الطريق إلى الانفصالية في المملكة العربية السعودية شرعنة الانفصال

         نجد «الرسالية» و «دروع الحماية»
تستطيع نجد أن تشرعن سياسات الهيمنة على نظيراتها من المناطق، بأنها المنطقة «ذات الرسالة» التوحيدية الدينية والسياسية؛ وأنها المنطقة التي تبنّت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، تلك الدعوة التطهرية النجدية الصحيحة، التي لم يدرك قيمتها إلا أهل نجد، الذين يتولون الدفاع عنها وإدخال الناس فيها شاؤوا أم أبوا. ليست «نجد» وحدها من يبرر السيطرة على الآخرين بمثل هذه المزاعم؛ فكثير من الجماعات في العالم فعلت ذات الشيء، واستناداً إلى الحقيقة الدينية، كما فعل الموارنة في لبنان الذين رأوا في لبنان «بيتاً للموارنة»، والأمهريون في أثيوبيا الذين روّجوا بأن أثيوبيا هي بيت المسيحية الأصلي في العالم، والسنهاليون في سيريلانكا الذين اعتبروا أنفسهم الوحيدين الذين يدافعون وينشرون ويحمون العقيدة البوذيّة.. كل هؤلاء، زعموا أن لهم «رسالة دينية خالدة» جرى من تحت غطائها الإستيلاء والإستحواذ على السلطة، أو على الأقل أن يكون لهم قصب السبق فيها كمواطنين درجة أولى لا يتمتع بها غيرهم. والغريب أن كل هؤلاء عاشوا حروباً أهلية، وبعضهم حروباً انفصالية، نجحت في أثيوبيا ولاتزال قائمة في سيريلانكا.
مقابل «الجماعة الرسالية النجديّة» تتوسل الجماعات الأخرى في المملكة التي تعاني من «الإلغاء والشطب» بـ «دروع حمائية»؛ واحدة منها، التأكيد على شرعيتها من خلال الطرح المكثّف لما يمكن تسميته بـ «تأصيل الوجود» في مواقعها وأقاليمها. فتسمع بين سكان المنطقة الشرقية جملة معتادة لدارسي الأثنيات وهي: «نحن السكان الأصليون». إن التأكيد على هذه الأصالوية Indigenousness مقابل «الأغراب» ظاهرة واضحة وتمثل ردّاً تلقائياً على سياسة الإستحواذ والهيمنة التي تقوم بها الفئة الكبرى أو الفئة المتسلّطة بالقوة وإن لم تكن الأكبر حجماً وعدداً. وكلما تعرضت جماعة للخطر الديمغرافي أو الثقافي أو التهميش السياسي وغيره، صدّت العدوان بمقولات «أبناء الأرض» و«السكان الأصليون». وهذه التعبيرات تعني في أحد وجوهها «تملّكاً لإقليم معيّن»، و«استحقاقاً لتكوين دولة خاصة»، أو تملكاً للدولة القائمة «own the country» كما بالنسبة للفيجيين الأصليين مقابل الفيجيين من أصل هندي، أو النجديين مقابل باقي فئات المجتمع السعودي، الأمر الذي يترتب عليه مطالب تحصيص وظائف عليا معيّنة بيد هؤلاء الأصلاء، وحقوقاً إضافية يرون أنهم جديرون بها.
في المنطقة الشرقية من المملكة، يُلحظ أن وجهاء الشيعة ومنذ زمن بعيد في مراسلاتهم مع رموز الدولة، وهي منشورة على أية حال، استخدموا عبارة «السكان الأصليين» وهم إذ لم يتجاوزوا الحقيقة في هذا، فإنهم إنما استخدموا ذلك للمطالبة بحقوقهم على قاعدة «الأصالة» و«التملك» بالرغم من أن ال سعود يعتبرون البلاد كلها ملكاً لهم، ورثوها من آبائهم وأجدادهم، وليس محض السلطة فحسب! أي أن الدفاع عن حقوقهم ـ كشيعة ـ لم يتم بناء على قاعدة المواطنة بالضرورة، وهي قاعدة صلبة من حيث المفهوم، ولكنها في التطبيق لا يعتدّ بها البتة في بلد كالمملكة العربية السعودية. ولعلّ استخدام هذا اللفظ فيه «دفاع عن الذات»؛ فتغوّل الدعوات الوهابية المتطرّفة بـ «طرد» ملايين الشيعة خارج الحدود، أشعل رهبة في النفوس، وكأن الشيعة بتثبيت أصالتهم في مناطقهم وتحقيقها تاريخياً يريدون القول بأن الآخر «النجدي ـ الوهابي» هو «الطارئ»، وهو من يجب أن يرحل عنها حكماً ووجوداً. وإنه مما يؤسف له حقاً، ان الحكومة السعودية ـ في فورة الطائفية في الثمانينات ـ ألمحت إلى أن مواطنيها «الشيعة» ليسوا «أصلاء» أو «أصلاء» ولكن بدون حقوق، وإذا ما قاموا بمناهضة الحكم السعودي، فمن حق النظام «طردهم!».
منعاً للتقوّل، نسوق مثالين سريعين في هذا الإتجاه، لمجرد البرهنة، بأن الدعوة الإنفصالية في عمقها قد تكون «دفاعاً عن الجماعة وكيانها ككل».
الأول: قدمت لجنة من الأمم المتحدة خاصة بالتمييز على أُسس دينية تساؤلاً فيما يتعلق بمعاملة الحكومة السعودية لمواطنيها الشيعة، وما يتعرضون له من اعتقالات عشوائية، وقد جاء الجواب السعودي المدهش في 14 نوفمبر 1990 على النحو التالي: «لا أحد مجبرٌ على العيش والعمل في السعودية برغم إرادته. وإذا كان كارهاً لقوانينها وضوابطها، فعليه أن لا يختارها للعيش فيها. أمّا إذا اختارها فعليه أن يحترم ويقبل ـ وبكل دقـّة ـ كل قوانينها وضوابطها، وإذا ما خالفها، فإنه معرّض للعقوبات الموجودة والقائمة»!
الثاني: بعد أحداث المحرم الدموية في المنطقة الشرقية سنة 1400هـ/ نوفمبر 1979م، أرسل وجهاء الشيعة برقية إلى الملك خالد، في الخامس من صفر 1400هـ، شرحوا فيها ما حدث: الإستفزاز الحكومي، القتل، الإعتقال، فرض حظر التجول، الطائرات وقصفها للمواطنين، الحرب الحقيقية في الشوارع، وتحدثوا عن أسباب الأزمة وجذورها. وفي 25 من الشهر نفسه رد الملك في برقية نفى فيها أن تكون القوات الحكومية قد قامت بتعديات، ونفى أن يكون هناك قتلى وجرحى. ومما جاء في برقية الملك جملة ذات دلالة تقول أن «من شاء البقاء فليبق» أي من أراد أن يبقى في هذه البلاد فليبق أو فليخرج إن كان يريد المعارضة، أو لم تعجبه السياسة الرسمية. ولقد هزّت تلك العبارة الوجهاء الشيعة هزّاً عنيفاً وردوا في رسالة إلى ولي العهد ـ الملك الحالي ـ كونه هو الملك الفعلي، وذلك في 11 ربيع الأول 1400هـ/ 1980م، قالوا فيها: «وإننا لباقون في بلادنا، مهد أجدادنا وأحفادنا رغم كل ما يدبره المغرضون، ولن نخرج منها ولو أُرغمنا». عموماً لا تزال دعوات الوهابيين بطرد الشيعة قائمة ومؤصلة وهي ليست جديدة في نوعها، ودعواتهم ازدادت في السنوات الأخيرة لتشمل الحجازيين أيضاً.
إن كلمة «بلادنا» لا تعني لدى الشيعي سوى «الإقليم» وليس «المملكة».. فساحة «معركة الوجود» ليس في الحجاز أو نجد أو حائل أو الجوف أو نجران، وإنما في عمق المنطقة الشرقية ومدنها التاريخية.. بيد أن المنطق المدهش الخارج عن سياق التاريخ في معركة «إثبات الوجود» يكمن في حقيقة أن هناك فئة «وهابية» لا تزعم ولا تستطيع أن تزعم بأنها أصيلة في المناطق الشرقية، ولا أنها جاءت قبل الشيعة بقرون، فتاريخ الوهابية حديث، كما هو تاريخ آل سعود الذي يشرعنون حكمهم على خلفية «ملك الآباء والأجداد!».. ومع هذا ترى أن من حقها ليس الإستحواذ على الحكم فحسب، بل أن من يعترض على ذلك لا يحق له البقاء في الأماكن والمناطق التي يعيش على أرضها. هذا النوع من التهديد لم يحدث ـ حسب علمنا ـ حتى في أسوء الدول التي تعيش حروباً داخلية وصراعات حادّة. ربما يكون اليأس من صهر الشيعة مذهبياً، وربما يكون لوجودهم في أغنى منطقة في المملكة هو ما يحفّز هذا النوع من الدعوات الإستئصالية؛ إذ لم يتحدث أحد من الوهابيين مثلاً عن طرد الإسماعيليين في الجنوب «نجران» رغم الخصومة المذهبية، ولم تصل النظرة الدونيّة النجدية للحجازيين وأصولهم المختلطة إلى حدّ المطالبة أو التلويح «رسمياً» بطردهم من البلاد، وإن ظهر من بعض متطرفي الوهابية مثل هذه الأقاويل.
إن «شرعنة وجود» الجماعة في هكذا محيط يقتضي ـ بل يفرض أحياناً ـ بروز نزعات إنفصالية حادّة، قد تخفيها عضلات السلطة عن السطح إلى حين؛ فالتأكيد على الهوية الخاصة والتاريخ الخاص والشخصيات الخاصة بالمنطقة ضرورة لتثبيت الأقدام أمام خصم لا يفتأ يهدد المجموعة كلّها بالطرد أو بالسحق أحياناً «أو بالإخصاء ربما! حيث طالب الشيخ الوهابي ناصر العمر بوضع حدّ لتكاثر الشيعة كما قال!» وليس مجرد حرمانهم من حقوق صارت من البديهيات في عصر الدولة القطرية/ الوطنية.
درع الحق التاريخي في السيطرة والحكم
في الحجاز، تستقي الحركة الإنفصالية زخمها وشرعيتها من منابع مختلفة. فمنطقة نجد تظهر شرعيتها في الإستفراد بالسلطة بأثواب مختلفة، حسب طبيعة المنطقة المهيمن عليها، بل حتى بين المهمشين داخل نجد نفسها؛ فإقصاء سكان حائل لا يعتمد ذات المبررات، وفي الجنوب تظهر نجد نفسها ليس فقط حاملة رسالة دينية، بل ومبشرة بالتطوير والإنتعاش الإقتصادي، كون تلك المنطقة فقيرة، وأن أهلها بحاجة ماسّة إلى «الدين الصحيح» القادم من الشمال. هنا تأخذ الهيمنة ذات مبررات الإستعمار الأوروبي، فهم ما جاؤوا إلا للتطوير، وخدمة السكان، الذين هم مجرد «قرود على حيود» أو «زيود يهود» لا يحق لهم أن يساهموا في صناعة وطن، والمشاركة في قراراته كبيرة أو صغيرة، إذ «يكفيهم أن أكثر المغنين منهم» كما قال نجدي ـ قصيمي ـ علماني متعصّب ذات مرّة ساخراً، ردّاً على سؤال حول غياب مشاركة الجنوب في صناعة القرار السياسي والديني.
وبالنسبة للحجاز فإن نجد تحاول أن تطوّر خطاباً يمثّل قاعدة يستند إليها في التبرير والهيمنة السياسيين، فماذا عسى نخبها أن تزعم بغير الصفاء الديني، و«فتح» مكة كما فتحها رسول الله، وكيف أن الوهابيين هدموا القباب ومعابد الشرك، كما هدم رسول الله الأصنام؟! هي إذن «الرسالة الدينية» التي انتدبت نجد لها: تخليص الأماكن المقدسة من الشرك، ومن المتصوفة، ومن عبادة الأوثان كيما يعبد الرحمن حق عبادته. هل انتهت المسألة عند هذا الفتح؟! لا. فالرسالة الدينية تتواصل بتعمير الحرمين الشريفين وخدمة الحجاج! ثم ما يفيض من خير يأتي متسربلاً من نفط الشرق إلى الغرب ببركات الموصل الحراري النجدي لينعم به أهل الحجاز.
يفترض أن «الرسالة الدينية» قد حققت أهدافها بسيطرة الوهابيين على المناطق وفرض مذهبهم. ويفترض أن يكون حكم الأشراف في ذمّة التاريخ، فقد خلّص الوهابيون أهل الحجاز من «ظلم وطغيان» الشريف وعائلته! ولكنهم احتلوا هم مقاعد الأشراف، وصاروا موزّعين لفتات السلطة والثروة كلّ حسب قربه من المركز!
هل ينتج هذا تبريراً كافياً لعلاقة الهيمنة السائدة بين الحجاز ونجد؟ هل تكفي القوّة والتبشير الديني ـ حتى مع افتراض تحوّل أهل الحجاز كلّهم إلى المذهب الوهابي ـ لإنهاء المشكلة؟ بالطبع لا. فقيادة نجد ـ آل سعود ـ لا تستطيع الإعتماد على «الحق التاريخي» في الحكم خارج إطار نجد. فالخارج يُحكم بمبررات أخرى لم يهضمها سكان تلك المناطق حتى الآن. ولهذا ذكرت في دراسة سابقة: أن منطق «ملك الآباء والأجداد» يجب أن يتغيّر، لأن لا أحد خارج نجد يقرّ لآل سعود ونخبة نجد السياسية والدينية بالحكم وفق هذه القاعدة، خاصة وأن الجميع يستطيع أن يستخدم نفس العبارة للدفاع عن حقه في حكم ذاته أو منطقته مقابل آل سعود.
من هنا تحديداً تستقي الإنفصالية في الحجاز زخمها؛ ومن هنا يبدأ الحجر الأساس في الدفاع عن الجماعة وهويّتها. تحاول نجد أن تشرعن نفسها إضافة إلى ما ذكر سابقاً بأنها «الوريث» لحكم «الأشراف» وغيرهم من العوائل المالكة في مختلف مناطق المملكة، أو الوريث للحكم العثماني «في الحجاز والأحساء خصوصاً».. لكن شرعنة الهيمنة بهذه الصورة لا تقف عند مرتكز سوى «القوّة ـ الإحتلال». فحق «الفتح/ الإحتلال» هو جوهر الهيمنة النجدية، وما عداه من تبريرات دينية ليس سوى غطاء، قد يستخدم غيره ـ قبلياً أو عرقياً مثلاً ـ في حال كان السكان وهابيون «حائل مثلاً وبعض مناطق الجنوب». هذا التبرير، يشرعن العنف ضد الدولة القائمة وضدّ نجد عموماً، فضلاً عن أنه متهالك، لأنّ مناطق أيضاً احتلّت أجزاء من نجد تاريخياً، فليس من بنى إمبراطورية في الماضي يحقّ له الإستمرار لأنه كان محتلاً ذات يوم. وإلا فإن المنطق يدعونا اليوم إلى القول بأن آل سعود يمتلكون حقوقاً تاريخية في قطر والكويت والإمارات كلّها وعمان، كونها احتلتها كلها أو أجزاء كبيرة منها في فترات متقطعة من القرن التاسع عشر الميلادي. أعلم أن بعض النجديين لازالوا يقولون بهذا، ويرون أن هناك خطأً تاريخياً ارتكب وكان ينبغي إزالة كل دول الخليج الأخرى لصالح المركز النجدي، وبنفس المنطق آنف الذكر.
لكن هل تنبّه هؤلاء إلى المنطق المعكوس أيضاً؟ فتلك الدول نفسها تستطيع المجادلة على قاعدة الحق التاريخي كون بعضها احتلّ أو سيطر على مناطق الشرق. هل يحقّ للحجازيين استعادة حكمهم الخاص بهم، بناء على منطق «ملك الآباء والأجداد» و«الحق التاريخي في الإمتداد إلى نجد والجنوب والشمال»؟ هذا ليس مدّعىً صعباً، وقد مارسه ويمارسه كثيرون؛ فالسيخ إنّما يرتكزون على دعوتهم الإنفصالية على هذا الحق التاريخي، وعلى التمدد وإعادة الإمبراطورية التي بنوها «امبراطورية مارثا». وهناك مجموعة غير قليلة من الجماعات في غرب أفريقيا ـ خاصة نيجيريا ـ تتطلع إلى الفتوحات/ الإحتلال لتعيد أمجادها الغابرة.
«درع الحق التاريخي» في الحكم لا يمكن تخطئته في الحجاز، فهو يستخدم بصور شتى، في المقارنة بين حكم آل سعود والأشراف، وفي الشحن الداخلي الثقافي والتطلعات السياسية لاستعادة سيادة الحجاز واستقلاله؛ أو على الأقل في مواجهة الهيمنة النجدية. لماذا يرث النجديون عرش الحجاز، وليس الحجازيين؟ تساءل مثقف حجازي ذات مرّة، وقد كان السؤال الإحتجاجي في مكانه؛ لماذا باؤكم تجرّ وباؤنا لا تجرّ؟ هل هي القوّة التي تمنح الشرعية؛ إذن لنبحث عنها، ولنستعد إلى المستقبل، ولنبحث عن الهوية الضائعة او المستباحة في بطون التاريخ ونجلّيها عالية واضحة.
«الحق التاريخي» يمدّ الحركة الإنفصالية بجزء حيوي من مشروعيتها، أولاً في الإعتراف بكينونتها وخصائصها؛ وثانياً يمدّها بالمعنويّات الكافية لأن تدير شؤونها بنفسها، خاصة وأن شرعنة الحركة الإنفصالية خارجياً، أي في محيطها الإقليمي والدولي، يعتمد في كثير من جوانبه على تراث الجماعة الإنفصالية السياسي وما إذا كانت قد حكمت نفسها من قبل، وما تشير اليه من جهة قابليتها وإمكانيتها في حكم نفسها في الوضع الحالي، بمعنى أنها جرّبت واستطاعت حكم نفسها، بل والسيطرة على غيرها؛ وثالثاً يمدّ الحقّ التاريخي الحركة الإنفصالية أفراداً ومجتمعاً بزخم معنوي غير عادي تعتمد عليه في تمييز ذاتها وفي المطالبة بحقوق تعتقد أن لا مساومة فيها.
ربما من سوء الأقدار بالنسبة لمنطقة نجد، أنها سيطرت على مناطق متعددة المذاهب والثقافات والنشاط الإقتصادي.. ومن سوء حظها أن كل المناطق تقريباً تتمتع بإرث تاريخي لا يقبل الجدل، كما أنه ليس بعيداً عن الذاكرة، كون الدولة السعودية ـ النجدية ـ الوهابية حديثة منشأ، قريبة عهد بذلك التراث السياسي مزدحم الفصول وموضع التشابك. ليس «الحجاز» وحده من يمتلك ذلك التراث، بل في الجنوب والشرق والى حدّ ما في الشمال، فالمركز النجدي لا يستطيع أن يبحث في تراثه السياسي الفاعل أبعد من قرنين، في حين يستطيع الحجازيون والشيعة وغيرهم الحديث عن قرون من الزعامة، وعن دول أقاموها وسادت، بالرغم من أن المركز النجدي يحاول أن يحطّ من ذلك، بالزعم ـ مثلاً ـ أن الأشراف لم يحكموا سوى تسع سنوات «بين عامي 1915-1924».
ومختصر القول هنا، أن هناك «شرعنة للتمايز والإنفصال بين المناطق مقابل شرعنة الإستفراد والهيمنة النجدي»، ولا يمكن التخفيف من تلك الشرعنة إلاّ بالعودة إلى الحلول الجذرية: إبعاد الدولة عن فئويتها، والقبول بتعددية ثقافة مناطقها، وتحصيص السلطة والثروة بشكل أقرب إلى العدل، وبناء روح المواطنة القائمة على هوية وطنيّة لا تستثني أحداً ولا تسوّد فئة على أخرى.
شرعنة الذات من خلال شرعنة الآخر
بالطبع فإن كل منطقة من مناطق المملكة تستطيع شرعنة ذاتها مقابل المركز، وشرعنة المركز في الوقت ذاته ليست مبنيّة على أسس قويّة، فالجماعة «ذات الرسالة الدينية التطهرية الخالدة» فشلت في إقناع الآخر بأحقيتها في التسوّد، ولربما ـ نقول ربما ـ وجد بين الشيعة والحجازيين من يعتقد أنه يحمل رسالة خالدة؛ وهل يمكن أن تكون هناك رسالة دينية أقوى صدىً في حال انطلقت من الحجاز؟
لا شك أن بعض الأسس المشرعنة للجماعات تختلف في قوتها، لكن ما يهم حقاً ليس شرعنة الجماعة «داخل حريمها وجغرافيتها»، فهذا لا يعدّ نجاحاً حقيقياً، فإذا استطاعت نجد مثلاً أن تقنع جمهورها وأتباع «رسالتها الدينية الصحيحة» بأحقيّة تميّزها السياسي وسيطرتها وإثرتها بالحكم والغنم، فإنها في الوقت نفسه ـ وهذا مؤكد ـ فشلت في إقناع الآخر المهيمن عليه بتلك الأحقيّة. فالجماعات «الدونيّة» أو التي أريد لها أن تكون كذلك لم تفشل ـ مثلها في ذلك مثل نجد ـ في إقناع جمهورها بتميزه وأن له حقوقاًً يجب أن تصان وأن يحصل عليها، أي أنها نجحت مثل المركز الإقصائي، في شرعنة نفسها داخل إطارها الديني والجغرافي. هل نحتاج إلى أدلّة تثبت ذلك؟ لننظر إلى ما وراء مطالب الجماعات المهمّشة؛ الحجازيون يقولون بأن حصتهم في السلطة قليلة؛ والشيعة يقولون بأن خيرات البلد تأتي من مناطقهم وبالتالي فإن لهم حقاً مضاعفاً فيها، لا تجريداً لذلك الحق؛ وأهل الجنوب يعتقدون بأن المركز وربما الأطراف أيضاً قد تعمّدت إقصاءهم؛ وأهل الشمال ـ خاصة الجوف ـ يتميزون غضباً لإهمالهم وكأنهم سقط متاع. ترى، ألا تكمن وراء هذه المطالب قناعات قويّة بين جمهورها غير النجدي؟
ليس مهمّاً بدرجة ذات بال إن كانت هذه المطالب صحيحة أم سقيمة، وهي على الأرجح صحيحة جداً، ولكن المهم هو «قناعة» المواطنين المعنيين بها، بدرجة لا تستطيع الآلة الدعائية الحكومية إقناع الآخرين بعكس ذلك. هذا هو المهم، وهذا هو جوهر ردّة الفعل إزاء تميّز المركز النجدي. «الشعور بالمظلومية» أخطر هنا من «حقيقة الظلم من عدمه» نفسه، لأن ذلك الشعور هو واحدٌ من مولّدات ومحفّزات الحركة الإنفصالية.
يطيب للمركز أحياناً ـ ويستطيب بمبالغة أحياناً ـ أن يعدد إنجازاته خارج إطاره الجغرافي، ربما كمحاولة إقناع للآخر بأنه على أحسن ما يرام، وأن المركز يعتني به جيداً، وفي هذا تضليل للذات أكثر منه تضليل للآخر. إن من يجب أن يُصدر صكوك نجاح المركز ليس هم القائمون على المركز، بل المحكومون به والتابعون له؛ وهذا يعني أن شرعية المركز لا تأتي فقط من أتباعه، بل الأهم والأكثر حسماً أن تأتي الشرعية من خارج إطاره الديني والسياسي والجغرافي. وإذا كان المركز النجدي يشرعن نفسه ونهجه الإقصائي اعتماداً على أتباعه فقط، فإنها في الحقيقة شرعية ناقصة لجماعة ترى أن الحكم حق خاص بها.
لا يجب أن يفوتنا حقيقة أن الشرعية ذات وجهين متقابلين: أن تشرعن الجماعة نفسها «مقابل أو عبر» شرعنة غيرها. فإذا لم تعترف الجماعة «المهيمنة» بشرعية وجود الجماعات الأخرى، خسرت هي أيضاً «شرعنة» تلك الجماعات لحقّها في السيادة والسيطرة. إنها كالدول، من لا يعترف بدولة ما، لا تعترف به تلك الدولة أيضاً. بإمكان نجد أن تلغي الجماعات الأخرى وحقوقها من الأذهان، ولكن هذا يترتب عليه ـ كما هو حالياً ـ النظر اليها «كجماعة محتلّة مغتصبة لحقوق غيرها» ويصبح النضال ضدّها مشروعاً، إما عبر تقويض هيمنتها أو عبر الإنفكاك والإنفصال عنها، أو عبر تعديل الموازين من خلال بوابة الإصلاح الشامل.
إن عدم إعتراف نجد بالآخر، بحقوقه السياسية والثقافية والإقتصادية، لا يضرّ «اللا معترف» به فحسب، بل يضرّ «الإقصائي» نفسه. إنه يضرّ بالقيادة السياسية ـ آل سعود، وبالمؤسسة الدينية ـ الوهابية كقيادة دينية أيضاً. وإذا وجدت هاتان القيادتان نفسيهما دونما حاجة لشرعنة نفسيهما «عبر الآخر المعترف به والمتساوي في الحقوق» فإنهما «اختصرتا» ـ وبسهولة جداً ـ الطريق إلى الإنفصالية وتفكيك سلطة المركز والدولة التي أقامها.
وأخيراً فإن عدم شرعنة الجماعات والمناطق بثقافاتها المتعددة، وفي الوقت الذي ينتج حيفاً يقع عليها وعلى أتباعها، فإنه في نفس الوقت يسهّل من «شرعنة مطالبها الإنفصالية» ومن بث رسالتها الإنفصالية بين جمهورها، ومن ثمّ ما ينتج عنه لاحقاً من زيادة رصيد شرعية الجماعة الإنفصالية في الخارج الدولي والإقليمي. هنا ينبغي أن نؤكد، أن شرعية الجماعة المهمّشة، وسواء سارت باتجاه الإنفصال أو عدمه، قد أكّدت ـ تاريخياً ـ وجودها الشرعي بنظر الآخر خارج الدولة. فعدم الإعتراف بحقوق أو بوجود الجماعات المذهبية والمناطقية، لا يغير من حقيقة وجودها على الأرض، وأنّها معروفة لدى الخارج، فالمركز ـ على سبيل المثال ـ لا يستطيع أن يلغي شيئاً إسمه الحجاز ونجران وحائل والجوف والأحساء والقطيف، وإن إلغاء وجود المختلف في هذه المناطق من ذهنيّة المركز النجدي، لا يلغيه من أذهان الآخرين في الخارج، فحضوره واضح تاريخياً وحاضراً؛ ولهذا، نجد أن الحكومة السعودية ضعيفة في دفاعها ـ هذه الأيام ـ تجاه الأسئلة المتعلقّة بالحقوق المدنية لجماعات ومناطق ترى أنها مهمّشة ومضطهدة.
شرعنة الإنفصال إقليمياً ودولياً
إذا كان صحيحاً القول بأن ليس كل المواطنين لديهم الرغبة في استمرار الوحدة السياسية القائمة، ولا يجب أن يصاب أحدٌ بالوهم أنهم جميعاً سيدافعون عنها، وأن هناك متضررون من أصل قيام الوحدة، ممن خسروا «استقلالاً حقيقياً»، كما أن هناك منتفعون أساسيون ـ ولكن أقلّويّون ـ من وجودها كونها وضعتهم على قمة السلطة وهمّشت القوى الأخرى، وبالتالي فإن النظرة تجاه «الوحدة» من أساسه مختلف بشأنه بين شرائح المجتمع السعودي.. إذا كان صحيحاً هذاً، فإن من الصحيح أيضاً أن المزايدة وحدوياً وطنيّاً من قبل تلك الفئات المنتفعة لا يعكس وطنيّة حقيقية، فليس فخراً أن يدافع المنتفع من الوحدة عنها، خاصة إذا ما جعلته «السيّد» فوق الجميع، ومنحته احتكاراً مطلقاً في حقل السياسة والإقتصاد والعسكر والتعليم والثقافة والإرشاد الديني والقضاء وغيرها. إن الدفاع عن الوحدة هنا يحمل بعداً غير وطنيّ في الأساس. إنه دفاع عن المصالح الخاصة الضيّقة قبل أي شيء آخر، وهو دفاع عن أهداف غير وطنيّة وغير دينية بغطاء وطني وديني. أكثر من هذا يمكن قوله، إن هذا النوع من المدافعين عن الوحدة السياسية للمملكة هم في كثير من الأحوال المنتهكون بصدق لها، وهم بممارساتهم وتغليبهم لمصالحهم الضيقة واحتكارهم لمنافعها وبتعاطيهم التقسيمي للمجتمع السعودي على أسس المنطقة والطائفة والقبيلة، هم بهذا النهج يجعلون من ديمومة الوحدة والرغبة فيها والدفاع عنها أمراً مستبعداً.
وكما قلنا، فإنه حتى لو لم تكن هناك قوىً خارجية تدعم النزعات الإنفصالية الداخلية، أو تشير اليها بين الفينة والأخرى، أو تلوّح بها للضغط على النظام السياسي القائم في المملكة، فإن وجود مثل هذه المشاعر في حدّ ذاته آخذ بالتصاعد لوجود أسباب محليّة تغذّيه. ومع أنه من الممكن والمتوقّع ـ لأهداف سياسية ودعائيّة ـ أن توجّه التّهمة لكلّ خارج عن الدولة بأنه انفصالي يتآمر مع الخارج، سواء جاءت هذه التهمة من الحكومة أو من الفئة المنتفعة من الوحدة أو من الوطنيين الحقيقيين المخلصين.. فإنه من غير الممكن أن تحلّ المشكلة بمثل هذا النوع من المواجهات، خاصة وأننا سمعنا وقرأنا عن اتهامات بالتآمر توجّه للحجازيين ولسكان المنطقة الشرقية والشمالية بالإنفصال أو المطالبة بالحكم الذاتي، وبالتآمر مع الأميركيين واليهود، مما يشير إلى حقيقة كبرى هي أن الإنفصال في التاريخ المعاصر ظاهرة محلية الجذور.
حين تقرر جماعة أثنية «مناطقية أو مذهبية أو قومية» الإنفصال، فإن ذلك تحدّده على الأرجح العوامل الداخلية والسياسات المحليّة وعلاقات الجماعات التي تتشكل منها الدولة مع بعضها البعض. ولكن هل تحقق تلك الجماعة هدفها بالإنسلاخ عن الدولة وتأسيس دولة مستقلة خاصة بها؟ الجواب: إن ذلك تحدده على الأرجح السياسات الإقليمية والدولية، التي تستطيع بقدر ما توفير الحماية السياسية والدعم المادي للحركة الإنفصالية. لكن لا يمكن فهم الدعوات الإنفصالية بدون فهم للسياسات المحلية وعلاقات الجماعات الأثنية التي تتشكل منها الدولة. فإذا ما اجتمعت الرغبة الداخلية، والظرف الدولي الإقليمي المناسب لها، فإن أرجحية الإنفصال ونجاح دعاته يتحقق بشكل كبير. لا يكفي في الغالب لتحقق الإنفصال أن تكون منطقة أو جماعة ما مهيّأة له إن لم تخدمها الظروف الاقليمية والدولية، ولا يمكن لدولة ما مهما بلغت من القوة أن تفرض من وراء الحدود واقعاً إنفصالياً خلاف رغبة السكان، أي بدون وجود أرض خصبة لذلك.
والمملكة التي كان توحّدها في جزء كبير منه اقتناصاً لظرف وغطاء دوليين، رجّح عائلة مالكة وألغى عوائل أخريات، وسمح لمنطقة بأن تسوّد نفسها على باقي المناطق في كل المجالات.. هذا الظرف الدولي بدأ يميل اليوم بتوفير غطاء مماثل للقيام بفعل معاكس. فالظرف الدولي بمجمله منذ سقوط الإتحاد السوفياتي ألغى حواجز نفسية وعملية مستعصية أمام الجماعات الطامحة للإنفصال، وقد ظهرت عدّة دول مستقلة منذئذ على أنقاض دولها المستقلة. وبانفجارات نيويورك «سبتمبر 2001» أصبح الغطاء السياسي الأميركي الحامي لوحدة المملكة مشكوكاً فيه لتحل محله الشكوك بأن الدور الأميركي القادم سيوفر الغطاء والمبرر وربما الدعم المادي والسياسي لتقسيم المملكة.
تكمن أهمية العامل الدولي والإقليمي في مسألتين أساسيتين:
الأولى، أن الحركة الداعية للإنفصال هي في الغالب حركة عنفية، أو تتوسّل العنف لمواجهة قوى الدولة وأجهزتها المنظمة.. ربما لهذا السبب بالتحديد، هناك ما يشبه الإطمئنان الداخلي بالنسبة للنخبة الحاكمة في المملكة وقاعدتها المناطقية ـ الطائفية من جهة كونها قادرة على مواجهة الدعوات العنفية للإنفصال فيما لو حدثت بعنف مضادّ، خاصة وأن الجهاز العسكري بمجمله ليس جهازاً وطنياً وتسيطر عليه المناطقية والفئوية التي تستبعد المواطنين الآخرين من الخدمة فيه.
في حالات قليلة ينجح الإنفصال بدون عنف، كأن ينهار النظام المركزي وتتفكك الدولة تلقائياً دون أن تستطيع قوى العسكر والأمن حفظ وحدتها فيجري الإتفاق على الإنفصال دونما عنف مثلما حدث للإتحاد السوفياتي، وكذلك في حالة تشيكوسلوفاكيا ذات الثنائية الأثنية. وفي كيوبك بكندا، فشلت محاولات الإنفصال عبر استخدام صناديق الإقتراع، لكن الحركة لم تنته بعد.
لكن الطابع العنفي هو الغالب على الحركات الإنفصالية، والأمثلة أكثر من أن تحصى: تقسيم الهند أولاً، تقسيم الباكستان وانسلاخ بنغلاديش، قبرص، سيريلانكا، تيمور الشرقية وإقليم آتشيه في اندونيسيا، الشيشان، الأكراد في العراق وتركيا وإيران، حركة غارانغ في جنوب السودان، كوسوفو، وأمثلة عديدة أخرى يمكن طرحها.
الوجه الآخر لعنفية الحركات الداعية للإنفصال تعني الحاجة إلى دعم مباشر من دول الجوار أو من المحيط الأبعد «دعم الهند لبنغلاديش، الفلبين لولاية صباح الماليزية، ماليزيا بالنسبة لمسلمين جنوب الفلبين/ فطاني، تركيا بالنسبة لقبرص الشمالية..الخ». وإذا لم يتوفر الدعم العسكري والسياسي المباشرين، فإن القوى الإقليمية تستطيع بمساعدة الدولة المهددة تقليص خطر الإنفصال إلى أدنى حد ممكن.
والثانية، يضاف إلى حاجة الحركة الإنفصالية إلى الفضاء الدولي والإقليمي للتنفس عسكرياً، فإنها بحاجة أيضاً إلى غطاء سياسي يمنح الشرعية للمطالب السياسية ويبرر استخدام العنف لتحقيقها، بمعنى آخر، فإن الحركة الإنفصالية بحاجة إلى «الإعتراف السياسي» بحيث يعترف بالجماعة الأثنية النازعة للإستقلال ككينونة سياسية مستقلة يحق لأتباعها تقرير مصيرها، أي أنها تندرج مطالبها ضمن مبدأ «حق تقرير المصير». وحتى إذا ما فشلت الدعوة الإنفصالية عسكرياً، فإن الضغط السياسي الخارجي قادر «خاصة إذا ما جاء من دول كبرى قوية» على تعويض الخسائر العسكرية والدفع باتجاه الإستقلال «البوسنة وتيمور الشرقية وكوسوفو مثالاً». ونظراً لأن حالات التدخل الخارجي تكررت في السنوات الأخيرة، فإن عدداً من الدول التي تعاني من انشقاقات حادّة والتي أصابها القلق من هذا النوع من التدخلات، شعرت بأنها ليست مطلقة اليد في استخدام العنف ضد الإنفصاليين وقهرهم بالقوة، وانتهجت على اختلافها سياسات محاطة بقفازات حريرية تمنع «تدويل» مشكلات الإنشقاق المحلية والتي تستدعي عادة إثارات ومحاولات تدخل خارجية.
وما يقلق المسؤولين في المملكة بالتحديد ليس المشاعر الإنفصالية المحلية فحسب، رغم حدّتها والتي تتستّر أحياناً تحت ألف ثوب وثوب، ويجري التعبير عنها بالممارسة بأشكال صارخة في أحيان أخرى.. فهذا الخطر يمكن مواجهته بقوى الدولة الأمنية والعسكرية، ولكن ما لا يمكن مواجهته هو أن القوى الإقليمية والدولية بدأت بالتشابك مع العنصر المحلّي، الأمر الذي قد يجعل مؤسسة الدولة العسكرية غير ذات معنى، أي لا تكفي لدفع الخطر الناجم حتى مع وجود دعوة عنف إنفصالية في المملكة.
ويبدو أن المسؤولين في المملكة أصبحوا أكثر إدراكاً لأهمية العامل الخارجي، وأكثر شعوراً بالحساسية تجاهه، كما أنهم أكثر استعداداً للتعاطي معه والتنازل إن تطلب الأمر لدرئه، في حين أنهم، إطمئناناً منهم لديمومة الغطاء الواقي الغربي ربما، أو بسبب غرور القوة الطاغي، والشعور بالإستعلاء تجاه المجاميع السكانية في المملكة، لا يهتمون بالموضوع المحلّي وعلاقته بالعامل الخارجي، وكذلك بعلاقات الفئات الإجتماعية المناطقية والمذهبية مع بعضها البعض، ولا يدركون ربما أهمية ترسيخ القيم الوطنية الجامعة، وبناء الهوية الوطنية، والدفع قدماً بالمساواة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية بين المواطنين.
في فترة ما بعد أحداث سبتمبر 2001، تسمّر قسم من الرأي العام في المملكة وجلاً من احتمالية تغيير واشنطن لموقفها الحمائي لنظام الحكم في المملكة، في ظل تصاعد وتكاثر التصريحات التي ينشرها الإعلام الأميركي من دعوات غير مسبوقة تبشّر بإعادة «المُلك النجدي» إلى حجمه الطبيعي ومحاصرة التطرّف الوهابي في الصحراء عبر إقامة دولة للمواطنين الشيعة في الشرق وأخرى للحجازيين في الغرب.
بيد أن الحديث عن الظرف الإقليمي يشمل دولاً عديدة ليست ممانعة من تفكيك المملكة، إن لم تكن صاحبة مصلحة فيها، أو هي تسعى للإنتقام والمعاملة بالمثل. فيقال بأنه حتى في محيط دول الخليج وجدت دول لا ترغب في ديمومة وحدة المملكة السياسية والترابية، حيث أن بعضها ـ في أفضل الظروف ـ غير مهتم لما يمكن أن يحدث في المملكة من تقسيم، وفي أسوء الأحوال جاءت إشارات مؤيدة أو غير ممانعة. قد ترى قطر والبحرين وربما عمان والإمارات منفعة ما سياسية أو اقتصادية في حال جرى تقسيم المملكة.. وقد وصلت إشارات إلى المسؤولين في المملكة بهذا المعنى أو قريب منه من لسان مسؤولين كبار في بعض دول الخليج المتبرّمة ـ بحق أو بدون ـ من نمط العلاقة القائم بينها وبين الرياض.
والنقطة الجديرة بالإلفات هي أن دول الخليج لا تخشى «التقسيم لذاتها»، بل «الضمّ من قبل الكبار»، فالكويت تخشى العراق والأخريات الباقيات تخشى السعودية، وللأخيرة تجارب تاريخية سيطرت فيها على كل مناطق الخليج بمنطق القوة وعلى أرضية طائفية. والنخب الحاكمة في المملكة ما تفتأ تتحدث عن أحقية المملكة التاريخية في القضاء على ما تسميه بـ «الكيانات الهزيلة في الخليج» مما ولّد شعوراً بالغضب المترافق مع الخوف والرغبة في الإنتقام، والتخلّص من العبء السعودي في أقرب فرصة تتاح لها. ولذا لم يكن مستغرباً خلال العقد الماضي أن تشذّ معظم دول الخليج عن السياسة السعودية كقطر وسلطنة عمان والإمارات.
قد لا يهم اليمن مثلاً موضوع تقسيم المملكة، فالذاكرة اليمنية لمّا تنسى بعد موقف المملكة من وحدتها، حين وقفت ضد الوحدة منذ بدايتها، ثم شجعت على تفكيكها ودعمت أعداءها «شيوعيي الأمس» بالدبابات والمال كما هو معلوم. في تلك الحقبة طلبت المملكة بشكل ملحّ من واشنطن منع قيام الوحدة وبعد قيامها طلبت فسخها، ولكن كان لواشنطن أهدافها الخاصّة. فهل تستطيع النخبة الحاكمة في المملكة أن تضمن أن لا يردّ لها جارها اليمني المعاملة بالمثل؟ هذا إذا افترضنا أن لا أضرار ولا منافع أو طموحات له من تقسيم المملكة.
والسعودية حتى اليوم غير واثقة من أن طموحات الهاشميين في الحجاز قد توقفت. فالعائلة الهاشمية لا تزال ترى نفسها طريدة منفية من موطنها الأصلي «الحجاز» وهي العائلة المالكة الوحيدة في المشرق العربي التي كانت على الدوام المنافس العنيد للعائلة المالكة السعودية حتى بعد سقوط الملكية في العراق، وكلتا العائلتين تتسابقان في إرضاء الغرب لتحقيق أغراض معينة أو لدفع شرور أخرى. حتى وإن كانت العائلة الهاشمية، أو ما تبقى من أفرادها، بعيدة عهد بالحجاز، ولو افترضنا أن المشاعر الحجازية النخبوية لا تميل بالضرورة للأشراف، وهو أمرٌ يحتاج إلى تأكيد، فإن الحجاز قد أنتج لنفسه نخباً قياديّة خاصّة به في العقود الماضية، وهو إن وضع بين خيارين، فعلى الأرجح أنه لن يختار الوضع القائم.
والخلاصة.. إن الدعوات الإنفصالية في المملكة لها جذورها المحلية وتصبح خطراً في حال وجدت البيئة الإقليمية والدولية المناسبة. وكما أن المملكة بدأت تنظر إلى الولايات المتحدة كمهدد لوحدتها، فإنها لا يجب أيضاً أن تطمئن إلى محيطها الإقليمي نفسه الذي ربما يكون مهيئاً هو الآخر لحدوث شرخ في وحدتها. وعليه فإن المطلوب في الأساس النظر إلى العوامل الداخلية المعززة للتقسيم بروح ناقدة وإيلائها اهتماماً يتوازى مع العامل الخارجي إن لم يولَ فعلاً أهمية أكبر منه.