|
بل على العكس من ذلك فإن قدرة الدولة على حماية التوازنات الموروثة قد مكنها من الظهور بمظهر الجهة الوحيدة التي يمكن الاحتكام إليها عند النزاع، بدل أن تكون الخصم في الجدل حول مطالب وطنية جامعة.
خلاصة الكلام أن عجز المجتمع عن إطلاق حركة شعبية تضع حدا للاستبداد ناجم إلى حد كبير عن انعدام القدرة على تكوين تصور واحد عن الذات والدولة. رغم اقتناع أغلبية القوى الاجتماعية بهذا المعنى فإن هذه القناعة ما زالت تتأرجح بين الصورة الذهنية المجردة
وبين التجسد في بنية مفهومية واجتماعية نهائية قابلة لأن توصف بالإجماع الأهلي.
إن قدرة الاستبداد على إعادة إنتاج نفسه تعتمد اعتمادا رئيسيا على هذا العجز الاجتماعي.
التيار الإصلاحي.. مهماته وإمكاناته وحدوده قدمت هذه المقالة حتى الآن صورة أميل إلى التشاؤم عن أهلية التيار الإصلاحي والمجتمع السعودي ككل لاستنباط حراك فعال يسهم في إنهاء أو تخفيف الاستبداد السياسي.
والحق أنه تصوير غير مقصود من قبل الكاتب، فثمة وجه آخر للصورة قد يؤدي عرضه إلى إعطاء انطباع متفائل عن الراهن والمستقبل. ما أريد قوله أن الوضع العام في المملكة يميل بشكل قوي ويتحرك سريعا نحو تغيير يصب في خانة الإصلاح، وثمة علامات مهمة توضح يوما بعد يوم أن التغيير يكسب مواقع جديدة في المجتمع والدولة معا.
الانطباع المتشائم مرده ربما الوضع الذي كنا فيه والصعوبات العميقة التي تحيط بنا، وعلى أي حال فإن الحديث عن استبداد قائم هو بذاته مدعاة للتشاؤم أيا كان موقف المجتمع منه.
مبادرات تحرك الراكد:
خلال العقد الأخير شهد المجتمع السعودي مجموعة من المتغيرات خدمت مسيرة الإصلاح، بعضها نتيجة فعل سياسي وبعضها تداعيات لحوادث محلية أو خارجية. كان الغزو العراقي للكويت في أغسطس / آب 1990 منعطفا بارزا في تاريخ البلاد. فقد كشف الكثير من الأمور التي كانت مغفلة أبرزها ربما هو فشل المملكة في تعبئة الشعب وتوحيده للدفاع عن البلاد.
هذا الحدث كان بمثابة الصاعقة التي نبهت مجتمعا مسترخيا وغافلا عن مشكلاته مما أطلق موجات قوية من الجدل في العلاقة بين المجتمع والدولة لم يسبق لها مثيل. حاولت الحكومة احتواء الجدل الذي فجرته تلك الأحداث بإعلان سلسلة إصلاحات قانونية في مارس / آذار 1992 شملت إصدار النظام الأساسي للحكم، نظام المناطق (اللامركزية الإدارية) وإنشاء مجلس الشورى.
لم يتجاوز وعي المجتمع واهتمامه بالشأن العام الحالة الانفعالية المرتبطة بوقت الحدث، ولهذا فإن قرار الحكومة إصدار الأنظمة المذكورة بصيغتها الفعلية، عبر عن فهم لجوهر المشكلة التي أثارت الجدل، بقدر ما عبر عن تحليل صائب للمدى النهائي الذي يمكن أن يصل إليه المجتمع في ممارسة الضغط.
فالأنظمة الثلاثة تقدم حلولا باهتة لمشكلة عميقة وجذرية. إن التغيير الوحيد الذي أمكن لمس آثاره هو قيام مجلس الشورى الذي كان بمثابة إقرار للمرة الأولى من جانب الحكومة بوجود ما يمكن مقاربته بنخبة سياسية وطنية خارج دائرة الحكم الضيقة التي اعتادت البلاد عليها منذ أوائل القرن.
أطلقت أحداث أغسطس / آب 1990 ثلاث مبادرات هامة:
1 - تظاهرة نسائية في الرياض يوم السابع من نوفمبر / تشرين الثاني 1990 تطالب بإلغاء الحظر على قيادة النساء للسيارات.
رغم أن التظاهرة اشتهرت بهذا المطلب فقط فإن التحرك نفسه والمطالب التي عبر عنها لامست صميم مشكلة الحرمان التاريخي للنساء السعوديات، وكشفت عما يمكن وصفه بتيار نسوي في طور التشكل. وقد جرى الاعتراف به أخيرا عبر المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني الثاني الذي عقد في مكة (ديسمبر / كانون الأول 2003)، وهي المرة الأولى التي يسمح للنساء بمناقشة الشأن الوطني العام ضمن إطار رسمي ومعلن[44] .
2 - المبادرة الثانية جرت في مايو / أيار 1991 حين قدم نحو 200 من العلماء والناشطين السلفيين مذكرة إلى الملك تطالب بإصلاحات «لاستعادة الشرعية» التي تضررت بتداعيات أحداث العام الماضي، وتبعتها «مذكرة النصيحة»[45] التي قدمت للملك في يونيو / حزيران 1992.
أبرز ما ميز هذه المذكرة عن سابقتها هو تحديدها الدقيق لتوجه سياسي خاص أدى عمليا إلى بلورة التكوين السياسي للجهة التي تبنتها بصورة متمايزة عن التيار الديني الرسمي، ولا سيما بعد إصدار هيئة كبار العلماء فتوى في سبتمبر / أيلول تفند المذكرة وتشكك في نوايا أصحابها[46] .
إن أهم انعكاسات هذا الجدل هو تفكك الإجماع التاريخي على شرعية النظام السياسي ضمن بيئته الاجتماعية الخاصة، وهو تطور ترتبت عليه تداعيات متوالية عند النخبة الحاكمة والجمهور السعودي معا.
3 - ترجع المبادرة الثالثة إلى النصف الثاني من 1993 حين جرت مفاوضات بين الحكومة السعودية والحركة الإصلاحية أدت إلى عودة أعضاء هذه الحركة إلى المملكة بعد معارضة طالت نحو عقد ونصف. وتمثل الحركة الشيعة السعوديين، وشكلت خلال سنوات عملها ظاهرة ملفتة على المستوى الإعلامي والسياسي. أدى اتفاق الحكومة مع الحركة إلى ارتخاء سياسي تضمن إطلاق سراح عدد كبير من المعتقلين وإلغاء أوامر بحظر السفر على عدة مئات من الناشطين السياسيين.
أثمر الاتفاق تخلي الحكومة إلى حد كبير عن القمع العشوائي والتعذيب في السجون الذي كان سائدا فيما مضى. لكن أهميته الرئيسية تتمثل في كونه أول اعتراف من جانب الحكومة بمعارضة سياسية والقبول بمناقشتها سياسيا حول أوضاع البلاد، رغم أنها حاولت دائما حصر النقاش في إطار حقوق الطائفة الشيعية. لقد شجع هذا الاتفاق –إضافة إلى الظروف العامة المواتية– عددا من القوى التي لها مطامح سياسية على التعبير عن نفسها بشكل يقترب من العلنية.
في التحليل النهائي فإن المبادرات الثلاث عبرت عن تغير عميق في المزاج الشعبي، فالتظاهرة النسائية هزت الإجماع السلبي على انتظار التغيير التلقائي. مذكرة النصيحة كشفت عن تغير في دور الدين من عامل تسوير للنظام إلى عامل تفكيك لبيئته الاجتماعية. وكشف الاتفاق بين الحركة الإصلاحية والحكومة عن ميل بين الطبقات الحديثة والأقليات إلى إصلاحات من خلال الحوار مع الحكومة[47] .
هجمات 11 سبتمبر ووثائق الإصلاح:
كان الهجوم على نيويورك في 11 سبتمبر / أيلول 2001 نهاية لعقد اتسم بالتأرجح بين الحراك الجزئي في المجتمع ومحاولات الدولة امتصاصه عبر الآليات المعتادة، أي تنشيط العامل الديني والمالي بصورة متوازية.
فقد أطلقت تلك الأحداث موجة ضغط أميركية هائلة على الحكومة السعودية، استهدفت خصوصا الجزء الديني من النظام وشملت أحيانا مطالبة بإصلاح سياسي واسع. أقنعت هذه الضغوط الحكومة بالحاجة إلى تحجيم التيار السلفي بشقيه الرسمي والأهلي وإصلاح مناهج التعليم التي نسبت إليها المسؤولية عن استزراع بذور التطرف في البلاد.
الجدل الواسع الذي أثارته تلك الأحداث وتركيز الإعلام الدولي على المملكة أدى إلى تقلص قبضة الحكومة وتضاؤل الشعور العام بهيبتها، وقد ظهرت علامات هذا التحول في الصحافة المحلية التي بدأت في مناقشة قضايا لم يسبق أن طرحت في الوسط العام وبأسلوب نقدي كان حتى ذلك الوقت أقرب إلى الحلم.
وقد تصاعد هذا الاتجاه بعد الهجمات الإرهابية على الأجانب في المملكة خلال العام 2003، مما وفر مبررا إضافيا لنقد التيار السلفي والقيم التي يدافع عنها. وفي ظني أنه ليس من المبالغة الادعاء بأن 2003 خاصة كان العام الذهبي للصحافة السعودية لما شهدته من تحرر غير مسبوق.
المرجع الرئيسي للتيار الإصلاحي المعاصر هو وثيقة «رؤية لحاضر الوطن ومستقبله» التي وقعها 104 من نخبة المملكة يمثلون مختلف الشرائح والانتماءات الثقافية والسياسية والمناطق. وضعت الوثيقة في أغسطس / آب 2002 وقدمت لولي العهد في يناير / كانون الثاني التالي.
وفي أبريل / نيسان 2003 صدرت وثيقة «شركاء في الوطن» التي مثلت أول خطاب موحد للشيعة السعوديين، وتعتمد نفس منطلقات الوثيقة الأولى. وفي ديسمبر / كانون الأول صدرت وثيقة «الإصلاح الدستوري أولا» التي أعادت تحديد مخرجات الخطاب الإصلاحي وحددته في الدعوة إلى تحويل النظام السياسي إلى ملكية دستورية.
جاءت الوثيقة الأولى على شكل خمسة محاور: يدعو الأول إلى بناء المؤسسات الدستورية، ويقدم الثاني مقترحات لتصحيح الوضع الاقتصادي، والثالث حول إعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والدولة، ويدعو الرابع الحكومة إلى إطلاق مبادرة إصلاحية محددة، كما يحدد الخامس الخطوة الأولى في مؤتمر وطني لمناقشة برنامج للإصلاح[48].
ركزت وثيقة «شركاء في الوطن» التي وقعها نحو 450 من نخبة الشيعة على وصف مظاهر التمييز الطائفي، سواء ذلك الذي يقوم على سياسة رسمية أو من جانب رجال الدين الوهابيين. وطالبت بإدماج الشيعة في الحياة العامة والسماح بتمثيلهم في الجهاز الحكومي الإداري والسياسي[49] .
وضمت وثيقة «الإصلاح الدستوري» التي وقع عليها 116 من ممثلي التيارات المختلفة، مطالب عامة مثل إطلاق الحريات العامة وحرية التنظيم وأخرى محددة تتناول بشكل رئيسي مقومات النظام الدستوري مثل الفصل بين السلطات وانتخاب مجلس الشورى واستقلال القضاء.
ومثل الأولى فقد طالبت هذه الوثيقة بالبدء بخطوات محددة هي إعلان الحكومة التزامها بتطوير نظام الحكم إلى ملكية دستورية، وتشكيل هيئة وطنية مستقلة لإعداد دستور دائم للبلاد يطرح للاستفتاء الشعبي خلال عام، ويبدأ تطبيقه خلال فترة انتقالية لا تتجاوز ثلاثة أعوام[50] .
إضافة إلى الوثائق الثلاث المذكورة، صدرت وثائق أخرى خلال العامين 2003 و بداية 2004 لكنها لم تحظ باهتمام مماثل لذلك الذي حصلت عليه الأولى، كما أن تمثيل المطالب والموقعين لم يكن بنفس الدرجة من القوة والاتساع.
يمثل الموقعون على الوثائق الإصلاحية شريحة نموذجية عن الطبقة الوسطى الحديثة التي تعتبر عماد الحياة في المملكة اليوم، ونستعمل تعبير الطبقة الوسطى في معناه الاقتصادي الذي له إيحاءات اجتماعية وإن لم يطابق تعريف الطبقة المتعارف عليه في الأدبيات الاجتماعية.
يقع نحو 70% من الموقعين في الشريحة العمرية بين 40-50 عاما، وتلقى جميعهم تعليما حديثا، وتبدو شريحة الأكاديميين والكتاب الأكثر تمثيلا بما يعادل 35% في الوثيقة الأولى و45% في الثالثة، وامتازت الوثيقة الثانية بتنوع ملفت للموقعين فشملت فنانين ورجال أعمال وأدباء كما تميزت بكثافة تمثيل رجال الدين والنساء.
تكشف الوثائق الثلاث عن اتفاق شبه تام بين المجموعات التي تؤلف التيار الإصلاحي على مجموعة من القضايا. ففي تحليل أسباب الأزمة السياسية والاقتصادية الراهنة، يعتقد أن المشكلات الأساسية التي تواجه البلاد اليوم هي نتاج لعجز الدولة عن تجديد نفسها بالشكل الذي يتناسب والتحديات التي يأتي بها التغيير في البلاد نفسها وفي محيطها الإقليمي والعالم. التجديد المطلوب يتخذ اتجاها محددا هو الانتقال إلى الحكم الديمقراطي. أكثر المقترحات تحديدا هو التحول إلى ملكية دستورية كما عبر عنها في وثيقة " الإصلاح الدستوري أولا ".
وبالتالي فإن التيار الإصلاحي يحدد مهماته في:
1 - إعادة تكوين الهوية الوطنية، بما يتضمن إجماعا جديدا على فكرة الدولة، أغراضها، علاقتها بالمجتمع، والسبل المناسبة لتحقيق تلك الأغراض.
2 - تعديل دور الدين في الحياة العامة، طبيعة هذا الدور وانعكاس علاقته ببيئته الاجتماعية الخاصة (نجد) على علاقة الدولة ببقية المناطق، وانعكاساته على وضع الأقليات المذهبية (الشيعة مثلا) والجنسية (النساء) وعلى نظام الموازنة بين المصالح العامة والمعتقدات الدينية، والحياة الثقافية بما هي تعبير عن مجتمع متنوع.
3 - معالجة الأزمات التي تلوح في أفق الاقتصاد الوطني كنتاج لفشل نموذج الدولة الريعية، والتي تتجسد اليوم في صورة بطالة متفاقمة وتباطؤ في الاستثمارات الجديدة وشيوع الفساد المالي والإداري.
4 - معالجة ظاهرة العنف التي تفاقمت في العامين الأخيرين والتي يتلاقى في تأجيجها مجموع العوامل السابقة.
يفترض الإصلاحيون أن بعض تلك المشكلات ناتج عن فلسفة النظام السياسي وهذا يحتاج إلى حلول جذرية، والبعض الآخر هو ثمرة لعيوب إدارية وهو قابل للمعالجة بمعزل عن التغيير السياسي الشامل.
وتخفي سطور وثيقتي «الرؤية» و«شركاء» قلقا عميقا من انعكاسات الوضع الحالي على وحدة البلاد، في إشارة إلى ما تردد من مخاوف حول احتمال انفراطها[51] ، بينما تركز وثيقة «الإصلاح الدستوري» على العنف السياسي والقلق من تفاقمه. وثمة اتفاق على أن تلك المشكلات هي مخرجات طبيعية لعلة كبرى في النظام السياسي هي افتقاره إلى الشرعية التي لابد أن تتجسد في قيام الاجتماع السياسي على قاعدة التعاقد، إشاعة الحريات العامة، المشاركة الشعبية، وحاكمية القانون.
إن استعادة الشرعية عندهم ممكن بتحويل النظام إلى ملكية دستورية وإشراك الشعب في القرار والرقابة من خلال مجلس نيابي ومجالس محلية منتخبة. والبديل الدستوري الذي يعرضه الإصلاحيون أقرب إلى الليبرالية منه إلى الديمقراطية، وهو يقارب نموذج الدول المجاورة في الخليج والأردن، فهم يريدون ضمان حصة للمجتمع دون مساءلة دور العائلة المالكة.
والانطباع السائد بين الإصلاحيين وغيرهم أن التحرك إلى ديمقراطية كاملة سوف يستغرق بعض الوقت، لكن البدء بتمكين الشعب من حقوقه السياسية وإقرار المحاسبة وحاكمية القانون سوف يؤدي بالضرورة إلى تطوير الاجتماع السياسي باتجاه الديمقراطية الكاملة.
عدا المشكلات المتعلقة بفلسفة العمل السياسي ومضمون النظام، فإن الإصلاحيين لم ينظروا إلى المشكلات الأخرى على نفس المستوى.
فهم يرجعون الأزمة الاقتصادية مثلا إلى عيوب إدارية وقانونية وإساءة استغلال السلطة، لكنهم لا يربطونها على نحو واضح بفلسفة النظام.
ولهذا السبب -ربما- فإنهم يرون إمكانية علاجها بمعزل عن الإصلاح السياسي الشامل. فهم يدعون الدولة إلى المساواة بين المناطق في توزيع الثروة ومشروعات العمران، مكافحة الفساد المالي والإداري واستغلال السلطة، وتفعيل أجهزة الرقابة القائمة. إن الإشارة الوحيدة التي تحمل طابعا جذريا في هذا المجال هي دعوة وثيقة «الرؤية» إلى معالجة الطابع الأحادي للاقتصاد وتنويع مصادر الدخل الوطني. ومن هذا يظهر أن التيار الإصلاحي قد ركز اهتمامه بالكامل تقريبا على الجانب السياسي واعتبره المهمة شبه الوحيدة في الوقت الراهن.
|