الدين الجديد الذي صنع الدولة الجديدة:
وبعد أن انشأ ابن سعود دولته الجديدة بالمرسوم الذي صدر في الأول عام 1351هـ الموافق 10ــ أغسطس سنة 1932م اثر اجتماع الطائف بين ابن سعود وجمع من رجاله تم الاتفاق على الإعلان عن" المملكة العربية السعودية"، ثم أعقب ذلك مرسومه الثاني في 22 سبتمبر ــ 21 جمادى الأول والذي قرر فيه هذه التسمية وأصبحت السلطة المركزية بيد ابن سعود وأصبح الحاكم المطلق في الجزيرة العربية بعد طرد الهاشميين والاستيلاء على الحجاز مركز حكمهم، وآل الرشيد في نجد. عندها أحس ابن سعود بالخطر القادم من وراء الإخوان، ومشروعه المتطرف الديني الوهابي، وعدل مشروعه السابق بالفتح لكي يستقر حكمه وشكل لأجل ذلك (المطاوعة) ليستخدمهم في فرض الأمن الداخلي وترسيخ حكمه الجديد. وتم ذلك عبر ضمهم داخل لجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الخاضعة بدورها للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي في مرسوم ملكي عام 1930م وبذلك تمكن من توجيه مهام المطاوعه وضبط حركتهم واستخدامهم كأداة ضبط سياسية تمتد إلى القرى والبوادي والأرياف وتحقق هدفاً مزدوجاً: تبليغ الدعوة الوهابية وتثبيت دعائم السلطة السياسية الحديثة في البلاد. وقد نشأت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على يد الشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف آل الشيخ عام 1930م بالرياض ثم توسعت لتشمل مناطق أخرى في نجد والإحساء وضمت الشيخ عمر بن حسان آل الشيخ والشيخ عبد الرحمن بن اسحق آل الشيخ والشيخ عبد اللطيف آل الشيخ، وانتظمت في داخل الهيئة لجان تابعة لنظام لابن سعود وقد تولى حاكم الحجاز وولي العهد فيصل بن عبد العزيز، والملك فيما بعد إدارة الهيئة وهو بدوره كان مسؤولاً أمام أبيه الملك بن سعود عن أعمالها.
وقد وظفت الدولة الدين بشخص الحركة الوهابية لخدمة الدولة الملكية ذات الحكم المطلق، وكان الدين دائما بموجب فتاوى شيوخ آل الشيخ عونا للدولة ضد كل أعدائها، وسيفا مسلطا على الشعب أيضا لقطع دابر أي تحرك جماهيري مهما كانت بساطة مطالبه الشعبية. وتحوّل العلماء إلى ورقة من أوراق اللعبة السياسية السعودية، جرى استعمالها في مناسبات عديدة لخدمة أغراض محددة. فإلحاق العلماء بمؤسسة الحكم أريد منه تحديداً توفير ختم المشروعية لإضفاء الطابع الإسلامي. فقد جرى توظيفهم في تأييد قرارات الحكومة الداخلية (الإعدامات واستقدام القوات الأجنبية، وقمع التمردات). ففي أحداث مكة في ديسمبر 1979، أي عند انتفاضة الحرم المكي التي قام بها الثائر من داخل الحركة الوهابية على الحركة الوهابية (جهيمان العتيبي)، حصلت العائلة المالكة على أصوات 32 من كبار العلماء لاستخدام القوة ضد حركة جهيمان، ودخلت القوات الفرنسية والألمانية مع رجال إدارة المخابرات المركزية (CIA) الحرم المكي الشريف وأغرقته بالمياه وسلطت التيار الكهربائي في المياه لإخراج الثائرين من مكامنهم داخل أروقة الحرم المكي. وفي واقع الأمر أن حركة العلماء جمدت عند حدود توفير الغطاء الديني لممارسات السلطة، وكان قبول العلماء بهذا الإطار فرض عليهم الخضوع للعبة السياسية بكافة أشكالها، وان تطلب اتخاذ مواقف متناقضة. وهناك مثل جلي على اتخاذ جمهرة علماء السعودية لتلك المواقف المتناقضة أنهم أفتوا بجواز دخول القوات الأمريكية ومعها كل قوات التحالف الدولي في قضية تحرير الكويت للسعودية بموجب فتوى تقول: (تجوز الاستعانة بقوات الكافر الغير مسلم لقتال المسلم)، بينما أفتوا بكون قوات التحالف الدولي هي قوات محتلة عندما جاءت لإزاحة حكم البعث في العراق، وحرضوا ولا زالوا يحرضون على إرسال المتطوعين لقتل العراقيين وتخريب مدنهم ووضع العراقيل في سبيل توحدهم، وقالوا حينها – أي سنة تحرير الكويت -: (حرب الخليج، كان فيها استعانة، لا إعانة.. وحرب الخليج.. كانت الاستعانة فيها، بكافرٍ على كافرٍ، هو صدّام.. وقد صدرت الفتاوى من عدد من العلماء مبيّنة كفر صدّام..)، بينما اعتبروه شهيدا بعد إعدامه !!!!. وتعود العلاقات السعودية الأمريكية ابتداء من سنة 1940 حيث أنشئت بعثة دبلوماسية في المملكة. وفي سنة 1943 منح الملك الأمريكيين حق بناء قاعدة جوية كبيرة في الظهران واستعمالها لمدة ثلاث سنوات تعود بعد ذلك ملكيتها للمملكة، والتي لازالت للآن من اكبر القواعد الأمريكية في المنطقة هي وقاعدة الدمام، وفي الوقت نفسه بدأت بعثة عسكرية أمريكية بتدريب الجيش السعودي وتزويده بالأسلحة.وفي 15 شباط 1945 تم عقد لقاء بين الرئيس الأمريكي روزفلت والملك عبد العزيز. ومن قبلها منح عبد العزيز بن سعود امتيازات التنقيب عن النفط إلى شركة« ستاندرد أويل أوف أوف كاليفورنيا». وفي تموز وقع الملك المرسوم رقم 135 مانحا الامتياز إلى الشركة المذكورة.

جامعة الإمام محمد بن سعود نواة الإرهاب في العصر الحديث:
تعتبر جامعة الإمام محمد بن سعود في السعودية النواة الأولى كمصنع لتخريج الدعاة الوهابيين، والذين ظهر منهم العديد من القيادات المتطرفة من حركات التطرف والتكفير، وخاصة قيادات حركة طالبان الإرهابية، وسندها حركة القاعدة. وقد وضعت النواة الأولى لتأسيس الجامعة مع إنشاء معهد الرياض العلمي (أي الديني) الذي افتتحه الملك عبد العزيز آل سعود في عام 1949، وأسندت مهمة الإشراف عليه إلى مفتي المملكة آنذاك الشيخ محمد بن إبراهيم، وفي عام 1952 افتتحت كلية الشريعة بالرياض، ثم بعدها بعام كلية اللغة العربية، وتتابع افتتاح ما يسمى بالمعاهد العلمية وكانت منضوية تحت مسمى " الرئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية". وفي عام 1973، تمت الموافقة على إنشاء جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التي ضمت هذه الكليات والمعاهد العلمية والمعاهد العليا. ويوجد بالجامعة حاليا 11 كلية منها خمس في الرياض وست في كل من مناطق القصيم والإحساء والجنوب والمدينة المنورة، ومعهدان في الرياض أحدهما للقضاء والآخر لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، بالإضافة إلى ست معاهد في الخارج لتعليم العلوم الإسلامية والعربية في كل من رأس الخيمة وموريتانيا وجيبوتي وإندونيسيا والولايات المتحدة واليابان، وستون معهداً علمياً منتشرة في مختلف مدن السعودية. وقد توجهت الأنظار نحو هذه الجامعة التي خرجت العديد من الأشخاص المتهمين بالإرهاب، فإن العديد من قادة التنظيمات الإسلامية المسلحة، قد مروا من هذه الجامعة، أكان تنظيم القاعدة والتنظيمات الأخرى في أندونيسيا والفلبيين إلى بنغلاديش والشيشان وكشمير وحتى الولايات المتحدة ن وخاصة بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001.
وكان على رأس من خرجتهم هذه الجامعة ثلاثة شخصيات إرهابية من قيادة القاعدة ويعتبرون من المنظرين للتنظيم في السعودية، وهم كل من:
- فارس أحمد جمعان آل شويل الزهراني، سعودي الجنسية. يعتبر الزهراني المنظر الأول للتنظيم في المملكة العربية السعودية. اعتقلته السلطات في عام 2004، حاصل على شهادة البكالوريوس في الشريعة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في أبها.
- عيسى سعد محمد بن عوشن سعودي الجنسية من مدينة الرياض وهو المنظر الشرعي الثاني بعد فارس آل شويل الزهراني. عمل قاضياً بعدما تخرج من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. وقد قتل العوشن في مواجهات مع قوات الأمن السعودية.
- عبد الله محمد راشد الرشود، سعودي الجنسية، الثالث في قائمة منظري القاعدة في المملكة. تخرج من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. وعرف الرشود بتشدده وتزمته البالغ.
وجاء في تقرير نشرته صحيفة الوطن السعودية (30 مايو 2006) أن مراسلها التقى اثنين من السعوديين المعتقلين في سجن شقلاوة بكوردستان العراق بتهم الإرهاب، تبين أن أحدهما وهو المطلوب رقم 17 على قائمة الـ36 خارج السعودية عبد الله محمد صالح الرميان، (مواليد عام 1982) في مدينة بريدة وهو طالب في السنة الأولى في جامعة الإمام محمد بن سعود فرع القصيم.
أما الباحث الوهابي السعودي ناصر سعيد الغامدي فقد قال في كتاب أصدره عام 2003، بعنوان " الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها"، وهو في الأصل رسالة دكتوراه ممنوحة له بامتياز مع درجة الشرف من جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض: (أن دعاة الحداثة وكتابها وشعرائها ومفكريها في العالم هم كفرة يجوز قتلهم). ولا زالت هذه الجامعة تستقبل الطلاب من داخل السعودية وخارجها، وتعتبر من أمهات الجامعات الإسلامية في السعودية والتي تعتمد في نهجها التدريسي قيم ومباديء ابن تيمية التي تضمنها كتابه (منهاج السنة) المليء بالمغالطات والكذب والتدليس على الشريعة الإسلامية السمحاء.

خطورة الحركة الوهابية في العصر الحديث:
لعبت الحركة الوهابية دورا دينيا واجتماعيا وسياسيا مخربا، وساعدت كل تحركاتها وانتشارها على رقعة واسعة من بلدان العالم وجود سند مادي وسياسي ممثل بوجود الدولة السعودية التي وفرت المال والسلاح لنشوء نواة (حركة طالبان) في افغانستان ما بعد منتصف عقد السبعينيات من القرن الماضي، ومن ثم نشوء وتطور (حركة القاعدة) أيام الحرب الباردة بين العالمين الرأسمالي والاشتراكي، بالتعاون والتآزر بين قطبين أساسيين في العالم وهما أمريكا والسعودية، حيث أمدت أمريكا طرف المعادلة المناوئ لعدوها الرئيسي السوفييت آنذاك بكل وسائل الحرب عليه من سلاح وعتاد ومدربين وقادة عسكريين – حديث للكاتب في جدال داخل المستشفى الأميري في الكويت مع احد رجال إدارة المخابرات المركزية الأمريكية في اليوم الثالث لتحرير الكويت الذي تحدث العربية وسأله الكاتب أين تعلمها ؟، واعترف رجل المخابرات الأمريكي بأنه تعلمها من "المجاهدين" في أفغانستان، وكان ضمن تشكيلات" المجاهدين" حسب اعترافه – وبأموال سعودية وخليجية. وقد تم تدريب جيل كامل من الشباب الوهابي المتطرف الذين أصبحوا قادة كبار في الوقت الحالي لحركات اسلاموية متطرفة تشكل خطرا واقعيا على الأمن العالمي بدءا من أفغانستان والشيشان فالبوسنة والهرسك. والأخطر من ذلك أن حكومات الخليج وبعض الدول العربية أصبحت ندا لتلك الحركات بعد أن استنفذت الغرض المنشود منها، وأخذت تطاردها مما حدا بأفراد تلك الحركات أن يفدوا على دول الغرب وأمريكا هربا من حاضناتهم السابقة، وأدى انتشارهم المخيف في دول العالم لإعادة برمجة عمل وتحركات شخصيات إرهابية وقيام تحالفات عديدة خاصة مع بعض الدول المتهمة بالإرهاب، والأحزاب الفاشية كحزب البعث وبعض الأطراف الشيعية المتطرفة كحزب الله وأطراف رسمية داخل السلطة الإيرانية، ومع حركة حماس الفلسطينية على الطرف العربي، وحركات دينية طائفية متطرفة في كل من باكستان ودول شرق ووسط آسيا.
وكان هناك عاملان مهمان في سرعة انتشار ظاهرة التطرف الديني وبروز الاسلامويين الجدد تمثل في الفقر المدقع لجمهور كبير من المسلمين في دول يمثل الفقر فيها نسبة كبيرة كالباكستان وأفغانستان واندنوسيا ومصر وفلسطين والأردن، إضافة للركود الاقتصادي العالمي. وَسببَ التكاثر الانشطاري لهذه الجماعات الاسلاموية الإرهابية مشاكل ومآسي للبشرية كان من نتاجها (غزوتي نيويورك ومانهاتن) في 11 سبتمبر 2001 وما تلا بعد ذلك من حرب على طالبان في أفغانستان والحرب على الفاشست البعثيين في العراق، وبروز خطر الفكر الوهابي في كلا البلدين وبلدان أخرى في العالم. وقد ظهر إن 15 من 19 إرهابيا من منفذي (غزوتي 11 سبتمبر) هم من أصل سعودي، وهم نتاج ظاهرة ما سمي بـ (الأفغان العرب) الذين بشروا بفكرهم المتطرف الجديد (النمط الوهابي السعودي)، والذي يبشر بـ (الحكومة الإسلامية السلفية)، وهي حركة لإعادة حركة التاريخ للوراء واسلمة العالم المتحضر بموجب نظرية (آية السيف) التي لم يتوصل حتى الإسلاميون لها وتفرقوا في تحديدها ضمن آيات القرآن الكريم، ولو أنهم اتفقوا على إنها آية من آيات سورة التوبة لكن هل هي آية: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم.." - التوبة5 -، وهي آية: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" - التوبة: 29 - وهي آية: "وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة" التوبة – 36 -، وهي آية: "انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله" – التوبة 41 -.

يتتبع