|
إنّ آخر حقبة زمنية لدولة آل سعود والتي بدأت رسمياً عام 1932 والتي لا زالت مستمرة حتى اليوم قائمة على ثلاث محاور رئيسية.
المحور الأول الدعم الديني من آل الشيخ الذي يهدف الى شرعنة النظام السياسي وإضفاء المشروعية الدينية على سياستهم والقرارات التي يصدرونها.
وإعطاء شرعية دينية لسلوك وتصرفات آل سعود وما يصدرونه من أنظمة وقوانين واعتبار تلك القرارات وإن كانت مجحفة فهي تصدر من (ولي امر المسلمين) وتكتسب الموافقة من رجال المؤسسة الدينية.
المحور الثاني الحكم السلطوي المستبد الذي تهيأت له جميع أسباب القمع والتنكيل من قوات بشرية وأسلحة قمعية ووسائل أعلام ووسائل دعائية تحرف الحقيقة لتظهرها بصورة مغايرة للرأي العام العالمي والمحلي.
المحور الثالث التحالف السياسي والعسكري ما بين دولة آل سعود والدول الكبرى بما فيها بريطانيا وبعدها الحليف الرئيسي(الولايات المتحدة الأمريكية) التي تعتبر حكومة آل سعود هي القاعدة الرئيسية والمهمة للولايات المتحدة في المنطقة.
المحور الرابع الاقتصاد القوي الذي يعتمد على مخزونات هائلة من النفط قادرة على إدامة عجلة السحق والإيلام لشعوب شبه الجزيرة العربية.
إنّ ما يهمنا هنا هو المحور الأول وهو موضوع الدراسة حيث أن الأسس والقواعد التي تسند هذا المحور وهو الصبغة الدينية والشرعية لحكم آل سعود هو ما يصدره مشايخ السلطة من فتاوى تدعم الجانب السياسي وأخرى تطيح بالمعارضة السياسية وثالثة تحجم دور الطوائف والمذاهب الإسلامية الأخرى التي تضم بين جنباتها شعباً ذا امتداد تاريخي بدأ منذ زمن الظهور الأول للرسالة الإسلامية ولا يزال.
إنّ ما ينازع السلطة السعودية واستقرارها على الانحراف الديني والسياسي هو الطائفة الشيعية التي يعيش معظم أفرادها في المنطقة الشرقية من شبه الجزيرة العربية وبالأخص منطقتي الأحساء والقطيف وتوابعها.
لقد شكلت هذه المنطقة مصدراً للقلق لدى حكام آل سعود بسبب الخلاف العقائدي الديني مع هذه الطائفة وهم يعلمون بمدى مصداقية مبادئ وعقائد الطائفة الشيعية والتي من الممكن أن تسبب زعزعة النظام السياسي للدولة (السعودية) من خلال الطرح الصادق للعقائد الدينية والغير منحرفة للمذهب الذي تتبناه الطائفة الشيعية والمستمد من عقائد ومبادئ أهل بيت الرسول (ص)، ومع علم السلطة السعودية بخواء العقائد الوهابية المنحرفة وعدم شموليتها وقلّة من يتبناها وللمعارضة الشديدة لها حتى في داخل البلاد، فأصبح هدف الحكام السعوديين هو رسم حدود وهمية وشائكة حول شعب المنطقة الشرقية للحد من تسرب الأفكار التي يحملونها والخشية من المشاركة السياسية والاستئثار بالحكم من قبل عائلة آل سعود، وعلى هذا الأساس تبنى النظام مشروعاً تعسفياً وهو تكفير الطائفة الشيعية واعتبارها حركة دينية منحرفة مثل الحركات الإسلامية المنحرفة التي مرت بالتاريخ.
ويعلم النظام السعودي أن أهمية مثل هكذا مشروع لا يقل أهمية عن المشاريع الحيوية الأخرى من مشاريع عسكرية واقتصادية، فقام بتحشيد طاقات فعالة لهذا المشروع واوعز الى رجال (دين) المؤسسة الدينية والمؤسسات الحكومة التربوية والإعلامية له. وكان التركيز الأهم في هذا المشروع على إصدار الفتاوى الدينية وإصدار الكتب والنشرات التي تخدم هذا المشروع بالإضافة الى تغيير المناهج المدرسية لخدمة هذا الغرض.
لقد اعتمدت سياسة التكفير على العناصر التالية :
كتب تدعو للتكفير:
( يسرني أن أضع بين يدي القراء الكرام رسالة متواضعة بذلت فيها من الجهد والوقت ما يعلمه الله تعالى، حاولت فيها إبراز الدليل والبرهان على القضية التي أودّ بيانها للآخرين، وذلك أن بعض المسلمين لا يزال يعتقد أن الرافضة فرقة من فرق المسلمين لا يجوز إخراجها عن دائرة الإسلام، وهذا الاعتقاد ناشئ عن الجهل بحقيقة الرافضة وأسس دينهم )
عبارة مقتطفة من مقدمة كتاب ( الشيعة وصكوك الغفران ) لمحمد مال الله (5)
لقد قام النظام السعودي باستغلال جميع القنوات التي حاول من خلالها أن ينفذ لشن حملته المنظمة لترسيخ سياسة التمييز الطائفي والتي يمكن أن نطلق عليها حرب طائفية غير معلنة رسمياً القصد منها رسم حدود مصطنعة وخارطة مذهبية للأطاحة بآخر معاقل الوحدة والتآلف في داخل البلد الواحد، فقام بإطلاق يد الأقلام المأجورة التي كان لها الاستعداد للعب هذا الدور انطلاقاً من مبدأ التنافس وتهميش الرأي الآخر، فبدأت بعض المؤسسات وبالخصوص المؤسسة الدينية التي يقف خلفها موظفون اعطيت لهم صفة رجال دين بطباعة كتب وكراسات تتضمن أفكاراً هدامة هدفها زرع الفتنة بين أبناء البلد الواحد فامتلأت المكتبات بكتب سلفية متطرفة تنشر وتروج ثقافة الكراهية للمسلمين من المذاهب الاخرى ولغير المسلمين ايضاً وتدعو الى النيل من المذهب الشيعي واصفة اياه بدين الكفر والردة . وتحاول المؤسسة الدينية وبدعم من النظام أن تقطع كافة الجسور التي يمكن لها أن تشد من لحمة المواطنين فتستخدم الكتب والمنشورات لأدانة الأديان والمذاهب الأخرى وبالخصوص المذهب الشيعي .
فإن بعضاً من رجال الدين في المؤسسة الدينية السعودية يرفضون حسب زعمهم المساس بالثوابت الإسلامية ، وأن سياسة الدولة قائمة على القرآن والسنة النبوية.
فهذه بعض الكتب المعتمدة لدى النظام السعودي بالإضافة الى أهمية كتابها :
فيقول أحد كتابهم المعتمدين والذي يتميز بكثرة مؤلفاته الهدامة والموجهة ضد الشيعة ، في كتابه ( الشيعة وصكوك الغفران ) حيث جاء في مقدمة الكتاب :
( يسرني أن أضع بين يدي القراء الكرام رسالة متواضعة بذلت فيها من الجهد والوقت ما يعلمه الله تعالى، حاولت فيها إبراز الدليل والبرهان على القضية التي أودّ بيانها للآخرين، وذلك أن بعض المسلمين لا يزال يعتقد أن الرافضة فرقة من فرق المسلمين لا يجوز إخراجها عن دائرة الإسلام، وهذا الاعتقاد ناشئ عن الجهل بحقيقة الرافضة وأسس دينهم , ) (6)
ويقول الكاتب ضياء الدين الكاشف والذي يحمل شهادة الدكتوراه في كتابه (الشيعة شاهدين على أنفسهم بالكفر) :
( فقد أظهرت أحداث الحرب اللبنانية الأخيرة وتفاعل الجماهير المسلمة معها أن مشاعر الأمة الإسلامية صار يحركها حقيقة واحدة لا خلاف عليها وهي الشعور بالعداء المستحكم لليهود والكيان الصهيوني ..أما ما غاب عن وعي الأمة وأدى إلى إنحراف مسارها فهي حقيقة الكيان الشيعي (الروافض) ومدى عدائه وكيده لأهل السنة من المسلمين وكأن الأمة في حالة من الإغماء والسكرة فلا تكاد تعلم عن أصولهم الكفرية وعقائدهم الشركية شيئاً . ) (7)
أما عبد العزيز بن ريس الريس فيقول في رسالة ( القول المبين لما عليه الرافضة من الدين المشين ) :
(يردد بعضهم أن الرافضي يعامل في الظاهر معاملة المسلمين لأنه كالمنافق المظهر للإسلام والمبطن للكفر ، وقد فاه بهذا أحدهم في بعض محاضراته ، والذي دعاه إلى ذلك منهج التميع الذي امتطاه مؤخراً ، وهذا غير صحيح . وذلك أن المنافق لما أظهر الإسلام ولم يظهر غيره عومل بما أظهر ، أما الرافضي فبمجرد إظهاره الانتساب لمذهب التشيع الإمامي فهو قد أظهر دينه فيعامل بما أظهر ، وتقدم ذكر شيء من دينهم . فإن قيل: لماذا لا يقتلون ويشردون من بلاد المسلمين وقد ارتكبوا مكفرات موبقات ؟ فيقال: إن ترك حد الردة على من أظهر الكفر والردة يجوز لمصلحة راجحة فإن بعض المنافقين كرأسهم عبدالله بن أبي بن سلول ومن معه ظهر نفاقهم في مواضع وترك النبي صلى الله عليه وسلم إقامة حد الردة عليهم حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ، لكن ليس معنى عدم إقامة الحد عليهم أننا نحبهم ونألفهم ونؤاكلهم ونشاربهم ونعاملهم معاملة المسلمين ، كلا . بل نعاديهم ونبغضهم ديناً لما عندهم من كفريات أظهروها بانتسابهم إلى التشيع الإمامي . أسأل الله أن يرد كيد الكائدين وينصر دينه على المخالفين من النصارى واليهود والرافضة أجمعين . ) (8)
أما شحاتة محمد صقر فيظهر عقيدته العدوانية في كتابه الى شعب الجزيرة العربية المعنون بـ ( الشيعة هم العدو فاحذرهم ) فيقول :
( إن الهدف من هذا الكتيب تقديم فكرة مبسطة ومختصرة جدًا عن الشيعة وخطرهم.فإن اليهود والنصارى والمشركين وسائر الكفار ، أعداء للإسلام والمسلمين ، وهذه حقيقة يقررها الإسلام ، ويدركها كل من تمسك بإسلامه ودينه ، وهذا العداء مكشوف وواضح وصريح.ولكن هناك أيضًا أعداء آخرون ، خطرهم كبير ، وشرهم عظيم ، ... إنهم طائفة الشّيعة الرافضة. )
وأخيراً مؤسس مذهبهم والأب الروحي لهذه الجوقة من الكتاب والذين يستلهمون منه ما فاتهم من كتاب الله وسنة رسوله (ص) (الإمام) محمد بن عبد الوهاب كما يزعمون فيقول في (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ) في باب (ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده ) :
(الرد على الطائفتين اللتين هما شر أهل البدع، بل أخرجهم بعض السلف من الثنتين والسبعين فرقة، وهم الرافضة والجهمية. وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد.) (10)
مناهج دراسية :
لم تسلم المناهج الدراسية من التحريف والتحريض على الفتنة، فقد استخدم النظام السعودي المدارس للترويج للمذهب الوهابي وبث ثقافة الكراهية لدى طلاب المدارس، حيث تعتبر المناهج الدراسية للنظام السعودي من أكثر المناهج خطراً على الأفكار وبث روح الحقد والكراهية كما وتغذي التلاميذ بالمفاهيم والمبادئ الهدامة والقيم العنصرية ويتم تلوينها بمقولات دينية حتى تكتسب قداسة في عقول التلاميذ وهي طريقة لتوظيف المؤسسات التربوية لخدمة الاغراض السياسية وتضلل معتقدات التلاميذ وتغرس مفهوم حماية الدين من خلال قمع الآخر والقضاء عليه ماديا. وتلقينهم كل ما من شأنه التشكيك بالمذهب الجعفري وتكفير الاديان المختلفة عقائدياً ومذهبياً مع المذهب الذي تتبعه الحكومة وبالخصوص الحزب الوهابي ، وهذا ما يؤدي الى التعامل مع المخالفين للمذهب الرسمي على أنهم كفار أو منحرفون وهذا بدوره يؤدي الى غرس عقيدة العنف التي تتطلب من المقابل اما التوبة والتراجع عن مذهب البدعة كما يدعون أو القتل .
ففي هذا الصدد يقول الكاتب والصحفي الأمريكي جوناثان د. هاليفي في دراسته (الإرث الثقافي للقاعدة) :
( في هذا النظام العالمي الجديد الناشئ، لم يعد المسيحيون واليهود أقليات متمتعة بالحماية في ظل الإسلام. وبالنتيجة, فثمة ميلٌ خطرٌ لدى السلطات الدينية الإسلامية المناضلة، وخاصةً في العربية السعودية، لا لتشريع الأعمال الإرهابية ضد الأفراد فحسب، بل ولتشريع القتل الجماعي ضد جماعات كاملة من الناس الذين ينظر إليهم بصفتهم كفّاراً وبالخصوص الشيعة. إن دعوتهم للإبادة التامة لبعض الشعوب تعني أنهم قد انتقلوا إيديولوجياً إلى تبرير الإبادة الجماعية.) (11)
|