الأدوار السعودية في الخليج بين المطامع النفطية والتحالفات الأمريكية

   بقلم / فكرى عبد المطلب (*)*
  مدخل : إلى فهم الخليج وبيئته الجيوسياسية

 

         على الرغم من كونه اصطلاحاً شاملاً يستعمله العرب والأوربيون والأمريكيون والاسيويون، للإشارة إلى هذا الجزء من العالم ؛ فإن كلمة (الخليج) تظل كثيرة الاستعمال، في سياق الإشارة إلى كيان سياسي، أو إلى وجهة نظر تثير الجدل بشأنه.
إذ تعنى، لدى البحار أني، ذلك البحر المحاط باليابسة، والممتد من مضيق هرمز إلى مدخل شط العرب، بينما تعنى لدى الإيراني تلك المنطقة الممتدة من المدينة الإيرانية (عبدان) إلى نظيرتها المسماة (بندر عباس)، في حين تراها العرب تسمية دالة على مجموعة الإمارات، أو الدول المتتابعة، من الكويت إلى رأس الخيمة، ولكن حين تلوكها الألسنة الأوربية والأمريكية فإنها تشير إلى تلك المضخة التي تمد العالم الغربي بمعظم مصادر الطاقة البترولية.
كما اقترن التباين بين هذه الجماعات أو تلك بتباين آخر، حول صفة هذا الخليج، فهو "العربي" لدى البعض، و" الفارسي " لدى الآخر، حيث شاعت التسمية الأخيرة في الكتابات الغربية، ناهيك عن الإيرانية، إلى حد أن آخر ملوك إيران (محمد رضا بهلوى)، أمر بفصل رئيس تحرير جريدة محلية – كانت تصدر بالإنجليزية – لنشرها تقريراً لإحدى الوكالات الإخبارية، يتضمن تسمية (الخليج العربي)، وهو ذات المصير الذي لقيه صحفي سعودي، حينما استعمل مصطلح (الخليج الفارسي)، في صحيفته (!).
وعزت بعض المصادر هذا التباين، في التسمية، إلى مصادفات تاريخية محضة، حيث أطلق القائد الإغريقي القديم (الإسكندر) وصف " الفارسي " على هذا الخليج، استناداً إلى نتائج الرحلة البحرية، لموفده (نياركوس)، في المحيط الهندي، عام 326 ق.م، والذي لم يتعرف، خلالها، إلا على الساحل الشرقي للخليج، بينما ظل الساحل الغربي، بعربه، مجهولاً لديه[1] ، وعلى الرغم مما ذهب إليه المؤرخ الرومانى (بلينى) (62م – 113م) من تسمية الخليج بـ " العربي "، عند وصفه لمدينة (خاراكس)[2]، فإن ذلك لم يحل دون شيوع التسمية اليونانية، لا الرومانية، لهذا الخليج في الكتابات الغربية (!)، وذلك في الوقت الذي ذاع فيه اسمه، لدى الدولة العثمانية، طويلاً، باسم " خليج البصرة "[3]، نسبة إلى المدينة العراقية الشهيرة، المطلة على ساحله، ناهيك عن التسميات الأخرى،مثل "خليج القطيف"[4]، التي أطلقها عليه بعض من أبناء شبه جزيرة العرب، من أبناء الإحساء.
ولكن، اللافت أن التسمية العثمانية لهذا الخليج قد اقترنت بأبعاد تاريخية أيضاً، وليس لكون مدينة البصرة هي أكبر وأشهر المدن المطلة على ذلك الخليج، فحسب، إذ تشير الدراسات الجيولوجية إلى تأثر الخليج بنهرى دجلة والفرات، حيث تشكل (شط العرب) من التقاء النهرين، الذي يجرف – أي الشط – طميه إلى مياه الخليج، ما أفضى إلى تقدم اليابسة، بمعدلات ملحوظة، نسبياً، في حين ذهبت دراسات أخرى إلى أن مياه الخليج كانت تمتد إلى ما وراء العاصمة العراقية، بغداد، بمسافة لا تزيد عن أربعين ميلاً، وذلك حتى أربعمائة سنة قبل ميلاد السيد المسيح[5]، فيما توصل بعض الباحثين إلى نتائج تقول إن نهرى دجلة والفرات ظلا يصبان مياههما بالخليج، وفى موقع أبعد إلى الشمال، من الشاطئ الحالي، ما شكل أرضاً ملأى بالمستنقعات والجزر، بفعل الطمي المتراكم في الجزء الأعلى من الخليج، وذلك على غرار ما حصل في مصر، حيث تشكلت الدلتا، بفعل طمي النيل، وهى المناطق التي تصلبت يابستها، مع تقدم السنين[6]، وهو ما يعنى – برأي الدارسين – أن جغرافية الخليج قد تراجعت بنحو مائتين وثلاثين ميلاً، ما بين سنة 400 ق.م وبين زمن السومريين[7]، وهو ما يخالف وضعه الحالي، حيث يمتد من مدخله، بخليج عُمان – عبر مضيق هرمز – وحتى شط العرب، بنحو خمسمائة ميل، فيما يبلغ أقصى عرض له، جنوباً، مائتي ميل، في حين يتراوح أقصى عمق له ما بين أربعين وخمسين قامة، بينما يصل عمقه، قرب جزيرة سندام (من ناحية خليج عُمان) إلى حوالي ثمانين قامة[8]، وهو ما يشكل وضعاً فريداً لحركة الغواصات الحربية، في مياه الخليج.
إلا إن الملوحة المرتفعة لهذه المياه، بجانب الحرارة المرتفعة لأجواء الخليج تتيحان لأجهزة الاستماع، التابعة للسفن العابرة التقاط أصوات وإشارات الغواصات، المزودة بمحركات نووية[9]، بيد أن ضيق الخليج – ولاسيما عند مضيق هرمز، فضلاً عن الجزر والجروف المغلقة، أمام الملاحة – تجعل حركة ناقلات النفط متعثرة الحركة، وأهدافاً سهلة، أمام أي هجوم عسكري[10].
وعلى جانب آخر، فإن سواحل الدول، المطلة على الخليج، تتفاوت، في مساحتها، حيث تملك إيران أطولها (635 ميلاً بحرياً)، والعراق أقصرها (10 أميال بحرية)، ولهذا، تعتبر الجغرافيا السياسية للخليج أكثر اتساعاً من طوبغرافيته المعهودة، ناهيك عن اشتماله – أي الخليج – على عدد من الوحدات السياسية، التي لا تمتلك أي سواحل عليه، فبوصفه الممر البحري التجاري، الأكثر حيوية، والموقع الجغرافي، الذي تتجمع فيه مصادر النفط، صارت النظرة إليه أكثر شمولاً، من ذي قبل، ليمثل كياناً يضم اليمن وباب المندب، وحتى قناة السويس، وتركيا وأفغانستان وباكستان والهند، والمحيط الهندي، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من هذا الخليج، ما حدا ببعض الباحثين للجزم بصعوبة بلوغ أي تقدير سياسي للدول المتصلة بالخليج، إلا عبر بحث العوامل الفاعلة[11]، فيما بينها، ضمن الدائرة الخليجية، التي ظلت كذلك جزءاً من الصراع الدولي، الذي حكم العالم، إبان الحرب الباردة، إلى حد القول بأن الحدود الجيوسياسية للخليج قد تمتد لتصل،أو لتتصل بحدود منظمة حلف شمال الأطلسي [12].
فبالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي للخليج، ككل، فإن مضيقه الشهير (هرمز) يُعد في العالم، الأكثر أهمية للولايات المتحدة من بين أحد عشر مضيقاً، على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وإن اعتبره بعض الباحثين أهمها، جميعاً، لارتباطه بمصالح اقتصادية دولية، بالغة الحيوية، في ظل مرور البضائع والخدمات والموارد والمواد التكنولوجية، وشحنات النفط[13]، عبر هذا المضيق.
ومن بين الدول الخليجية الثماني، تمتلك إيران والسعودية ودولة الإمارات وقطر حقولاً نفطية بحرية، والتي كانت قد توزعت، في العام 1975 بينهم وحصلت السعودية على نصيب الأسد منها، ومن بينها حقل (سفانية الحفجى)[14].
ومع ذلك، فإن المكانة التي حظي بها النفط الخليجي، ثروة وموقعاً، أفضت باقتصادات دوله إلى حالة ريعية، تتصف بدرجة عالية، نسبياً، من الانكشاف الاقتصادي، فغدت عملية التنمية فيها شاقة وعسيرة، إلى حد الخلط الواقع بين ما هو نمو ظاهر وما هو تنمية حقيقية، فوهنت التنمية في تلك الإمارات والممالك المستحدثة، في ظل نزعة متزايدة، من جانب حكامها، نحو تكديس السلاح، وتعظيم الإنفاق العسكرى والأمنى، بأصنافه المختلفة، الذي لم يولد – في الحقيقة – شعوراً بالأمن، بقدر ما أسهم في تفاقم الصعوبات الناجمة عن الصدمة النفطية المضادة، في عقدي الثمانينيات والتسعينيات، فتحولت معظم تلك البلدان من دول ذات فوائض مالية كبيرة إلى دولة مدينة(!)[15].
واللافت أن العلاقة بين أمن الخليج وبين مقولات الوحدة والتجزئة تتبدى في ذلك الصراع المستديم، وغير المتكافئ، بين خيارات الوحدة، وخيارات التجزئة، ذلك أنه بقدر ما يفقد فيه الكيان الخليجي (دول مجلس التعاون) تماسكه، تتلاشى – بالضرورة – فرص إنجاز أمنه القومي[16]، على حد تعبير أحد الباحثين، الذي رأى قيام مجلس التعاون الخليجي كآخر محاولات التجميع الاقتصادي والسياسي، في المنطقة العربية، بيد أن قدرة هذا المجلس على إنجاز مهامه وتطلعاته ظلت دونها تحديات عديدة، ومن ذلك واقعية وجدارة المداخل الوحدوية، والقدرة على تجاوز الموروثات السالبة، والحد من تطرف الحس السيادي، وتقريب التوجهات الإقليمية والدولية، وكلها عوامل أساسية، يرى خبراء، أنه لابد من التمسك بها، من جانب دول المجلس، كي يقِّدر لكيانهم ديمومة النجاح، لاسيما وأن معطيات البيئة الخارجية لم تعد، اليوم، معطيات دافعة باتجاه الخيار الوحدوي، على مستوى الإقليم، وعلى المستوى الخليجي، فهناك ما يسميه البعض عملية " تعويم إقليمي "، لن تكون دول الخليج بمنأى عنها، حيث يُراد للبيئة الخليجية أن ترتبط، منظومياً، ببيئة إقليمية أوسع، هي البيئة الشرق – أوسطية، في إطارها الجديد، وإن رأى آخرون أن ذلك قد يزيد الحاجة لتنويع أهداف وآليات العمل الوحدوي، الذي لا يزال يمثل – لدى هذا الفريق أو ذاك – معضلة أساسية، تتفرع عنها معضلات فرعية، كمعضلة تفجر الحس السيادي، المعبر عنها بنزاعات الحدود، التي يُنظر إليها كأشد المعضلات حدة، في انعكاساتها السالبة على فرص إنجاز ما يسمى الأمن الخليجي، قطرياً وإقليمياً، وذلك في ضوء توافر عوامل عدة، تعمل على تغذية نشاط هذه المعضلة، منها ما هو تقليدي موروث، كالتدخلات القبلية، وما هو استراتيجي وجيوسياسى لاحق، كرغبة القوى الدولية في الوصول إلى حقول النفط والغاز والمنافذ البحرية، وبالنتيجة، فقد دفعت معضلة الحدود بين الدول الخليجية باتجاه نشوب توترات ثنائية، كامنة أو معلنة، قادت أحياناً، إلى قيام محاور وتكتلات داخلية، في المنطقة، كما قادت في ظروف أخرى، إلى تدخلات خارجية بحيث اتحدت النتائج الثلاث[17]، في حالات معينة لتسبب انفجارات عسكرية كبرى، على غرار ما حصل في حربي الخليج الأولى والثانية.
وفى هذا الإطار، فقد تأثر المناخ المحلى للبيئة الخليجية بمثلث تقليدي للقوى، شبه سلبي وشبه متوازن، تغلب عليه التفاعلات الصراعية، وذي موازيين غير متكافئة تماماً، وذلك إلى ما قبل الغزو الأمريكي للعراق، في مارس 2003، وهو المثلث الذي مثلته إيران، والعراق، والسعودية، والتي استندت إجمالاً إلى ثرواتها النفطية المتعاظمة، وإن تباينت مرتكزات كل منها، فارتكزت إيران على مقومات التفوق الديموجرافى (السكاني) والأمني، وارتكز العراق على البعد الأيديولوجي، القائل بأنه الحارس القومي للجناح الشرقي للوطن العربي، بينما ارتكزت السعودية على مقومات الوفرة المالية، المتقدمة نسبياً، قياساً إلى عدد سكانها، بجانب مقوم جيوساسى قل نظيره، يتمثل في كونها البلد الوحيد، الذي يمتلك حدوداً مشتركة، برية أو بحرية، مع كل الوحدات السياسية، في النظامين الإقليمي الخليجي، وشبه الجزيرة، ناهيك عن مقوم معنوي، لا مثيل له، هو ولايتها المطلقة على (الحرمين الشريفين)، في مكة والمدينة، ومن ثم تنافست كل من الأطراف الثلاثة على الخليج، بوصفه ساحة النفوذ الأولى، وبوصف دوله الصغيرة مجالاً للتقاطب الكثيف والمتنامي[18]، وهو ما أفضى، في سني التسعينيات، من القرن المنصرم، إلى تزايد في الشقة بين الرياض وطهران، ولكن دون أن يندفع السعوديون – هذه المرة – للمناداة بعودة بغداد، ما أدى إلى سعى الولايات المتحدة لملء الفراغ الاستراتيجي في الخليج، عبر غزوها للعراق، بعد أن استحالت إمكانية العودة إلى التوازن السلبي، بين أطراف المثلث، المشار إليه أعلاه، والذي لم يهب للخليج أمنه المرتقب.
وبذلك، حلت القوة الأمريكية محل القوة العراقية بجانب القوتين الإيرانية والسعودية، والتي تتداخل بينها عوامل الصراع والتحالف والتفاهم، حيث أمريكا في مواجهة كلية أو جزئية مع إيران، تارة، وفى تفاهمات أخرى تارة، بينما تجد إيران، نفسها، داخل لعبة أخرى من توازنات القوى، سيما في ظل التحالف الأمريكي – السعودي القديم / الجديد، وهو وضع قد يمنح السعودية وضعية جديدة لنفوذها الخليجي، تحت المظلة الأمريكية، التي باشرتها إدارة بوش الابن، عسكرياً وأمنياً وسياسياً واقتصادياً، منذ غزو قواتها للعراق.
واستناداً إلى ذلك، فإن مدار هذا البحث سيرتكز في قسمه الأول : على رصد وتحليل الأدوار والمطامع السعودية، خليجياً، وفى قسمه الثاني : على مقاربة لموقع الخليج في الفكر الاستراتيجي الأمريكي، والتقاطعات السعودية معه.
1 – المطامع والمنازعات السعودية حول النفط والأرض :
لم تكن السيادة الإقليمية، بمفهومها الغربي، معروفة، أو مسموعاً بها، في مجتمعات الخليج والجزيرة العربية، حتى وقت قريب، نسبياً، حيث ارتبط مفهوم الولاء، في هذه المجتمعات، بالزعيم، تارة، وبالقبيلة، تارة أخرى، إلا أنه لم يكن مرتبطاً بالأرض، في أي وقت من الأوقات، بيد أن العام 1922 جاء ليؤسس لعهد جديد لمفهوم السيادة وممارستها، في تلك المجتمعات، وذلك عبر " اتفاقية العقير "، التي أدخت فكرة ترسيم الحدود، على الأرض، وربطه بمفهوم السيادة الوطنية بين إمارات لم تكن سوى أقاليم، أو مدن صغيرة، ولا تفصلها عن بعضها أية اعتبارات جغرافية أو إثنية[19]، في دولة الخلافة العثمانية.

يتتبع