الاستبداد وآليات إعادة إنتاجه والسبل الممكنة لمواجهته

 

          الدكتور توفيق السيف *: القابلية الاجتماعية للاستبداد(structural limitations )هي استعارة من المرحوم مالك بن نبي الذي طرح فكرة «القابلية للاستعمار» كأداة لتفسير تغلغل الاستعمار في البلدان الإسلامية. كل نظام إجتماعي " بما هو منظومات قيم، وتوازنات، ونمط إنتاج " يسمح بخيارات محددة ويمنع أخرى.
هذه المفاضلة وتجلياتها الواقعية ليست قراراً واعياً ونهائياً ، بل هي محصلة موضوعية للتفاعل بين مجموع العناصر التي تشارك في تكوين الحياة الاجتماعية إضافةً إلى تأثير العوامل الخارجية. القابلية للاستبداد ضمن هذا المنظور ليست ردة فعل مؤقتة على أزمة اقتصادية أو سياسية خانقة كما تطرحه نظرية الزعامة الكاريزمية مثلا، بل نمط ثقافي-اجتماعي يتمتع باستمرارية وعلاقة تفاعلية مع مجموع العناصر المكونة لظروف المعيشة في مجتمع محدد.
وسوف تركز هذه المقالة على العوامل الثقافية في هذا النمط. الثقافة السياسية لمجتمع ما - حسب وصف الموند - هي بمثابة خريطة ذهنية تحدد صورة الفرد كفاعل سياسي مقارنة بغيره من الفاعلين، كما تحدد صور العلاقة بينهما ونوعية الأفعال وردود الأفعال المتوقعة من جانبهم [1] .
خيار الاستبداد في السعودية:
خيار السلطة المستبدة يصبح مرجحا عندما يفشل المجتمع في استنباط نظام عمل اجتماعي لإدارة شؤونه العامة. فيما يتعلق بالمملكة العربية السعودية، فإن العوامل التي رجحت هذا الخيار في الحقبة التاريخية التي شهدت قيام الدولة، هي: ذهنية الخضوع، التفكك، والطرفية.
ذهنية الخضوع:
ونعني بها هنا المستخلصات العامة التي تمثل مرجعية للتفكير الفردي والعقل الجمعي على السواء. رغم التنوع الذي يحفل به تاريخ المسلمين القريب والبعيد، فإن الصورة العامة التي يستذكرها معظم الناس عن علاقة المجتمع بالدولة في معظم العصور الإسلامية هي صورة حاكم فرد ورعية طائعة.
هذه الصورة جرى تعميمها وتبريرها على أساس ديني حينا وأخلاقي حينا آخر[2] في ظل غياب حراك علمي يقوم على المناقشة والنقد ومراجعة الحقائق والمنقولات. فحتى وقت قريب كانت معرفة الجمهور بالتاريخ هي مزيج من نقل الوقائع وتبريرها.
وفي كلتا الحالتين فقد كان النقل والتبرير عملية انتقائية تستهدف تثبيت منهج خاص في العمل السياسي يدور حول تشريع حكم المتغلب. في هذا المنهج يعتبر وجود حاكم مقتدر نعمة إلهية وضرورة لا غنى عنها لحفظ النظام العام، وينظر إلى العامة باعتبارهم غوغاء وغثاء، وإلى تحركهم باعتباره فتنة وخروجا عن الجادة[3] .
هذا النوع من الثقافة لا ينظر إلى السلطة السياسية باعتبارها مؤسسة اجتماعية اعتيادية، بل نادياً خاصاً لطبقة تختلف عن عامة الناس. الحصول على السلطة هو تطور طبيعي، بل قدر مكتوب لأشخاص محددين بسبب هوية موروثة أو مزية طبيعية أو نعمة غير مترقبة هبطت من السماء.
وبناء عليه فإن العمل السياسي ليس منشطاً اجتماعياً عادياً متاحاً لكل الناس. كما أن سعي الأفراد العاديين للسلطة ليس من الأمور التي تحظى بالتأييد أو الاستحسان. في حقيقة الأمر فإن الوصول إلى السلطة هو مطمح لكل فرد في هذا النوع من المجتمعات، لكن السلطة في الوقت ذاته بغيضة ومخوفة وهي تكثيف لكل عيوب الدنيا، فالسعي إليها انجراف وراء زخرف الحياة الدنيا وانحراف عن الطريق القويم[4].
التفكك:
تألفت المملكة العربية السعودية من ضم عدد من الأقاليم تمتد بين البحر الأحمر والخليج العربي أفقياً، وبين اليمن وتخوم الشام والعراق عمودياً. رغم انتماء جميع السكان في هذه الأقاليم إلى الإطار العربي الإسلامي، فإن كلا منها تأثر بتجربة تاريخية مختلفة كما اعتمد نمطاً خاصاً في المعيشة، وبالتالي فقد حصل كل منها على شخصية تنطوي على تمايز يمكن اعتباره في أدنى التقديرات درجة من النمو مختلفة.
يستمد التفكك مبرراته أيضاً من نمط الإنتاج السائد في مختلف أقاليم البلاد، والذي يتسم بانعدام الفائض الرأسمالي الذي يستدعي قيام علاقة مصالح تفاعلية بين المناطق المختلفة. وهي سمة لاحظها كل دارسي المناطق الشبيهة للجزيرة العربية.
وأظن أن أقرب النماذج التي يمكن مقارنتها هنا هو نموذج الاقتصاد السياسي للمناطق القاحلة كما عرضه المفكر الإيراني هما كاتوزيان[5] . هذا النموذج أكثر قرباً لواقع الجزيرة عند الأخذ بعين الاعتبار علاقة الاقتصادي بالسياسي ضمن الإقليم الواحد، وضمن حدود معينة إذا أخذ بعين الاعتبار مجموع الأقاليم كوحدة واحدة[6] .
تمايزت مناطق الجزيرة العربية عن بعضها بفوارق مذهبية ومعيشية واختلاف في مستويات الثقافة، كما كانت هناك منظومات سلطة محلية
شبه مستقلة. وبالتالي فإن الذي جرى تجميعه في الإطار الوطني لم يكن أعدادا من البشر بل منظومات اجتماعية يحمل كل منها هوية خاصة قابلة للمقارنة بالهويات الأخرى[7] .
ومن هذه الزاوية فقد كان المؤمل أن يترجم توحيد المملكة في احتواء هذه الهويات الخاصة ضمن هوية جامعة هي الهوية الوطنية. لكن ما حصل فعلا يتراوح بين الإهمال التام لهذه الهويات حينا ومحاولة تدميرها وإحلال الهوية الثقافية للقوة الغالبة حينا آخر[8].
في الوقت الراهن مثلا فإن اللباس الوطني للسعوديين هو اللباس النجدي والفولكلور الذي يعرض في المناسبات الرسمية هو العرضة النجدية[9] ، لكن أحدا لا يسمع عن الفولكلور الحجازي الغني بالألوان، أو أهازيج البحارة التي اشتهرت في ماضي المنطقة الشرقية.
الطرفية:
لأسباب تاريخية وموضوعية فإن السياسة كمنشط حياتي تنحصر في المركز وتغيب نسبياً أو تماماً في الأطراف. والسياسة المعنية هنا هي بالخصوص الأعمال التي ترتبط بالدولة، ولا يغير من هذه الحقيقة وجود أنواع من السلطة في كل قرية أو مدينة. إن وجود الدولة كهيئة سياسية محصور في العواصم.
أما في الأطراف فهي موجودة كقوة أمن. ويترتب على هذا أن الوعي التفاعلي بالسياسة، أي فهمها والتعامل مع الفاعلين فيها وربما محاولة الاقتراب منها وتجريبها، محصور من حيث الإمكانية في العاصمة[10].
عرض الموند وفربا في بحثهما المشهور عن الثقافة السياسية ثلاثة نماذج قياسية هي ثقافة المشاركة، وثقافة الخضوع، وثقافة العزلة. وجرى تعريف النموذج الأول بأنه المجتمع الذي يعي تأثير الدولة عليه وقدرته على التأثير فيها، بينما الثاني هو الذي يعي بتأثير الدولة عليه مع عجزه عن التأثير فيها، أما الثالث فهو الذي لا يشعر بوجود محسوس للدولة في حياته[11] .
وثمة ميل واضح بين الباحثين إلى إمكانية تصنيف النوع الأول باعتباره احتمالا قويا في المراكز الحضرية بينما يكون الاحتمال الثاني قويا في الأطراف والثالث في الأرياف أو التجمعات السكنية المعزولة.
ولا تتوفر معلومات كافية لتأكيد أن النوع الثالث على وجه الخصوص كان موجودا بالفعل في الجزيرة العربية، رغم أن وجوده يمثل احتمالا قائما. إلا أنه يمكن القول إن جميع أقاليم الجزيرة العربية التي تشكل الممملكة اليوم، كانت تاريخيا ضمن الأطراف. ربما كان الحجاز هو المنطقة الوحيدة التي شهدت قيام ما يشبه الدولة - بالمفهوم الحديث - لفترة يسيرة. ولهذا وبهذا المقدار تولد فيها وعي بالسياسة والدولة يتجاوز بقية أقاليم الجزيرة. لكن لابد أيضا من بعض التحفظ هنا إذ ان حكومة الحجاز لم تكن مستقلة تماما، فقد كانت تابعة للسلطنة العثمانية مثل بقية الأقاليم.
بقي التصنيف إلى مركز وطرف قائما في ظل الدولة السعودية، إذ انحصرت ممارسة السياسة في عدد محدود من الأفراد يجمعهم نسب وسكن ومذهب، وتجلى الوعي بهذه الحقيقة في التسمية التي سبقت إعلان اسم المملكة العربية السعودية (سبتمبر / أيلول 1932)، حين كانت أقاليم الجزيرة العربية التي أمست خاضعة للعرش السعودي تسمى " سلطنة نجد وملحقاتها ".
نحن نتكلم عن الاستبداد في معنى الانفراد بالقرار والاستفراد بقوى الدولة المادية والمعنوية، وهو مفهوم يقابل مفهوم المشاركة أو الاشتراك. إذا أخذنا مفهوم المشاركة باعتباره وعيا يرتبط بتجربة، أي وعيا بالفعل أو ثقافة، فإن إمكانيته محصورة بتوفر إمكانية للحياة السياسية، أما مع انعدامها كما هو الحال في الأطراف، فإن الكلام يصبح غير ذي موضوع.
طبيعة الاستبداد.. النموذج البدوي:
شهدت السنوات الأخيرة محاولات جدية من جانب عدد من المفكرين العرب والمسلمين لإعادة تفسير المكون التاريخي للثقافة والنظام الاجتماعي في الشرق الإسلامي، تركزت في إطارها العام على نقد المنظور التاريخي الذي يماثل تطور المجتمع العربي مع الأوروبي، ولا سيما في افتراض أن الأوضاع الحالية هي استمرار أو انتقال من مرحلة ساد فيها اقتصاد سياسي يقوم على الإقطاع كمكون رئيس لعلاقات الإنتاج.
واقترح الجابري مثلا ثلاثة عناصر بديلة لتفسير الحراك التاريخي هي القبيلة، والغنيمة، والعقيدة. ويحاكي هذا المنظور إلى حد كبير النموذج الذي عرضه ابن خلدون، ولا سيما ربطه للملك بالعصبية المدعومة بالدعوة الدينية[12] .
في هذا النموذج تمثل القبيلة إطارا مفهوميا للقيم والتراتب الاجتماعي، نظاما للسلطة ورؤية للذات والعالم. وتمثل الغنيمة عنوانا للاقتصاد السياسي، بينما تمثل العقيدة القاعدة الأخلاقية التي تبرر النظام وتوفر المشروعية لديناميات الاستمرار الخاصة به. ويوفر النموذج أداة مناسبة لتفسير الحراك السياسي في الجزيرة العربية خلال القرن العشرين على الأقل.
لا شك أن تأسيس المملكة العربية السعودية هو أهم حدث في تاريخها على الإطلاق. لقد نجح هذا المشروع بسبب التوظيف المتقن للعناصر الثلاثة للنظام البدوي، أي القبيلة والغنيمة والعقيدة. نشير هنا إلى أن العائلة المالكة السعودية ليست قبيلة بالمعنى المتعارف، لكن نظام علاقاتها الداخلية وعلاقتها بالخارج والقيم التي يتحدث عنها أعضاؤها، هي قيم القبيلة المعروفة في الجزيرة العربية. وحديثنا هنا يلحظ هذا المعنى وليس القبيلة في صورتها الشكلية.
النظام البدوي سياسيا: القبلية السياسية - طبقا للنقيب- تنطوي على ثلاثة معان على الأقل :
• أنها توفر أساس العصبية .
• تعمل كمنظم لقواعد الإدخال-الإخراج .
• أنها تمثل قاعدة للعلاقات في الإطار السياسي[13].
ويمكن الإشارة إلى ثلاث صفات مميزة للنظام البدوي السياسي:
1 - أنه نظام في ذاته ولذاته:
القبيلة في الشرق مثل الطبقة في الغرب هي أساس لهوية خاصة تجمع بين أعضائها وتميزهم عن الغير، لكنها تختلف عن الطبقة الغربية في أن منظومة المصالح ليست هي أساس الهوية، بل الرابطة القرابية التي تقوم عليها لاحقا منظومات مصالح، وهذا يجعل القبيلة - خلافا للطبقة- نظاما مغلقا على الخارج فلا يسمح بالحراك منه إلى الخارج أو من الخارج إليه.
إن أبسط تجليات هذا الانغلاق يظهر في تقاليد الزواج، لكنه في المفهوم العام يشمل حتى التساكن (حتى في المدن الكبرى) وتوليف القوة السياسية. مع التطورات التي حدثت في البلاد بعد اكتشاف البترول، فقد واجه نظام القبيلة تحديا خطيرا نتج في المقام الأول عن الهجرة إلى الحواضر الكبرى[14] وظهور نطاقات مصالح اقتصادية غير مرتبطة بالقبيلة إضافة إلى توسع الدولة في التوظيف والتمويل، وهذه كلها مثلت عناصر جذب كان من شأنها إضعاف الرابطة القبلية.
ويبدو أن هذا قد حدث ضمن حدود معينة. لكن على النطاق الأوسع فإن نظام القبيلة خرج من هذا التحدي سالما إلى حد كبير، ويرجع هذا إلى عوامل أخرى ربما يكون من بينها اعتماد العائلة الحاكمة على هذا النظام كإطار للعلاقة مع المجتمع. لكن السبب الرئيسي في رأيي يتمثل في حاجة الجمهور الأوسع -بما فيه الطبقات الحديثة التي ظهرت مع التنمية- إلى العودة إلى قبيلتها كوسيلة للاحتماء والارتقاء مقابل الشعور العام بالفشل في الارتقاء اعتمادا على المعايير المدنية.
ويمكن القول إن القبيلة قد حصلت على دفعة قوة إضافية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ النصف الثاني من الثمانينات ضمن توجه عام من جانب السعوديين، ذوي الأصول القبلية وغيرهم للعودة إلى مكونات الهوية دون الوطنية[15] . عجز الدولة عن ضم الطبقات
الجديدة لاحتواء التغير في البيئة الاجتماعية للسلطة والسياسة هو السبب وراء هذا التوجه. النظام البدوي ينظر إلى العصبة القائمة على القرابة الدموية باعتبارها البيئة الطبيعية للسلطة وجودا وممارسة، كما ينظر إلى القوة المتأتية عن استثمار العصبة باعتبارها حقا لأهلها.
بكلمة أخرى فإن تحول القبيلة إلى دولة لم يترتب عليه تخلي القبيلة عن مفهوم العصبة القديم، القوة الإضافية التي حصلت عليها القبيلة من انضمام (أو ضم) مجتمعات جديدة لم يترافق مع انفكاك مفهوم المسؤولية من الأساس القرابي الأصلي وتحولها إلى مسؤولية عن جميع الذين يخضعون لسلطتها، إذ بقي النظام كما كان نظاما في ذاته ولذاته وليس لجميع الخاضعين لسلطانه.
2 - أنه نظام عضوي:
تعتمد المكانة فيه على النسب لا الإنجاز، خلافا لرأي الدكتور الفالح الذي وصف العلاقة بين الدولة والمجتمع خلال العقود الأولى من تأسيس المملكة بأنه ينطوي على نوع من المشاركة[16] ، فإن أي صورة من صور المشاركة التي نعرفها في الحياة السياسية لم تكن قائمة.
مع اتساع النطاق الجغرافي لسلطة القبيلة من حدود القرية الصغيرة في وسط نجد إلى العديد من حواضر وأقاليم الجزيرة العربية فقد انضم الآلاف من أبناء الأقاليم إلى الحكومة الجديدة. وعندئذ نشأ نوع من المشاركة الوظيفية المرتبطة بضرورات المحافظة على نوع من الاستقرار الذي لم يكن بالوسع ضمانه بالعنف العاري. لكن هذا المشاركة لم تتطور أبدا إلى مشاركة في القرار السياسي فضلا عن أن الفرصة لم تتسع لتشمل مجموع الوحدات الاجتماعية التي تضمها المملكة (الشيعة مثلا). يرجع هذا في الأساس إلى فلسفة النظام البدوي، فهو نظام عضوي غير تعاقدي، الأعضاء المرتبطون قرابيا بالنظام هم شركاء طبيعيون، وكل من خارجهم أجانب.
مفهوم الملك والمصلحة وما ينشأ عنهما من علاقات وسلطة ليس مؤقتا أو قابلا للانتقال والتبادل، بل تقوم على أساس تطور طبيعي تنحصر بموجبه داخل النظام الذي يمثل رابطة طبيعية بين أبنائه. إن التوسع الهائل لإدارة الدولة وما فرضه من إشراك عناصر كثيرة من خارج النظام، وما أوجده من أنماط علاقات جديدة لم يؤد إلى تغيير جذري في المفاهيم، ونجد تجسيد هذا المعنى في مظهرين:
• الأول : أن كل إدارة جديدة تقيمها الدولة فإن أول المرشحين لها هم أعضاء في العائلة المالكة، فإن لم يوجد فمن أهل نجد، فإن لم يوجد فمن المناطق المنسجمة تماما مع تلك الموازين.
• الثاني : المقاومة الأشد للإصلاح السياسي من جانب العائلة يتركز على الموضوعات التي ترتبط بفكرة التعاقد أو تشير إلى التعاقد كفلسفة حكم، مثل المحاسبة وسيادة القانون والانتخابات العامة.
3- أنه نظام يتحدد مفهوم السلطة فيه بالقهر:
يستدعي تعبير السلطة إلى الذهن صورتها المجردة، أي الإكراه الفعلي أو القدرة على الإكراه في صورة مادية. لكن هذه الصورة نادرا ما تطابق الواقع. إن الإكراه المتحقق من خلال ممارسة السلطة يتمظهر عادة في صور أخرى[17] .
في حالة السلطة السياسية، فإن ممارسة السلطة تقوم عادة على نوع من الاتفاق الضمني أو الصريح بين الحاكم والمحكومين على حق الأول في الأمر والنهي والتصرف، الذي يستوجب الطاعة من الطرف الثاني. وهو ما أشار إليه روسو في مقولته المشهورة "الأقوى ليس قويا حقا ما لم يحول هذه القوة إلى حق، والخضوع لها إلى واجب".
يشير مفهوم الشرعية إذن إلى المصدر الذي يستمد منه الحاكم حقه في السلطة، ويبرر بالتالي تصرفه في أنفس الناس وأموالهم. الشرعية في أبسط تجلياتها هي العقيدة المشتركة بين الحاكمين والمحكومين التي تجعل طاعة الفريق الثاني للأول أمرا مقبولا، بل ومحبذا.
ومثل كل النماذج الأخرى، فللنموذج البدوي مفهومه الخاص لشرعية السلطة. لكنه يتمايز عن غيره بأنه لا يخاطب مجموع السكان الخاضعين لسلطته، بل يقتصر على مخاطبة المجموعة التي ترتبط عضويا بهيئة السلطة، أو العصبة حسب التعبير الخلدوني. وبهذا المعنى فإن الشرعية ليست قائمة على العقيدة المشتركة بين الحاكم ومجموع رعيته، بل بينه وبين الأقلية التي يعتمد عليها لإخضاع الأكثرية. ويرجع هذا إلى الصفة الأولى، أي كونه نظاما لذاته.
تجلى هذا المعنى في الأساس المعلن لشرعية النظام السياسي في المملكة، وهو تركيب ثنائي من الدين والنظام العام. بغض النظر عما يثار من شكوك حول فكرة التحالف بين زعماء المذهب الوهابي ومؤسس المملكة عبد العزيز آل سعود، إلا أن ما يهمنا هنا هو أن الجيوش التي جندها عبد العزيز للسيطرة على المناطق المختلفة في سياق مشروعه لتوحيد الجزيرة العربية تحت سلطانه، لم تكن جيوش دعوة بمعنى أن هدفها لم يكن نشر الدعوة الوهابية في مختلف المناطق، بل ولم يبذل أي جهد يذكر في هذا السبيل، رغم أن تلك القوات قد جرى تحريكها تحت شعار الجهاد.

يتتبع