اما الأول فبعيد وإذا كان هو المقصود فكان لابد وان يكون منطوق المادة (بالدفاع عن بيضة الإسلام) كما درج عليه المسلمون في وصفهم للدفاع، ولكن الواقع يشير إلى ان المقصود هو الثاني، فالقوات المسلحة منذ ان وضعت لبنها الاولى وهي مكرسة لهذا الهدف، وقد ارتكبت القوات التي بناها بنو سعود ابشع الجرائم في نجد والحجاز والمنطقة الشرقية وحائل وغيرها ضد المخالفين لعقيدة بني سعود ومؤسسته الدينية، والمتتبع لصفقات الاسلحة وبناء المنشآت العسكرية يعتقد للوهلة الاولى ان هذا النظام يمتلك جيشاً يستطيع ان يدافع به عن البلاد باطمئنان ولكننا نجد كما اسلفنا ان هذا الجيش لم يستطع في حرب الخليج الثانية ان يواجه جيشاً من جيوش المنطقة وليست لديه القدرة على ان يصمد أمامه.
11 ـ المواد 35، 36، 37، 38 تتحدث عن توفير الامن وحرمة المواطن والمساكن، في الواقع ان هذه المواد وضعت لذر الرماد في العيون والا فالمواطن سواء قبل إصدار هذا النظام أو بعده لم نعرف له حرمة في سياسة بني سعود فالاعتقال بدون تهمة وبدون محاكمة، واستخدام اقسى وسائل التعذيب الجسدي والنفسي أصبح من سمات نظام بني سعود، كما ان حرمة المساكن لم نسمع ان سلطات بني سعود قد احترمتها في أي يوم من الايام وهذا الواقع اليومي للمواطنين يخبرنا عن ذلك، كما ان لجان ما يسمى بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر تمارس ادواراً لا تمت إلى هذه الشعيرة العظيمة بأية صلة وانما اعضاؤها هم عبارة عن مجموعة يعبرون عن حالة النقص التي يعيشونها مثلما يعيشها أعضاء عائلة بني سعود بتعرضهم للمواطنين بصورة لم تعرفها القوانين السماوية والوضعية في العالم فضلاً عن القوانين الإسلامية السمحة، كما انّه في الوقت الذي يُمنع المواطن من ممارسة شعائره الدينية وفق عقيدته التي يتبناها نرى ان الحفلات الماجنة تقيمها القوات الغربية على أرض المقدسات لأن هذه القوات أمريكية فهي فوق القوانين.
أما لو قال قائل ان النظام سيعمل بعد إصدار النظام الاساسي على تنفيذ ما ورد في هذه المواد.
فنقول: اولاً: ان هذه المواد جاءت ضمن النظام الأساسي وهذه المواد مترابطة بعضها مع البعض الآخر فلا يمكن تفكيكها، فإذا علمنا ان المواطن ضمن هذا النظام لم يضمن له ابداء رأيه أو تشكيل جمعية أو حزب، ولم يضمن له توجيه أي انتقاد لسياسة النظام، أو ما يتعلق بوجوده كمواطن، وان ذلك يعتبر فتنة ودعوة للانقسام، وان جميع السلطات هي بيد الملك، وان هذا النظام الذي أصدره بنو سعود لم يحدد اية جهة لمراقبة تنفيذ مواده حيث ان أعضاء مجلس الشورى يعينهم الملك وعادة يكون هؤلاء من ضمن جهازه السلطوي، فلا تنتظر إذاً ان يغير بنو سعود طبيعتهم تبعاً لهذا النظام.
هذا من جهة ومن جهة أخرى فان قانون مجلس الشورى المذكور لم يعط صلاحية لاعضاء المجلس بالاعتراض على سياسة السلطة أو تصرفاتها.
ثانياً: كل القرائن وكما قلنا سابقاً توضح لنا ان سبب تشريع هذه القوانين لم يأت لكي يمنح النظام السعودي حياةً ديمقراطية للشعب وانما جاء بتوجيه الادارة الامريكية وبعد الضغوط التي عاشها النظام أثر انكشاف خيانته وفضح ممارساته القمعية وخروجه من ربقة الإسلام.
12 ـ المادة (39) تحدثت عن وسائل الاعلام وانها يجب ان تلتزم بالكلمة الطيبة وبأنظمة الدولة ويحضر ما يؤدي إلى الفتنة أو الانقسام أو يمس بأمن الدولة وعلاقاتها العامة أو يسئ إلى كرامة الإنسان… الحقيقة ان هذا الكلام لا يقصد به الصحافة والاذاعة والتلفزيون، فهذه الوسائل تسيطر عليها السلطة سيطرة كاملة وانما جاءت هذه المادة لتشير إلى موضوع أهم من ذلك وهو منع كل الافكار أو الطروحات الدينية المخالفة لرؤية النظام ومؤسسته الدينية والا من يجرؤ على نشر مقال أو خبر يخالف رؤية السلطة وانما امتلأت السجون وانتهكت الحرمات بسبب الكتب الدينية وأوجه النشاط الإسلامي التي يعتمدها المواطنون التي تختلف مع قراءة مؤسسة النظام الدينية وحوادث القتل للرجال والنساء والاطفال وانتهاك الحرمات وقطع الاشجار في كل مناطق البلاد خير دليل على ذلك فأبناء المنطقة الاشرقية اذا أرادوا التعبير عن حزنهم باستشهاد ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ايام شهر محرم الحرام ولم يريدوا الفتنة والانقسام، كما اننا نجد ان السلطة قد اهتزت وقلقت لأن امرأة مؤمنة كانت تحمل كتاب أدعية فلم يهدأ لها بال إلاّ بعد ان قتلتها وسلمت جثتها إلى ذويها.
13 ـ المادة (43) والتي جاءت تحت باب الحقوق والواجبات من المواد الغريبة فهي تنص على ان: (تمنح الدولة حق اللجوء السياسي إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك وتحدد الأنظمة والاتفاقيات قواعد واجراءات تسليم المجرمين الفارين).
ان هذه الفقرة جاءت منافية للاتفاقيات الدولية بخصوص اللاجئين وخاصة اتفاقية جنيف عام 1951 م فالاعتراض هنا هو لماذا قيد حق اللجوء السياسي بالمصلحة العامة؟
في الواقع ان هذا القيد جاء لعدم اعتراف النظام بأي حق سياسي للمواطن العادي فهي عادة تحاول عقد اتفاقيات مع الدول الاخرى لتسليم المواطنين اللاجئين الذين يعارضون النظام السعودي والذين يشكلون خطراً عليه والذين سيفضحون ممارسات هذا النظام اللاإنسانية فضلاً عن اللاإسلامية والشواهد على ذلك كثيرة.
وهذه المادة نراها قد طبقت على اللاجئين العراقيين بشكل واضح، فقد وضع اللاجئون في مناطق صحراوية داخل معسكرات مهينة واستخدمت ضدهم أبشع الجرائم سواء على الصعيد الانساني أو بمحاولة فرض رؤية النظام ومؤسسته الدينية على هؤلاء اللاجئين، واضطر النظام تحت ضغط مؤسسته الدينية بعد ان فشلت في تغيير عقيدتهم ان تفاتح المنظمات الدولية لاخراجهم من البلاد.
14 ـ المادة (44) تنص على ان: (تتكون السلطات في الدولة من السلطة القضائية والسلطة التنفيذية والسلطة التنظيمية… والملك هو مرجع هذه السلطات).
حرص مهندس النظام الاساسي على استبدال اسم السلطة التشريعية باسم السلطة التنظيمية وذلك لان معنى السلطة التشريعية أنها تقوم بتشريع القوانين ولما كان ذلك يعارض مبدأ السلطة المطلقة للملك تم استبدالها بهذا الاسم لان القوانين في البلاد مصدرها الملك وتشرع داخل مجلس العائلة.
ثانياً: لا يجوز تسمية السلطة القضائية والسلطة التنظيمية بالسلطة لانه لا توجد سلطة في البلاد غير سلطة الملك والعائلة وانما هذه أجهزة وضعت لترتيب الأمور حسب ما يراه الملك والعائلة، ونظرة على عمل هاتين الجهتين يتضح ما قلناه، كما ان المادة (46) تشير إلى ذلك حيث تنص هذه المادة على أن (القضاء سلطة مستقلة ولا سلطان على القضاة في قضائهم لغير سلطان الشريعة الإسلامية) وبما ان المسؤول عن تطبيق الشريعة الإسلامية ومصدر كل القوانين هو الملك كما قال عبد العزيز بن سعود للكولونيل ديسكون المعتمد البريطاني: (يجب على حكومتكم أن تتذكر أنني الزعيم الديني للعرب، وبالتالي فأنا الذي أفسر النصوص القرآنية)[5] فانه لا يبقى معنى لتسميتها بالسلطة.
15 ـ جاء في المادة (81): (لا يحل تطبيق هذا النظام بما ارتبطت به المملكة… مع الدول والهيئات والمنظمات الدولية من معاهدات واتفاقيات) الحقيقة ان هذه المادة تعتبر من اخطر المواد التي وردت في هذا النظام فهي كرست تبعية هذا النظام للدول الغربية التي ارتبط معها باتفاقيات منذ تسليطه على البلاد، ففي الواقع ان النظام لم يوقع على الكثير من الاتفاقيات مع الهيئات الدولية وخاصة التي تتعلق بحقوق الإنسان. فمنطوق المادة (81) إذا ينصرف فقط إلى الاتفاقيات الخيانية التي وقعها النظام مع بريطانيا والولايات المتحدة اعتباراً من اتفاقية دارين عام 1915 م ولحد الآن.
نظام مجلس الشورى:
1 ـ جاء في المادة الاولى استناد هذا المجلس على آيات وردت في القرآن الكريم ليحاول النظام اسباغ صبغة الشرعية على هذا المجلس، إلاّ اننا نلاحظ ان هذا النظام يتناقض كلياً مع هذه الآيات الشريفة ولا نريد ان نفصل ذلك، ولكن نشير إلى حقيقة وهي ان الملك يعتبر نفسه معصوماً كما صورته المؤسسة الدينية المرتبطة به لذلك فوجود مجلس شورى ليس بذي فائدة تذكر إلاّ انّه تحت الظروف التي أشرنا إليها سابقاً اضطر إلى إصدار هذا النظام وتعيين اشخاص بموجب هذا النظام ليست لديهم اية صلاحية في تشريع أي قانون في البلاد ولذلك جاءت المواد الواردة في هذا النظام مرتبكة ومتناقضة بعضها مع البعض الآخر ومتناقضة مع النظام الاساسي ونظام المناطق.
2 ـ جاء في المادة (2): (يقوم مجلس الشورى على الاعتصام بحبل الله والألتزام بمصادر التشريع الإسلامي ويحرس أعضاء المجلس على خدمة الصالح العام والحفاظ على وحدة الجماعة وكيان الدولة ومصالح الامة) بما ان الصالح العام مجهول ولم يحدد، أو ان الصالح العام ما يقوله بنو سعود فكل من يخالفهم فهو ضد الصالح العام هذه هي فلسفة النظام ومؤسسته الدينية في إدارة البلاد، وبما ان تفسير النظام ومؤسسته الدينية للدين هي الأصح فان كل من يحمل تفسيراً مخالفاً فهو ضد الصالح العام والمخالف هو ضد وحدة الجماعة وكيان الدولة ومصالح الامة لذلك فإن أعضاء مجلس الشورى يعينون من قبل الملك ويؤدون القسم الذي ورد في المادة (11) من هذا النظام بالولاء للملك والحفاظ على البلاد و مصالحها وأنظمتها التي تعود بأكملها إلى الملك والعائلة المالكة.
3 ـ جاء في المادة (17): (ترفع قرارات مجلس الشورى إلى رئيس مجلس الوزراء ويحيلها إلى مجلس الوزراء للنظر فيها فان اتفقت وجهات نظر المجلسين صدرت بعد موافقة الملك عليها وان تباينت وجهات النظر للملك اقرار ما يراه)
هناك تناقض في هذه المادة ففي الوقت الذي تنص المادة (2) على ان (يقوم مجلس الشورى على الاعتصام بحبل الله والالتزام بمصادر التشريع الإسلامي…)
وفي هذه الحالة ان لم يكن أعضاء هذا المجلس كلهم من الفقهاء وان معظمهم سيكون كذلك، لذلك سنتلمس حجم التناقض الذي سيحدث مع مجلس الشورى الذي يكون أعضاؤه أناس بعيدين عن الفقه ومصادر التشريع كتخصص ثم إن في حالة التناقض تنص المادة على (للملك اقرار ما يراه) فهل الملك فقيها ويفهم مصادر التشريع ام ان عبارة (مايراه) في حقيقتها هي (ما تراه والضمير في الفعل يعود للادارة الامريكية على اعتبار ان الملك مربوط باتفاقيات ومعاهدات لا يمكنه التنصل منها، أي بعبارة أخرى وهي اننا لو قبلنا بفرضية ان مجلس الشورى يقوم بدارسة الانظمة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية كما اشارت إليه المادة (18) من هذا النظام فإن هذه الدراسة والرؤية لا بد وان لا تخالف المعاهدات والاتفاقيات الموجودة في الواقع.

يتتبع