|
ففي نهاية تشرين الثاني / نوفمبر، من العام 1922، دعا المقيم البريطاني بالخليج (برسى كوكس) إلى مؤتمر بميناء العقير (السعودي لاحقاً)، وذلك بغية ترسيم الحدود بين مقاطعات الأمير ابن سعود، وكل من أراضى الكويت والعراق (التي كانت جميعها تحت الحماية البريطانية)، وقد أسفر المؤتمر عن إقرار خطة كوكس القاضية بضم جزء من أراضى الكويت لابن سعود، وجزء من أراضى الأخير للعراق، وإعلان منطقتين محايدتين، واحدة سعودية – كويتية، والأخرى سعودية – عراقية[20]، وهو ما شكل النواة المتفجرة للنزاعات اللاحقة.
ذلك أن التقسيم الذي رسمته الاتفاقية لم ينفذ في الواقع[21]، ما جعل من تسوية العقير تسوية مؤقتة، وإن اعتبرت الوثيقة الوحيدة التي تحدد المركز القانوني لكل من السعودية والكويت فيما يسمى المنطقة المحايدة، حيث نصت الاتفاقية على أن لكل من البلدين حقوقاً متساوية، في هذه المنطقة، إلى حين إبرام اتفاقية جديدة، بناء على مساعي الحكومة البريطانية، بيد أن اتفاقية العقير لم تضع نظاماً معيناً، أو إدارة محددة للمنطقة المحايدة، نظراً لمساحتها الشاسعة، وغير الآهلة بسكان مستقرين، وقت تخطيطها، ولغياب أي أثر للنفط فيها، ما جعل من سيادة أي الدولتين عليها، دونما تحديد دقيق، حيث لم توضح الاتفاقية أية طريقة لممارسة تلك السيادة، ولهذا ظلت المنطقة المحايدة مستثناة من الامتيازات النفطية الممنوحة للشركات الأجنبية، في أراضى الدولتين، لكن سرعان ما خرقت السعودية هذه القاعدة، حيث نصت المادة الثالثة من الاتفاقية السعودية مع شركة أرامكو، على أن يشمل امتيازها المنطقة المحايدة، والذي انتهى بعد منح شيخ الكويت شروطاً أفضل لشركة أمريكية مستقلة، ما فتح المجال لنشوب الخلافات والمشكلات القانونية، مع تزايد الاكتشافات النفطية، في هذه المنطقة، وهو ما أظهر الحاجة الملحة لوضع نظام إداري دقيق للمنطقة، والذي توصل الجانبان إلى اتفاق بشأنه، في يوليه من العام 1965، والذي أنهى الوضع المؤقت، بحسب ما رسمته اتفاقية العقير، ومحدداً قسمين متساويين، يمارس كل طرف حقوقه الإدارية والتشريعية والدفاعية، في الجزء الخاص به، والتي شملت كذلك البحر الإقليمي الملاصق، وهو ستة أميال بحرية، فقط، خلافاً للسعودية التي تعتمد مجالاً بحرياً، بمسافة اثنى عشر ميلاً، وكذلك الكويت، التي مدت مياهها الإقليمية بمسافة مماثلة، بموجب مرسوم صدر في ديسمبر 1967، فيما استعمل خط الوسط، كطريقة لتحديد الجزء العائد للسعودية، والآخر للكويت، في المنطقة المحايدة، وذلك بمقتضى اتفاقية إضافية، في العام 1969[22]، إلا أن هذه الاتفاقيات لم تقرر أمر السيادة على الجزر، في هذه المنطقة، ومع ذلك أقدمت السعودية على حسم أمر جزيرتي (قارور) و(أم المرادم)، لصالحها، من طرف واحد، بعد أن مدت سيادتها عليهما، في العام 1977، وذلك من دون اعتراف كويتي بأي أثر قانوني لتلك الخطوة، إلا أن صمت الكويتين على الإجراء السعودي برره الخبراء بثقل المنازعات الحدودية الأخرى للكويت مع جيرانها الأقوياء، في طهران وبغداد، والتي كان يفترض أن يجد الجانب الكويتي مساندة سعودية له فيها، إلا إن المطامع السعودية في النفط الكويتي كانت أكبر من روابط الدم والقرابة القبلية بين الجانبين، و التي لم يعرها السعوديون أدنى اهتمام، كما لم يعيروا، من قبل، دور الكويت في رعاية عائلة ابن سعود، في منفاها الكويتي، قبل وبعد دخولها مدينة الرياض، في العام 1902، الذي أسس لميلاد الدولة السعودية الثالثة، لاحقاً.
وفى الثلاثينيات، من القرن المنصرم، برزت – كذلك – مشكلة الحدود، كجزء من الصراع على النفط، حيث أُجبر شيخ قطر على إبرام اتفاق مع ابن سعود في العام 1933، تعهد فيه الأول للثاني ألا يمنح أي امتياز نفطي في المناطق التابعة لمشيخته، وذلك باستثناء العاصمة الدوحة، إلا إن بريطانيا وجدت في ذلك الاتفاق مدخلاً للشركات النفطية الأمريكية إلى قطر، عبر ابن سعود، ما حملها لتحذير شيخ قطر من سعى ابن سعود " لابتلاع مشيخة قطر نفسها"، وهو ما دعا الأول لمنح الشركات البريطانية امتيازات عدة، للتنقيب عن النفط، الأمر الذي ووجه باعتراض صريح، من جانب ابن سعود، حتى إتمام الاتفاق على حدود واضحة بين قطر والسعودية، لاسيما وأن ابن سعود لم يخف يوماً أطماعه الواسعة في الأراضي القطرية، والتي اعتبرها، ذات يوم، جزءاً من مقاطعة الإحساء، التي كان قد ضمها إلى مُلكه، في العام 1913، وذلك بحسب ما عبر عنه ابن سعود، صراحة، خلال لقاء جمعه بالمعتمد البريطاني في البحرين (تريفور)، والمعتمد البريطاني في الكويت (شكسبير)، يومي 15و16 ديسمبر، من العام 1913، حين أكد الأمير السعودي لهما أن قطر وعُمان هما جزء من الأراضي، التي يرغب في " استعادتها "، بيد أن الرفض البريطاني الصريح لهذه الدعاوى، حمل ابن سعود على التراجع الظاهري عنها، بعد التأكيد البريطاني على مشروعية الحدود القطرية – السعودية، طبقاً لاتفاقية " الخط الأزرق "، المبرمة بين بريطانيا والدولة العثمانية، في يوليه 1913، وهى الحدود التي عاد ابن سعود للمطالبة بإعادة النظر فيها، عبر المفاوضات التي جرت بينه وبين البريطانيين – بوصفهم أصحاب الحماية على قطر – وذلك طيلة السنوات السابقة على الحرب العالمية الثانية، وهى مفاوضات لم تسفر عن أية نتيجة تذكر، ما حدا بالجانب السعودي لإعادة القضية، مجدداً عام 1949، وذلك عبر طرح تصور جديد لحدودها، باسم " الخط السعودي "، والذي كان يعنى انتزاعاً لقطعة من الأراضي القطرية، بعرض خمسة وعشرين ميلاً، في حالة الأخذ بالتصور السعودي (!)، والذي لم يخمد أواره – في الحقيقة – طوال السنوات اللاحقة، إذ عقد مؤتمر " المائدة المستديرة "، بمدينة الدمام السعودية، في العام 1952، بحضور ممثلين لمشيخة أبى ظبي إلى جانب ممثلي السعودية وقطر، بغية تسوية المنازعات الحدودية، بين السعودية، وبين هاتين المشيختين، إلا إن تلك المفاوضات لقيت نفس مصير سابقتها، فشلاً، إلى أن توصل الطرفان : السعودي والقطري إلى تسوية ما، في العام 1965، إلا إن تفاصيل ذلك الاتفاق ظلت طي الكتمان، وإن رجح بعض الخبراء أن تكون بنوده اعتمدت خياراً توافقياً، بين ما طالب به السعوديون، في العام 1946 (الخط السعودي)، وبين ما ثبته البريطانيون، في العام 1955، وإن حاول الجانب السعودي تطويق الأراضي القطرية، من جهة الجنوب، عبر اتفاق أُبرم مع إمارة أبى ظبي، في العام 1974، حصلت، من خلاله، السعودية على منطقة (خور العديد)، ما حمل قطر – فيما بعد – على التنازل عن شريط حدودي، لتصبح منطقة العديد، بمقتضاه، أراضى سعودية خالصة، بيد أن ذلك لم يضع حداً لسيرة التنازع الحدودي بين الطرفين، لعدم دخول اتفاق العام 1965 حيز التنفيذ، ما جعل من أمر الترسيم الحدودي معلقاً، طوال السنوات اللاحقة، وهو ما حمل السعوديين، في العام 1992، على تقويض أية تفاهمات سياسية محتملة، مع الجانب القطري، واللجوء إلى قوة السلاح لتحقيق مطامحهم التوسعية، إذ أعلن القطريون في الثلاثين من سبتمبر، من ذلك العام، عن قيام وحدة عسكرية سعودية بالهجوم المسلح على مركز (الخفوس) الحدودي، ما أدى إلى مقتل عريف قطري وأحد جنود الجيش، من الرعايا المصريين، وإلى أسر جندي آخر، أعقبه هجوم أكبر، في اليوم التالي، أدى إلى احتلال المركز، وإجبار القوة القطرية على مغادرته بحسب الرواية القطرية، وهو ما حمل القيادة القطرية على وقف العمل بالاتفاق المبرم بين الجانبين، في العام 1965، وذلك عبر بيان حكومي أشارت فيه إلى أن السعودية " قد سعت في الآونة الأخيرة إلى ترسيم الحدود بين البلدين بصفة منفردة خلافاً لأحكام الاتفاق المشار إليه (عام 1965)، ولم تستجب لمطالب قطر المتكررة بعقد مباحثات لهذا الغرض "، على حد ما جاء في برقية وكالة الأنباء القطرية في أول أكتوبر، من العام 1992، إلا إن القرار القطري بتعليق العمل بتلك الاتفاقية ووجه بمعارضة سعودية صريحة، بوصفه صادراً " من طرف واحد " (!)، داعية إلى تنفيذ المادة الثالثة من الاتفاق، والقائلة باختيار شركة عالمية متخصصة تتولى وضع ترسيمات الحدود بين البلدين، غير أن التصعيد السعودي، ولاسيما على الصعيد العسكري، كان قد بدد – فيما يبدو – أية إمكانية للتسوية السياسية، عبر اتفاقية 1965، ما حمل العديد من الجهات للتوسط بين الطرفين، حيث تمكن المصريون من تجميد ذلك النزاع، بصورة مؤقتة، ليظل الحال على ما كان عليه، في السابق، في ظل الجدل القانوني الدائر، آنذاك، حول الأساس الذي ينبغي أن تدور عليه مفاوضات اللجنة الفنية المشتركة، بين البلدين، أهو : اتفاق 1965، فقط، أم يشمل نتائج المفاوضات اللاحقة، من جانب تلك اللجنة، حتى العام 1979 ؟ ناهيك عن إصرار الجانب السعودي على أن تقوم الدوحة، مسبقاً، بالاعتراف بالسيادة السعودية على الموقع الحدودي المتنازع عليه (نقطة الخفوس)، وهو ما رفضه القطريون، بطبيعة الحال (!)، قبل أن يقدموا على مقاطعة اجتماعات مجلس التعاون الخليجي، في العام 1992، وسحب قواتهم المشاركة في قوة " درع الجزيرة "، التابعة للمجلس.
والحقيقة، فإن الأطماع النفطية السعودية في أراضى الدول الخليجية قد طالت أراضى الداخل اليمنى، منذ العام 1989، وتحديداً في الجوف ومأرب وحضرموت، والتي اعتبرها اليمن موجهة، بشكل أساسي، إلى الثروة النفطية، حديثة العهد، في تلك المناطق، وهو ما برهنت عليه المذكرات التي تقدمت بها السعودية، إلى الشركات النفطية، احتجاجاً على عملها في المناطق اليمنية، مطالبة بسرعة إيقاف عمليات التنقيب بها، وهو ما رضخ له بعض من هذه الشركات، بينما أدى التدخل الشخصي المباشر للرئيس الأمريكي السابق جورج بوش إلى استمرار بقية الشركات في عملياتها، وذلك بعد اعتراض شركة (هنت) الأمريكية على إدعاءات الخارجية السعودية بانتهاك الطاقم الاستكشافي للشركة حرمة الأراضي السعودية، حيث استعانت الشركة بخريطة، زودتها بها الخارجية الأمريكية، تظهر أن منطقة امتياز مأرب – الجوف تقع بكاملها داخل نطاق الجمهورية اليمنية[23].
ومن عجب، أن تأتى المطامع السعودية في ثروات أشقائهم، من النفط، على الرغم من امتلاك بلادهم واحداً من أكبر وأهم حقول النفط، في العالم، هو " حقل غوار "، الذي ترى بعض المصادر أنه " أضخم مستودع طبيعي للنفط الخام الرخيص يمكن أن يوجد على الكرة الأرضية[24]"، لتتتعزز، بذلك، حقيقة الاعتقاد القائل بانتقال الثقل النفطي العالمي من "حقل سبندل توب " الأمريكي إلى الحقل السعودي، والذي يقدر نفطه بأكثر من تسعين مليار برميل، وهو ما يوازى ثلاثة أضعاف كل الاحتياطي النفطي الأمريكي، ما يجعل هذا الحقل قادراً على سد الاحتياجات الأمريكية، من النفط، لمدة خمسة وعشرين عاماً، دون الحاجة لأي عمليات تطوير له، ناهيك عن ملكية السعودية لمجموعة كبيرة أخرى من الحقول العملاقة، ما جعل أكبر الاحتياطات النفطية، في العالم، بين أراضيها، والتي يرى العديد من الخبراء أنها غير متناهية، حيث لم يتم اكتشاف الجزء الأهم منها[25].
فإذا توقفنا عند العلاقة المتبادلة بين مكانة الثروة الخليجية ومكانة موقعها، سنلاحظ أن ثلثي إمدادات العالم، من النفط، قد مرت عبر مضيق هرمز،خلال العام 1978، وحده، وذلك على الرغم من أن خطوط أنابيب النفط، القائمة، آنذاك، لم تكن على نفس الدرجة من الأهمية[26]، كما هي عليه اليوم.
وفى هذا الإطار، لعبت الوفرة المالية السعودية دوراً متعاظماً في البروز السعودي داخل مجلس التعاون الخليجي، مقارنة بأعضائه الآخرين، فعلى الرغم من إقرار النظام الأساسي للمجلس نظاماً توازنياً بين دوله، عبر تمتع كل عضو بالتصويت المتساوي، في إدارة شئونه، فقد جاءت الإمكانات الطبيعية والبشرية والسياسية المتفاوتة للدول الأعضاء لتعطى للدولة السعودية وضعية " الدولة القاعدة "، على نحو ما يتبدى في العديد من مقومات هذه الدولة، فعلى الصعيد المادي : تتجاوز مساحة السعودية مساحة دول المجلس بنسبة 87 بالمئة، وبأكثر من 77 بالمئة من إجمالي عدد سكان هذه الدول، وذلك بحسب مؤشرات حديثة، نسبياً، والتي أفصحت – كذلك – عن ارتفاع الناتج المحلى الإجمالي السعودي بنسبة 53.3 بالمئة من إجمالي الناتج القومي لدول المجلس، فيما فاقت الإيرادات النفطية السعودية ما نسبته 48 بالمئة،من إجمالي الإيرادات النفطية لهذه الدول، ناهيك عن بلوغ الاحتياطي النفطي السعودي المؤكد ما نسبته 55.6 بالمئة من إجمالي الاحتياطي المؤكد، في دول المجلس[27].
وعلى الصعيد العسكري : تُظهر القوات السعودية تفوقاً واضحاً على نظيراتها، من دول المجلس، إذ بلغت قواتها النظامية، عشية حرب الخليج، ما نسبته 39.7 بالمئة من إجمالي القوات العسكرية لدول المجلس، كما تملك السعودية ما نسبته 48.8 بالمئة من إجمالي الدبابات العاملة لدى جيوش هذه الدول، ونحو 55.8 بالمئة من إجمالي المدافع، ونصف إجمالي الطائرات المقاتلة، ونسبة 22.5 بالمئة من إجمالي الطائرات المروحية[28].
وقد لعبت العوامل الدينية والتاريخية – عبر الولاية السعودية على (الحرمين الشريفين) – دوراً جوهرياً، آخر في تعزيز مقومات القوة السعودية، وترسيخ الزعامة السعودية لدول المجلس، بيد أن مقومات هذه الزعامة ظلت غير فاعلة في تجسيد سلوك سياسي، يوحد أولويات دول المجلس، ويوفر الحماية لها، وينهى نزاعاتها الثنائية، ما قصر الزعامة السعودية على تنمية الشعور بالأخطار الخارجية والداخلية، الحقيقية أو المزعومة بين هذه الدول، دون أن تكون قادرة، أو مستعدة، لدفع الاستحقاقات اللازمة لذلك، وهو ما عبر عنه – بجلاء – النموذج الكويتي، حين التزمت القيادة السعودية الصمت، خلال اليوم الأول، من اجتياح الجيش العراقي للكويت، فجر الثاني من أغسطس 1990، فيما اضطرت لجنة تسوية المنازعات، التابعة لمجلس التعاون، لتحويل ملفاتها إلى محكمة العدل الدولية، بعد فشل مساعيها، منذ تشكيلها، قبل ثمانية أعوام (!)، وهو ما حمل الكويت، فيما بعد، لطلب الحماية الأمريكية، من دون اللجوء إلى مجلس التعاون وزعامته السعودية المُدعاة، وهو ما قد يعكس بعضاً من ملامح المشهد الإقليمي القادم، في منطقة الخليج، بما ينطوي عليه من تعويم محتمل للبيئة الإستراتيجية في هذه المنطقة، فتندفع مختلف الأطراف الخليجية المتنازعة مع السعودية، أو مع بعضها البعض، باتجاه جديد، في منازعاتها، ضمن علاقة محض طردية بين مستوى التعويم الاستراتيجي، ومستوى التشدد الإقليمي[29]، في ظل الوجود الأمريكي الكثيف والمتنامي في العراق، وفى قواعده الخليجية العملاقة. |