هذا من ناحية .. ومن الأخرى فان التقشف في حياة الأمراء والملوك هو ضرب من الأحلام.. فالقصور العاجية منتشرة في كل أنحاء البلاد، والبلدان الأوروبية الأخرى الزاخرة بكل مفاتن الحياة وزخرفها، والطائرات الفخمة ذات الحنفيات المذهبة، وليال السمر والفساد الشبيهة بليالي ألف ليلة وليلة، وكل هذا هو أحد براهين التقشف الملوكي..
وهناك التعدّي المستمرّ على بيت مال المسلمين "خزينة الدولة" والتعدي على كل الأراضي وتقسيمها بين الأمراء كأنها بضاعة عائلية، حتّى وصل الحال إلى تقاسم النفط [19]، فهذه الأميرة لها عدة ملايين من البراميل، تباع لحسابها، وذلك الأمير على نفس المنوال.. إضافة إلى المخصصات الشهرية والسنوية للأمراء، فمن الثابت "أرقام عام 1981 م" أن كل أمير صغير له مخصص شهري يصل إلى "ستين ألف ريال" ، أما الأُمراء الكبار أبناء "عبد العزيز" وبناته، فلكل منهم عشرة أضعاف المبلغ السابق. فأين العدالة من كل هذا ؟!.
وليس في الإسلام امتيازات خاصة لطبقة ما، حكاماً أو محكومين، وقد شدد الدين الإسلامي على استقلال ملكية الأمة عن ملكية الحاكم، بينما "آل سعود" لا يفرقون بين أموال الدولة وأموالهم، لأن خيرات البلاد يعتبرونها إقطاعاً خاصاً للعائلة.
(إن للأمة بمجموعها ملكية مستقلة لا حق للحاكم ـ إماماً كان أم غيره ـ أن يتصرف بها إلا وفقاً لقواعد الشريعة ، وتشمل هذه الملكية فيما تشمل، بيت المال، والأراضي التي تعود رقبتها للمسلمين جميعاً، وغيرها من أنواع الدخل كالنفط.
كما أن مبدأ استقلال ملكية الشعب أو المجتمع أو المسلمين عامة، عن ملكية الحاكم الخاصة ومنعه من التصرف إلا بموجب قواعد مقررة، مبدأ هام وفتح جديد في ميدان الحقوق الدستورية.. سبق الإسلام نظرياً وعملياً إلى إقراره، لتقوية الوعي العام لدى الشعوب الإسلامية في هذا الميدان بسبب ما حدث من شذوذ وانتهاك لهذا المبدأ من قرون عديدة حتّى العصر الحاضر، ونرى من المناسب هنا أن ننوه بأمرين:
أحدهما : أن الاستيلاء على الأموال العامة، نوع من السرقة أطلق عليه في الاصطلاح الإسلامي اسم "الغلول" ، ففي القرآن الكريم:
(ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة) (آل عمران _ 161) ، وفي الحديث :
"ومن استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً فما أخذ فوق ذلك فهو غلول".
ثانيهما، ورع الحكام والناس كافة عن إصابة شيء من الأموال العامة بغير حق، وقد بلغ الراشدون وولاتهم في ذلك درجة مثالية عجيبة، فكان أحدهم لا يزيد على ما خصه له من بيت المال من راتب شيئاً، وكان هذا الراتب المخصص للواحد منهم يعدل ما يعيش به واحد من أوسط الناس، بل كانوا يشددون على أنفسهم في ذلك كثيراً خوفاً من غضب الله وعقابه، ومن التلوث بالحرام، وخاصة ما يتعلق به حقوق الناس)[20].
فانظر كيف يتعدّى الملوك "السعوديون" وأمراؤهم على أموال الناس وحقوقهم؟.. وانظر إلى الملايين التي يصرفونها على ملذاتهم السخيفة والمحرمة؟.. وانظر إلى تبرعاتهم المزعومة من أموال الدولة على المشاريع ذات الطابع الإسلامي ويقولون للناس أن ذلك تبرع من جيب الملك أو الأمير الخاص؟!.. ثم كم هو مخصص الملك والوزراء والأُمراء الصغار حتّى يمكن الحساب عليه وفق الموازين الإسلامية؟… ومن أين تأتيهم هذه الملايين والإسلام يحدد كم للحاكم أن يأخذ من بيت المال؟..
لنتدبر في هذا الحديث النبوي الشريف الذي يحدد للولاة والحاكم ما لهم من بيت المال.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من ولي لنا عملاً ولم تكن له زوجة فليتخذ زوجة، ومن لم يكن له خادم فليتخذ خادماً ، أو ليس له مسكن فليتخذ مسكناً، أو ليس له دابة فليتخذ دابة، فمن أصاب سوى ذلك فهو غالٌّ أو سارق".
يضاف إلى هذا المرتب الذي يستلمه الحاكم أو الولي في حدود عيشه كأوسط الناس، ذلك أنه لما زادت أعباء الخلافة الإسلامية، وأصبح على الحاكم أن يمضي جلّ وقته في العمل لتسيير مصالح المسلمين، وخوفا من أن يعمل الحاكم في أعماله الخاصة فيؤثر على عمله الرئيسي، خصص له مقدار محدد من المال يكفيه أعباء العمل الخارجي ليتفرغ لشؤون المسلمين..
لكننا حقاً، نذهل من هذه الملايين التي يصرفها الحكام "السعوديون" على مفاسدهم، فمن أين لهم هذه.. والإسلام حدد مقداراً معيناً من المال؟..
وحتى في العصر الحاضر، فأن اكبر رئيس دولة أجنبية له راتب محدد لا يتعداه .. بينما في بلاد المسلمين ، وفي ظل نظام يدعي أنه الوحيد الذي يطبق الإسلام، لا يفرق حكامه بين مال العامة وخزينة الدولة، وبين مالهم الخاص.. بل أن خزينة الدولة تعني خزينتهم، ينفقون منها ما يشاؤون.. وهذا غلول . لأن الحاكم ما هو إلا وكيل في المحافظة على أموال المسلمين، وليس مالكاً لها يتصرف بها كيف يشاء.. يقول الشيخ ابن تيمة[21] :
(وليس لولاة الأموال أن يقسموها بحسب أهوائهم، كما يقسم المالك ملكه، فإنما هم أمناء ونواب ووكلاء ، وليسوا ملاُكاً، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إني ـ والله ـ لا أُعطي أحداً ولا أمنع أحداً، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت"، رواه البخاري.
فهذا رسول رب العالمين، قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره، كما يفعل ذلك المالك الذي أبيح له التصرف في ماله، وكما يفعل ذلك الملوك الذين يعطون من أحبوا، وإنما هو عبد الله، يقسم المال بأمره، فيضعه حيث أمره الله تعالى.
وهكذا قل رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين ، لو وسّعت على نفسك في النفقة من مال الله تعالى .. فقال عمر : أتدري ما مَثلي ومَثَلُ هؤلاء؟.. كمثل قوم كانوا في سفر، فجمعوا منهم مالاً، وسلموه إلى واحد ينفقه عليهم، فهل يحلّ لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من أموالهم؟..
وحمل مرة إلى عمر رضي الله عنه مال عظيم من الخمس، فقال : إن قوماً أدّوا الأمانة في هذا لأمناء، فقال له بعض الحاضرين : إنك أديت الأمانة إلى الله تعالى، فأدّوا إليك الأمانة، ولو رتعت "أي أكلت ما شئت" رتعوا…).
فإذا كانت أموال الحكام "السعوديين" ليست مما حدده الإسلام للحاكم "وعائلته فقط"، فهل من المعقول أن كل أموال "آل سعود" جاءت من هدايا مثلاً؟.. إن من الصعب التصديق أن البلايين من الريالات جاءت على شكل هدايا.. ومع هذا فان للإسلام حكماً في الهدية..
فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
"هدايا الأُمراء غلول".
وعلى الحاكم أن يرجع الهدية إلى صاحبها وإلاّ إلى بيت مال المسلمين..
وفي الصحيحين، عن أبي حميد الساعدي، قال استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له "ابن اللّتبية" على الصدقة، فلما قدم، قال : هذا لكم، وهذا أُهديَ إليَّ، فقال صلى الله عليه وسلم:
"ما بال الرجل.. نستعمله على العمل مما ولاّنا الله، فيقول هذا لكم وهذا أهدي إليّ، فهلاّ جلس في بيت أبيه، أو بيت أمه، فينظر أُيهدى إليه أم لا ؟.. والذي نفسي بيده لا يأخذُ منه شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته ، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تبعر"..
من خلال ما ذكر في الصفحات السابقة، يتبين أن عدالة الحكام "السعوديين" ساقطة، لما هم عليه من الفجور والفساد والترف، والتلاعب بأموال المسلمين.. وأن توليهم الحكم أمرّ لا يقره الشرع والعقل.
________________________________________
[1] - ملوك العرب ـ أمين الريحاني ص 555 .
[2] - صلاح الدين المختار ـ تاريخ المملكة العربية "السعودية" .
[3] - عندما يحكم الإسلام ـ عبد الله فهد النفيسي ـ ص 12 .
[4] - البلاد العربية "السعودية" ـ فؤاد حمزة ـ الطبعة الثانية ـ ص 50 ، 51 .
[5] - المصدر السابق ص 52 .
[6] - النفيسي ـ المصدر السابق ص 23 ، 24 ـ وراجع كتاب الشهيد عبد القادر عودة "الإسلام وأوضاعنا السياسية" حول هذا الموضوع، من ص 159 إلى ص 171 .
[7] ـ المصدر السابق ـ ص 108 .
[8] - محمد المبارك ـ الحكم في الإسلام ـ ص 84 .
|