بيد أن العهود التي قطعها فهد على نفسه علناً ، في هذا الشأن لم تكن سوى سراب تتوهمه أعين غافلين أو متمنيين، حيث ذهبت تصريحات الملك الرابع ، من أبناء عبد العزيز ، كغيرها ، أدراج الرياح (!) ، حتى رحيله في خريف 2006 ، بينما اكتفى الملك الخامس (عبد الله) باصطناع هيئة عائلية ، تكرس السلطة المطلقة للأسرة الحاكمة ، أو بالأحرى الملك القابض على مقاليد الحكم ، باسم " هيئة البيعة " ، وهى تسمية تستدعى تعبيرات فضحها تراث الحكم بالغلبة ، في تاريخ المسلمين ، منذ معاوية ، في القرن الأول ، من الهجرة ، إلى ابن سعود ، في القرن الثالث عشر ، منه .
2 – الثابت والمتحول في النص الثقافي السعودي :
استناداً إلى القراءة الطباقية ، لنصوص المثقفين السعوديين ، يتبدى نص عبد الله الغذامي، الذي صار محوراً أساسياً في النص الثقافي السعودي المعاصر ، من جهة اتخاذه الميدان الثقافي مدخلاً ، إلى إعادة تقويم المجتمع والدولة ، في مملكة آل سعود ، ولاسيما من خلال النص الذي يحمل اسم " النقد الثقافي " .
وفى هذا ، يقول الغذامي : " لو جربنا أن نسأل أنفسنا عما نقصده بمصطلح أدب ومصطلح ثقافة " سنجد أنفسنا أمام مصطلحين نجنح كثيراً إلى الجزم بأننا نعرفهما ولا نحتاج إلى تعريفهما ، ونرى أنهما من الوضوح لدرجة لا يحتاجان معها إلى تعريف ، غير أن أي دارس للأدب وأي دارس للثقافة يعي أن الأمر أكثر تعقيداً مما توحي به الانطباعات الأولية " ، ويعزو السبب في ذلك إلى تعدد التعريفات لكلا المصطلحين ، غير أن المعضل يبدأ – كما يقول " حينما نجرب البحث عن تعريف مجمع عليه " ، ويضيف : " وبما أننا لن نجد تعريفاً واحداً يتفق عليه الجميع من أهل المهنة تحديداً ، فهذا معناه أننا أمام مفهوم متعدد الوجوه ومتعدد الاحتمالات " ، ولهذا صار مفهوم الأدب ومفهوم الثقافة لدى ذلك المثقف السعودي اللامع " مفهوم مفتوح وحر بل هو زئبقي وغير قابل للثبات " (11) .
بيد أن الغذامي لا يترك قارئ نصه أمام حيرته ، حتى يشد أنظاره إلى ما أسماه الرابطة الوثيقة بين " النقد الأدبي والفلسفة " ، داعياً القارئ لاكتشاف ماهية الصلة بين الأدب والفلسفة ، ضمن نص آخر له ، يحمل عنوان : الخطيئة والتكفير ، والذي يقول بحلول النقد الأدبي محل الفلسفة ، ثم حلول (النظرية) كعلم ومقولة محل الكل .
ولا ريب في أن القارئ الحصيف سيدرك مغزى إيحاءات وإحالات الغذامي إلى النص الآخر، بعنوانه الدال لدى الأوساط الثقافية والأجيال الجديدة ، دون أن يغفل أن نصه ، هذا ، قد جرى نشره في مصر ، لا السعودية ، وذلك بعد أن ثبت الطبعة الرابعة منه ضمن بحثه المطروح، داخل بلاده (!) ، بما يفيد الأهمية التي يواليها نصه ، هذا ، خارج بلاده .
وعلى الرغم من محاولة الغذامي التحرر من شبهة الزعم باستقدام جديد في مجال الارتباط بين النقد الأدبي والفلسفي ، بدعوى أزلية صلتهما ، فإن إعلاءه من شأن هذه الصلة ربما استهدف فعلاً آخر ، من ورائه ، ألا وهو النظر إلى تلك الصلة بوصفها " منشط نظري وفكري ، " لا " منشط تذوقي بلاغي خال من تعقيدات الفلسفة وهرطقاتها " (12) ، وهى التوصيفات التي خلعتها الكنيسة الغربية، قديماً ، على علوم الفلسفة ، في أوربا ، وخلعها "المجمع الوهابي المقدس" ، حديثاً ، في شبه جزيرة العرب ، وما عداها ، حديثاً .
وها هنا ، لا يتحرج " الغذامي " من الإشارة شبه الصريحة إلى هذا الأمر ، بقوله : " وحينما أقول هذا فإنني أشير بوضوح إلى ما نجنح إليه عربياً (..) من كره موروث ومترسخ للفلسفة، يبلغ حد التحريم أحياناً ، والنفور الاجتماعي أحياناً أخرى حتى صارت كلمة : لا تتفلسف علينا ، شتيمة يوصم بها من يلعب لعبة الجدال الفلسفي ، وصارت كلمة الفلسفة ، اجتماعياً ، مسبة يجتهد المرء في نفيها عن نفسه " (13) .
وفى توصيفه هذا ، يسعى نص الغذامي لسبر أغوار هذا المشكل الفكري ، عبر الإتيان بـ "الشاعر الفحل " بوصفه أصل هذا الداء ، والذي كان " يعلو بمقدار قدرته على إسكات الآخرين ولجمهم " (14) .
بيد أن رمزية " الشاعر الفحل " تظل لصيقة بالموروث الثقافي القديم لشبه جزيرة العرب ، أكثر منه بمواريث مجتمعات المنطقة ، التي صارت عربية اللسان ، خلال القرون الأربعة عشر السالفة ، ما يجعل من استعارات الغذامي التراثية إسقاطات عصرية ، دون قصد ظاهر منه .
وفى إطار ذلك يقول الغذامي : " إن الخطاب النقدي الأدبي (الذي يحترف أدواته) هو العلم (وربما القناع) الذي تتجلى فيه الأريحية الذاتية ، حيث تغيب الذات المتكلمة ، ويكون الحديث عن الآخر ، وليس عن الذات ، كما يتسع فيه الجدل بحرية تامة ، بعيدة عن التفكير والتخوين" ودليله على ذلك أنه " لم يجر تكفير ناقد أدبي بسبب نقده قط في الموروث القديم ، بينما كان التكفير وتهم التزندق تحاصر الممارسات العلمية الأخرى ، الدينية المذهبية ، وكذا الخطاب الفكري ، بل الشعري أيضاً " .
ويضيف : " هذه الحرية النوعية للخطاب النقدي أعطته حيزاً عريضاً للتحرك والتنوع في التجريب والاجتهاد ، ومن ثم نما الخطاب النقدي وتطور وتنوع ، وانفتح على الثقافات الأخرى " (15) .
فهل أتيح للخطاب النقدي السعودي أن يتحرك بأريحية أوسع ، في مجال الأدب ، طالما ظلت دلالاته ومغازيه ، وحتى تحريضاته ، محصورة في آفاق فعله ؟ ولكن ، الحقيقة التي لا يصرح بها الغذامي أن هذا الخطاب يظهر نسقاً آخر من الوعي الفلسفي الشامل .
وفى هذا ، يقول الغذامي أنه أشار في كتابه : " الخطيئة والتكفير " إلى أمثلة من " كبار مبدعينا كأبي تمام والمتنبي .. الخ " ، والذين تنطوي نصوصهم – كما يقول – على " أنساق مضمرة تنبئ عن منظومة طبقية / فحولية / رجعية / استبدادية " ، وهى أنساق " لم تك في وعى أي منهم ، ولا في وعى أي منا ، ونحن وهم ضحايا ونتائج لهذه الأنساق " التي ظلت – كما يقول – لا إنسانية ولا حضارية " تتسرب في ضميرنا الثقافي ، دون كشف أو ملاحظة، حتى لنجد تماثلاً مخيفاً بين الفحل الشعري والطاغية السياسي والاجتماعي ، مما هو لُب النسق وبؤرته غير الملحوظة " .
لذا ، فهو يرى أن الأوان قد آن لأن تتحرك " ممارستنا النقدية " باتجاه " نقد الخطاب الإبداعي، من بوابة النقد الثقافي لتكشف ما يحمله الإبداع ، لا من جماليات نُسلم بها ، ولكن من قبحيات نسقية لم نكن ننتبه لها " (16) .
هو – إذاً – التحريض النقدي المباشر ، من جانب الغذامي ، بكافة الممارسين ، الثقافيين ، في بلاده القريبة (السعودية) ، والبعيدة (الوطن العربي) لإعمال آليات النقد الثقافي لاكتشاف "صورة الفحل " ، " الذي هو صياغة شعرية في الأصل ، ولكنه تحول ليكون نموذجاً ذهنياً اجتماعياً وسياسياً ، ولم يعد مجرد قيمة مجازية شعرية " ، حتى " صرنا كائنات مجازية / شعرية / متشعرنة ، يسود فينا الانفصال بين القول والفعل ، وتتحكم فينا قيم المجاز على حساب قيم العمل " .
ولهذا ، تحولت قيم كالـ : " الكرم والشجاعة من قيم إنسانية عملية " ، بنظر الغذامي " إلى قيم بلاغية كاذبة " ، " وهما من أهم قيم العربي " ، بينما تحولت قيم حداثية أخرى كـ " الثورة والوطنية والحرية والاستقلال " من قيم إنسانية إلى قيم مجازية " .. " وكما كان الفحل الشعري بتفرده ، وتعاليه جاء الطاغية السياسي ، ووراء النموذجين كانت الأنا المفردة المغيبة للآخر، وهى الأنا الشعرية في الأصل ، غير أنها تحولت لتصبح الأنا النسقية (الجمعية) ، وتصبغ كل أفعالنا بصبغتها " ، فكانت " الحداثة العربية " إحدى ضحايا هذا النسق ، في ظل " عدم البحث عنه وكشفه والتعرف على مواقع اختفائه " ، والذي ليس إلا شعر الفحولة العربية ، بوصفه "الجسد الحامل للفيروس (ف) هو الذي ينشره ويديمه " .
وها هنا تكمن العلة – برأي الغذامي – في ظل " غياب الحس النقدي " ، بالمعنى الذي حدده الغذامي ، أي " نقد الذات ونقد الخطابات المكونة لهذه الذات " ، بعد أن صار من غير المجدي " أن نوجه أصابع اللوم إلى السياسة والساسة " (17) .
فالرجل – هنا – يصبو إلى أكثر من محض تعديل في حصص المشاركة السياسية ، يُحسن بها مشاهد عمل السلطة الطاغية ، ولاسيما في بلاده ، بل يطمح إلى اجتثاث علل الاستبداد في الموروث الثقافي الاجتماعي ، الموغل في جاهلية الفحولة الشعرية ! .
بيد أن نصوصاً سعودية أخرى تذهب إلى أن تعطيل النهضة الأدبية والثقافية في بلاد الحجاز، اعتباراً من الربع الثاني من القرن العشرين هو مكمن العلل في الدولة والمجتمع السعوديين ، كنص الكاتب السعودي المعاصر حسين محمد بافقيه حول : " بدايات النهضة الأدبية الحديثة في مكة المكرمة " ، وكأن استلهام مفاعيل هذه النهضة ، في الذهن السعودي ، هو المدخل الشرعي لتوسيع وترسيخ تيارات التحديث والتعقيل ، المتصاعدة في مواجهة حاضر الاستبداد السياسي والثقافي والديني ، والمهيمن منذ عقود سبعة .
وفى هذا ، يشير بافقيه – صراحة – إلى أن فاتحة الأدب الحديث ، في بلاده ، كانت قد "تلخصت ملامحه الثقافية والمكانية في مكان بعينه هو مكة المكرمة التي كانت ، في السنوات الأولى من تأسيس المملكة ، العاصمة الدينية والعاصمة السياسية والعاصمة الثقافية " (18) .
لكن ، بافقيه أبى إلا أن يتوقف عند الهوية الثقافية المتجددة لهذه العاصمة ، لا عند هويتها السياسية أو الدينية ، من خلال كتاب " أدب الحجاز " ، الذي أصدره الأديب الحجازي محمد سرور الصبان ، في العام 1925 ، وضم شعراً ونثراً لستة عشر أديباً حجازياً ، والذي أرخ لحدث غير عادى " في تاريخ الأدب العربي في المملكة العربية السعودية " ، بحسب ما يؤكد بافقيه ، كونه – أي هذا الحدث " آذن بتحولات عميقة ألمت بالمجتمع والثقافة في مكة المكرمة وأفضت بطائفة من مثقفي مكة المكرمة بالتعلق بالأدب الحديث الذي راج وذاع أمره في غير موقع عربي ، وها هو ذا يخلص إلى مناطق الجزيرة العربية إشعاع تلك التغيرات الأدبية التي أطاحت قيماً وأشكالاً أدبية لتُحل محلها قيماً أخرى وأشكالاً أخرى " (19) .
هو – إذاً – النهوض الثقافي الجديد للمجتمع المكي ، تفاعلاً مع أشكال الحداثة المتصاعدة في أكثر من موقع ، من محيطها العربي ، مع بدايات العهد السعودي .
وقد كان من السائع – كما يقول بافقيه " وقد استقبلت مكة المكرمة والحجاز عامة ، عهداً سياسياً واستدبرت عهداً آخر أن يعبر " أدب الحجاز " (كمنتوج ثوري) عن مولد طبقة اجتماعية جديدة تختلف عن النخب الثقافية التقليدية التي اقترن بها النشاط الثقافي والعلمي في مكة المكرمة قروناً طويلة " (20) .
وفى هذا الإطار ، عمد بافقيه إلى إعادة نشر عبارات الصبان ، التي مهدت لهذا الحدث الفكري ذي الطابع الثوري ، بغية تجديد ذاكرة الأجيال الثقافية الطالعة ، الآن ، في المملكة ، وهى العبارات التي حمل فيها الصبان على عهود غبرت ، أملاً ، ضمناً ، بأن يكون العهد السعودي الجديد جزءاً من نهضة مكة الثقافية ، فيقول : " أقدم بين يدي القارئ الكريم صفحة فكرية وجيزة من شعر الشبيبة الحجازية ونثرها لهذا العهد ، ولأول مرة في التاريخ الأدبي لهذه البلاد بعد فترة طويلة وقرون كثيرة ، قضى بها سوء الطالع لهذه الأمة ولهذا الوطن أن يكون علم الأدب فيها غريباً والأديب مبتزلاً طريد الأمراء وأعوانهم من الذين قالوا إنهم علماء (!) وكأن العلم كل العلم عند القوم قشور من الخلافات المذهبية والفروضات الفقهية وتعمق في فهم الخصومة القائمة والضرب المستمر بين زيد وعمرو ، وأما ما عدا ذلك من بقية العلوم الأدبية وغيرها فلغو والاشتغال بها عبث " .
وتشي هذه المقدمة التاريخية – كما يقول بافقيه " بأن ثمة انفصالاً بين مرحلتين زمنيتين : مرحلة " أدب الحجاز " وما قبلها ، ومفهومين مغايرين لـ " الأدب وجيلين منفصلين : النخب الأدبية الجديدة ، والنخب الأدبية والثقافية التي ربيت على مفهومات أدبية بالغة القدم ، وتكاد تكون منفصلة عن وقع الحاضر ، ومتغيرات الزمن وصروفه " (21) .
لكن ، بافقيه لا يخشى من إيراد المسببات التاريخية المشعلة للنهوض المكي ، ولو حاول العهد السعودي طمسها من ذاكرة الأجيال الجديدة ، إذ يشير بافقيه إلى أن " الثورة العربية الكبرى " التي قادها الشريف حسين في مكة المكرمة عام 1344هـ / 1916م هي التي أحدثت ذلك الوعي الفكري والاجتماعي والأدبي الجديد " ، وأفضت بالنخب الثقافية في مكة المكرمة إلى حقبة من التفكير والوعي لم تأنس إليها بطحاء مكة المكرمة من قبل " ، فكان من آثار " تلك الثورة استعادة الهوية العربية في التعليم والإدارة " ، كما كان " لصحيفة " القبلة " أثر في إطلاع ناشئة الحجاز على ألوان من الكتابات الأدبية شعراً ونثراً ، لعدد من الأدباء العرب الذين ساندوا الثورة العربية والتفوا حولها " (22) .
فهل هي – إذاً – دعوة أخرى للثورة ، من جانب بافقيه ، في وجه العهد السعودي الراهن ، ما كانت الثورة ، في السابق ، هي شرط التجديد والتحديث والنهوض ؟ .
إن بافقيه لا يستطيع أن يصرح بذلك – بالطبع – في نصه ، إلا إن نصه لا يخلو منه ضمناً، حينما يسترجع دلالات الثورة القديمة ، على الصعيد الثقافي والاجتماعي ، وذلك بقوله : " لم تمر الثورة العربية الكبرى في وعى الثقافة في مكة المكرمة ومدن الحجاز الأخرى مرور الكرام ، فلقد هزت - كما يرى غير واحد من مثقفي تلك المرحلة - السكون الذي كان سمة تاريخية لذلك المجتمع وأبنائه ، وأدخلت أنماطاً من التفكير لم تكن ذات جذور " ، وهو ما تلاقى مع رغبة " الجيل الأدبي الناشئ ، آنذاك " الذي كان ينشد " خطاب ثقافي وفكري يختلف جذرياً ، عن الثقافة العتيدة في أم القرى وما حولها " (23) .

يتتبع