|
سأحاول في هذه الحلقة تقديم صورة لسيرورة الحركة الانفصالية وكيفية بزوغها وشرعنة نفسها، ومن ثمّ تمثيلها وتقدمها في دعوتها، وعوامل نجاحها وفشلها.
هناك قضيتنان مرتبطتان بمدى شرعيّة الانفصال. أحدها يتعلق بسؤال: كيف تستطيع حركة انفصالية ما، أن تقنع جمهورها به؟ ما هي أدوات تلك الشرعية، وما هي المدّعيات المفهومية التي تقنع ذلك الجمهور بخطوة مثل تلك، وكيف تساهم أخطاء الدولة في توفير تلك المشروعية؟. الإجابة على هذه الحزمة من الأسئلة يحلّ جزءاً من شرعية الحركة الانفصالية في داخل بيئتها المحليّة، ولكنه ليس كافياً ما لم تتحقق الإجابة على سؤال آخر له علاقة بشرعية الحركة الانفصالية في محيطها الإقليمي والدولي وهو: متى ولماذا يمنح الغطاء الإقليمي والدولي لحركة انفصالية ما ويحجب عن أخرى؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة من صميم البحث عن موضوع شرعية أي حركة انفصالية سواء وقعت في المملكة أو في غيرها، وهي أسئلة مرتبطة ببعضها إذ لا يكفي لنجاح أي حركة انفصالية أن تشرعن نفسها في بيئتها المحلية دون أن يعترف بها إقليميا أو دولياً.
يجدر بنا ـ ابتداءً ـ أن نوضح أن تحصيل الشرعية للحركة الانفصالية في محيطها الأثني أو الديني أو المناطقي قد يبدو أكثر صعوبة من تحصيل نظيرها الخارجي؛ بيد أن نظرة مليّة للحالة الانفصالية قد تعطي نتيجة مغايرة لذلك؛ أي أن تحصيل الشرعية محليّاً قد يكون أقلّ صعوبة بالنسبة للحركة الانفصالية من تحصيل الشرعية الخارجية؛ فالحركة الانفصالية تستطيع ـ وهي التي تعرف بيئتها ـ أن تستثمر كل أخطاء النظام في تأجيج المشاعر الانفصالية، فنجاحها يعود بدرجة أساس إلى جهدها الإقناعي واستخدام الأخطاء التي تقترفها الحكومة المركزية في تعزيز خطابها. أما الشرعية الدولية، فتأتي لاحقاً لتطور ونجاح الحركة الانفصالية محلياً، وهي لا ترتبط بالضرورة بقوّة الحركة الانفصالية، ولا بإرادتها، فمصالح الدول الكبرى والقوى الإقليمية قد تعترف بحركة انفصالية ضعيفة وتوفّر لها الحماية والإعتراف الدولي، في حين قد تتجاهل حركة انفصالية قويّة، إن كان الإعتراف بها لا يخدم مصالح تلك القوى والدول.
تستند «شرعنة الانفصال» بين جمهور الجماعة الانفصالية إلى معطيات واقعية أكثر منها نظريّة. بمعنى أن قيادة الحركة السياسية الانفصالية قد لا تستطيع أو لا تحبّذ في الأساس بل قد تتجنّب ـ خاصة في مراحلها الأولى ـ موضوع التنظير للانفصال بناء على مفاهيم «غير مبيّأة» محليّاً ولا يستطيع الجمهور استيعابها، كمفهوم «حق تقرير المصير» أو «الاستقلال» أو «الحكم الذاتي» فهذه المفاهيم تنتظر الحركة الانفصالية لاحقاً في معركة شرعنة نفسها دولياً. تطور الحركة الانفصالية يبدأ على شكل مراحل تبدو متداخلة بعضها ببعض، فقد تأخذ هذا الإتجاه:
1 ـ تعميق الشعور لدى جمهورها بالحيف الواقع عليه، والذي لا تخفى أدلّته ووقائعه، كون تلك الأدلة والوقائع من الأمور المعاشة والمكشوفة لدى جمهرة المضطهدين المستهدفين. لكن هذا التعميق لا يستهدف فحسب تعزيز الشعور بـ «المظلومية» بغرض تجنيد الأتباع ضمن برنامج سياسي.. بل أن أثر ذلك أعمق من هذا على صعيد الجماعة المستهدفة بالإنفصال وليس الحركة الانفصالية وأتباعها فحسب، إذ يأتي ربط ذلك «الظلم» مباشرة أو غير مباشرة بـ «التميّز» لدى الجماعة سواء كان تميّزاً ثقافياً ـ دينياً أو لغوياً ـ أو تميّزاً عرقياً أو تميّزاً اقتصاديا أو غير ذلك. حيث يشعر المضطهدون عادةً بأنهم إنما اضطهدوا بسبب «تميّزهم» وليس لمجرد «اختلافهم» عن النسيج الثقافي العام مثلاً. هذا الشعور بالتميّز، هو المادّة الخام، الذي تبنى على أسسه قواعد الدعوة للانفصال.
2 ـ تشييد الأسوار حول الذات، وذلك بالتفتيش عن مكامن التميّز الثقافي والسياسي والتاريخي والاقتصادي وتسييسه، وشحن الجمهور بجرعات زائدة منه بحيث تجعله ينظر إلى نفسه وكأنه أعلى مرتبة وقامة من مضطهديه وجلاّديه. ولهذا عادة ما تتهم الأقليّات ببناء الأسوار من حول أتباعها. ولكن ينسى المُتّهِمون أن عملية «بناء الأسوار» لا تبنيها الأقلية أو الجماعة الانفصالية بل لا تستطيع ذلك بدون أن توفر لها الفئة المسيطرة «مواد البناء» اللازمة. فسياسة التهميش والإقصاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي وغيره، توفر البيئة المناسبة لصناعة «الغيتوات» ورفع الأسوار عالية مع الآخر. ومن هنا فإنه يُنظر إلى تشييد الأسوار على أنها مجرد «رد فعل» وليس «فعلاً» بحدّ ذاته. فمتى شعرت الجماعة بأنها مهددة في ثقافتها وفي كيانها الاجتماعي اجتمعت وانطوت على نفسها؛ فـ «القمع» وسياسة «التهميش» تولدان «العزل» الذي لا يحتاج معه جهد كبير لتأطيره بالأسوار، فهذا تحصيل حاصل.
3 ـ تبدأ الجماعة بعد هذا بما يمكن تسميته بـ «رد الفعل الإيجابي» إذ ينخرط أفراد أو وجاهات من المجتمع للدفاع عن مصالح الفئة المغيّبة أو المضطهدة، وفي الغالب تبدي تلك القيادات استعدادها للانخراط والمساهمة في العملية السياسية حتى ضمن الحدود الدنيا. أي أن الحركة الانفصالية قد لا تبدأ ـ على الأرجح ـ بالدعوة إلى الانفصال، إلا بعد فشل الخيارات المتاحة، فهي تطالب بـ «الإنضمام» إلى عملية سياسية واقتصادية قائمة حُرمت منها دون وجه حق. لكن هذا المطلب قد يُرفض من الناحية العملية، فالقابضون على السلطة لا يريدون «شركاء» جدد يقاسمونهم السلطة والثروة، وإذا ما كانت الفئة المسيطرة فئوية وأقليّة هي الأخرى، كالحالة في السعودية، فإن رفضها يكون تلقائياً وبمبررات لا تقبل المساومة؛ فالإقصاء قد يجد مبرره في التفسير الديني «الوهابية» وهو بمثابة غطاء، أو «مناطقي» أو غيرهما. هنا ما يلبث أن يتطور «رد الفعل الإيجابي» إلى «حركة سياسية» أو «حزباً معارضاً» إذا ما فشلت الجهود في تحقيق الحدود الدنيا من الأهداف، فالجماعة في سعيها للبحث عن حلول لمشاكلها، تتطور وسائلها كما تتطوّر أهدافها وآليّات عملها، وقد يلجأ بعض أفراد الجماعة في ظل الصدّ والطرق المسدودة أو الفشل إلى التوسل بالعنف كأحد وسائل الحلّ.
4 ـ هنا يصبح الارتداد ليس على سياسات النظام، وإنما ضد النظام السياسي بمجمله، أي أن الفشل في «إصلاح» سياسات النظام، على الأقل تجاه الجماعة المعنيّة، يدفع بها إلى تبنّي أهداف راديكالية ينظر إليها كحل جذري لأزمة العلاقة بين الدولة والجماعة المضطهدة، وهنا أمام الجماعة واحدٌ من خيارين: السعي إلى إسقاط النظام الذي لا تستطيعه، بسبب احتكاره لكل وسائل العنف والإكراه من جهة، وبسبب عزلة الجماعة عن الجهاز الحكومي مجملاً؛ فلا يبقى أمامها من خيار إلا الدعوة إلى الانفصال، لأنّها تمتلك بعضاً من أدواته الأساسية، ولأنّ الخارج الدولي والإقليمي يمتلك بعضاً من تلك الأوراق، أي أن الجماعة الحاكمة لا تمتلك ـ في هذه الحالة ـ كل أوراق اللعبة السياسية. هكذا، تدخل الحركة الانفصالية طوراً جديداً، بانتظار اقتناص فرصة تحوّل خارجي أو داخلي أو كليهما، كالذي شهدناه عشية أحداث 11/9/2001 لتستثمره أو لتستخدمه رصيداً وأحد الجسور نحو أهدافها.
وكما نلاحظ، فإن شرعية الحركة الانفصالية بين جمهورها إنما تبنيها بمعاول وأدوات حكومية، فهذه هي التي توفّر مبررات «شرعية» سواء للخروج على نظام الحكم، أو لتقسيم الدولة نفسها. وإذا ما أدركنا أن الحركة الانفصالية ـ بطبعها ـ تخاطب العاطفة، وتعتمد في الإقناع على المحسوسات، وعلى الإجابات السهلة، أدركنا أنها قادرة على تجنيد أتباع لا يستطيعون مقاومة إغراء الانفصال عن المركز السعودي غير القابل ـ بنظرهم ـ للإصلاح والتغيير.
النخب والانفصال
يمكن الإدّعاء هنا، بأن المشاعر الانفصالية في المملكة أكثر تبلوراً لدى الجمهور منها لدى النخب، فهذه الأخيرة تخجل أحياناً من أن توصم بالانفصالية، وتحسب خطواتها في هذا الاتجاه بحرص بالغ، كما يفعل أي سياسي حريص على ألاّ يدفع ثمناً يعلم أن المشاعر العامّة تميل إليه، وكأن تلك النخب تتمنّى أن يقوم غيرها بالجهد والإعلان عن خطاب انفصالي شديد اللهجة لتستفيد هي منه في ضغوطها المطلبية على الحكم، وإذا ما حدث ذلك فإن مقولتها تتكرر: «لم آمر بها ولم تسؤني». أي لم آمر بالانفصال، ولن يسوءني إن حدث!
ما يدفع إلى الاعتقاد بأن مشاعر الانفصال قوية لدى العامّة هو ما يظهر منها من تعليقات وعبارات وأمنيات ومشاعر والتي لا تجد نظيرها بين النخب نفسها، والتي هي أقدر من العامة على كبتها أو عدم البوح بها. لهذا قيل أن المشاعر الانفصالية في المملكة «دفينة» و«حيّة» يعبر عنها رجل الشارع قبل النخبوي وقبل السياسي. وإذا كان السياسي لم يقتحم بوضوح ـ حتى الآن ـ الساحة ليبلور تلك المشاعر في حركة فاعلة ويقودها، فإنه من الناحية العملية يغضّ النظر عن تطور تلك المشاعر، وقد يؤججها في المجالس المغلقة، بل قد يحرّض عليها من وراء الستار لأسباب تكتيكية، أي أنه من الناحية الفعلية ليس ضدّ الانفصال مبدئياً، ولا هو مدافع عن الوحدة السياسية القائمة، بقدر ما يعتقد بأن الوقت لم ينضج لإعلان الدعوة، أو نضج بالفعل ولكنه لا يريد أن يدفع ثمن الإعلان، ولذا يحاول أن يتشبّث بحلول أخرى حتى وإن كانت معطياتها لا تعينه، كالإصلاح السياسي، وإعادة هيكلة الدولة السعودية من جديد، وهو أمرٌ لازال في رحم الغيب. ومن هنا لا تجد مشاعر الإحباط والانفصال لدى العامّة اعتراضات حقيقية أو جدّيّة في محيطها الأمر الذي يسمح بنموها من خلال النقاش والطرح العلني الصريح، وتتغذّى على ما يرد من أخبار ومعلومات وأحداث تصيب الجماعة التي يتبلور فيها هذا الشعور. ولو قدّر لمؤسسة تقيس الرأي العام في المملكة، خاصة بين الشيعة في الشرق والحجازيين في الغرب، وفي جوّ من الحرية وبعيداً عن الإكراه أو الخوف المستتبع لإبداء الرأي، فلربما وجدنا نسبة شعبية كبيرة تميل إلى الانفصال بدون تحفّظ، خلافاً لرأي النخبة المتردد.
هذا الإستنتاج ـ غير الناضج حتى الآن ـ يمنح الحكومة السعودية الفرصة لإبقاء النخب الدينية أو المناطقية بعيدة عن جمهورها ذي النزعة «الانفصالية».. ولكن الحكومة لا تمتلك الإرادة لتحقيق هذا الأمر، بل أنها قد لا تمتلك الآليّة الكافية أيضاً. فإبعاد «الرأس» عن ضغوط «الجسد» يتطلّب أمراً مهمّاً، وهو «دمج النخب» المهمّشة في ماكنة السلطة، إذ أن «النخب» لم تتخلّص ـ كما هو شأنها في كل الدنيا ـ من صفتها الانتهازية، ولا يوجد إلاّ القليل بينها ممن يحمل صفة مؤدلجة «مبدئيّة» تجعله لصيقاً بمشروع انفصالي مبني على حسابات دينية أو تاريخية أو سياسية.
«دمج النخب» هذا ممكن نظرياً، ولكن تعترضه قضيّتان مفصليتان:
الأولى ـ إنعدام الإطارات الجديدة التي تستوعب النخب. فنحن نعلم أن جهاز الدولة قد استكمل وظيفياً ولا توجد به مواقع شاغرة تستوعب مجاميع كبيرة من النخب التي تجد نفسها مهمّشة لأسباب قبلية ومناطقية ومذهبية. والمملكة ـ وهذه إحدى مشكلاتها ـ تتوافر فيها أعداد كبيرة من النخب المتعلّمة والطامحة لدور تلعبه، تفوق في نسبتها دولاً عربية عريقة عديدة. وتزداد المشكلة، حين نعلم أن المقاعد المشغولة لا يمكن للجالسين عليها التفريط فيها، فقد احتُلّت في بيئة ومناخ مختلف عمّا هو عليه اليوم، وتجديد النخب أمرٌ صعب في المملكة، سواء بالموت أو الإحالة على التقاعد، أو الترقيات. لن تقبل الفئة المستحوذة على جهاز الدولة «نجد بقصيمها ورياضها دون حائلها» أن تتنازل أو تخفّض نسبة احتكارها لجهاز الدولة لأيّ سبب كان، خاصة إذا كان لصالح فئات تعتبر «دخيلة» على الدولة، بل وتنظر إليها «دونيّاً» على قاعدة المذهب أو العرق أو المنطقة. ربما تستطيع الدولة صناعة إطارات جديدة من خلال التطور الطبيعي لجهاز الدولة، ولكن هذا محدود للغاية، ولا يفي بتعديل كفّة الميزان ولا يلغي شيئاً ذا بال من الاحتكار القائم.
وحتى الإستيعاب ضمن مشروع الإصلاح السياسي مشكوك فيه؛ فالجهاز المسيطر، لا شك أنه خطط أو يخطط، أن لا يأتي الإصلاح ـ إن أتى ـ على حسابه، وسيقلل ما وسعه التقليل، حتى بالإعتماد على وسائل غير شرعية، من حجم ما يعتقد أنه خسارة. فالإنتخابات المناطقية والشوريّة إن قامت، يمكن أن تستوعب بعضاً من النخب المهمّشة، ولكن «الاتجاه النجدي ـ الحكومي» سيعمد إلى كل الوسائل لتقليص حصص غيره عبر التلاعب بالدوائر الانتخابية وبالأصوات أيضاً، فضلاً عن تقليص قيمة المنتخبين والانتخابات من خلال تقليص الصلاحيات.. وبوادر ذلك واضحة للمتابعين للانتخابات البلدية والأنظمة التي وضعت لذلك.
الثانية ـ المشكلة الأخرى هي أن فكرة «الدمج» مؤدلجة دينيّاً/ مذهبياً/ وهّابيّاً؛ فالدولة قامت ولاتزال على سياسة الهيمنة والسيطرة الفئوية Domination - Hegemony وليس على قاعدة الإستيعاب والدمج Accommodation - Integration، ومما لا شك فيه أن أي مبادرة لاستيعاب المختلف عموماً، لن تلقى إلا الإعتراض الشديد من قبل المؤسسة الدينية، ومن قبل النخبة النجدية المتعلّمة. ولذا، لا يعتقد أن فكرة دمج النخب المناطقية والمذهبية والقبلية وإبعادها عن محيطها «الانفصالي» أمراً ممكناً بالصورة المطلوبة؛ فقد يجري بعض التعديل ـ إن جرى! ـ بحيث يعني أنه مجرد إشارة إلى «الرغبة» الحكومية، وليس «تحقيقها» بالفعل على أرض الواقع.
لذا، لا يعتقد أن تبتعد النخب كثيراً عن إغراءات الدعوة الانفصالية:
أولاً ـ لأنها ورقة قابلة للاستخدام والمساومة مع السلطة السياسية، بل هي أقوى الأوراق وأشدّها خطراً وتأثيراً لما لها من تأثيرات بعيدة المدى؛
وثانياً ـ لأن الحركة الانفصالية لا تتوقف ولا تموت في مناخ مثل مناخ المملكة الذي يمنحها كل القوّة والعنفوان عبر منهجية الدولة وسياساتها من جهة، ويحرّم الإفصاح عنها بقوّة القانون وبعصا الأمن من جهة ثانية! الحركة الانفصالية ستنتج ـ إن لم تكن قد أنتجت بعد، إذ أن الشك يساور المراقب بأن ما يجري في المملكة بعيدٌ عن ضلوع نخبٍ تطالب بالانفصال ـ ستنتج قيادتها ورموزها في المستقبل، الأمر الذي يشكّل ضغطاً على من يمكن تسميتهم بالجناح المعتدل لتبنّي الخطاب الانفصالي والدعوة إليه والإنخراط فيه بجدّ، أو يجدوا أنفسهم بدون جمهور حقيقي؛ إذ أن من شأن الحركة الانفصالية ـ كما شهدت كل المناطق الانفصالية الساخنة في العالم ـ قدرتها على تجاوز القيادات التقليدية والمعتدلة، وهي في الغالب تعمد إلى تحطيم كل من يقف أمامها كالسيل الجارف. رأينا هذا في سيريلانكا، وفي قبرص، وفي جنوب السودان، وفي الفلبين وغيرها. وبمجرد أن تتهاون قيادة الحركة الانفصالية ـ بعد أن تؤكد شرعيتها وتمثيلها لبني قومها ـ في الدعوة التي أسست بنيانها على أساسها، تظهر فيها الإنشقاقات من جديد. أي أن وحدة الحركة الانفصالية رهين بنزوعها المتطرّف، ورهين بعدم المساومة، كما هو رهين أيضاً بمسائل أخرى ليس هنا مجال نقاشها.
شرعية الحركة الانفصالية
تقوم شرعية الحركة الانفصالية على قاعدتين رئيسيتين لتحقيق تمثيلها لجمهورها:
القاعدة الأولى ـ هي فصل جمهورها وقطع ما تبقى من خيوط وأواصر مع المحيط الاجتماعي والسياسي المختلف، وبالذات عن السلطة السياسية. وهذه الخطوة لا تمثل تحدّياً كبيراً. فالسلطة السياسية كما في المملكة ليست أثيرة لدى الجمهور لا في الشرق ولا في الغرب ولا في الشمال ولا في الجنوب، وبالتالي بإمكان الحركة الانفصالية أن تطرح نفسها «كبديل» عن سلطة «غير محبوبة». أي أنها تستطيع أن «تنازع» السلطة السعودية القائمة في مجال الشرعية «المعنوية» وإن بقيت «شرعية القوة» بيد السلطة ـ العائلة المالكة، تلك الشرعية هي «خضوع» أكثر منها شرعية حقيقية وصميمية.
القاعدة الثانية ـ هي أن تصبح الحركة الانفصالية «الممثل الوحيد» للجمهور؛ فبعد إقصاء السلطة القائمة من لعبة الشرعية المحلية، يبقى التنافس بين القوى المحليّة. هنا لا تستطيع القوى المعتدلة ـ على الأرجح ـ مقاومة مزاعم ودعاوى خطاب الحركة الانفصالية؛ فمن ينبري للدفاع عن الوحدة السياسية القائمة يُربط بشكل مباشر بـ «الدفاع عن نظام الحكم» أي عن الجلاد، ولن يسلم من يقول بذلك من اتهامات بالعمالة والخيانة ومناصرة الظالم ضد أهله. ولأنّ الجدل لا يمكن أن يتخذ صفة منطقية في مثل هذه المواضيع «من جهة احتساب الأرباح والخسائر، ووضع الأيديولوجيات مقابل الأخرى، والمبادئ مقابل مبادئ مناقضة من أجل المقارنة» يتوقع أن لا تجد التحذيرات من قبل المعتدلين صدىً ذا بال لدى الجمهور، حيث سيختطف قرار «الأكثرية» بسهولة لصالح الخطاب الأكثر تشدداً في مواجهة السلطات، ولن يعدم صانعو ذلك الخطاب من تفنيد رأي المنافس ـ كما هو حاصل الآن في بعض حلقات النقاش ـ لأن «المعتدل» لا يمتلك مادّة يعتدّ بها في الدفاع عن رأيه؛ فالسلطة السياسية لا تعينه بممارساتها، ولا تنظر إليه في الأساس نظرة احترام وتقدير إن لم تكن تتهمه هو الآخر بالانفصالية والعمالة وغيرهما؛ أي أن المعتدل يقع تحت ضغط جمهور الحركة الانفصالية من جهة، وبطش الحكومة وأجهزتها الأمنية من جهة أخرى، فلا يجد أمامه، والحال هذه، إلا التراجع والانعزال والانكفاء، أو الانخراط في تيار الانفصالية. أما في حال استمر التراشق بين الانفصاليين والمعتدلين فقد يتطور الأمر لاحقاً إلى العنف، لإثبات «أحقيّة تمثيل الجماعة» كما حدث في مناطق عديدة من العالم.
باكتساح الخصوم السياسيين في دارها، تكون الحركة الانفصالية قد حققت شرعيتها بين جمهورها من خلال تمثيله السياسي، والتعبير عن طموحاته وتطلعاته المستقبلية.
رواج ثقافة الانفصال
في أكثر الأحيان، حين تشعر جماعة أثنية «دينية أو مناطقية أو عرقية» بأنها مهددة بالامتصاص ثقافياً من جماعة أخرى، فإنها قد تستجيب لذلك بصورة عكسية عبر التأكيد على خصائصها الثقافية الفريدة، واستدعاء فصول من تاريخها المجيد، وفرض الفواصل مع الآخر وتدمير الجسور والروابط معه، في حركة يمكن تسميتها بـ «الحركة نحو التمايز Movement of Differentiation».
إن إحياء الثقافة الخاصة للجماعة نابع في الأساس من شعور الخطر بالتهديد الخارجي، والخوف من الذوبان والامتصاص الذي يجرّ معه فقدان للهوية الخاصة. وحين يشعر قادة الجماعة بأن هويتهم مهددة تبدأ عملية الإحياء الثقافي الخاص بتأكيد تاريخها الانفصالي وبخلق العداوة مع الآخر لشحذ الهمم الداخلية وتوحيدها أمام العدو المفترض، كما وتستدعى ذكريات الإهانة التي تعرضت لها الجماعة على يد الجماعة المنافسة والإجحاف الذي لحق بها لتشكل الوقود الدافع نحو تعزيز الهوية الخاصة. وفي بعض الأحيان يجري تنقية اللغة الخاصة أو اللهجة من الشوائب الخارجية التي تسربت من الجماعة المجاورة، وحتى الممارسات الدينية تُطهر بنفس الطريقة بحجة العودة إلى الأصالة والطهر والصفاء والعقيدة الصحيحة. وبهذا تصنع الهويّة من جديد أو يعاد تشكيلها جنباً إلى جنب الإحياء الثقافي وتتم صناعة الحدود ورسمها بين الجماعة والجماعات الأخرى بالشكل الذي يجعل اختراق هذه الحدود أمراً صعباً للغاية على الأفراد. وينبغي ملاحظة أن الجماعة التي تصقل سيف اختلافاتها مع الآخر خوفاً من فقدان الهوية تصبح في النهاية داعية للانفصال بشكل قوي.
أيضاً فإن الجماعة التي تحقق أهدافها السياسية على أسس ثقافية «تشمل الدين» تميل على الأرجح إلى تأكيد تلك العناصر التي ساعدت على تحقيق الأهداف. فالوهابية مثلاً أصبحت دين الدولة الرسمي بعد أن تمّ تشكيل الدولة وتأسيسها، مثلما في بورما اعتبرت البوذية ديناً رسمياً، ومثلما في سري لانكا اعتبرت اللغة السنهالية لغة الدولة رغم أنها كانت لغة ميّتة مقابل التاميلية «لغة المثقفين» ولكن جرى إحياء الأولى وتسويدها.
إن شعور سكان المناطق غير النجدية لم يتغير في الوقت الحالي كثيراً عن وضعه منذ أن قامت الدولة، بل قد يكون الشعور بالغربة داخل الدولة قد تصاعد بالنسبة لفئات اجتماعية عديدة ترى أنها غير معنية بدولة هي أقرب ما تكون في خصائصها ـ حسب نظرهم ـ إلى «النجدية» منها إلى «السعودية».
بديهي هنا أن الجو الأمني والسياسي في المملكة قد لا يتيح اليوم تعبيراً عن حركة انفصالية مشخّصة المعالم ـ حتى إن وجدت ـ فتواجدها لن يكون إلاّ سرّيّاً، أما انعكاسات ذلك الوجود فعلنيّة، لا يمكن مكافحتها أمنياً. أي لا يمكن منع النقاش في الموضوع، ولا تداول المواد الثقافية التنزيهية للذات عن المدينة والقبيلة والمنطقة والمذهب وعن شخصيات تاريخية لم تحتوها ثقافة وطنية ولا تاريخ وطني، ولا يمكن منع تفسير خطوات الحكومة وسياساتها المحلية بالصورة التي تخدم الوجهة الانفصالية، ولا منع المواطنين العاديين من التعبير عن التطلعات والأحلام بقيام دولة «الخاصة» بعيداً عن تغوّل «المركز» واحتكاره وفئويته، كما هو حادث اليوم بشكل واضح في أكثر من منطقة من المملكة.
الحركة الانفصالية بنموها الحالي، في ظل وجود قبضة السلطة القويّة المتمكّنة، يكشف عن قدرة حكومية محدودة في السيطرة على فضاء «الثقافة الانفصالية» ومتوالياتها، خاصة إذا ما كانت هذه السلطة ـ بحمقها وجهلها ـ تنحاز إلى ثقافة وهوية فئوية، وتدخل في معارك بالنيابة عن تلك الثقافة والهوية، بغرض إضعاف من تعتبرهم خصوماً وتجريدهم من أسلحتهم الثقافية.
وفي كل الأحوال، بإمكان السلطات ـ السعودية ـ أن تلتف، كما فعلت دولٌ أخرى، على هذه الثقافة المولّدة لمشاعر الإنفصال، بتعطيلها عبر استيعابها، والسماح لها بالتعبير عن نفسها. فقيمة «الثقافة الخاصة» وخطورتها لا تنبعان بالضرورة من ذاتها ومن مفرداتها ومحتوياتها، بقدر ما تستمد القوة من المحيط الخانق المفروض عليها، الأمر الذي يجعلها ذات قيمة كبيرة لأتباعها، ويجعل منها موضوعاً سياسياً خطيراً حين توضع إلى جانب قضايا أخرى عالقة، فتصبح نسيجاً ملغوماً. بإفساح الطريق لها، نشراً وتوزيعا، تفقد الثقافة الخاصة أهم عناصر قوتها وهي كونها «ثقافة المتميّزين» أو «ثقافة المحرومين» أو «الثقافة الممنوعة والمضطهدة» والتي ما مُنعت إلا لقيمتها وأهميتها! بإفساح المجال لها، تصبح عناصر تلك الثقافة «مكشوفة» وعرضة للجدل والنقاش والطعن بين جمهورها كما بين أعدائها أو مخالفيها، فتؤسس بذلك عناصر «عقلنتها» والسيطرة عليها، وتخرج من كونها سلاحاً للتدمير الشامل أو العابر للقارات!
شرعنة الإنفصال مقابل شرعنة الهيمنة
في الغالب لا يشرعن «الإنفصال» إلا إذا شرعنت «الهيمنة» من قبل فئة ما في الدولة. مقابل الإحتكار السياسي والديني والإقتصادي والعسكري، يكون هناك من يطالب بالإنفصال عن دولة بهكذا مواصفات فئوية. يتعدّى موضوع شرعنة الإنفصال موضوع «وجود حركة انفصالية» إلى شرعنة «الجماعة» نفسها والتي تقطن إقليماً معيّناً. فالإحتكار وسياسة الهيمنة يتضمنان إعلاناً فاقعاً بأن «الآخر» ليس موجوداً البتة. ولقد مضى زمن على السعوديين ـ كأفراد ـ وهم لا يعرفون طبيعة النسيج الإجتماعي الذي تتشكل منه الدولة. فإلى وقت قريب لم يعرف كثيرون أن هناك شيعة في المنطقة الشرقية، أو إسماعيليين في الجنوب، أو متصوفين في الحجاز، أو أتباع المذاهب الأخرى السنيّة غير الوهابية. وحتى من أدرك شيئاً من هذا الوجود، ففي الغالب كان إدراكاً لشيء ضئيل الأهمية، لم تسلّط عليه الأضواء، ولم يعطَ حجمه، بالنظر إلى سياسة الدولة في تغييب المخالف أو المختلف كليّاً عن فضائها وصورتها المحلية والخارجية، وتعمّدها على إظهار صورة نمطية واحدة تتشكل منها الدولة.
الإحتكار من جهة، يعني «إلغاءً» لجهة أو جهات.. إلغاءً ثقافياً أو سياسياً أو غيرهما؛ إنه شطب ـ بكل ما في الكلمة من معنى ـ لذلك الوجود، ولحقّه في التعبير عن ذاته، ولحقوقه الأصيلة في دولة. والإحتكار وسياسة الهيمنة تعنيان «العزل»، وهو أبعد أثراً من «التهميش» والعيش على حافة المجتمع أو في أدنى درجاته الطبقية والوظيفية والإعتبارية. ولهذا اكتسبت الدولة السعودية وجهاً «نجدياً» منذ نشأتها؛ واكتسبت «الوهابية» تمثيلاً لمجتمع متعدد بدون منطق أو وجه حق، عدا الزعم بامتلاك الحقيقة الدينية التي لم يمتلكها أحدٌ من الأولين ولا الآخرين! هذه الصورة للدولة من الخارج كان يجب أن تكشف للواعين عن «مرض» عضال، مرض قد يودي بحياتها دونما مقدمات، كون هذه الصورة مزيّفة، لا يفيد الإدّعاء بأنها صحيحة، ولا يفيد إقناع الآخر الخارجي بأنها كذلك، طالما أن كثيراً من المواطنين يعلمون علم اليقين أنها صورة ليست صحيحة.
ولذا، فإن الجماعات المشكلة للمجتمع السعودي، وإن خضعت لقهر السلطة ومذهبها، فإنها كانت تحثّ الخطى في الدفاع عن ذاتها «كجماعات» جرى إلغاؤها، وتحاول إثبات حضورها ووجودها بكل الوسائل الممكنة. إن من يُلغى في النشرة الجوية، ويلغى إسمه من خارطة المملكة الجغرافية، ويلغى وجوده في مؤسسات الدولة ولا يستطيع أن يبيح بهويته الخاصة ولا حتى بمكان سكناه وتولده، كما لا يستطيع أن يدافع عن حقه المنهوب جهاراً نهاراً، لا يمكن أن يوصف إلا بأنه يعيش «معركة وجود» و«تحدّي بقاء» سواء اتخذ الصفة المناطقية أو الثقافية أو غيرهما.
|
يتتبع
|
|