|
فكرى عبد المطلب (*)
المقاومة الثقافية الحجازية بين آليات التعبير وطموحات التغيير
" لا كلمة أولى ولا كلمة أخيرة حاسمة .. لا شيء يموت موتاً مطلقاً ، فكل معنى مغترب سوف يحتفل بعودته إلى دياره يوماً ما في مهرجان يعقد لهذا الغرض " .
باختين (**)
مدخل : إلى وظيفة الثقافة والمثقف
ذهب بعض المنظرين إلى أن السياسة – في جوهرها – ليست إلا " خطاباً ثقافياً " ، وذلك بوصفها مجموعة متكاملة من الرموز والمعاني ، التي نشترك – جميعاً – في معرفتها والالتزام بها ، ومن ثم ، فإن إعادة كتابة الخطاب السياسي (ثقافياً) تُعد فعلاً سياسياً ، بامتياز، ذلك أن إعادة كتابة هذا الخطاب هو جوهر ما تسعى " المقاومة الثقافية " إليه ، وعليه فإذا ما استُخدمت ثقافة ما – عن قصد أو عن غير قصد – لمقاومة ، أو لتغيير البناء السياسي والاقتصادي أو الاجتماعي السائد ، فإنها تكون – حينئذ – قوة قد تُمكن المُسود من هدم إيديولوجية السيد ، فيكون الدور الذي تؤديه المقاومة الثقافية " صورة من صور المقاومة المناهضة لمحو المسود " (1) .
لذا ، قد تتمكن المقاومة الثقافية من أن تجعل ، من نفسها ، خطاباً مضاداً ، يقوم على تحويل "المواجهة بين الواقع كما اصطنعه المستعمر (بكسر الميم) أو (اصطنعته السلطة) وقيام المستعمر (بفتح الميم) (أو المقاومة الثقافية) بدحض هذا الواقع وهدمه " إلى وسيلة فعالة من وسائل المقاومة ، ومن ثم إلى وسيلة فعالة (أيضاً) من وسائل التغيير الثقافي / السياسي (2).
ذلك أن الفنان المستقل ، والمثقف المستقل ، يُعد من الشخصيات القليلة ، التي لازالت مؤهلة، لمقاومة القولبة ومحاربتها ، حتى لا تفضي إلى فناء كل ما هو حي ، بحق ، حيث إن الإدراك بالحواس – على نحو يتسم بالجدة والأصالة – أضحى يتضمن القدرة على مواصلة فضح وتحطيم سبل القوالب الجامدة،التي تغمرنا بها وسائل الإعلام،فتدركها أعيننا،وتنطبع في أذهاننا (3) .
وفى هذا ، يرى إدوارد سعيد أن المثقف هو فرد وُهب ملكة تمثيل أو تجسيد رسالة أو رؤية أو فلسفة ما ، وكذلك الإفصاح عنها ، بالنيابة ، أي عن ذلك الجمهور . وهذا دور – برأي سعيد – له تأثيره القوى ، ولا يمكن أن يؤديه المرء – كما يقول – ما لم يتوفر لديه إحساس بأنه شخص من شأنه أن يقوم ، علناً ، بإثارة أسئلة محرجة ، والتصدي لجمود الفكر التقليدي، والفكر اليقيني الجازم ، القائم على التسليم ، من غير تمحيص ، ذلك أن البشر جميعاً لهم الحق- بحسب سعيد – في أن تعاملهم الدول والحكومات وفق معايير لائقة ، فيما يتعلق بالحرية والعدالة ، ومن ثم ، فإن انتهاك هذه المعايير – عن عمد أو عن غير عمد، برأي سعيد – لابد من الكشف عنه وإثباته ، ولابد ، كذلك ، من الاستبسال في محاربته (4) .
وبهذا المعنى ، ينبغي أن يكون هذا المثقف من أصحاب " الوعي النقدي " ، فلا يكون هذا الوعي – بمفهوم سعيد – حبيساً لأيديولوجية ما ، أو حزب ما ، كي يتمكن ذلك المثقف من إعادة النقد إلى العالم ، والبحث عن حرية الرأي وحرية التعبير ، بوصفه – أي المثقف – ليس من دعاة المهادنة والتهدئة ، ولا هو من بُناة الإجماع ، بل هو شخص يرتهن وجوده كله، وكينونته كلها ، بامتلاكه حساً نقدياً ، يرفض – من خلاله – الوصفات والحلول السهلة ، أو القوالب الفكرية ، أو اللفظية المستهلكة ، أو الأقوال التي يُقصد بها البرهنة على صحة ما يقوله أصحاب النفوذ ، ودعاة الحفاظ على الأعراف السارية وسلامة ما يفعلونه (5) .
ولا ريب ، في أن هذا النمط من المثقفين لا يزال محدوداً ، في بقاع عديدة ، من عالمنا المعاصر ، أكان في تلك المجتمعات المسماة " المتطورة صناعياً " وتكنولوجياً ، في غرب أوربا وأمريكا الشمالية ، أو في المجتمعات العربية ، ولاسيما في مملكة آل سعود ، حيث يتمحور هذا البحث حول عملية استقراء أنموذجية لفاعلية مثقفيها .
ومع ذلك ، فإن بعضاً من أوجه – وليس كل أوجه – ذلك " المثقف السعيدي " – نسبة إلى إدوارد سعيد – لا تزال حية في عديد من النماذج الثقافية الفاعلة ، هنا وهناك ، وهو ما يحملنا على استلهام نظرية سعيد – والمعروفة بـ " القراءة الطباقية " – والتي تمكننا من قراءة ما بداخل نصوص المثقفين السعوديين ، وما يتوارى خلفها ، وهى قراءة تمتاز بالجمع بين الفكرة الدالة ، المتكررة (الموتيف) ، والصدفة الفارقة (الاختلاف) ، ذلك أن المثقف ينبغي أن يمثل – مرة أخرى ، برأي سعيد – التحرر والتنوير " ولكن ليس بوصفهما مفهومين تجريديين ، أو إلهين ، يتعين على البشر عبادتهما ، على الرغم من انقطاع صلتهما بالحياة ، وبالبون الشاسع الذي يفصلهما عن البشر " (6) .
واستناداً إلى ذلك ، فإن جُل هذا البحث سينصب على قراءة تمثيلات المثقف السعودي ، أي الأفكار التي يقوم بتمثيلها ، وكيفية تقديمه هذه التمثيلات ، إزاء ما يعتمل داخل بنية المجتمع السعودي ، من تفاعلات وصراعات متوارية ، ولاسيما تلك المتصلة بآفاق الإصلاح السياسي والثقافي والاجتماعي .
1 – تحولات المجتمع والدولة :
يتسم المجتمع السعودي المعاصر بطوابع استهلاكية مُفرطة ، وتمايزات مناطقية صارخة ، وأنماط حكم مطلقة ، ينتظمها خطاب ديني مُغرق في تقليدته وحرفيته وتعصبه ، مناوئ للآخر ، كل آخر ، أكان إسلامياً أم غير إسلامي ، عربياً أم أعجمياً ، ما كرس ذلك التغييب التاريخي لتعددية الاجتهاد الديني والتنوع الثقافي والجدل السياسي ، وذلك بدعوى إعمال مقتضيات " التوحيد الديني " ومتطلبات " التوحيد السياسي " ، اللتين أفضتا إلى تنميط ثقافي واجتماعي ، يستولد الركود والسكون مما هو سائد والركون إليه ، وذلك منذ تأسيس المملكة السعودية الثالثة ، في العام 1932 .
ذلك أن بعض أقطاب " الوهابية السياسية " يعتقدون أن السعودية – كدولة – قد تستمر مع الديكتاتورية والتمييز المناطقي والعرقي والقبلي والطائفي ، بأكثر مما يمكنها من أن تكون ، مع هامش معقول من الديمقراطية والمساواة ، وذلك بدعوى أن المناخ الديمقراطي يوفر – في كثير من الأحيان – الأرضية المناسبة لنمو الانشقاقات (7) ، حيث تنضح برامج عشرات الأحزاب والجماعات السياسية بالحس التجزيئي والطائفي ، كحزب (جاناتا بهاريا) الهندي ، و(الجبهة الوطنية) الفرنسي .
لكن ، الحقيقة أن السعوديين الوهابيين – باعتدال أو بتطرف – لا يقبلون – أصلاً – بالديمقراطية ، بوصفها كفراً وإلحاداً ، ومخالفة لشريعة الله (8) ، وهو ما مثل غطاء دينياً سميكاً لسيرة الاستبداد السياسي في مملكة آل سعود ، حتى صار ذلك النمط من الحكم المطلق أشبه بالقدر الإلهي ، بنظر دعاة الوهابية ، ومن والاهم ، ما شجع الملوك السعوديين ، من أبناء الأب / المؤسس (عبد العزيز) ، على إجهاض كل مسعى شعبي أو نخبوي لبلوغ قدر معقول من المشاركة في عمليات صنع القرار ، أو بالحد من السلطات المطلقة لهذا الملك أو ذاك ، من حكم هذه الأسرة ، على مدى خمسين عاماً ونيف ، حيث لم يتورع أول الملوك ، المنحدرين من سلالة عبد العزيز – أي سعود – عن التنكر لكل المطالب الديمقراطية لتجمع (نجد الفتاة) ، الذي ضم الكثير من المسئولين في إدارات المملكة ، خلال صراع سعود مع ولى عهده (فيصل) ما بين عامي 1958و1964 ، وهى المطالب التي شملت : وضع دستور دائم ، وإحياء سلطة مجلس الشورى ، ليصير مجلساً تشريعياً حقيقياً ، مع وضع نظام إدارة للمقاطعات (المناطق) ، وتحسين آلية الشورى داخل أركان العائلة ، وهى ذات المطالب التي لم يستنكف فيصل من التنكر لها ، أيضاً ، قبل أو بعد عزل سعود (!) ، عام 1964 ، ما جعل من الاثنين نسخة شائهة ومكررة ، من الأب / المؤسس ، فيما يخص أمر الحكم وإدارة شئون البلاد ، الذي تعمد الملوك اللاحقون احتكاره ، إلى حد إقدام أحد أمراء العائلة المالكة و(وزير الداخلية نايف) على نفى ما صرح به ولى العهد (فهد) من وضع قانون أساسي لمجلس الشورى ، ليقوم مقام الدستور ، بحسب ما أعلنه الأخير في مطالع العام 1980 (9) ، بينما شدد نايف على أن " النظام الأساسي " ليس دستوراً ، لأن دستور السعودية هو القرآن، مستعيداً المقولات الوهابية الموظفة للنص المقدس ، في توطيد دعائم الحكم الاستبدادي ، على الرغم من الإعلان الذي أصدره الديوان الملكي السعودي ، في التاسع عشر من مارس ، من نفس العام (1980) حول رغبة الملك خالد في إنجاز " الدستور " إلى جانب "نظام المقاطعات" و" نظام مجلس الشورى" ، وتشكيل لجنة برئاسة الأمير نايف ، نفسه ، وبعضوية ثمانية أفراد، لوضع مسودة القانون الأساسي – أي الدستور – وهو ما كان يعكس إقراراً بالمطالب الشعبية المتزايدة ، في هذا الشأن ، إلى حد إعلان فهد ، بعد تثبيته ملكاً في العام 1984 ، عن تأسيس مجلس للشورى " خلال ثلاثة أو أربعة أشهر ، كي يبدأ عمله في وقت ما في السنة القادمة " ، حيث " سيعطى الشعب حق انتخاب نصف أعضائه " ، إلى جانب إعداد " دستور مكتوب للبلاد" ، وذلك تمهيداً لتحويل مجلس الشورى إلى هيئة تشريعية (برلمان) على الطراز الحديث، وذلك بقوله : " وفى مرحلة لاحقة سيتم انتخاب بعض أو معظم أعضاء البرلمان بالانتخاب المباشر من قبل المواطنين ، وسيكون المجلس برلماناً كغيره من برلمانات العالم " ، كي يكون " أداة للتعبير عن الرأي ، ووسيلة لمراقبة تنفيذ سياسات الدولة ، وضماناً لمساهمة الشعب في الحكم " (10) ، وربما كان لهذه الكلمات وقع المفاجأة على الجمهور السعودي ، أو وقع الصدمة ، على الأوساط الدينية الوهابية ، على حد سواء ، وذلك من قبيل كلمات "الشعب" و"البرلمان" و"الانتخاب" ، التي لم يعتاد أي من الطرفين سماعها ، من ملك سعودي ، منذ رحيل الملك / المؤسس ، (عبد العزيز) .
|