لذلك استنبط عبد العزيز مصطلح (الهجر) بغية تشتيت القبائل وترحيلها عن مناطق سكنها ونفوذها، بواسطة تهجيرها، والانتقال من منطقة إلى أخرى والاشتغال بالزراعة والفلاحة بهدف تفتيت القبائل وإبعادها عن بعضها وخلطها في حواضر قبائل أخرى لتذوب ويتشتت شملها، وكان ذلك في العام 1915 م، وبعد معركة جراب سنة، 1914م. وهي المعركة التي أبرزت حركة الإخوان وفتحت عيون ابن سعود على تفانيهم وتعاظم قوتهم. وأصدر نداءه للقبائل عام 1916م وكان ذلك في سبيل احتواء هذه الحركة وإخضاعها لمطامحه السياسية بعد زجها في الهجر تفاديا لقوتها العسكرية المخيفة. ويقول عسال(أقام عبد العزيز في حياته ما ينوف عن مائة واثنتين وعشرين " هجرة " وكانت كل هجرة منها لفخذ من قبيلة وكان سكان هذه " الهجر" يدعون الإخوان ويميزون أنفسهم بعصابة يلفونها على رؤوسهم بدل العقال التقليدي). وغلوا في الدين غلوا كبيرا لذا قال عنهم أمين الريحاني بما نصه: "وهم في غلوهم يعتقدون إن من كان خارجاً عن مذهبهم ليس بمسلم فيشيرون إلى ذلك في سلامهم بعضهم على البعض.. السلام عليكم يالاخوان حيا الله المسلمين. وإذا سلم عليهم سني وشيعي فلا يردون السلام ".
وفكر ابن سعود بالاستفادة من تلك القوة الكبيرة، والغلو المخيف في نشر إيديولوجيته الجديدة الممثلة في مفهوم (الفتح)، وتوسيع رقعة حكمة والهيمنة على مجمل الجزيرة العربية بواسطة جيش الإخوان. وقد ساهمت التعبئة المذهبية في أوساط الإخوان بشكل كبير في جرهم لخوض حروب شرسة وارتكاب مجازر دموية في سبيل تحقيق مقاصد ابن سعود وفي توسيع رقعة سيطرته وقد كانت المعارك تزداد والقتلى بدون عدد ً كلما توسعت سيادة ابن سعود، فقد كان إشباع شهوة الغزو والقتل مشتعلاً بالهوس الديني الظاهر في شعاراتهم مثل " أنا خيال التوحيد اخو من طاع الله.."و " هبت هبوب الجنة وين أنت يا با غيها.." ومقولة متطرفة مثل " من عادى آل سعود يعادي الله، فخذ عدو الله لعهد الله واغدر به ". كل ذلك قوى من شوكة الإخوان وشجعهم على التمادي في اقتراف الجرائم العديدة في حروبهم المتواصلة داخل الجزيرة العربية، وقد دخل الإخوان إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة كفاتحين وإنهم جاءوا لتطهير المدينتين من البدع فأزالوا المعالم التاريخية وحطموا الآثار الدينية وهجموا على المسجد النبوي وقد جاء في تقرير القنصلية الأمريكية في عدن بتاريخ 17/8/1926م (أن ابن سعود أطلق النار على قبر النبي).
وعاد الطفل عبد العزيز الذي خرج مع عائلته هاربا للكويت العام 1890 م ملكا على الجزيرة العربية عوضا عن المشيخة الصغيرة التي كان يحكمها أسلافه في الدرعية في نجد. وتحولت مشيخة القرية الصغيرة إلى دولة اسمها (المملكة العربية السعودية).

إحياء الحركة الوهابية لإسناد النظام القبلي العائلي:
لم يعرف عبد العزيز بن سعود أي نوع من إدارة الدولة على أسسها الإدارية الحديثة، بل كان يديرها وفق عقليته البدوية العشائرية، وحتى عندما استحدث نظام رئاسة الوزراء في أخريات أيام حياته لم يتم العمل به لان ذهنيته هي نتاج مجتمع قبلي طائفي لا تقبل التغيير، ولا تقبل التطور الحديث ولم يكن ليفهم المتغيرات ويقبل آلية الحكم وإدارة الشعوب في الزمن الحديث. وفي آخر أيامه وتحديداً في أكتوبر 1953، أصدر الملك عبد العزيز مرسوماً باستحداث مجلس للوزراء ولكنه لم يشرع بمزاولة أعماله إلا بعد وفاة الملك نفسه حيث توفي الملك عبد العزيز في 9 نوفمبر 1953م، في الطائف، ونقل جثمانه جواً إلى الرياض، حيث دفن وفق التقاليد الوهابية. وفي التاسع من (نوفمبر) 1953م أكد العاهل الجديد سعود تعيين شقيقه فيصل نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية، واحتفظ لنفسه برئاسة الحكومة.
يقول الزركلي (أن عبد العزيز حينما توفي كان عدد الأحياء من أبنائه 43 ولداً وبلغ العدد الإجمالي لأبنائه وأحفاده وحفيداته ـ عدا أبناء بناته ـ 160 فرداً، ويزيد العدد على الثلاثمائة إذا أضفنا ذرية بناته. أما الملك سعود المولود عام 1902م فكان الابن الثاني لعبد العزيز بعد تركي الذي توفي شاباً بسبب إصابته بالأنفلونزا عام 1919. وأم سعود من آل عريعر وهم شيوخ بنو خالد، وقد توفيت عام 1969، أي بعد وفاة ابنها الملك. وكان للملك سعود 40 ولداً وهو عدد مقارب لعدد أخوته، أما غريمه فيصل (المولود عام 1906) فلم يكن له غير ثمانية أولاد بعث خمسة منهم للدراسة في المدارس والجامعات الأمريكية وواحداً إلى أوكسفورد وآخر إلى كلية ساندهيرست العسكرية الملكية البريطانية)، وابرز أبنائه هما سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، وتركي الفيصل مدير المخابرات السعودية السابق والسفير السعودي لدى واشنطن المستقيل قبل فترة قصيرة.
وكانت خطوة عبد العزيز الأولى إحياء الحركة الوهابية التي لفها النسيان لدعم توجهه في تثبيت سلطتة القبلية الطائفية وإعادة التحالف بين آل سعود وآل الشيخ، فكانت حركة الإخوان الذين كانوا السند الحقيقي له في توسيع رقعة سلطته والسيطرة على كل نجد والحجاز وحائل والإحساء باسم الدفاع عن الدين ووفق نظرية (الفتح) وبواسطة جيش قبلي مؤدلج من البدو الرحل وبدون أي تكاليف تذكر مستفيدا من جهل البدو وقوة الروابط البدوية فيما بينهم لنشر فكرة الوهابية باسم تصحيح الدين.
وقد سار ابنه سعود بن عبد العزيز على خطاه عندما تسلم السلطة من بعده، ففي آذار (مارس) 1954م أدلى سعود في أول اجتماع لمجلس الوزراء ببيانه السياسي الأولى بصفته ملكاً، وقد أعلن عن تمسكه بأهداب الدين، وعزمه على مواصلة سياسة والده وأساليب حكمه؛ وقال (إن هدفه الأول هو تثبيت أصول الدين والشرع). وهكذا سار الحكم السعودي في تسلسل السلطة واستلام الحكم من قبل أبناء عبد العزيز فيصل وخالد وفهد وعبد الله الملك الحالي. فالمهم هو تثبيت التحالف السياسي - الديني بين عائلتي آل سعود وآل الشيخ لدعم وجود الدولة القبلية بالفكر الديني الوهابي.

الدور البريطاني في صنع السعودية / الجنرال جون فيلبي:
اختارت بريطانيا الطريق الأنسب لطرد حلفائها الرئيسيين من منطقة الحجاز بعد أن رأت تمردا خفيا من قبل الشريف حسين، فعمدت لمد يد العون لعدوه اللدود وعدو آخر هو أمير نجد الأمير عبد العزيز بن متعب الرشيد سادس حكام إمارة آل رشيد حيث تولى عبد العزيز بن متعب الحكم دون معارضه من أسرة آل رشيد التي أصبحت تمر في ظروف صعبه بعد بدء ضعف حلفائهم العثمانين، وفي عام 1904 م، استولى عبد العزيز بن سعود على الرياض. وفي عام 1906 م قتل الأمير عبد العزيز بن متعب الرشيد ليلا غيلة أثناء أدائه العرضة الحماسية بواسطة أعدائه ممن أرسل لقتله بتصويبه من وراء أكوام الحطب من قبل الوهابيين.
وكان الدور لبريطاني من مواليد سيلان العام 1885 م، واسمه الكامل هو هاري سانت جون فيلبي، المعروف بـ " جاك " والشيخ عبد الله "، و" الحاج عبد الله " بعد ذلك، وهو ابن عم الماريشال مونتجمري. وتقول الرواية التاريخية أنه: (في نوفمبر عام 1917 حدث ما غير مجرى حياة فيلبي كلها، فقد اندلعت الثورة العربية في شهر يونيو من العام السابق، وكانت السلطات البريطانية قلقة جداً بسبب المنافسة القديمة القائمة بين شريف مكة، وبين ابن سعود حاكم نجد، وحاولت قدر الإمكان منع تلك الخلافات من أن تبدد جهد الأشراف في الحرب ضد الأتراك، وحاولت في نفس الوقت جلب حاكم نجد إلى جانب الحلفاء. لم يكن هناك أي اتصال رسمي بين ابن سعود وبين بريطانيا لمدة أكثر من سنتين، فتلقى فيلبي الأوامر للذهاب إلى نجد لمعرفة الوضع السياسي هناك، وقد وصل فيلبي إلى العقير قرب البحرين في أحسن الملابس التقليدية للإمبراطورية في الهند، إذ كان يرتدي بنطلونا قصيراً وقبعة، وفي أول توقف له أثناء رحلته طالبه مضيفوه بأن يقلل من مظهره الأوروبي الجلي، بارتداء الزي المحلي لتسهيل عملية تنقله في تلك الأرض التي لا يرحب أهلها بوجود نصراني بينهم، وبعد رحلة دامت سبعة أيام على جمل، وصل فيلبي إلى الرياض، وقابل هناك ولأول مرة عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود. وعاش في قصره المبني من اللبن في الرياض مع جنوده وخدمه.). وقد اقنع ابن سعود بأن يقوم بحملة عسكرية ضد ابن رشيد الذي يحكم منطقة تمتد بين ساحات المعارك في العراق وفلسطين. لقد كان ابن سعود في موقف حرج جداً، فقد كانت المساعدات البريطانية تؤلف نسبة كبيرة من خزانته، لهذا فإن فيلبي لم يجد صعوبة في إقناع ابن سعود بالقيام بالحملة العسكرية، وطرد ابن رشيد من الرياض أولا.
وكانت بريطانيا قد أرسلت قبل جون فيلبي الكابتن شكسبير لتقديم المشورة لعبد العزيز، بالإضافة إلى تدريب القوات السعودية على فنون القتال المدفعي.. لكنه سقط صريعاً في معركة "جراب" عام 1915م.. خاصة عندما علم الناس أن هناك "كافراً" يقاتل في صفوف (الموحدين).. هذه الحادثة خلقت مأزقاً حقيقياً لابن سعود ولبريطانيا، فطالب الأول الثاني، بعدم إرسال ودخول خبراء أجانب إلى منطقة نجد، معقل الوهابيين، وتفهمت بريطانيا وضعية الملك وضرورة عدم إحراجه أمام رجال الدين وجيش الإخوان الوهابي. ولأهمية (ابن سعود) ضمن استراتيجيتها العسكرية والسياسية في تلك الفترة، أرسلت بريطانيا (خبيراً عسكرياً سياسياً) ألا وهو (جون فيلبي) ليلازم الملك الوهابي، وليكون (عينها) اليقظة داخل القلعة الوهابية. ولكن فيلبي ظل معزولاً عن المجتمع تقريباً، سنين طويلة، حتى اضطر، إلى إشهار "إسلامه" الظاهري في أوائل الثلاثينات، لكي يتم تحركه بصورة علنية من دون اعتراض الإخوان على تواجده بينهم.
ثم غيرت بريطانيا من تكتيكاتها فأرسلت دعاة مسلمين بصفة مستشارين لابن سعود وكان أولهم (الشيخ المصري حافظ وهبه بك) في 1922م كمستشار للملك عبد العزيز في العلاقات الخارجية من أجل الدفاع عن حياض الإسلام!!. ثم السوري (يوسف ياسين) اليهودي الأصل الذي أنشأ أول جهاز أمني أخذ يبث الجواسيس والعيون في صفوف القبائل ويثير البلابل والإشاعات وينشر الشكوك والأكاذيب، ويعتبر العامل الرئيسي في توطيد سلطة آل سعود في الجزيرة بواسطة دوره البوليسي الحديدي.

التنكيل بصناع الدولة الجديدة من الإخوان:
ولما بدأ دور الإخوان يتعاظم وخاصة حينما ظهرت قوة ومكانة قائدهم فيصل الدويش، وهو (الشيخ فيصل بن سلطان بن الحميدي بن فيصل بن وطبان الدويش، أمير قبيلة مطير أواخر القرن التاسع عشر. وينتمي الشيخ فيصل إلى قبيلة المطير النجدية، وهو من عشيرة الدوشان وبطن علِوى). وقد كان فيصل الدويش ميالا للتسلط وبرز كقائد ميداني خطير اقلق ابن سعود حتى ثار عليه هو ومجموعة من رؤساء العشائر، وبدأ رحلة الصراع مع الحكم السعودي اثر اختلاف بين الإخوان وبين الملك عبد العزيز حول عدة أمور تتعلق بالعقيدة والسياسة الخارجية، فقاد حركة الأخوان مع الشيخ ضيدان بن حثلين رئيس قبيلة العجمان، والشيخ سلطان بن بجاد رئيس قبيلة عتيبة وثاروا على ابن سعود وعندما بدأ الصراع العسكري انهزم الدويش في معركة السبلة قرب الزلفى وذلك في يوم 19 شوال 134هـ / 1929 م، وقد مات الشيخ فيصل الدويش في سجن الرياض سنة 1931م.
وطبقاً لشهادة فيلبي نفسه - من الإنكليز عبر مستر فيلبي.. تريد منه أن يمحوا من أذهان بل ومن صدور جيش الإخوان كلمة "الجهاد في سبيل الله"، وبالفعل تم له التخلص من مناوئيه من الإخوان، وقضى عليهم قضاءً مبرماً.. واستخدم أيضاً علماء ومشايخ ودعاة للتشهير بهم. ولولا دور فيصل الدويش وقبيلة المطير العمود الفقري للإخوان لما استطاع عبد العزيز بن سعود القضاء على حكومة الشريف حسين في الحجاز، وإمارة آل الرشيد في نجد وحائل.
وقد شكل تجاوز الإخوان خطرا على الحكم السعودي الجديد بسبب من تذمر الأم الحاضنة للسلطة السعودية وهي بريطانيا لما حدث من تعديات على الدول التي تقع تحت انتدابها آنذاك كالعراق والكويت مما دعي بريطانيا لعقد مؤتمر في العقير أطلق على المعاهدة التي جاءت كنتاج له (اتفاق العقير) حيث تم توقيع الاتفاق في العام 1922 مع الكويت، و1923 مع العراق لرسم الحدود بين كل من السعودية والكويت والعراق وخلال اللقاء في اجتماع العقير هدد المندوب السامي البريطاني عبد العزيز بن سعود بان يرجعه لاجئا في الكويت كما كان سابقا إذا تمادى في الاعتداء على حدود البلدين المذكورين، مما دعا عبد العزيز لان يردد بخوف: حاضر يا مْحَفوظ ْ.

يتتبع