|
سلطان القحطاني من لندن: اتخذت الحكومة السعودية مؤخراً عدة إجراءات متتالية تستهدف الحد من سلطات الشرطة الدينية التي تقوم بفرض تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد وتسمى هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو جهاز رسمي يتمتع بسلطة واسعة في البلاد، ويمكن لموظفيه التدخل لدى الأفراد وهيئات المجتمع لمنع استخدام المخدرات والكحول، ومنع الرجال والنساء غير الأقارب من الاختلاط في الأماكن العامة. وقالت وزارة الداخلية السعودية في بيان سابق لها أن الادعاء العام سيقوم في المستقبل بتولي النظر في قضايا الأشخاص المعتقلين لأسباب تتعلق بالاعتداءات الأخلاقية، ويعني هذا وضع نهاية لسلطات الشرطة الدينية لاعتقال المشبوهين وإجراء تحقيقات، في الوقت الذي يتهمها فيه مواطنون سعوديون بأنها تتدخل في حياتهم الخاصة، إضافة إلى انتشار العديد من مقاطع الفيديو عبر تقنية البلوتوث توضح العديد من انتهاكات أفراد الهيئة لحقوق الإنسان.
وفي الأسابيع الماضية أسقط مجلس الشورى، وهو برلمان استشاري تنمو صلاحياته باطراد، بأغلبية ساحقة توصية داعمة لهيئة الأمر بالمعروف تقضي بزيادة مخصصاتها المالية، وكذلك زيادة مراكزها في البلاد. وفي التاسعة والنصف من مساء كل يوم خميس تكمن سيارة من نوع جي.ام.سي ذات لون أزرق قاتم في زاوية معتمة لأحد الشوارع الخلفية التي تجاور شارع التحلية في العاصمة الرياض، والذي يكون عادة مكتظاً بالشباب من الجنسين خلال هذا اليوم الذي يوافق إجازة نهاية الأسبوع في المملكة العربية السعودية.
وهذا الكمون به تربص من قبل أحد خلايا هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الرياض بمدخل العوائل الخلفي الخاص بأحد محال بيع القهوة الأميركية ومشتقاتها، بغية الحصول على صيد من أولئك العشاق السعوديين الذين تنشط مواعيدهم في هذا المكان وفي مثل هذا التوقيت. وأصبح لزاماً على موظفي الهيئة أن يرتدوا بطاقات تعريفية تحوي أسمائهم وأفرع عملهم حسب نظام سعودي مستحدث لا يتم التقيد به بشكل كبير غالباً، رغم أن رئيس هذا الجهاز الرسمي إبراهيم الغيث، الذي مدد له بأمر ملكي منتصف الأسبوع ما قبل الماضي، يرى في الأمر تجاوزاً لا يقبل به.
وتحظرُ السلطات الدينية والأمنية في المملكة السعودية المحافظة انفراد ذكر بأنثى في أي مكان دون وجود رباط شرعي يتمثل في الزواج أو صلة القرابة، الأمر الذي يثير استياء العشاق والعاشقات السعوديات اللواتي يردن التمرد على هذه التقاليد الراسخة في المجتمع الذي يميل سواده الأعظم إلى الاتجاه المحافظ.
وتتعزز سلطة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل الأوساط السعودية من خلال التئام المحافظين دينياً واجتماعيا في جبهة واحدة لحشد هذا المجتمع السعودي في صفها، على الرغم مما تواجهه من خسائر متواترة في نصيبها من الكعكة الشعبية في البلاد التي تقوم بعدة خطوات منفتحة.
ويرى سعوديون كُثر في أن وجود الهيئة التي تشابه في سلطاتها إلى حد كبير الشرطة الدينية أكبر الأدوار فعالية في ضمان ضبط المسطرة الأخلاقية للمجتمع الذي يواجه عدة خطوات انفتاح تجتاح دول الخليج المجاورة وتلقى بظلالها على الرقعة الكبيرة في دول الخليج العربي التي تحوي أكبر كم من الاحتياطي النفطي في العالم، خصوصاً في ظل إشارة إحصاءات ديموغرافية متفرقة إلى أن معظم المعدلات السنيّة في السعودية تتجه إلى التأكيد على أن النسبة الكبرى من المجتمع السعودي مجتمع شاب.
لكن مثقفين سعوديين آخرين يرون أن الهيئة تحيد في غالب أحيان عملها الميداني عن دورها الحيادي كأحد أجهزة الدولة وتصبح طرفاً في نزاعات فكرية بين قوى الانفتاح الليبرالي والكتل الإسلامية الأخرى على الساحة السعودية، كأن تقوم بالتدخل في ندوات ثقافية أو اجتياح بعض الفعاليات الفكرية في السعودية كذلك الاجتياح الذي تحدث عنه رئيس تحرير صحيفة الرياض السعودية تركي السديري في تعليق له على تعرضه رفقة مثقفين آخرين إلى هجوم من قبل رجال دين داخل أحد الندوات التي أقيمت خلال معرض الرياض الدولي للكتاب قبل أسابيع.
وقال السديري في عموده اليومي المنشور في صحيفة الرياض السعودية في وقت سابق من العام الحالي:" هل هذه أول مرة تتضح فيها هذه الصورة المخيفة؟.لا..عندما أقيم ملتقى المثقفين السعوديين في مركز الملك فهد الثقافي حدثني مسؤول سابق في وزارة الإعلام (أحتفظ باسمه) أنه أثناء الحوارات لاحظ وجود أشخاص منشغلين باتصالات عبر الجوال وأنهم يقومون بالإعداد تنظيماً لأمر ما فكان أن ذهب إلى البوابة وطلب عدم دخول أي شخص إلا بدعوة أو بترك بطاقته الشخصية حتى انتهاء الحوار.. الذي حدث أن سيارة تابعة لهيئة الأمر بالمعروف حضرت وأرادت الدخول بحشد من الملتحين داخلها ولأنهم ليس لديهم دعوات فقد رفضوا تسليم بطاقاتهم وهربوا وكانوا يأملون أن تكون سيارة الهيئة وحدها وسيلة الدخول.".
ويذهب الأمر ليصل إلى شريحة كبرى من المجتمع السعودي الذين يواجهون "قمعا" على حد رأيهم لواجبات مشروعة لصالحهم من قبل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خصوصاُ في ظل تلك الحالات التي تحدث فيها السعوديون عن مضايقة أفراد الهيئة لأزواج يمضون وقتهم مع بعضهم البعض منفردين ويتم الاشتباه في كونهم أصدقاء لذلك تلجأ الهيئة للقبض عليهم بطريقة "وحشية" على حد وصفهم وإثارة حرجهم أمام المتجمهرين إلى أن يتم بعد ذلك التأكد من أنهم يمضون وقتهم بطريقة مشروعة.
إلا أن مقربين من رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية الشيخ إبراهيم الغيث يقولون خلال حديثهم مع "إيلاف" بأنه لا يقرّ مثل هذه الأعمال المنافية للأخلاق الإسلامية في طريقة التعامل مع المقبوض عليهم على يد أفراد الهيئة، ويُرجع أسباب تلك الأفعال التي تضرّ بالسمعة الشعبية للهيئة داخل المجتمع السعودي إلى قلة من الأفراد الذين يتميزون "بالحماس الزائد" أثناء تأديتهم مهامهم الأمر الذي يكون له مردود سلبي على الهيئة ومنسوبيها.
وحسب المصدر ذاته فإن الهيئة تتخذ إجراءات تأديبية بحق أفرادها الذين لا يلتزمون بالنظام خلال تأديتهم العمل الميداني خصوصاً في العاصمة الرياض ذات النهج المحافظ بشكل كبير قياساً بمدن المملكة العربية السعودية الأخرى، معدداً عدة حالات تم فيها نقل أشخاص إلى خارج مدنهم بشكل تأديبي نتيجة للشكاوى التي تُرفع بحقهم ويتم التحقيق فيها بشكل جدي ودقيق من قبل الجهات العليا في الهيئة.
وحاولت "إيلاف" على مر أسابيع متواصلة التحادث مع مسؤولين في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون أن يتسنى لها ذلك.
أمير سعودي ينتقد الهيئة
وفي مقال نشرته إحدى الصحف السعودية قبل عدة أشهر بعنوان"عمل الحسبة.. والخروج عن الغايات والأهداف" الذي كتبه الأمير تركي بن بندر رئيس مجلس إدارة مجموعة حفيد الجدين يشير إلى ضرورة معاقبة الأفراد المخطئين من هيئة الأمر بالمعروف الذين يسيئون إلى الدين.
ويقول عن أخطاء الهيئة:"موقفنا كأفراد أو المجتمع بكامله بمعاقبة ومحاسبة المهمل أو المقصر أو المخطأ أو المتجاوز من قبل الدولة مهما كان نبل وسمو هدفه، ودرجة حماسه،وحيث أن (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) هيئة رسميه حكومية العاملين بها موظفين مثلهم مثل باقي موظفين الدولة لهم مناصبهم ومراتبهم ومسمياتهم الوظيفية، وترقياتهم،ويستلم كل فرد منهم راتب آخر كل شهر من الدولة،ويعملون على سيارات حكومية تصرف لهم نفقة محروقاتها، كما أننا نعتقد أن تعيينهم في الهيئة جاء بناءا على التراضي بين الطرفين،كما جاء بناءا على شروط ومواصفات مسبقة وضعت كشرط للتوظيف كالمؤهلات العلمية وشهادات حسن السيرة والسلوك وغير ذلك من الشروط، وان هذا الموظف يفترض به كباقي موظفين الدولة ان يكون ملتزم بأداء عمله حسب الضوابط التي تخدم المصلحة العامة، كما أن الموظف حريص على تحقيق أهداف الهيئة مثله مثل باقي موظفين الدولة في باقي قطاعاتها، كما أن عليه قبول أن يطبق عليه النظام مثله مثل باقي موظفي الدولة إذا هو أهمل أو تجاوز أو قصر أو أخطأ أن يحاسب ويعاقب حتى ولو كانت نيته أيضا نبيلة وساميه؟ إلا لماذا نطالب ان تعاقب الدولة الطبيب والجراح الذي أخطأ وهو من جاءه المريض إلى عيادته ولا نطالب الدولة أن تعاقب وتحاسب أحدا من منسوبي الهيئة إذا هو تجاوز أو أخطأ أيضا؟!
لا بل إن خطأ أو إهمال أو تقصير أو تجاوزات موظفي (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أعظم بالنسبة لي من خطأ الطبيب أو الجراح لأن خطأهم أو تقصيرهم كما سبق وأن ذكرت في الحلقة السابقة يمس صورة الأمة الإسلامية بكاملها وليس فرد واحدا،كما يمس صورة دين قويم، وان في هذه الأخطاء هدية ثمينة وفرصة للمتربصين بهذا الدين،وأعداءه، وجائزة لأولئك المغرضين والحاقدين حتى على الدولة، ان أخطاء الدعاة أيا كانوا تختلف عن باقي الأخطاء لأنها بحق ديننا الذي هو عماد حياتنا وأساس وجودنا وسبب بقاءنا على هذه الدنيا،وليس خطأ في سفلتة شارع أو تأخر في رصفه أو إنارته من قبل بلدية".
ويضيف قائلاً:"من هنا أستغرب محاولة الالتفاف، وخلق نوع من الازدواجية في الدولة وقوانينها فالحملات التكفيرية الشرسة، والهجوم والويل والثبور لمن يقف ويصرخ حرصا وخوفا وإخلاصا وغيرة على دينه كما هو دين أولئك الآمرين بالمعروف حين يقال لهم : لماذا الخطأ؟ ولماذا التكرار في حدوث نفس حالات التجاوز أو التقصير التي أساءت لديننا؟ من المسئول عن تلك الأخطاء وتحمل تكرارها؟ ولماذا لا تشكل لجنة مختصة يحاكم ويحاسب ويعاقب إذا ثبت خطأ أو تقصير أو إهمال منسوبي الهيئة كما ان هذا الشيء مطبق على بقية المسلمين من أبناء الدولة وموظفيها الآخرين ؟ لماذا موظفي الهيئة يرفضون المحاسبة والعقاب ويربطون بين من يطالب بتطبيق ذلك عليهم بالتعدي على الدين، وعلى الله، والرسول صلى الله عليه وسلم، ويكيلون له شتى أنواع التهم ؟ أين أصحاب الرأي، والحكمة،والعقل الراجح من كبار علماءنا للتدخل والتصحيح لإيقاف أفعال تشويهية لصورة الإسلام؟
|