ويُزعم أن السعودية تمارس ، عبر سفاراتها في الخارج ، الضغوط على حلفائها لمنع نشر المطبوعات والأعمال الفنية المنتقدة للسعودية .
وتسعى الحكومة باستمرار إلى التأثير على المطبوعات العربية الصادرة في بيروت والقاهرة وغيرها من العواصم ، سواء عن طريق الإغراءات المالية ، أو من خلال نفوذها في سوق الإعلان التجاري ، فالسعودية ودول الخليج الأخرى هي أفضل أسواق الإعلان في العالم العربي ، بسبب القدرة الشرائية العالية فيها ، ولهذا فإن المصدرين والمعلنين يشجعون على نشر الإعلانات في وسائل الإعلام المقبولة لدى الحكومة السعودية ، والتي توزع في جميع مناطقها .
وتستغل وزارة الإعلام السعودية هذا الوضع للتأثير على الصحافة الأجنبية كي تتفق مع السياسات السعودية ، فتكافأ الصحف والمجلات التي تحظى بالدعم السعودي بكميات كبيرة من الإعلانات ، أما المطبوعات التي لا تتمتع برضا السعودية فإنها تحرم من الإعلانات والوقائع التالية أمثلة على أساليب التدخل السعودي :
- أثار عرض القناة التليفزيونية المستقلة للفيلم البريطاني " موت أميرة " يوم 9 أبريل 1980، عاصفة من الاحتجاج من قبل العائلة المالكة السعودية ، أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين يوم 23 أبريل ، حين طردت السلطات السعودية السفير البريطاني ، وقد وجهت للفيلم الذي صور عملية إعدام أميرة سعودية وعشيقها من العوام لارتكابهما الزنا ، تهمة "مهاجمة الشريعة الإسلامية " ، وقيم وتقاليد الشعب السعودي ، وقد استؤنفت العلاقات الدبلوماسية عام 1981 .
- في 8 مارس 1986 نشرت صحيفة " أبرار " الإيرانية أن مسؤولي السفارة السعودية في طهران اتصلوا بمسؤول الصحيفة المالي ، وعرضوا عليه رشوة بمليون تومان – 190 ألف دولار – مقابل إغلاق الزاوية التي تنتقد سلوكيات آل سعود ، والتي تحمل عنوان " كل مولا " وأضافت الصحيفة في مقال كتبه رئيس التحرير " إن السفارة السعودية في طهران ، اتصلت مرتين يوم 5 مارس 1986 ، لذات الغرض ، وعرضت تقديم مبالغ مالية لنشر تحقيق دعائي لصالح الحكومة السعودية " ، وقالت الصحيفة إنها تحتفظ بشريط مسجل للمكالمتين .
- في منتصف أكتوبر عام 1986 ، سربت نسخة من تقرير أعده السير جيمس كريج ، السفير البريطاني لدى العربية السعودية ، (والذي تقاعد في تلك الفترة) ، إلى صحيفة "السبكتير" ، وقد ضم التقرير تحليل السفير ووجهات نظره حول الأوضاع في العربية السعودية ، والطريقة التي تدير بها العائلة المالكة - التي وصفها بالغباء والخمول والفساد – ذلك البلد .
وقد التقى السفير السعودي في لندن بالسير جيفري هاو ، وزير الخارجية حينذاك ، وقيل إنه هدد بقطع العلاقات ما لم يحظر نشر التقرير .
وقد حاولت الحكومة البريطانية ثنى الصحافة البريطانية عن عزمها على نشر التقرير ، مذكرة بالمصالح البريطانية ، حتى أنها حاولت استصدار قرار من المحكمة في الساعة الرابعة صباحاً ، لمنع عدد الجلاسجو هيرالد المؤرخ في 16 أكتوبر والذي نشر مقتطفات من التقرير من الصدور ، ولكن الصحيفة كانت قد أرسلت للتوزيع حين استلم رئيس تحرير الصحيفة حكم المحكمة في الساعة الخامسة والنصف صباحاً ، وعلى الرغم من التهديد باستصدار أحكام مصادرة ضد بقية الصحيفة البريطانية ، فقد نشرت تفاصيل التقرير في صحف أخرى ، بما فيها صحيفة " الاندبندنت " .
في عام 1986 رفضت القنصلية السعودية في مدينة بومباي الهندية إعطاء رئيس تحرير صحيفة " كهكشات الجديد " بشارت شيكو ، تأشيرة دخول للمملكة من أجل العمرة وزيارة الأماكن المقدسة ، وذلك بسبب كتاباته النقدية للسياسة السعودية .
والجدير بالذكر أن عدداً من المثقفين ورجال الدين في العالم الإسلامي ممنوعون من دخول المملكة حتى لأداء فريضة الحج ، لأسباب تتعلق بمواقفهم المعارضة للعائلة المالكة ، ومن بين هؤلاء : الشيخ محمد العاصي مدير وإمام المركز الإسلامي في واشنطن سابقاً ، والدكتور كليم صديقي مدير المعهد الإسلامي في لندن ، الذي يصدر صحيفتين أسبوعيتين " كرسنت انترناشيونال " بالإنجليزية و" الهلال الدولي " بالعربية ، وكلتاهما ممنوعتان من التوزيع في المملكة ، وكذلك إمام المسجد الأقصى السابق الشيخ أسعد التميمي وابنه الشيخ نادر الذي طرد من المملكة في صيف 1982 ، وأنهى عقد عمله في إحدى الجامعات السعودية ، لأنه انتقد موقف المملكة في قضية الغزو الإسرائيلي للبنان .
- وفى يناير 1988 صدر في القاهرة كتاب " رسائل جهيمان العتيبي .. قائد المقتحمين للمسجد الحرام بمكة المكرمة " لمؤلفه د. رفعت سيد أحمد مدير مركز يافا للدراسات والأبحاث ، وقد تدخلت السفارة السعودية بالقاهرة ، وبالتعاون مع أجهزة الأمن المصرية ، تمت مصادرة جميع نسخ الكتاب وقرر منع عرضه في معرض الكتاب الدولي الذي أقيم في القاهرة في فبراير 1988 ، وعلق المؤلف في رسالة وجهها إلى اللجنة الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان في الخليج والجزيرة العربية على الحادث بقوله : " لقد تمت مصادرة كتاب مصري بأوامر من آل سعود " .
ونشرت صحيفتان مصريتان خبر المصادرة وهما : صحيفة " الأهالي " الصادرة في 16 مارس 1988، وصحيفة " صوت العرب " الصادرة في 13 مارس 1988 ، اللتان اتهمتهما السفارة السعودية في القاهرة بأنهما وراء الأمر كله .
- أغلقت الحكومة المصرية بضغط من الحكومة السعودية صحيفة " صوت العرب " الأسبوعية الصادرة في القاهرة ، وذلك بعد أن نشرت في 14 أغسطس 1988 مقالاً حول انتهاك الطائرات الإسرائيلية للأجواء السعودية ثلاث مرات في نهاية شهر يوليو من العام نفسه ، نقلاً عن مجلة " جينز " العسكرية البريطانية ، ولكن وكالة الأنباء السعودية ، سارعت إلى تكذيب ما نشرته الصحيفة المصرية ، التي نشرت في العدد التالي الصادر في الحادي والعشرين من أغسطس 1988 ، في افتتاحية كتبها رئيس التحرير ، الأستاذ عبد العظيم مناف، خبر النفي السعودي ، وتمنت لو أن وكالة الأنباء السعودية سارعت بتكذيب مجلة "جينز" ولا تزال صحيفة " صوت العرب " مغلقة حتى الآن .
- أغلقت الحكومة الكويتية بضغط من الحكومة السعودية ، مجلة " الطليعة " التي تمثل المعارضة الكويتية قبيل الغزو العراقي للكويت ، لأنها انتقدت الحكومة السعودية ، وقد أشارت المجلة الأسبوعية ، قبل توقفها ، إلى أن " الشقيقة الكبرى " – أي المملكة السعودية – كانت وراء قرار الإغلاق .
- كما تعرضت صحف كويتية يومية للإغلاق مدداً تتراوح بين يومين وأسبوعين للأسباب ذاتها ، وحظر دخول بعض الصحف الكويتية – ومنها صحيفة الوطن – إلى السعودية في عدة مناسبات ، على الرغم من النص الوارد في الاتفاقية الإعلامية بين دول مجالس التعاون الخليجي التي وقعتها هذه البلدان ، والتي تسمح بتداول هذه الصحف وتوزيعها داخل السعودية.
- عُطلت مجلة " الأزمنة العربية " التي كانت تصدر في دولة الإمارات العربية المتحدة ، أكثر من مرة ثم أغلقت بسبب ضغوط سعودية متكررة ، فانتقلت في بداية الثمانينيات إلى لندن، ثم انتقلت إلى قبرص لتعود مرة ثانية إلى لندن بعد الاجتياح العراقي للكويت ، ولتصدر كل أسبوعين مرة ، ولا يخفي القائمون على هذه المجلة - وهم مجموعة من المثقفين المعروفين قناعاتهم الصريحة والمنشورة بأن الحكومة السعودية كانت وراء خنق مجلتهم ، ويتهمونها بأنها تقف بالمرصاد لأي نفس تغييري إصلاحي في الخليج .
- وفى 10 مايو 2004 ، اعتقلت الأجهزة الأمنية الأردنية الكاتب فهد الريماوي رئيس تحرير صحيفة المجد الأسبوعية ، وأوقفته على ذمة التحقيق خمسة عشر يوماً بتهمة تعكير صفو العلاقات مع دولة عربية شقيقة .
وكان الريماوي قد اعتقل في مطار عمان بعد عودته برفقة زوجته المريضة من رحلة علاج إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، واقتيد مباشرة إلى زنزانة الاعتقال بطريقة لا تليق بكاتب في مقامه أو في عمره الذي كان يقترب من السبعين .
وكانت جريمة السيد الريماوي انه كتب مقالاً انتقد فيه المملكة السعودية ودورها الكبير في تسهيل غزو العراق واحتلاله ، واستند في انتقاداته إلى الكتاب المثير الذي أصدره الصحفي الأمريكي المعروف بوب وودورد ، وتناقلت مقتطفات منه معظم الصحف ومحطات التلفزة ووكالات الأنباء العالمية .
هذا الاعتقال يؤكد أن الحكومة الأردنية تتبع معايير مزدوجة في التعامل مع الدول العربية ، وربما يفيد التذكير بالحملة الإعلامية الأردنية المكثفة ضد سوريا والرئيس العراقي الراحل صدام حسين والجماهيرية الليبية ، ولم يتعرض أي من الصحفيين المشاركين في هذه الحملات، بالصوت والصورة إلى الاعتقال والتوقيف .
- منعت مجموعة والت ديزني الأمريكية فرعها ميراماكس من بث فيلم وثائقي للمخرج مايكل مور يتضمن نقداً شديداً للرئيس الأمريكي بوش ، ويشير الفيلم إلى وجود علاقات بين عائلة بوش الأب والابن بين اللوبي النفطي الأمريكي والعائلة السعودية ، مدعماً ذلك بالشهادات والوقائع في قالب كوميدي ساخر .
ويرى عبد الحليم العزمي مدير تحرير مجلة " الإسلام وطن " أن من أكبر مهام سفراء السعودية في عواصم العالم شراء ذمم الصحفيين ليكتبوا عن آل سعود ويشيدوا بإنجازاتهم ، لذا نرى سفراء آل سعود يغدقون العطاء على المجلات والصحف ليسلم آل سعود من الفضائح، ونرى أن الأقلام الشريفة تتعرض دائماً للضغوطات السعودية : السياسية ، والمالية أيضاً، وكلها تقع تحت سيف الدولار إلا ما رحم ربى ! .
ويضيف العزمي : " في الكويت ، تعرض الشاعر أحمد مطر لضغوط آل سعود والبعث العراقي حتى أخرج من الكويت بعد حوالي 15 سنة من إقامته فيها ، وجاء إلى لندن في يناير 1987 ، لأنه عبر بشعره عن ضمير أمته ، من خلال زاويته – لافتة – إلى أن طرد من الجريدة ومعه رسام الكاريكاتير ناجى العلي الذي اغتيل .
وفي لندن ، كان اللوزي يشتم مرة واحدة آل سعود ، ليستلم من السفارة حصته لأشهر قادمة ! هكذا وإلى يومنا هذا ، ووصل الحال بأن صغار الكتبة أرادوا أن يستثمروا حساسية الحكام – وخاصة آل سعود – تجاه النقد والتشهير فأخذ الواحد تلو الآخر يصدر مجلة شهرية أو كل شهرين ، تحتوى على بعض صفحات يشتم فيها كل الحكام العرب (الأغنياء) ليتسلم منهم جميعاً (المقسوم) ! .
ولذا نرى (الشرق الجديد) لعبد الوهاب فتال و(البلورة السحرية) للألوسي المنجم ، ونرى (المطرقة) التي يصدرها الفاسي ويحررها زكي بدوي ، حيث تسلمت هذه الأخيرة 700 ألف جنيه فقط ، إلى جانب بعض المجلات الصغيرة التي تصدر كل شهر مرة ، إلى أن يفلس رئيس التحرير ، فيصدر عدداً آخر ، وينال حصته من سفارة آل سعود ، وهذه هي التجارة الرائجة الآن في سوق لندن الصحفي ! .
ولا يقتصر هذا الأمر على المجلات التشهيرية ، بل يتعداه للصحف والمجلات الأخرى ، ولن نتحدث عن (الشرق الأوسط) وأخواتها ، ولا عن صحيفة (اللواء) الأردنية ومشتقاتها ، فكلها صحف (تبن) كما يقول أهالي الخليج .
ولكن (العرب) واضحة الابتذال ، قد سار الهوني رئيس التحرير إلى الرياض في مايو 1985 واستلم شيكاً من فهد بمليون جنيه فقط ، مع طلب بنقل بعض الصحفيين المغضوب عليهم إلى أبواب أخرى .
وكتب فؤاد مطر في مجلته تعليقاً على تقصير الحكومات وعدم قدرته على تلبية طلبات المجلة مجاناً من القراء الفقراء ، فرد عليه فتال في (الشرق الجديد) ومن واقع الخبرة والتجربة ، بأن هذا الأسلوب لا يفيد مع الحكومات ، وقال له بما معناه : اشتمهم وتستلم " .
ويستطرد عبد الحليم العزمي قائلاً : " إذاً آل سعود يشترون ضمائر الصحفيين والكتاب بالمال، فلا تجد إلا الكتب الدعائية للعائلة السعودية ، بل يسعون لتكوين لوبي سعودي ، في مختلف البلدان (وما حدث في نقابة الصحفيين المصرية مؤخراً من إلغاء ندوة العلاقات السعودية - الإسرائيلية بعد موافقة مجلس النقابة عليها ، وكنت مشاركاً فيها ببحث – ليس إلا بضغط من اللوبي السعودي في مصر " .
وكانت محكمة بريطانية قد أصدرت حكماً لصالح الشيخة موزة حرم أمير قطر ضد جريدة عراقية تمول من السعودية ، حيث أجبرت الجريدة أن تعتذر وتدفع مبلغ نصف مليون جنيه إسترليني ، تعويضاً للشيخة عن الإساءة إلى سمعتها وتشويه شخصها من خلال سلسلة من المقالات نشرت في صيف عام 2001 ، وقد جاء هذا الهجوم من قبل الجريدة رداً على قناة الجزيرة القطرية التي كانت تهاجم النظام السعودي .
وترى المعارضة السعودية د. مضاوي الرشيد أن هذه القضية تطرح قضية هيمنة النظام السعودي على الإعلام العربى المهاجر واستغلال هذا الإعلام ليس فقط للترويج لسياسات النظام والتطبيل له ، وإنما أيضاً لمهاجمة كل من لا يتفق معه بطريقة استخباراتية شوهت حبر الأقلام ، بل كسرتها وهزمتها حتى أصبحت كالأقزام تباع وتشترى في سوق النخاسة .

يتتبع