|
2 – التقاطع السعودي الأمريكي في الخليج :
نظر الفكر الاستراتيجي الأمريكي إلى الخليج، بوصفه أحد الأجنحة الجنوبية للحزام الشمالي، أقامه " المعسكر الغربي "، لتطويق الاتحاد السوفيتي، إبان " الحرب الباردة "، ما جعل من البعد الأمني للخليج – بنظر هذا المعسكر – يفوق أبعاده الاقتصادية والتجارية، ولاسيما البعد النفطي منها، وذلك حتى نشوب " أزمة الطاقة "، عقب الحظر النفطي العربي، تجاه البلدان الغربية، المؤيدة لإسرائيل، خلال الحرب العربية معها، في أكتوبر، من العام 1973.
إذ رأى باحث غربي، هو روبرت تاكر، أن القضية الأساسية، فئ العلاقة الغربية بدول الخليج، لم تكن – قبيل أزمة الطاقة – في احتفاظ البلدان الغربية بحصصها النفطية من الخليج – بغض النظر عمن يحكم الأخيرة – بل في محاولة كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي استعمال الموقع الاستراتيجي للخليج، ضمن سعيهما لتحسين مواقعهما تجاه الآخر، بما يعنى أن النفط الخليجي لم يعد " خارج هيمنة القوى العظمى تماماً، كما لم تستطع أوربا سنة 1945 البقاء خارج إطار المظلة الأمريكية أو السوفيتية "، ما حدا بباحثة أخرى، هي غيل ماير، للقول إن صراع الشرق – الغرب شكل بعداً أساسياً في التكوين السياسي لهذه المنطقة[30].
إلا أن البعد الملاحي للخليج ظل هو الأساس لموقعه الاستراتيجي والجيوسياسى، حيث تتعدى أهمية (مضيق هرمز) أهمية أي مضيق بحري أخرى، بوصفه " نقطة الاختناق "، الذي يملى على الولايات المتحدة كثيراً من التحديات حيث الممرات سهلة التلغيم والإعاقة، ما يجعل من إغراق بضع ناقلات عملاقة فيها " إيقاف نقل النفط من الخليج لفترة طويلة "[31].
ولهذا، قلبت " الصدمة النفطية "، في العام 1974، أولويات النظرة الإستراتيجية الأمريكية للخليج، من كونه جزءاً من عمليات الحصار المفروض على الاتحاد السوفيتي، إلى كونه خزان عملاق للنفط، بوصفه المصدر الحيوي للقوة الإستراتيجية، وعلى أساس تدفق أضخم كمية منه، وأقل سعر له، مع إعادة تدوير عوائد النفط الخليجية (البترودولار) إلى واردات من السلع والخدمات الأمريكية، وإلى استثمارات في ممتلكات ومؤسسات مالية أمريكية، بما يجعل من إعادة ضخ العوائد البترولية، على هذا النحو، حماية للقيمة النسبية للدولار، والحد من التضخم، والحفاظ على دورة عمل العملة الأمريكية، في احتياطات النقد الدولي ؛ إذ جاء في دراسة، نشرها الكونجرس الأمريكي، في العام 1980 أن نقصاً مقداره تسعة ملايين برميل يومياً من صادرات نفط الخليج (أي ما يعادل خسارة الإنتاج السعودي تقريباً)، لسنة واحدة – على افتراض أن مصادر التصدير الأخرى ستبقى مستمرة – سيسبب نقصاً في الناتج القومي الأمريكي، بمعدل سبعة بالمئة، وبنحو تسعة بالمئة لدول أوربا الغربية، وعشرة بالمئة بالنسبة لليابان، بينما يؤدى التوقف التام للصادرات النفطية الخليجية (ثمانية عشر مليون برميل يومياً)، لمدة عام كامل، إلى خسائر تقدر بثمانية عشر بالمئة لأمريكا، وثلاثة وعشرين بالمئة لغرب أوروبا، وسبعة وعشرين بالمئة باليابان، وهى – بالطبع – نسب مخيفة، وهو ما حمل العديد من الخبراء الأمريكيين على المراهنة على الدور السعودي، بوصفه المالك لمفاتيح الإنتاج، من حيث تحديد سقفه، رفعاً أو خفضاً، في منظمة الأوبك، وهو ما يعنى تحكم السعودية بالمستقبل النفطي للعالم، بحسب ما أكد وليام كوانت في كتابه : " السياسة الخارجية للسعودية في الثمانينيات "، إلا أن ذلك لم يمنع أحد الخبراء، وهو إيان سمارت، من وصف البلدان الخليجية النفطية بالاضطراب الاجتماعي، ما يعرض – برأيه- السلام العالمي للكثير من المخاطر، نظراً لاعتماد الاقتصادات العالمية على النفط الخليجي، ما دعا خبيرة أمريكية، هي كلوديا رايت، لتعديد التهديدات المحتملة على الولايات المتحدة، مثل : الحظر التام أو الجزئي على شحنات النفط، سحب منتجي النفط للأموال المستثمرة في المؤسسات الأمريكية، الاستغناء عن اعتماد الدولار في التسويات السعرية للنفط، وهو ما يتطلب إجراءات أمريكية – برأى رايت – تجاه الأنظمة المعادية للولايات المتحدة، في هذه المنطقة، تشمل معارضتها وعزلها وتقسيمها، إلى أن يطاح بها، في نهاية المطاف، مع القضاء على كل جماعة ثورية، في المهد، تدعم التهديدات المحتملة للولايات المتحدة، وهو ما سعت إليه، فعلياً، مؤخراً، ضد حزب الله وحركة حماس، بينما تواصل سياسات العزل تجاه سوريا وإيران، والتكريس لتقسيم العراق، بعد الإطاحة بنظامه.
وعلى نحو آخر يشير أحد الباحثين إلى الإدراك الأمريكي المتزايد، في بعض أوساط النخبة الإستراتيجية الأمريكية، لوجود نوع من الربط بين استقرار الخليج، وحل قضية الصراع العربي - الإسرائيلي، وإن تبلور إدراك معاكس، لدى أوساط الاتجاه المحافظ الجديد، الذي يرى أن النزاع العربي – الإسرائيلي ليس له أية انعكاسات على المنطقة الخليجية[32].
وعلى أية حال، فقد طرح مبدأ " الاحتواء المزدوج " للعراق وإيران – الذي أقره الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، في العام 1993 – ضرورة وجود أمريكي عسكري مستمر في الخليج، بحيث يكون هذا الوجود خط الدفاع الأول عن حلفاء واشنطن ومصالحها فيه، حيث يؤكد أحد الخبراء الأمريكيين – وهو جون بى – أن القوات الأمريكية إذا ما أصبحت العنصر الحاسم في " ضمان أمن الخليج "، فإن ذلك يتطلب حضوراً عسكرياً دائماً، بحجم كاف ومرئي، وأكثر من أي وقت مضى، ما حمل واشنطن، منذ حرب الخليج الثانية، في العام 1991، على تعزيز حضورها العسكري الكمي والنوعي في الخليج، على نحو ما تجسد في السنوات التالية على هذه الحرب، أكان ذلك عبر تطوير القواعد والمرافق العسكرية الثابتة والمتنقلة، أم بزيادة أعداد العاملين فيها، وعقد الاتفاقات الأمنية والدفاعية الإستراتيجية الطابع، مع دول الخليج، وزيادة تدفق السلاح الأمريكي، في هيئة صفقات عملاقة، والتي كانت قد بلغت نحو 72 بليون دولار، في العام 1990، وحده، فيما أشارت معلومات المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، في لندن، إلى أن الأراضي السعودية شهدت، منذ العام 1993، مترابطة وحدات من القوات الجوية الأمريكية، جرى تغييرها دورياً، حيث تشير المراجع العسكرية إلى أن الاتفاقات العسكرية المبرمة بين واشنطن ودول الخليج، تضمنت بنوداً نصت على تخزين معدات عسكرية ثقيلة كافية لتسليح كتيبة أمريكية في كل دولة، كحالة الكويت وقطر، والاتفاق المبدئي مع الإمارات.
وبهذا، صارت القيادة السعودية في الخليج مجرد هامش صغير على متن القيادة الأمريكية، لاسيما بعد أن استجابت الأخيرة للاعتراضات الإسرائيلية بتفريغ أي طابع هجومي في صفقات الأسلحة الأمريكية مع الحكومة السعودية، منذ صفقة طائرات (الأواكس)، في العام 1980، التي جاءت مصممة على أسس دفاعية محضة، بعد منع تزويدها بالمراصدات الذكية للإشارات، أو إمكانية (signit)، المزودة بها الطائرات الإسرائيلية، العاملة من طراز (أي. سى. 2 هوك آى)، ناهيك عن افتقار (الأواكس) السعودية إلى المعلومات الصوتية واللمسية المتقدمة، واللازمة لمنع الاستخدام الإسرائيلي للإجراءات الالكترونية المضادة، بينما تعهدت السعودية بعدم وضع الطائرات الأمريكية، من طراز (إف – 15) – التي تعاقدت عليها عام 1992 – في أي من قواعدها العاملة، في تبوك وحفر الباطن، ما يعنى – عملياً – عدم تأهلها لنقل عتاد إسناد هذه الطائرات، أو الانتظار شهراً على الأقل – في حالة نقض التعهد السعودي – وهو ما يستحيل، من دون المخاطرة بمواجهة ضربة وقائية[33].
إلا أن ذلك لم يحل دون أن تقدم السعودية على أول اعتراف خليجي بإسرائيل، بحسب ما أدلى به الملك الراحل (خالد) من تصريحات علنية، في مارس / آذار، من العام 1978، قال فيها إنه يعترف بإسرائيل، مقابل انسحابها من الأراضي التي احتلتها عام 1967، وإقرارها لحقوق الشعب الفلسطيني، تبعه ولى عهده (فهد) بتصريح مماثل، في العام 1980، مشيراً إلى أن بلاده مستعدة لإقناع العرب بالتعاون من أجل تسوية سلمية كاملة، تلاه إعلان فهد، في العام 1981، عما سمى مبادرة سلمية لحل النزاع العربي – الإسرائيلي، حيث نص البند السابع منها على " تأكيد حق دول المنطقة في العيش بسلام "[34].
وعلى الرغم من إجهاض إسرائيل لمداولات " مؤتمر مدريد للسلام "، في العام 1992، فإن الجانب السعودي امتثل للمطالب الأمريكية برفع المقاطعة عن إسرائيل، من الدرجتين الثانية والثالثة، في الوقت الذي شهد فيه العام 1994 زيارة وفد مشترك من المجلس اليهودي الأمريكي، واللجنة اليهودية الأمريكية، إلى السعودية، تلتها زيارة أخرى لوفد " رابطة مناهضة تشويه السمعة " اليهودية، في العام 1995، حيث أعلن رئيسها (إبراهام فوكسمان) بعيد انتقال الوفد من السعودية إلى إسرائيل، أن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل حمله برقية تعزية إلى أرملة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، وهى خطوات لاقت غطاء ديني، من قبل، حيث أجاز المفتى العام للسعودية (ابن باز)، في العام 1994، إقامة سلام دائم أو مؤقت مع إسرائيل، معتبراً ذلك اتفاقاً مع الإسلام والسنة، بدعوى أنه " تجوز الهدنة مع الأعداء مطلقة ومؤقتة، إذا رأى ولى الأمر المصلحة في ذلك، لاسيما وأن " الحاجة والمصلحة الإسلامية قد تدعو إلى الهدنة المطلقة ثم قطعها عند زوال الحاجة "[35]، وهو ما بدا تسويغاً إسلامياً سعودياً للركض الخليجي تجاه إسرائيل، كما تجلى في شرع عُمان وقطر أبوابها المسئولين الصهاينة، ما حدا بأحد الباحثين للقول إن النزاع القطري الحدودي مع السعودية بات يمثل العنصر الأكثر حضوراً، في العوامل الإقليمية الدافعة باتجاه التطبيع بين الدوحة وتل أبيب، كإحدى مفارقات السياسة السعودية في الخليج.
________________________________________
* خبير في مركز يافا للدراسات والأبحاث.
[1] انظر، جورج فضلو حورانى : العرب والملاحة في العصور القديمة وأوائل العصور الوسطى، ترجمة : يعقوب بكر، مكتبة الأنجلو، القاهرة 1958، ص309.
[2] المرجع نفسه، ص 44.
[3] انظر، عبد الجليل زيد مرهون : أمن الخليج بعد الحرب الباردة، دار النهار، بيروت 1997، ط1، ص 30.
[4] نفسه، الصفحة نفسها.
[5] راسم رشدى : كويت وكويتيون، دراسات في ماضي الكويت وحاضرها، مطبعة الرهبانية اللبنانية، بيروت 1995، ص10.
[6] انظر، قدرى قلعجى : الخليج العربي، دار الكتاب العربي، بيروت 1965، ص7.
[7] المصدر نفسه.
[8] انظر، روح الله رمضانى : مضيق هرمز، ترجمة : حسين موسى، الحقيقة برس، بيروت 1988، ص 39.
[9] المصدر نفسه.
[10] مرهون، مرجع سبق ذكره، ص ص 33، 34.
[11] انظر، دراسة محجوب عمر : أمن الخليج وارتباطه بالأمن القومي العربي في ضوء النزاع العربي - الإسرائيلي، مجلة المستقبل العربي، بيروت، ع 30 أغسطس 1988، ص25.
[12] المصدر نفسه.
[13] مرهون، مرجع سابق، ص53.
[14] المصدر نفسه، ص 56.
[15] المصدر نفسه، ص 73.
[16] المصدر نفسه، ص 14.
[17] المصدر نفسه، ص ص 14، 15.
[18] المصدر نفسه، ص ص 15، 16.
[19] المصدر نفسه، ص ص 137، 140.
[20] انظر، فى ذلك، أمين الريحانى : ملوك العرب أو رحلة البلاد العربية، دار الريحانى، بيروت 1924،ج2، ص ص 67، 71، وكذلك صلاح العقاد : المشرق العربى المعاصر، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1983، ط2، ص ص 486، 487.
[21] لمزيد من التفصيل، انظر، حسين البحارنة : دول الخليج العربى الحديثة، علاقاتها الدولية وتطور الأوضاع السياسية والقانونية والدستورية فيها، مكتبة لبنان، بيروت 1973.
[22] انظر، مرهون، مرجع سابق، ص 142، وكذا ص ص 390، 391،من هوامش الفصل الرابع.
[23] انظر، عبد الله الأشعل : قضية الحدود في الخليج العربي، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة 1978، ص ص 43، 44، وانظر، كذلك، إدريس الضحاك : قانون البحار وتطبيقاته في الدول العربية، 1987، ص311، وما بعدها.
[24] مرهون، مرجع سابق، ص 56.
[25] المصدر نفسه، ص 57.
[26] المصدر نفسه، ص 58.
[27]انظر، جامعة الدول العربية، الأمانة العامة (وآخرون) : التقرير الاقتصادي العربي الموحد، 1990.
[28] مرهون، مرجع سابق، ص ص130، 131.
[29] المصدر نفسه، ص 153.
[30] مرهون، مرجع سابق، ص ص 345، 346.
[31] المصدر نفسه، ص346.
[32] المصدر نفسه، ص 352.
[33] المصدر نفسه، ص 266.
[34] انظر برقية وكالة الأنباء السعودية، في هذا الشأن، في 7/8/1981.
[35] انظر طبعات الصحف السعودية في 22 ديسمبر 1994.
|