|
وفى هذا ، عمد بافقيه إلى تضمين نصه أبيات القصيدة التي كانت جريدة القبلة قد نشرتها لأحد رموز تلك الحركة النهضوية ، وهو محمد حسن عواد ، والتي يقول أحد مقاطعها :
نهضتى
أنتِ مجدي
منك سعدي
حرري وطناً لا يبتغى إلا السعود
واخلعي عن عنقه نير العبود
فهل جاء اختيار بافقيه لهذا النمط من الشعر كأحد أشكال التوظيف الثقافي ، راهناً ؟ ربما ! ولهذا ، يواصل بافقيه توثيق ذلك الحدث البعيد بقوله : "وبرز في ذلك الأوان،وعلى خفاء (؟!) بعض التجمعات الأدبية التي رعاها ، بعيداً عن عين مؤسسة الثورة ، ثلة من الشبان المنتمين إلى مكة المكرمة ، أو الذين قصدوها ، ولعل أظهرها ما أشار إليه محمد سعيد عبد المقصود من أمر "الشبيبة الحجازية" الذين اتصلوا بالأدب الحديث،وكانوا يتخفون عن أعين السلطة (!)" وذلك على الرغم من كونهم عاملين بالشأن الأدبي (!) ، كونه ينتمي – فكرياً – إلى " الرؤية الليبرالية " ، كما يقول بافقيه ، والذي كان " جاذباً للجمعاء الغفير من الأدباء " الذين قصدوا مكة ، آنذاك ، من نواح مختلفة من المدينة المنورة وجدة والرياض ، " وكأن الرسالة التي تريد أم القرى إيصالها إلى الجميع أنها خلاصة المشهد الأدبي الذي شهدته العقود الأولى من ولادة المملكة العربية السعودية ، وأنها استطاعت أن تقدم لقاصديها الثقافة التاريخية التي اشتهرت بها ، قروناً متتالية ، وأن تقدم ، كذلك ، الأدب الحديث الذي كان فاتحة أسئلة النهضة التي انطلقت من بطحائها " .
فهل هي دعوة معاصرة لاستعادة دور مكة الثقافي ، على الصعيدين التاريخي والحداثي ، بعد أن غيب عقوداً عدة ، على يد سلطة آل سعود ، ومؤسستها الوهابية ؟ .
إن بافقيه لا يجد في خاتمة نصه إلا أن يعيد بعضاً من تأريخات السياسي والأديب المصري الكبير محمد حسين ، لتلك المرحلة من سيرة مكة الثقافية ، وذلك أثناء رحلته الشهيرة ، إليها، حيث يقول في جانب مما كتبه : " وصبوة شباب مكة للحياة الحديثة قوية آخذة بنفوسهم تدفعهم إلى تتبع ما يُكتب وما يقال عن هذه الحياة ، وإلى التعلق بما يظنونه من صورها وأمثالها . ويبلع اندفاع بعضهم في هذا السبيل حداً يكاد ينكره ماضي البلد الحرام في العصور القريبة ، بل يكاد ينكره حاضره ممثلاً في الجيل الذي تخطى الشباب إلى الكهولة " (24).
سيرة الحداثة الحجازية هي – إذاً – حاضر سعودي في نص بافقيه ، وفى غيره من نصوص المثقفين السعوديين ، كما تتبدى في الفصليات الثقافية الحجازية المعاصرة ، وفى عديد من خطابات الفاعليات والمنتديات الجامعية والأدبية ، في العقد الأخير ، التي تقف على موازاة الخطاب الوهابي / السعودي ، على نحو ما تعكسه إصدارات النادي الأدبي الثقافي بجدة ، على سبيل المثال ، ومن ذلك احتفاء أحد إصداراته الفصلية – وهو (علامات) في النقد الأدبي – بالشاعر اليساري العراقي سعدي يوسف ، من خلال دراسة وافية تناولت – بالأساس- موقفه السياسي ، والتي استهلها صاحبها بالإشارة إلى أن " البعد السياسي للأمة العربية يحتم الثقافة التقدمية " ، إذ عبرها – كما يقول - " تستطيع الجماهير ممارسة حقوقها الديمقراطية ، (و) أن تلعب دوراً ثقافياً واسعاً ، ساعية إلى إعطاء شرعية مطلقة لهذا الفكر" .
وفى هذا استعار الباحث هذا الشاعر العراقي ، ليؤكد من خلاله أن هذا الطموح الشعبي "هو طموح يتعلق أساساً بالمستوى السياسي الذي يلتحم حتماً بالديمقراطية " ، مشيراً إلى أن سعدي يوسف – كحقيقة وكقناع – استطاع أن " يبرهن غير ما مرة على أن المؤسسة السياسية في الوطن العربي في أمس الحاجة إلى إعادة قراءة لواقعها " ، بوصفها مسئولية مشتركة – كما يقول – بين " الحركة السياسية والحركة الثقافية " ، وذلك من خلال " البديل الصريح لسياسة عربية وجبهة ، والمتمثلة في مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية الملائمة لكل البلدان العربية " ، التي صارت " مسئولية حاسمة لحركة التحرر العربي " ، بعد أن أصبح " العالم العربي في أمس الحاجة إلى أن يتحرر سياسياً واقتصادياً وثقافياً ، والابتعاد عن كل تبعية تكتسي الطابع الاستعماري لعملة إمبريالية واحدة " (25) .
وانطلاقاً من ذلك ، استطاع سعدي يوسف – كما يقول الباحث " أن يحمل هوية الإنسان المتمرد ، والمتطلع أبداً نحو التجديد في البنيات اللغوية ، والكشف عن الموقف الثوري ، والرؤية المستقبلية " (26) .
التلازم بين الثقافي والسياسي ، ناهيك عن الثوري والمستقبلي ، هو ما يشيعه نص آخر من النصوص الثقافية ، التي يشهدها المجتمع السعودي الحالي ، ما يعكس نزوعاً ديمقراطياً ملموساً ، وإن تبدى في أشكال ثقافية محتقنة ، تمكنت من توليد حالة من الحراك السياسي والثقافي الملحوظ ، وهو ما حمل مدرساً سعودي على حث طلابه في منطقة القصيم على البحث الحر في الفروقات بين القرآن والسنة النبوية ، وكذا دعوتهم لمناقشة مواضيع أخرى ، كالمسيحية واليهودية ومخاطر الإرهاب ، وهو ما ووجه بحملة مضادة من جانب المتطرفين الوهابيون وذلك وأداً لحقوق التعبير والتعليم الحر في مدارس المملكة ، وهى الحملة التي دفعت إحدى المحاكم السعودية لمعاقبة المدرس المذكور بالسجن ثلاث سنوات ، مع جلده ، بواقع 750 جلدة ، بدعوى التطاول على الدين الإسلامي ، أو بالأحرى المفهوم الوهابي للإسلام ، وهو ما فجر فضيحة عالمية للحكومة السعودية ، في العام 2005 ، حين نددت منظمات الإنسان الدولية بسجن الإصلاحيين السعوديين ، والحد من حريات التعبير ، التي رأت أن لا إصلاح سياسياً في هذه البلاد بدون إقراره .
واللافت أن إقدام أحد المدرسين السعوديين على كسر " المحظورات الوهابية " ، في مجال التعليم العام ، قد جاء على إثر حركات احتجاج سياسية واسعة ، شهدتها المملكة ، منذ نهايات العام 2003 ، حيث حث التيار الإصلاحي الحكومة السعودية على الشروع في عمليات إصلاح دستورية ، بما يفضى إلى تحويل نظام الحكم إلى ملكية دستورية ، خلال ثلاثة أعوام، خلال عريضة ، وقعها مائة وخمسون ناشطاً ، تحت عنوان " نداء وطني: إلى القيادة والشعب ، معاً للإصلاح الدستوري أولاً " ، وشملت انتقادات لاذعة لسياسة الردع ، التي تتبناها السلطات السعودية ، في مواجهة ظاهرة العنف المسلح ، من جانب بعض المجموعات المتمردة ، ذات المرجعية الدينية ، حيث رأى الموقعون على العريضة أن عناصر الإصلاح السياسي ، الذي يشمل إطلاق الحريات العامة وتشكيل برلمان منتخب ، وإقامة دولة القانون ، تمثل عناصر الحل لظاهرة العنف ، وهى العريضة التي قابلتها السلطات السعودية بالتجاهل ، واعتقال مائتي شخص من موقعيها ، من خلال سلسلة عمليات متتالية ، حيث اعتبر وزير الداخلية الأمير نايف أن كل المعتقلين إرهابيين يعملون تحت قيادة أسامة بن لادن (27) (!) ، وهى – بالطبع – محاولة مفضوحة لتلويث سمعة المعارضة السلمية ، ولاسيما بين الأوساط الغربية ، كجزء من تكتيكات الحكومة السعودية لعزل هذه المعارضة ، دولياً ، وهو ما تمكنت من تحقيقه جزئياً ، حيث امتنع الرئيس الأمريكي بوش عن الاستجابة لدعوة منظمة حقوق الإنسان الأمريكية (هيومان رايتس ووتش) لممارسة الضغوط على ولى العهد السعودي ، آنذاك ، عبد الله ، لإطلاق سراح ثلاثة منشقين سعوديين ، معتقلين منذ أكثر من عام ، وذلك خلال اللقاء الذي جمع بينهما في أبريل ، من العام 2005 .
وكانت السلطات السعودية قد استضافت - في عشية حملات الاعتقال الواسعة للإصلاحيين – في أكتوبر 2003 ، أول مؤتمر ، من نوعه ، على أراضيها ، حول حقوق الإنسان (!) ، وذلك لامتصاص الضغوط الدولية ، بحقها ، في هذا الشأن في الوقت الذي لم تجد فيه السلطات حرجاً في إعلان ما أسمته توسيع قاعدة مشاركة المواطنين ، في إدارة الشئون الداخلية ، من خلال انتخابات بلدية ، وذلك بعد يوم واحد ، فقط ، من الاتهام الرسمي للمعارضة السعودية بالارتباط بابن لادن !! ، وذلك في إطار المحاولات السعودية المحمومة ، لتغييب دور المعارضة الحداثية الصاعدة ، من التمدد والتوسع في مفاصل المجتمع والدولة السعودية . وهو ما عبر عنه الأمير نايف ، أيضاً ، بقوله : " ما يدعى إصلاح أو غيره لا يستحق أن نتحدث عنه بأي حال من الأحوال " ، واصفاً مطالب الإصلاحيين بأنه " نباح (!) لا قيمة له، ولا أعتقد أن أحداً يستجيب له إلا جاهل ، أو مثله " ، معتبراً الاحتجاجات التي نظمها هؤلاء المعارضون بأنها " مخالف للنظام " (28) .
ولهذا ، لم يكن مفاجئاً أن تسفر نتائج انتخابات المجالس البلدية – التي رُوج لديمقراطيتها – عن فوز المرشحين الإسلاميين ، المدعومين من المجموعات الدينية القريبة من الحكومة، بشكل شبه كامل ، وذلك بعدما خابت محاولات الطعن في أهلية أولئك المرشحين ، باسم "القائمة الذهبية " بعد أن قضى مسئولو الانتخابات بأن المرشحين لم ينتهكوا – على خلاف الحقيقة – القواعد التي تحظر تشكيل قوائم انتخابية .
وبذلك اصطنع النظام السعودي انتخابات صورية ، جاءت – زوراً – بنصف أعضاء المجالس البلدية ، اقتراعاً ، ليكونوا نسخة مكررة من النصف الآخر ، المعين ، قانوناً (!) .
بيد أن المراقبين للشأن السعودي لا يعتقدون بجدوى المحاولات الرسمية في عرقلة المسار المتنامي للحركة الإصلاحية السعودية ، بوصفها جزءاً من حركة أوسع تنظيم ونخباً ثقافية واجتماعية واقتصادية حديثة ، استطاعت في العقدين الأخيرين انتزاع مساحات فعل متزايدة، عملت على ترسيخها ، بدأب ومثابرة لافتة ، سواء في الدوائر الجامعية والعلمية ، أو في دوائر الأعمال الخاصة ، بحيث يصعب على النظام السعودي الدخول معها في مجابهات علنية أو سرية ، بعد أن صارت عناوين أساسية بين أركان المجتمع المدني ، في مواجهة نظام سياسي وديني ، ينتمي إلى زمان غَبَر ، لا في التاريخ الإسلامي ، فحسب ، بل في زمان العالم الحديث ، منذ قرنين ونيف .
الهوامش والإحالة إلى المراجع
1 – انـظر ، تـرجمة نهال محمد النجار لما ورد في صفحة 159 من كتاب : Barasamian and Said ، ضمن بحثها : المقاومة الثقافية والسلطة : سعيد وباختين ، فصلية ألف ، القسم العربي ، ع25 ، الصادرة عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة ، 2005 ، ص135 .
2 – انظر ، البحث المشار إليه أعلاه ، ص135 ، وكذا ترجمة الباحثة للصفحة رقم 13 من النص : Terdiman,R.Discourse .
3 – انظر ، ترجمة الصفحة رقم 299 ، من كتاب : Mills, C.W.Power كما وردت في المصدر السابق ، نفس الصفحة .
4 – انظر ، نهال محمد النجار ، مصدر سابق ، ص 136 ، 137 .
5 – نفسه ، ص 137 .
6 – نفسه ، ص 138 .
7 – انظر ، على أبو الخير : الحجازيون والحرمان الشريفان ، إشكالية الانفصال وثمن الحرية ، مركز المقدسات للدراسات والنشر ، بيروت 2006 ، ص14 .
8 – نفسه ، ص 16 .
9 – انظر ، بحثنا : حقوق الحجازيين في الحجاز ، بين أزمة الحكم السعودي وخيارات الإصلاح المزمعة ، مركز المقدسات للدراسات والنشر ، بيروت 2006 ، ص32 .
10 – نفسه ، ص 36 ، 37 ، وانظر نص تصريح فهد في هذا الصدد بجريدة الصاندي تايمز ، بتاريخ 2 ديسمبر 1984 .
11 – انظر ، بحثه ، النقد الثقافي : رؤية جديدة ، ضمن الندوة التي نظمها نادي جدة الأدبي الثقافي ، في العام 2002 ، تحت عنوان : قراءة جديدة لتراثنا النقدي ، وتولت إحدى الفاعليات الصادرة عن النادي نشرها وهى (علامات) في النقد الأدبي ، ج ع ع ، م11 ، يونية 2002 ، ص 442 ، 443 .
12 – نفسه ، ص 443 .
13 – نفسه ، نفس الصفحة .
14 – نفسه ، ص 444 .
15 – نفسه ، ص 446 .
16 – نفسه ، ص 455 ، 466 .
17 – نفسه ، من ص 456 : ص 459 .
18 – انظر ، بحثه ، بدايات النهضة الأدبية الحديثة في مكة المكرمة ، فصلية جذور السعودية ، ج25 ، مج 9 ، ص 192 .
19 – نفسه ، الصفحة نفسها .
20 – نفسه .
21 – نفسه ، ص 193 .
22 – نفسه ، ص 204 ، 205 .
23 – نفسه ، ص 206 .
24 – نفسه ، ص 208 ، 209 ، 210 ، وانظر كذلك ، محمد حسين هيكل ، في منزل الوحي ، دار المعارف ، القاهرة 1979 ، ص 123 .
25 – انظر ، بحث عبد السلام فزازي، سعدي يوسف والموقف السياسي ، فصلية علامات، ج59 ، مج 15 ، جدة ، مارس 2006 ، ص 221 .
26 – نفسه ، الصفحة نفسها .
27 – انظر ، الموقع الإلكتروني لهيئة الإذاعة البريطانية B.B.C ، بتاريخ 14/10/2003.
28 – انظر ، الموقع الالكتروني (ميدل إيست أونلاين) ، بتاريخ 14/10/2003 . |