وتلك هي المرة الأولى التي يقوم فيها أحد أفراد الأسرة السعودية المالكة في الحديث بشكل صريح حول تجاوزات أفراد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،خصوصاً وأن الكاتب ينتمي إلى ضلعين مهمين من الأسرة السعودية الحاكمة من جهة والده ووالدته، ما يجعل لسلسلة مقالاته حول التي تتحدث حول هذا الشأن أذناً صاغية داخل شريحة واسعة من أفراد المجتمع السعودي.
وفي طيفه الأغلب يمتاز المقال السالف بأنه ذو بعد نقدي صرف مبني على حقائق مثبتة أوردها الكاتب في السلسلة ذات الخمس حلقات، وكلها تدخل في نطاق تزايد السخط الشعبي داخل الأوساط الشعبية من تجاوزات أفراد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،التي وصفه الأغبون بأنها "هيئة النهي عن المنكر" فقط، معللين ذلك بإغفالها دور التوعية الكبير لكافة مناشط الحياة السعودية باستثناء المحاضرات الدينية التي لا يحضرها سوى الشبان المتدينون بشكل كامل.
المبدأ والمؤسسة
وحول ذلك يقول الكاتب السعودي عبد الله بن بجاد العتيبي في مقال نشرته صحيفة الإتحاد الإماراتية: ''هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر'' في المملكة العربية السعودية مؤسسة حكومية -كغيرها من المؤسسات المشابهة- تقوم بمهمة خاصة في ضبط نوع خاص من التعديات الاجتماعية أو الإخلال بالنظام العام والقيم الأساسية للمجتمع وتحديدا في الجانب الأخلاقي. في الدين الإسلامي يعتبر مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ إسلاميا كبيرا وحيويا، كان ولازال وسيظل من مميزات هذه الأمة ومن شعائرها التعبدية الموصلة للرقي الحضاري والمحافظة على توازن المجتمع في شتى المناحي، وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصيغتها السعودية هي مؤسسة مدنية بشرية تحاول تطبيق هذا المبدأ على أرض الواقع السعودي باجتهاد خاص، مع التنبيه إلى أن هذا المبدأ الكبير قد خضع لاختطاف من قبل جماعات الإسلام السياسي وتلك قصة أخرى".
ويضيف:"أحسب أن التفريق بين الأمرين ''المبدأ والمؤسسة'' ضروري وملح، فإنكار الأول إنكار لجزء من الشرع جاءت به النصوص الشرعية بوضوح، وإنكار الثاني أو انتقاده ليس كذلك بحال فهو انتقاد لجهد واجتهاد بشري على مستوى الفكر المنظم للتطبيق والبناء الهرمي الإداري والتخصصات المنوطة بهذه المؤسسة المدنية وآلياتها في التطبيق والحركة. بالإضافة إلى هذا فإن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اسم مؤسسة مدنية يحمل مبدأً دينيا وقد كان للتسمية دور في التأثير على صورة المبدأ من نواح متعددة منها أن المبدأ كان عاما في الاحتساب على كل خلل في المجتمع من الدولة ومؤسساتها إلى التجار في أسواقهم والصناع في مصانعهم والنظر في المظالم ونحو ذلك كثير، بمعنى أنه يدخل فيه بالصيغ المعاصرة شؤون البلديات والرقابة على المال العام ونحو ذلك من المؤسسات الرقابية، والمؤسسات الأمنية وغير هذا من المؤسسات ذات العلاقة".
ويمضي قائلاً:"الهيئة تعاني كثيرا من أخطاء أفرادها، وأخطاء الأفراد لها صور وأسباب ونتائج، لن نسردها لكن يكفي أن نعرف أنهم بشر يخطئون في أداء واجبهم كما يخطئ غيرهم في الأمن والشرطة والمباحث وغيرها ولذلك يجب أن يحمل خطأ الفرد الشخصي عليه، لكن في أحيان كثيرة يكون الفرد لا ذنب له إلا أنه ترسٌ في مكينة، لا يملك إلا أن يكون هكذا، مع حرصه وإخلاصه وصدقه فالخلل ليس فيه بل في نظام المؤسسة كله وهنا يجب أن تتحمل المؤسسة أخطاءها.
إن ما نقرؤه هذه الأيام رغم ما فيه من تجاوزات أحيانا على الهيئة ودورها يمثل جزءا من نقد المؤسسات المدنية علنا وبكل شفافية وعلى صفحات الجرائد الحكومية وهو ما لم يكن ممكنا قبل سنوات معدودة وكذلك نقد المسؤولين عن تلك المؤسسات وإن كانوا بمرتبة وزير، وهي خطوة بالاتجاه الصحيح نحو محاسبة كل مسؤول على أخطائه بحسب صلاحياته وإمكانياته ومسؤولياته وهو فعل حضاري نرجو تطويره ورعايته حتى يشمل الجميع. وتخطئ الهيئة أو القائمون عليها حين يحسبون أنهم الجهاز الوحيد في العالم الذي يعتني بمثل هذا الاهتمام والتخصص، فالتجارب العالمية في هذا المجال متطورة ومتقدمة ومنظّمة، ويمكن بشيء من الاطلاع عليها وعلى قوانينها وآلياتها أن نكتسب خبرة كبيرة في هذا المجال وأن نطوي المراحل في اتجاه تصحيح الخطأ وترشيد العمل".
وعن وسائل إصلاح الهيئة يقول العتيبي:" من وسائل إصلاح الخلل في هذه المؤسسة إصدار نظام معلن لهذه المؤسسة يوضح تخصصها وواجباتها ومسؤولياتها وإعلان هذا النظام للكافة. ومن وسائل الإصلاح كذلك أن تكون ثمة شروط علمية لمن يريد الانضمام لهذه المؤسسة المدنية بحيث يكون مستواه العلمي مناسبا لمهمته الحساسة، كما أن من وسائل الإصلاح أن يخضع أفراد الهيئة لدورات علمية وتدريبية حول طريقة التعامل مع الأخطاء والمخالفات التي تقع ضمن تخصص الهيئة. الدورات العلمية لتعليم الأفكار الأساسية التي تسعى لها الهيئة من نشر العدل والستر والتعامل بالرفق واللين والأدب، والدورات التدريبية لإكساب أفراد الهيئة مهارات التعامل مع الأفراد والوقائع الواقعة ضمن تخصصهم. ومن وسائل الإصلاح كذلك أن يتمّ وضع زيّ خاص برجال الهيئة، وأن يوضع اسم كل فرد في بطاقة صغيرة على الزي -كما في لباس رجال الشرطة-، وذلك لأن الزي يحدّ من انتحال الأفراد العاديين لدور رجال الهيئة، والاسم يجعل أفراد الهيئة أمام مسؤولية أخلاقية ونظامية أكبر".
الهيئة ومثقفو السعودية وجهاً لوجه
ولأشهر خلت كان الحديث عن تجاوزات الهيئة في أوجه داخل تجمعات المثقفين السعوديين حتى وصلت المعركة إلى صفحات الجرائد بين الهيئة والكتاب السعوديين الذين تحدثوا عن تجاوزات الهيئة بالاعتداء المباشر على الأشخاص المقبوض عليهم دون التثبت من جرمهم عبر الطرق القانونية المتبعة في المملكة العربية السعودية، وخصوصاً ذلك الجدل الهادئ الذي دار بين الهيئة والكاتب السعودي رئيس تحرير صحيفة الوطن السعودية سابقاً قينان الغامدي حول قضية الاعتداء على شخص برفقة زوجته من قبل أفراد الهيئة.
وكانت صحيفتا الوطن وعكاظ السعوديتان في مرمى النيران الأصولية التي أيدت الهيئة في معركتها ضدهما على خلفية نشر أخبار صحافية عن تجاوزات أفراد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقامت الهيئة في الرد عليها واعتبارها أخباراً غير صحيحة.
كما أن المفارقة هنا أن كاتباً سعودياً آخر لم ينجُ من هجمة الهيئة ومناصريها رغم أنه ينتمي إلى السلالة الوهابية للشيخ محمد بن عبدالوهاب الذي يفاخر أغلب أفرد الهيئة في الالتزام برؤيته الدينية للإسلام، ألا وهو الكاتب السعودي محمد آل الشيخ الذي كتب غير مرة منتقداً الممارسات السلبية التي يقوم بها أفراد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحق أفراد المجتمع السعودي.
وكتب آل الشيخ في ركنه النحيل داخل صحيفة الجزيرة السعودية:"
في العمل المؤسساتي، يجب أن تطالَ المسؤولية والمحاسبة كل المستويات الإدارية، خصوصاً وأن ظاهرة (تعديات) أفراد الهيئة على المواطنين أصبحت على كل لسان، يتحدث عنها ويتذمرُ منها الجميع، ولولا أن أولئك الذين يتربّصون بالناس، ويراقبونهم، ويتصيّدون زلاتهم، ويتلذذون بكشف (عوراتهم)، مدعومون من كبار مسؤوليهم المباشرين لما وصلَ الأمر اليوم إلى ما وصل إليه. أما إذا كان مسؤولو الهيئة آخر من يعلم عن مثل هذه التجاوزات، وقد بلغت هذا الحد الذي يندى له الجبين، فهذه بحدِّ ذاتها (مصيبة) تدينهم قبلَ أن تبرئهم!
والشأن الأهم من كل هذا الذي ربما أنه يخفى على البعض، أن مثل هذه التصرفات (البوليسية) و(التنفيرية) التي أصبح يُمارسها بعض أعضاء الهيئة لا تمت (لولاية الحسبة) في الإسلام بصلة. بل هي (إساءة) لهذا الشأن العظيم في الدين، بكل ما تعنيه كلمة (إساءة) من معنى.فالأصل في الدعوة، كما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (الترغيب) وليس (التنفير)، و(التستر) على المسلمين، وإشاعة الفضيلة، وليس إرهاب الناس وترويعهم وتخويفهم وتتبع عوراتهم والتشهير بهم، بذريعة البحث عن المخالفات الشرعية.
ولولاية الحسبة في الإسلام ضوابط وأخلاقيات، ولم تترك لمزاج هذا أو ذاك، أو للتشفي من خصومهم، ولو طبق أعضاء الهيئة ومسؤولوها بأمانة مثل هذه الضوابط والأخلاقيات، لما وصل الأمر إلى هذا المستوى المخجل، ولما انقلب هذا الشأن العظيم في الإسلام إلى هذه الدرجة المشوهة من الممارسات والتعدّيات التي لم تعرف بهذا المستوى من (التشويه) في تاريخ الإسلام".
وكذلك يقول الكاتب السعودي عبدالله بن بخيت في مقال آخر نشرتها الصحيفة ذاتها:" لا يوجد هذه الأيام سوى موضوعين يتحدث عنهما المواطن السعودي. موضوع الأسهم وتقلباتها وموضوع رهاب هيئة الأمر بالمعروف. ما أن ينتهي أو يفتر موضوع الأسهم حتى يبدأ الناس بسرد قصص رجال الهيئة التي لاتنتهي.قرأ الناس قبل عدة أيام القضية التي انفجرت على صفحات الجرائد والمنتديات والمجالس الخاصة والعامة التي راح ضحيتها مواطن آمن وزوجته المصونة بهجوم وحشي من رجال الهيئة والمتعاونين معها. كم كنت أتمنى لو أن الصحف السعودية تتوقف عن نشر أخبار مثل تلك الحادثة أو الحوادث الأخرى التي تتعلق بتصرفات رجال الهيئة.
فمثل هذه الحوادث هي التي تنتظرها الصحف الأجنبية التي تتربص ببلادنا لتؤكد بها مواقفها المسبقة من أننا في هذا البلد شعب لا نقيم وزناً للإنسان وكرامته وحقوقه فضلاً عن حقوق المرأة وكرامتها. أن يهجم رجل (أياً كانت وظيفة هذا الرجل) على امرأة ويحاول قمعها ثم سحبها من أمام باب بيتها حتى حز رقبتها بعباءتها وكاد يقتلها وهي تستنجد تبحث عن رجل شهم يخلصها بينما زوجها في الجهة الأخرى مغمى عليه بعد أن تلقى ضرباً لا يعرف إلا الله آلامه. هذه القضية لا تعد تعدياً على حقوق الإنسان".
وبالرغم من تزايد السخط الشعبي تجاه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الحكومة السعودية ليست في محل التفكير في إلغاء هذا الجهاز الديني الفاعل نتيجة الخشية من تفسير ذلك على أنه تغيير للصبغة الدينية التي تلون وجه المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها متوائمة مع دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وفق آراء مراقبين مطلعين على الشؤون السعودية، وهو الأمر الذي أكده وزير الداخلية السعودي الأمير نايف بن عبدالعزيز في تصريح صحفي له قال فيه أن الهيئة باقية ما بقيت الدولة.
وبعد أيام من أول حادث إرهابي طال السعودية في الثاني عشر من أيار مايو 2003 عبر استهداف مجمعات سكنية يقطنها غربيون، لوحظ تراجع لدور الهيئة في سائر المدن السعودية وأصبح من النادر مشاهدة سيارات الهيئة، المألوفة لدى أعين الشباب السعوديين في شوارعهم كما كان معتاداً، وهي أشهر ما لبثت بعدها وأن عادت سيارات الهيئة تجوب الشوارع لممارسة مهامها المعتادة في التربص بالمداخل الخلفية الخاصة بالعوائل لمحال بيع القهوة الأميركية ومشتقاتها في مساءات أيام الخميس.