ومع ذلك فإن الوزارة بحساسيتها المفرطة تجاه النقد ، وبخاصة مع جريدة الرياض دون سواها ! اعتبرت هذه الملاحظات قضية كبرى يجب التحقيق فيها ! .
ترى لو أن كل الوزارات والجهات الحكومية بلغت بها هذه الحساسية تجاه النقد إلى هذا الحد، كيف سيكون بمقدور الصحفيين ، التوفيق بين ساعات عملهم وساعات " التحقيق ! " وكيف تستطيع الصحف ممارسة مسؤولياتها وأداء رسالتها تجاه هذا الوطن ؟ سؤال يفترض أن تكون الإجابة عليه من وزارة الإعلام " .
وتخضع " ألفاظ " المقالات الصحفية لرقابة دقيقة ، فقد يتعرض الصحفي إلى التحقيق إذا ما أورد كلمة أو لفظاً أو اصطلاحاً ممنوعاً : كتب أحد الصحفيين " محمد علوان " يشكو الرقابة بمرارة في مقال حمل عنوان : " رقابة الألفاظ " في مجلة " اليمامة " الأسبوعية الصادرة في العاشر من يونيو 1986 ، فقال : " أتقدم باقتراح إلى كل المسؤولين عن صحافتنا بإصدار لائحة بالكلمات أو العبارات المحظورة ، بعدها يمكن لبقية الكلمات المحظوظة أن تصل " ! .
كما تقوم الأجهزة الرسمية أحياناً بالتدخل لتطلب من الصحف وأجهزة الإعلام ومدراء الجامعات ، منع نقاش حول موضوع معين ، ففي سبتمبر 1988 ، أصدر وزير الداخلية أمراً يحظر على الصحفيين السعوديين أو العاملين في حقل الإعلام في العربية السعودية من الاستمرار في الكتابة عن موضوع " الأصالة والحداثة في الأدب العربي " ، بعد أن كثر الجدل فيه ، وظهر إن الموضوع كان ستاراً للجدل بين الاتجاه التقليدي والاتجاه الليبرالي في المجتمع ، وخشيت الحكومة أن يتحول الأمر إلى جدل سياسي مفتوح فتدخلت لوقفه .
وتمارس الرقابة الحكومية نشاطها على الصور أيضاً ، فالصور النسائية ممنوع نشرها في الصحافة السعودية المحلية ، وقد استثنيت من هذا الأمر المجلات والصحف الصادرة عن الشركة السعودية للأبحاث والتسويق (الشرق الأوسط ، والمجلة ، وسيدتي .. الخ) .
وذلك بموجب أمر ملكي خاص ، وفى معرض تبرير هذا الاستثناء ، أكد وزير الإعلام لرؤساء تحرير الصحف المحلية عام 1983 ، أن مطبوعات الشركة المذكورة والصادرة في لندن ، تقود النشاط الدعائي للجوانب الإيجابية في المملكة في الخارج ، كما أنها لا تطبع داخل البلاد إلا كإصدار ثان .
لا تستطيع الصحافة المحلية أن تنحرف عن ضغط السياسة الرسمية بأي حال من الأحوال ، ولهذا لم تنشر الصحف السعودية أي شيء عن غزو العراق للكويت يوم الثاني من أغسطس 1990 ، إلا بعد ثلاثة أيام من وقوعه ، حين أصدرت الحكومة السعودية بيانها الرسمي ليكون هو الأول حول الموضوع .
وقد طالب العديد من الصحفيين في العربية السعودية بإدخال تغييرات على قانون الصحافة والمطبوعات ، وعلى الأنظمة والقوانين التي تحكم مؤسساتهم والتي يعتبرونها بالغة الشدة . ففي مقال للأستاذ إياد أمين مدني رئيس تحرير جريدة عكاظ (نشره في جريدة الرياض بتاريخ 20/4/1985) ، شكا فيه من الكبت الذي تتعرض له الصحف المحلية وعدم ثقة القارئ .. وأرجع السبب إلى نظام المطبوعات ، حيث " المطبوعات والصحف المحلية يضمها نظام المؤسسات الصحفية ، الذي صدر منذ نحو ربع قرن من الزمان ؟ " ، ثم طالب بأن تعامل المؤسسات الصحفية بنفس المعاملة ، التي قيل إن الشركات التجارية التي تتقيد بالأنظمة تلقاها، دون تدخل من الحكومة .
الرقابة على الصحف
تفرض العربية السعودية رقابة مشددة على الصحافة الصادرة خارج المملكة ، ولا تمنح أي صحيفة رخصة التوزيع الضرورية إلا بعد إجراء دراسة مستفيضة للأعداد الصادرة خلال الأشهر الثلاثة السابقة بالنسبة للمجلات الشهرية .
ويفرض حظر على بعض الصحف العربية منذ مدة طويلة ، وما يزال قائماً بغض النظر عن محتوياتها ، من هذه الصحف " الأهالي " ، و" المختار الإسلامي " المصريتان ، و"السفير" و"الكفاح العربى" و" النداء" اللبنانية و" الطليعة " الكويتية ، و" الأزمنة العربية " ، التي كانت تصدر في الإمارات العربية المتحدة ، ثم انتقلت إلى لندن ، وكذلك جميع الصحف الصادرة في اليمن الجنوبي قبل الاتحاد ، وجميع الصحف الليبية ، وصحيفة " المحرر " الصادرة في باريس ، ومجلة " الطليعة العربية " ، و" الوطن العربى " ، و" النشر " الصادرة في أثينا ، وصحيفتا "القدس " و" العرب " الصادرتان في لبنان مع أن الأخيرة كان يسمح بدخولها قبل أزمة الخليج .
أزمة الخليج
لقد حجبت عن المواطنين السعوديين المعلومات حول الأحداث التي قادت إلى أزمة الخليج، ففي السابع عشر من يوليو 1990 هدد الرئيس العراقي صدام حسين دولتين خليجيتين هما: الكويت والإمارات العربية المتحدة ، واتهمهما بشن حرب اقتصادية على العراق ، وقد نشرت الصحف الكويتية تغطية كاملة للموضوع ، بما في ذلك أقوال المسؤولين العراقيين وردود الحكومة الكويتية عليها ، إلا أن الصحافة السعودية امتنعت حتى عن الإشارة إلى التوتر الذي كان يستعر بين البلدان الثلاثة .
وقبيل اندلاع الحرب ، صرح الأمير سلطان وزير الدفاع ، بأن المملكة على استعداد – تفادياً للحرب – أن تناقش قضايا الحدود مع العراق ، ولكن الملك الراحل فهد سارع إلى إصدار نفى للتصريح ، وأصدر تعليماته إلى جميع المسؤولين بألا يتحدثوا إلى الصحافة قبل عرض مضمون مقابلاتهم الصحفية المزمعة وأقوالهم على الديوان الملكي ، لأخذ موافقة الملك الشخصية عليها .
كما أصدرت وزارة الإعلام تعليماتها إلى الصحافة المحلية ، بأن تمتنع عن نشر أي شيء عن الأزمة ، واستمر هذا الأمر نافذ المفعول حتى الرابع من أغسطس ، أي بعد يومين من غزو الكويت ، حين قرأ مذيع التليفزيون السعودي بياناً صادراً عن الحكومة ، شجب فيه الغزو العراقي ، وفى اليوم التالي ، كانت عناوين الصفحات الأولى في كل الصحف المحلية عن الغزو ، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يسمع فيها الكثير من السعوديين بالأزمة .
وبالإضافة إلى ذلك أصدر وزير الإعلام أوامره إلى موظفي وزارته وجميع الصحفيين السعوديين ، منعهم بموجبها من التحدث إلى المراسلين الأجانب حول أي موضوع ، أو الرد على المكالمات الهاتفية الخارجية ، إذا كان المتكلم يرغب في مناقشة موقف الحكومة من الأزمة أو مضاعفاتها ، وأثرها على السياسية السعودية الداخلية .
وفى شهر يناير ، أمرت وزارة الإعلام الصحف المحلية بالامتناع عن نشر أي خبر عن ضرب العراق لتل أبيب بالصواريخ ، حتى بعد مرور 24 ساعة من وقوع الحادثة ، كما اضطرت شبكة الإذاعة والتليفزيون للانتظار أكثر من 12 ساعة قبل أن تذيع الخير .
كما فرضت رقابة مشددة على الصحف الأجنبية المسموح بدخولها إبان أزمة الخليج ، فقد حظرت وزارة الإعلام جميع الصحف والمجلات الصادرة من البلدان التي لم تؤيد موقف دول الخليج من الأزمة ، بما في ذلك جميع الصحف الأردنية واليمنية والعراقية والجزائرية والسودانية ، كما صنفت بعض الصحف والمجلات الصادرة في دول التحالف في قائمة الصحف المعادية على الرغم من أنها كان مسموحاً بإدخالها في الماضي ، مثل مجلة " الجهاد" صوت المجاهدين الأفغان في الثمانينيات ، وحظر دخول صحف أخرى بسبب تغطيتها لأزمة الخليج ، كما حظر دخول مجلة " التضامن " العربية الصادرة في لندن حظراً دائماً في أغسطس 1990 ، وحظرت بشكل دائم أيضاً صحيفة " لانوفيل انتميت " الفرنسية ، اعتباراً من العدد 2339 ، الصادر في شهر سبتمبر 1990 .
كما تم حظر مجلة " الايكونومست " البريطانية خمسة أشهر ، بسبب تقرير نشرته في السابع والعشرين من يونيو 1987 ، تحت عنوان " مجد العرب المفقود " وتم حظرها مرة أخرى اعتباراً من السابع من يوليو 1990 وحتى العشرين من أكتوبر 1990 ، إثر نشرها مقالاً حول موت الحجاج نتيجة انهيار نفق " المعيصم " في مكة ، وحظرت صحيفة "الاندبندنت " البريطانية عام 1990 ، إثر نشرها لمقال " روبرت فيسك " مراسل الصحيفة لشؤون الشرق الأوسط حول وفيات مكة ، وبقي الحظر سارياً على الرغم من منح السلطات السعودية تأشيرات دخول لمراسليها أثناء حرب الخليج .
كما حظرت دخول أعداد معينة من صحف أخرى ، أو جرى مصادرتها ، فقد حظرت مجلة "نيوزويك " الأمريكية مرتين خلال عام 1990 ، وحظرت مجلة " التايم " الأمريكية ثلاث مرات خلال عام 1990 ، أولاً عددها الصادر في 24 سبتمبر ، لأن الملك فهد كان موضوع الغلاف ، وثانياً عددها الصادر في 15 أكتوبر بسبب مقال عن الشيعة السعوديين ، وثالثاً عددها الصادر في 24 ديسمبر ، وبسبب مقال الغلاف الذي حمل عنوان " ما هي الكويت ؟ " وحظرت صحيفة " لوبوان " الفرنسية ثلاث مرات عام 1990 ، وخلال فترة قصيرة في 30 يوليو ومنتصف سبتمبر وأوائل أكتوبر .
كما حظرت أعداد معينة من الصحف التالية : " المساواة " الباكستانية (30 سبتمبر 1990) ، و"أمرزو" الباكستانية (29 سبتمبر 1990) ، و" مشرق " (30 سبتمبر 1990) ، و" نواى وقت " (16 مارس و30 سبتمبر 1990) ، وحظرت صحيفة " الجارديان " البريطانية (15 فبراير 1991) ، و" الفايننشيال تايمز " البريطانية (15 مارس 1991) ، و" ديلى ميل " البريطانية (18 مارس 1991) ، كما تم حظر دخول صحيفة " لوموند " الفرنسية في عدة مناسبات ، وحين تساءلت الصحيفة عن مبررات الحظر الذي فرض عليها ، إثر نشرها مقالاً يوم 29 نوفمبر 1989 حول إعدام 16 كويتياً في السعودية ، تم حظرها بشكل دائم .
الرقابة خارج حدود المملكة
تمارس الحكومة السعودية الرقابة على وسائل الإعلام خارج حدودها الإقليمية ، وبموجب معاهدة إقليمية وقعت عام 1985 ، أطلق عليها اسم " ميثاق الشرف الإعلامي " ، ووقعتها جميع الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي ، تمنع جميع الصحف والمجلات الصادرة في أي من الدول الأعضاء من نشر أي انتقاد لسياسات الدول الأخرى أو لقادتها ، ولا يجوز نشر أية مادة من شأنها الإساءة إلى كرامتهم أو التشكيك في سلامة موقفهم .
كما تحرم المعاهدة استيراد أي صحف أو مجلات أجنبية تصنف على أنها معادية ، أو تحتوى على احتجاجات على الدول الأعضاء .

يتتبع