ولهذا السبب فإن الوهابية لم تسجل أي اختراقات مهمة خارج نجد، إلا في أواخر القرن العشرين وكان ثمرة لجهود متأخرة لم تلعب الحكومة في بعثها دورا كبيرا. وهذا يشير إلى أن الدين الذي اتخذ مبررا لتوحيد المملكة، وبالتالي تعضيد حق العائلة المالكة في الحكم، لم يكن مقصودا به إقناع السكان خارج الإطار الاجتماعي لمنطقة نجد. نشير أيضا إلى أن المشكلة التي ركز عليها الخطاب الوهابي، أي انتشار الخرافات، كانت مشكلة في نجد خصوصا ولم تكن قائمة في الحجاز أو الأحساء على النحو الذي جرى تصويره في الأدبيات الدينية السعودية.
وينطبق الأمر أيضا على مسألة النظام العام التي برر بها توحيد المملكة، فالأمن لم يكن مشكلة كبيرة في المناطق الحضرية، رغم تعرضها أحيانا لغزوات البدو. انعدام الأمن كان مشكلة في نجد في المقام الأول بسبب ضعف القوة العثمانية في تلك المناطق وندرة الموارد ولاسيما في سنوات القحط.
بكلمة أخرى فإن كلا المبررين -الدين والأمن- كانا حاجة للبيئة الاجتماعية التي تنتمي إليها النخبة الحاكمة، وكانت المناداة بها كافية لتوفير قدر من المشروعية. لكن في خارج هذه المنطقة فإن أيا من الفكرتين لم يكن هما عاما، بل إن فرضهما بالمفهوم النجدي قد ولد مشكلات إضافية.
من هذه الزاوية فإن المبررات التي اتخذت أساسا لتشريع سلطة العائلة السعودية في إقليم نجد لم تكن قادرة على لعب دور مماثل خارج هذا الإقليم، الأمر الذي جعل العلاقة بين الإقليم المركزي وبقية الأقاليم التي ضمت إلى المملكة قائمة على القسر في المقام الأول. هذا النوع من العلاقة لم يكن مجرد نتيجة موضوعية للحراك السياسي الأولي، بل تجسد أيضا في سياق وعي محدد بالعلاقة بين النخبة الحاكمة والمواطنين، يجري التذكير به بين حين وآخر كلما صعد إلى السطح سؤال الشرعية[18] .
إعادة إنتاج الاستبداد:
ما يجعل خيار الاستبداد قابلا للاستمرار في ظروف التحول الاجتماعي هو قدرته على إعادة إنتاج نفسه من خلال تفعيل أو توجيه أو إقصاء العوامل المختلفة التي تؤثر في الحراك الاجتماعي. وهنا تلعب الدولة المطلقة دور الوسيط وتستثمر العوامل الأخرى المتوفرة أو القابلة للتوفير في ساحة العمل لخدمة غرضها المحدد أي تثبيت الاستبداد وترسيخه كنمط اعتيادي للحياة السياسية.
أبرز العوامل التي نجحت الدولة في استخدامها هي العامل الخارجي ونمط الإنتاج الريعي. ارتبط صعود الدولة السعودية بعلاقتها الخاصة مع بريطانيا التي ساعدتها في القضاء على دولة الحجاز أولا، ثم الولايات المتحدة الأميركية التي ساعدتها في ترسيخ استقرارها المحلي ودورها الإقليمي[19] . كانت المساعدة البريطانية عاملا هاما في تطوير نظام
سياسي يعتمد على الدعم الخارجي على صورة ممول مباشر أو مزود للقوة التي تمكنه من الحصول على تمويل داخلي غير مشروط بمشاركة سياسية[20] .
وتعزز هذا الوضع مع تدفق أموال البترول، الأمر الذي يستحق الاهتمام هنا هو دور البترول كعماد للاقتصاد السياسي وكونه عامل ربط بين الداخل والخارج، وهو موضوع نوقش كثيرا من جانب الباحثين العرب في إطار نموذج الدولة الريعية.
نموذج الدولة الريعية:
يرتبط التأثير السياسي للاقتصاد الريعي بثلاثة محاور:
1 - أن معظم الدخل القومي لا يأتي عبر نشاط إنتاجي، وبالتالي فإنه لا يوجد موضوع لقوة اقتصادية يمكن تحويلها إلى قوة سياسية.
2 - أن الدخل الوطني هو بالكامل دخل خارجي، أي أن اقتصاد البلد ومعيشة أهله مرتبطة تماما بالعلاقة بين الدولة الوطنية وكبار المستهلكين.
3 - أن طرف العلاقة الوحيد مع الخارج هو الدولة، فهي قناة التمويل للبلد وهي بالتالي العامل الحاسم –أحيانا الوحيد– في توجيه حركة الحياة والسوق.
في ظل هذا النموذج تتحول الثروة إلى وسيلة لتثبيت النموذج السياسي الخاص للمجموعة الحاكمة التي تستعيض عن القمع المباشر والعنيف بشراء الولاء، في الوقت الذي تنعدم فيه المصادر الأخرى أو تنعدم قدرتها على منافسة دخل البترول.
في ظل النموذج الريعي فإن العلاقة بين الدولة والمجتمع هي علاقة من طرف واحد، فالدولة هي التي تعطي كل شيء وتوفر كل شيء، وبالتالي فإن محور العلاقة بين المواطن والدولة تمحورت حول مقدار ما يحصل عليه من مال أو خدمات توفر مالا، ولم تعد الحقوق السياسية موضوعا للنقاش أو المطالبة. ومع اتفاق الجميع –ضمنيا- على أن ما يسعون إليه ليس حقا مكتسبا بل هو أقرب إلى المنحة، فقد شاعت سلوكيات التقرب والتملق الشخصي لأصحاب القرار ومن حولهم طمعا في ضمان حصة أكبر من الكعكة. هذه وسائل فردية بطبيعتها، خلافا لتلك المرتبطة بالحقوق الدستورية أو المكتسبة التي تستدعي فعلا جماعيا.
وفي تجربة المملكة وجدنا أن كبار المسؤولين يميلون إلى الفصل الحازم بين السعي للحاجات الشخصية والعامة. إن الساعي للمال يجب أن لا يتحدث في شأن عام ولا يطالب به. ولهذا السبب فإن النخبة ووجهاء المجتمع الذين اختاروا طريق الإثراء قد توقفوا إلى حد كبير عن تمثيل مطالب القرى والمدن التي اعتادوا تمثيلها.
رغم وجاهة المعالجة التي يقدمها هذا النموذج التحليلي فإنه لا يجيب على كثير من الأسئلة التي تطرحها العلاقة التي محورها دور الدولة كموزع للدخل الوطني. ويقدم د.غباش إشكالات جدية على النموذج لجهة اعتباره الموارد النفطية ريعا إيجاريا لا موارد وطنية كما هو الحال في دول أخرى تنتج أنواعا أخرى من الخامات. إضافة إلى المبالغة في تصوير الإنفاق العام باعتباره عملية شراء لولاء المجتمع «رغم أنه يؤدي هذا الدور بالفعل»[21] .
في ظني أن نموذج الدولة الريعية يقدم تفسيرا مناسبا لاختفاء التوترات «القابلة للتثميرالسياسي» في مرحلة الانتقال من مجتمع الكفاف إلى مجتمع الكفاية، الكفاية يجب أن تعرف هنا بصورة نسبية وضمن شروط البيئة الخاصة. لكنه لا يكفي لتفسير الحراك السياسي في مرحلة الكفاية. بل ربما أمكن القول إنه يفسر سبب اختفاء التوترات ذات المنشأ الاقتصادي البحت في مختلف الأوقات، مثل انتفاضات الخبز في دول أخرى، خاصة مع استمرار قدرة الدولة على التمويل دون ضغوط تضخمية قاسية. لكن خارج الإطار المعيشي البحت، فإنه يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أيضا أن مرحلة الكفاية توفر فرصا لظهور وعي بالذات لا يمكن فصله عن التطلعات السياسية.
من الناحية الفعلية فإن الخطط التنموية التي طبقت في المملكة بين بداية السبعينيات ونهاية الثمانينيات أوجدت الفرصة لظهور ما يمكن مقاربته بالطبقة الوسطى[22] التي تلاشى عند أفرادها الهم المعيشي في صورته الحدية، وحصلوا على قدر من التعليم وسافروا إلى خارج البلاد وتوفرت لهم فرصة التواصل مع الغير، وهي كلها مقدمات لإعادة التفكير في الذات وصياغة الهوية من خلال المقارنة مع الغير.
نضيف إلى هذا أن الجيل الجديد الذي ولد في مرحلة الكفاية ينظر إلى مستوى المعيشة القائم باعتباره حقا مكتسبا[23] ، وبالتالي فإن الصعوبات الاقتصادية الناشئة عن انخفاض عائدات البترول أو عدم مكافأتها للحاجات المستجدة والمتزايدة تتحول إلى دوافع للسخط السياسي عند هذا الجيل، وعندئذ فإن أفكارا مثل التوزيع غير المتساوي للثروة، أو عدم تغيير طاقم الحكم أو خطابه تترجم سريعا إلى سخط سياسي وبحث عن بدائل.
نجد في الوقت الحاضر مثلا أن مشكلة مثل البطالة تعتبر واحدا من أبرز محركات التفارق بين الدولة والمجتمع في المناطق المهمشة والمدن الرئيسية على السواء[24] .
وخلاصة القول أن نمط الإنتاج الريعي والدعم الخارجي يمثلان عاملين مهمين في إعادة إنتاج النظام السياسي الاستبدادي. لكن فاعليتهما مشروطة بكيفية استخدام الدولة لهما، وهذا يقودنا إلى حقيقة أن إعادة الإنتاج تتوقف إلى حد كبير على دور الدولة كوسيط لإعادة الإنتاج. هذه الوساطة هي التي تحدد هوية العوامل المسموح لها بالمشاركة في صياغة المراحل التالية، وتلك المهمشة.
مجتمع معطل:
هذا يثير سؤالا حاسما: لماذا انفردت الدولة بلعب هذا الدور وعجز المجتمع عنه؟ بكلمة أخرى ما هي أسباب العجز الاجتماعي عن استنباط حالة سياسية مستقلة عن الدولة تسعى لدور في صياغة مستقبل البلاد؟
لقد تكرر مثل هذا السؤال في معظم الدراسات التي تناولت العالم العربي، والحقيقة أن الإحساس بعجز المجتمعات العربية عن استنباط حراك إصلاحي تحديثي قد لفت أنظار الكثير من الباحثين العرب والأجانب على السواء[25] .
إن تقارير حال الأمة التي يصدرها المؤتمر القومي العربي كل عام مليئة بالتفاصيل المثيرة للكآبة عن هذا الواقع المتواصل دون تغيير يلفت الانتباه. لكن بالمقارنة بين المملكة وبقية البلدان العربية، بما فيها الدول الخليجية المقاربة لها اجتماعيا واقتصاديا، فإن الوضع هناك هو الأكثر إثارة للدهشة.
للإجابة على هذا السؤال فإنه لابد أولا من تحديد نطاق المناقشة: إن الحراك المقصود هو النشاط الجمعي الذي يتولد في مجتمع ما كظاهرة عامة معبرة عن هموم وتطلعات أغلبية الشرائح الاجتماعية في بلد ما. ويخرج بهذا التحديد المبادرات الفردية أو المحدودة التي لا يمكن اعتبارها تيارا عاما أو ظاهرة نموذجية. على هذا المستوى لم نلاحظ حراكا واسعا ذا مضمون سياسي في المجتمع السعودي، على الأقل خلال العشرين عاما الماضية. أمثلة مثل انتفاضة 1979 وتحركات 1991 كانت موضعية إلى حد كبير.
الإجماع الوطني:
الحراك الاجتماعي هو حركة الجماعة، وحينما تكون الجماعة مفقودة فإنه لا يعود ثمة وعاء للحركة. إن علة العلل في المجتمع السعودي -حسب ظني- هي غياب الإجماع الوطني، الأمر الذي أدى إلى العجز عن استنباط منظومات عمل وطنية بديلة عن تلك المنتسبة إلى عصر ما قبل الدولة.
يشير مفهوم الإجماع -حسب سوروتاني- إلى الالتزام الطوعي بمنظومة من الإجراءات العملانية لاتخاذ القرار تعتبر من جانب الجميع -الحكومة والشعب- ضرورية لضمان النظام الاجتماعي، المصالح العامة[26] ، مثل هذا حل التعارضات بين المصالح، إضافة إلى طريقة التوصل إلى الأهداف الاجتماعية.
مثل هذا الاتفاق يوفر للنظام السياسي الشرعية في معناها الحركي، التي يماثلها الموند بالروح التي تسري في كل جزء من أجزاء العلاقة الميكانيكية بين المجتمع والدولة، فتضمن كفاءة النظام السياسي في العمل ومتانته في مواجهة التحديات.
الإجماع إذن هو التعبير العملي عن منظومة القيم التي تحدد طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع[27] في مواجهة التحديات، وتؤسس بالتالي لشرعية العمل السياسي. ومن هذه الزاوية فإنه يمثل القاعدة الأساسية لتكوين الإرادة العامة، وإزالة التأزم من العلاقة بين المجتمع والدولة فضلا عن تسهيله للمساهمة السلمية للشعب في الحياة السياسية.
في غياب الإجماع فإن كل فريق في المجتمع ينطلق في مواقفه وعمله من مبررات متفاوتة وأحيانا متعارضة. النظام السياسي الذي يفتقر إلى الإجماع لا يمكن إلا أن يكون فوضويا منعدم السمات وعديم الاستقرار، لهذا فإن ما يميز الأنظمة السياسية المتقدمة - حسب بيندر[28] - هو قيامها على إجماع ثقافي تاريخي وفر الاستقرار والتواصل.
لا شك أن قيام الدولة كان بذاته فرصة لا تعوض لإطلاق تحرك جاد باتجاه توليف الهويات الصغرى التي تمثل انسياق مجتمع ما قبل الدولة في هوية جامعة تمثل المدخل الأساس للإجماع الوطني. كما أن النشاط الاقتصادي الذي شهدته البلاد منذ منتصف الستينات وفر فرصة أخرى للتوحيد. الدولة والاقتصاد كلاهما ينطوي على ديناميات توحيدية، لكن الانتقال إلى الوحدة غير ممكن دون وجود تحرك مقصود يسعى لاستثمار هذه الإمكانية بإقامة البنى الاجتماعية البديلة التي تستوعب مفعول تلك الديناميات.
طبقا للفرضية السائدة - التي تسندها تجارب العديد من البلدان- فإن قيام الدولة يؤدي عادة إلى امتصاص الهويات دون الوطنية من خلال إدماجها في الهوية الوطنية الأوسع، وبالتالي فإن منظومات مجتمع ما قبل الدولة تفقد دورها السياسي المستقل.
من ناحية أخرى فإن التحديث يؤدي إلى تفكيك البنى الاجتماعية التي تقوم ضمنها تلك المنظومات ويفتح الباب أمام منظومات تقوم على أسس قيمية وثقافية مختلفة، يفترض أن تعمل ضمن منظور وظيفي ينتسب للاجتماع السياسي بمفهومه الواسع.
لم يؤد توحيد المملكة إلى ظهور أمة سعودية، فقد بقي الأصل القبلي الإقليمي وليس مفهوم الأمة هو الذي يحدد هوية الجماعة السعودية[29] . كما أن تجربة المملكة التنموية هي الأخرى تدل على أن التحول المنشود لم يتحقق بالصورة التي تقدمها نظريات التنمية في البلدان النامية.
والحقيقة أن هذا الفشل قد أثار أسئلة جدية حول الفرضيات التي تقوم عليها تلك النظريات، لا سيما الفرضية القائلة بأن تفكيك البنى التقليدية سيؤدي ميكانيكيا إلى قيام بنى حديثة في محلها، أو أن تفكك تلك البنى هو قدر لا مفر منه إذا بدأ الاحتكاك بينها وبين نظائرها الحديثة[30] .
فيما يتعلق بموضوعنا فإن المنظومات القديمة فقدت إلى حد كبير مبررات وجودها بعد قيام الدولة السعودية، كما أدى النشاط الاقتصادي وانتشار التعليم منذ بداية السبعينات إلى هجرة واسعة نحو الحواضر وارتفاع في الحراك الاجتماعي بين الطبقات بصورة غير مسبوقة. وتبعا لهذا فإن نظم العلاقات والتراتب الاجتماعي التقليدي قد تلاشت إلى حد كبير تحت ضغط التغيير الكبير الذي حمله تيار التحديث[31] .
الجماعة والحشد:
المجتمع الطبيعي - سواء كان تقليديا أو حديثا- هو توليف منظومات يعبر كل منها عن نطاق مصالح محدد يجمع بين أعضائه ويميزه عن الغير. وبينما تتشكل منظومات المجتمع التقليدي على أسس قرابية أو دينية فإن منظومات المجتمع الحديث تتشكل على صورة جماعات مصالح.
في الأبحاث الحديثة حول الديمقراطية يعتبر المجتمع المدني ضمانا للديمقراطية. المجتمع المدني في تعريفه الموسع هو فضاء للحرية يلتقي فيه الناس ليتخذوا مختارين مبادرات جمعية تخدم مصالح أو تعبر عن مشاعر مشتركة[32] . رغم أن فكرة المجتمع المدني قديمة نوعا ما فإنها عادت إلى الحياة بعد التحرك الذي قادته نقابة تضامن البولندية في 1990 وأدى إلى إنهاء النظام الشمولي والتحول إلى الديمقراطية.
وقد لفت هذا التطور انتباه الباحثين إلى القدرات الهائلة التي يتمتع بها المجتمع المنظم. ثمة إلحاح على استثناء المكونات المنظومية للمجتمع التقليدي من وصف المجتمع المدني، ربما بالنظر إلى كون القيم المؤسسة لها والحاكمة على حراكها غير مدنية. لكن من زاوية وظيفية فإن منظومات المجتمع التقليدي قادرة على لعب دور مماثل لتلك المدنية ضمن بيئتها الاجتماعية الخاصة.
يتفق الباحثون العرب على أن برامج التنمية في الخليج كانت قاصرة عن معايير التنمية الشاملة المتعارفة دوليا. فقد ركزت على الجوانب الاقتصادية وأهملت مخرجاتها الاجتماعية، كما أهملت تحديث البنى السياسية الذي يعتبر - حسب فرجاني - الطريق الوحيد لقيام اجتماع سياسي مكافئ لحاجات الدولة الحديثة[33] .
لهذه الأسباب خرج المجتمع السعودي من مرحلة التنمية التي طالت ربع قرن من الزمن متشظيا مفككا، فلا المنظومات القديمة نجحت في استيعاب تحدي التغيير وتجديد نفسها وفقا لمتطلباته، ولا أتيح المجال لقيام منظومات حديثة.
إنه مجتمع الحشد الذي يفتقر فيه الناس إلى التفاهم الضروري لقيام ثقة متبادلة تؤسس للمبادرة الجمعية. وتجد آثار انعدام القدرة على العمل الجمعي –بسبب انعدام عامل الثقة وبالتالي العلاقات المؤسسية - جلية في السوق على صورة عجز عن تجميع رؤوس الأموال الصغيرة في شركات كبرى[34] ، وتجدها في السياسة على شكل عجز عن تحويل الاتفاق العام على الإصلاح السياسي إلى عمل مؤسسي منظم.
لابد من الأخذ بعين الاعتبار قيام عدد من المناشط التي يمكن تصنيفها كمؤسسات مجتمع مدني، رغم أنها لا تزال محدودة في الغرف التجارية والجمعيات الخيرية كما لاحظ د.الحلوة[35] ، إضافة إلى بعض الجمعيات المهنية التي لا تزال في مراحلها المبكرة. وعلى أي حال فإن جميع هذه المؤسسات تخضع لرقابة دقيقة تشمل التدخل المباشر من جانب الدولة، الأمر الذي يثير التساؤل حول صحة نسبتها إلى المجتمع المدني.
بصورة ملخصة يمكن القول إن المجتمع السعودي خرج من عملية التوحيد والتنمية فاقدا للإجماع الوطني وغير قادر على تحويل همومه الجزئية إلى هموم عامة. بل لقد لاحظ أكثر من باحث أن النزعات القبلية والطائفية والمناطقية لم تنحسر مع انتشار التعليم وتطور نظم الاتصالات والمواصلات -بل لعلها ازدادت- في بعض الأبعاد على الأقل، وهي ظاهرة تنتشر للأسف في كل دول الخليج دون استثناء[36] .
وهذا يقودنا إلى الاستنتاج بأن التكوين الاجتماعي المنظومي ليس من الحاجات الإنسانية العارضة التي يمكن إلغاء وظيفتها أو استبدالها. إن فكرة الإجماع الوطني لا تعني وضع المجتمع الوطني في مكان المجتمع العضوي التقليدي، إذ إن سعة الأول وقيام نظامه العلائقي على أسس ميكانيكية تحول بينه وبين الرعاية الشخصية للأفراد وهي الوظيفة التي يوفرها عادة المجتمع الثاني.
الإجماع الوطني القابل للحياة هو ذلك الذي يوفر الفرصة لتفاعل جميع العناصر المكونة للوطن، فهو يعترف بالهويات الاجتماعية الصغرى ثم يضمها جميعا تحت مظلة الهوية الوطنية الجامعة، وعندئذ فإنه يمكن كل عضو فيه من الإحساس بالانسجام بين هويته الاجتماعية والثقافية من جهة وهويته الوطنية من جهة أخرى، أي بما يجمعه بأهله على النطاق القروي وما يجمعه بمواطنيه على النطاق الوطني دون تعارض أو جدل، وهذا ما نسميه التنوع في إطار الوحدة.
المشكلة على المستوى السياسي أن المنظومات الاجتماعية الصغرى المنتمية لمرحلة ما قبل الدولة، لا تستطيع القيام بدور سياسي وطني، بل إن السماح بإقحامها في الحياة السياسية يحولها –بالضرورة- إلى وسيلة فصل لأعضائها عن بقية مواطنيهم، ومن المؤسف أن هذا ما يحصل في أكثر من دولة عربية كما رأينا في العراق أخيرا.
إن إقحام هذه المنظومات في الحياة السياسية الوطنية هو النتيجة الطبيعية لانعدام المنظومات البديلة، أي تلك التي تقوم أساسا لإنجاز الوظائف المتعلقة بالاجتماع السياسي الحديث، أو ما نسميه بمؤسسات المجتمع المدني.
الانشقاق الثقافي:
ربما كانت المملكة هي البلد الوحيد في العالم الذي تعتبر فيه العصرانية والحداثوية تهمة أو عيبا. وفي سبتمبر / أيلول 1988 تدخل وزير الداخلية لوقف جدل عنيف في الصحافة المحلية حول الحداثة[37] بعدما انتقل الجدل إلى المساجد وتحول –عمليا– إلى جدل ذي مضمون سياسي. ويكشف هذا عن واحد من مكونات الانشقاق الاجتماعي الراهن في المملكة[38] .
يرتبط الجدل حول الحداثة بمفهوم الصدمة الثقافية الذي دار حوله نقاش كثير في السبعينات. ويفترض القائلون بالصدمة الثقافية أن الانفتاح المفاجئ والمكثف للمجتمع على أنماط الحياة والأفكار الجديدة والأجنبية بعد تطبيق برامج الإنماء الاقتصادي كان بمثابة الصدمة للمجتمع التقليدي. في الوقت الذي انهارت بعض البنى الاجتماعية تحت ضغط التحديث، فإن هذا الضغط حفز مقاومة في بنى أخرى احتمت كالعادة بعباءة الدين والتقاليد الفاضلة[39] .
وقد لاحظ الباحث الجزائري نور الدين طوالبي أن التعصب الديني في المدينة يتمايز عن نظيره في الريف بأن الأول مستجد ترتب على التغييرات التي تعرض لها المجتمع بعد التحديث، وليس قديما أو أصليا كما في الريف[40] .
في الوقت الحاضر يمثل جدل الحداثة / التقليد أو -الأصالة كما يسميه أصحابه– أحد مبررات الانشقاق البارزة في المجتمع السعودي. وقد تداخل هذا العامل مع عوامل التمييز الأخرى السياسية والعقيدية. إن أبرز سمات الفريق المسمى حداثيا هو ميوله الليبرالية ورغبته في الإصلاح السياسي على المستوى الوطني، بخلاف الفريق الآخر الذي يميل إلى إصلاحات محدودة لا تتضمن اعترافا نهائيا بالتعدد الثقافي والحقوق السياسية المتساوية.
يمثل الانشقاق الثقافي إحدى المشكلات الهامة في طريق تكوين إجماع أهلي بديل عن الإجماع الأوسع بين المجتمع والدولة الذي يبدو عسيرا. وهو مهم خصوصا لتركزه في الوسط الديني الوهابي الذي يمثل المكون الرئيسي للقاعدة الاجتماعية التي يستمد منها النظام السياسي مشروعيته وقوته، ولهذا السبب فإن هذا الانشقاق يلعب دور الكابح للتحركات الإصلاحية التي يحتمل أن تقوم بها الدولة أو بعض أجنحتها[41] .
إن الموقف المتشدد للدولة من حقوق النساء والحريات العقيدية والثقافية وتدفق المعلومات بشكل عام هو انعكاس لتلك العلاقة. وفي الوقت الحاضر ورغم تأزم العلاقة بين التيار السلفي والدولة فإن جميع القوى الاجتماعية الأخرى غير السلفية تشعر بالاضطهاد من جانب هذا التيار، وقد جرى التعبير عن هذا الشعور بأوضح صورة في مؤتمر الحوار الوطني في دورتيه وفي الوثائق الإصلاحية[42] ، فضلا عن عدد كبير جدا من المقالات الصحفية[43] .
نتيجة لانعدام الإجماع الوطني -على المستوى الأهلي أو بين المجتمع ككل والدولة- فإن المقاربات السياسية التي شهدتها البلاد
حتى نهاية العقد المنصرم عبرت عن أنساق اجتماعية محددة، قصر أي منها عن تمثل الهم الوطني الشامل، فالشيعة عبروا عن مطالبهم بمفردهم، وكذلك فعل السلفيون الصحويون واليسار.
ومع الإحساس، بل والتألم من العجز عن جمع أكثر من فريق في حركة مطلبية واحدة، فإن أي محاولة لم تنجح بسبب فاعلية عوامل الانشقاق المذكورة. بل إن محاولات التفاهم كانت على الدوام ضحية لصراعات جانبية -بعضها عفوي وبعضها مفتعل- بين مختلف الأطراف. نتيجة لذلك فإن أي فريق لم ينجح في توليد القدر الكافي من الضغط على الدولة لتغيير سياساتها ولا سيما تجاه الحريات العامة والمساواة وحاكمية القانون.

يتتبع