المعارضة السعودية والإنفصال
المعارضة الحجازيّة.. سماتها وأهدافها

 

         كان الحجاز قبل توحيد المملكة يدار من خلال أجهزة وأنظمة متقدمة سبقت مجيء الحكم السعودي، فقد كان هناك دستور ومجالس بلدية وجيش نظامي وصحافة وتعليم وإعلام، وهي أمور يجهلها سكان مناطق المملكة الأخرى في الشرق والشمال والوسط والجنوب. وكان الحجاز يقيم علاقات عريقة مع الخارج بفعل التجارة بعيدة المدى إضافة الى الحج، وهي روابط لم تعرفها سلطة الملك عبد العزيز. لهذا ـ يقول غسان سلامه في كتابه: السياسة الخارجية السعودية ـ أن عملية دمج الحجاز كانت شاقة «حيث كان ينبغي تجنب إثارة سكان الحجاز المدنيين الذين يغلب عليهم طابع التجارة والتحضر والذين لا يتوانون عن إظهار تفوقهم على المقاتلين النجديين البدو». أما نجد وملحقاتها فقد كانت تدار بصورة بدائية للغاية، يوضحها فؤاد حمزة في كتابه «البلاد السعودية» فيشير الى ان المملكة السعودية كانت تدار في عام 1936 عبر: «الشعبة السياسية وكانت تتولى ادارة الشؤون الخارجية للبلاد، وكانت وزارة الخارجية في جدة ملحقة لها في الواقع ـ شعبة البرقيات ـ شعبة البادية وداخلية نجد ـ المحاسبات والأعطيات ـ الوفود والضيافة ـ الديوان الملكي ويختص بالشؤون الداخلية ـ الخاصة الملكية ـ أهل الجهاد ـ الخزينة الخاصة ـ المخازن الخاصة ـ رئاسة الحاشية ـ رئاسة الخيل ـ رئاسة الجيش «الإبل» ـ السيارات ـ المقرئ والمؤذن».
عبر هذا النوع الهلامي من التنظيم كانت أمور نجد تدار، رغم وجود تنظيم أفضل في الحجاز للإدارة حيث كانت النيابة العامة بمثابة حكومة محلية، وكان سكان الحجاز قد عرفوا مضمون الإنتخابات ومارسوها بشكل مبتسر وهو أمر لم يتح في أي من أقاليم المملكة الأخرى. وتحسباً وخشية من الحساسيات، وبعد ان سقطت مكة طلب الملك عبد العزيز من أعيان الحجاز أن يحضروا اجتماعاً أعده وألقى فيه خطاباً اعترف فيه بخصوصيتهم الجغرافية وربما الثقافية، وأتاح لهم فرصة الإشراف وتولي مسؤولي ادارة بلدهم. قال الملك: «إن دياراً كدياركم تحتاج الى اهتمام زائد فأنتم أعلم ببلدكم من البعيدين عنكم، وما أرى لكم أحسن من أن تلقى مسؤوليات الأعمال على عواتقكم، وأريد منكم ان تعينوا وقتاً يجتمع فيه نخبة العلماء ونخبة الأعيان ونخبة التجار... ثم هؤلاء الأشخاص يستلمون زمام الأمور فيعينون لأنفسهم اوقاتاً معينة يجتمعون فيها ويقررون ما فيه المصلحة للبلد ـ الحجاز». وبهذا ولد ما عرف باسم «المجلس الأهلي» لإدارة أوضاع الحجاز الداخلية وذلك عام 1924م.
بالطبع لم تقابل ريادة الحجازيين بارتياح، مع أنهم كانوا أكثر مطواعية وقدرة في التعامل مع أمور الدولة، في حين ان النجديين كانوا يمثلون حتى ذلك الحين صلابة وخشونة الصحراء والمذهب الوهابي الذي بعث بين جنباتها، وقد يجوز لنا القول بأن نجد كانت تمثل «الثورة» وهو مصطلح أطلقه جلال كشك في كتابه: السعوديون والحل الإسلامي على حركة الإخوان النجدية، ولم يكن لدى النجديين بشكل عام القابلية في ذلك الوقت لتقمص دور الدولة القطرية بعد أن استكملت المملكة حدودها المتعارف عليها. كانت خبرتهم منحصرة في الحرب والقتال، وكان مفهوم الدولة القطرية أبعد ما يكون عن أذهان طليعة النجديين من رجال الدين وقيادات العسكر. ولذا كان من البديهي أن يغلب آل سعود «بناء الدولة» على الإستمرار في «الثورة» وأن يميلوا الى رجال الحجاز باعتبارهم الأقدر على الإيفاء بمتطلبات الدولة، فقد كانوا أكثر إدراكاً للمعطيات السياسية والإقليمية والدولية، ولأن تربيتهم حضرية، فضلاً عن حصولهم على تأهيل علمي، بحيث ساعدهم كل ذلك على تبوء مقعد الإدارة لفترة وجيزة. اما المجتمع النجدي فلم يبدأ التخلي عن مفهوم الثورة وتصدير المذهب الوهابي بالقوة الى المناطق والدول المجاورة ـ والى حين فقط ـ إلا بعد نكسة الإخوان عام 1930، فقد كانوا يشكلون العمود الفقري للجيش النجدي، واصطدموا مع الملك السعودي لأسباب عديدة من أهمها انهم ارادوا مواصلة الجهاد «الثورة» والسيطرة على العراق والكويت والإمارات الساحلية اضافة الى الأردن، وهو امر كان مستحيلاً لأن تلك الدول والإمارات كانت خاضعة للإشراف البريطاني المباشر.
وحتى نهاية الخمسينيات الميلادية، كانت مشاركة الحجازيين في جهاز الإدارة الحكومي أمراً لا غنى عنه، ولم يكن في نجد سوى القليل من الكفاءات العلمية. ومع زيادة المداخيل النفطية، واستئثار إقليم الوسط بالخدمات.. تسارع نمو الطبقة الوسطى فيه، فظهرت بعض الكفاءات العلمية التي كانت بالبلاد بحاجة مساسة اليها، وبدأ النجديون يشغلون مقاعد الحجازيين بتشجيع النظام السياسي. وكان الملك فيصل قد وقع تحت ضغط شديد من علية القوم النجدي بسبب قربه من الحجاز ورؤيته بأن الحجاز يستحق موقعاً في الدولة أكبر مما كان، لكن الغلبة كانت للرأي المتشدّد، والذي مثله السديريون، بحيث أنه ما إن وصل فهد الى السلطة بعد مقتل فيصل حتى تمّ تجريد الحجازيين من قواهم بصورة منظمة من كل مواقع الدولة: في جهاز وزارة الخارجية، وفي المالية، وفي الجيش الذي ابتني أساساً على أنقاض الجيش الحجازي النظامي. إضافة ـ بالطبع ـ الى إقصائهم من ميدان التعليم العالي، ومن الجهاز الديني والقضائي برمته. تلك السياسات التي اتخذت عنواناً عريضاً: «تنجيد الدولة وتوهيبها» أدّت الى بروز مشاعر حادّة تجاه الدولة، ونزعة صارمة تجاه الماضي وتراثه السياسي والثقافي المستقل. وما إن قام صدام باحتلال الكويت، إلا والقلق يثير الحكومة السعودية من أن الحجاز يمكن أن يعود ثانية الى الأردن، وتتقسم المملكة، ضمن ما أشيع حينها من وجود مؤامرة تقسيمية. وبسبب هذا الخوف من العنصر الحجازي النامي باتجاه الإستقلال، اندفع الملك فهد باتجاه اصدار قرار فوري بإخراج القوات المصرية بمجرد ان انتهت حرب تحرير الكويت، وعلق أحد النجديين بالقول: "حسناً فعل الملك، إنها ضربة معلم. نحن لا نعلم ماذا ستفعل هذه القوات في المستقبل، فقد تنقلب علينا، وندري نحن بأن ميول الحجازيين مصرية منذ القدم، وربما قاموا بأمر ما بمساعدة القوات المصرية"!
المعارضة الحجازية
تعرّض الحجازيون ولازالوا الى تمييز ثلاثي الأبعاد:
أولاً: تمييز على خلفية دينية/ مذهبية من قبل الوهابيين، فهم في نظرهم كفاراً أو مبتدعة أو مشركين، أصحاب الموالد، وصوفيين وغير ذلك.. حتى أن الدكتور محمد عبده يماني حين تحدث أمام ولي العهد بعيد انتهاء مؤتمر الحوار الفكري في الرياض قال في كلمته بأنه كان ينوي عدم المشاركة، إذ كيف يشارك أناساً في نقاش «يعتقدون بكفرنا ولا يسلّمون علينا»؟!
ثانياً: تمييز على أساس مناطقي، فالحجاز كحدود وكمنطقة واضحة المعالم، ولها من الإرث التاريخي المصادم لنجد الكثير، وبالتالي فإن النزعة النجدية لم تأخذ بعداً مذهبياً فحسب، بل بعداً تاريخياً مناطقياً شديد القسوة، واتسم بالحدّة والمنافسة. إن الحجاز أكبر كيان مناطقي في المملكة وأكثرها تطوّراً وأعظمها خطراً، وله من الإرث السياسي الإستقلالي ما يجعله منافساً للسلطة الحاكمة ضمن محيطها النجدي. ولهذا فإن البعد المناطقي في الحجاز غالب على البعد الديني وغيره.
ثالثاً: التمييز على أساس عنصري، فالمنطقة الحاكمة والمذهب الوهابي الحاكم، ينظران بازدراء الى الحجازيين وينتقصون من مواطنيتهم وكراماتهم وينظرون بازدراء إليهم «كطرش بحر أو مخلفات حج»! والمذهب الوهابي يحوي قدراً غير قليل من عناصر العنصرية والقبلية. كما أن نجد في مجملها تمجّد الأحساب والأنساب والعنصر، وترى نفسها أرفع شأناً حتى من «الأشراف» الذين هم من نسل الرسول صلى الله عليه وسلم!
ربما لهذه الأسباب وغيرها، انعكس الأمر على سمات المعارضة الحجازية، حيث تميّزها أربع سمات رئيسية:
الأولى، أنها معارضة نخبوية، أي أن حركتها لم تتسم بالصفة الجماهيرية حتى اليوم، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى أن قيادة الحجاز التقليدية تشمل بيوتات دينية وتجارية بعينها، وهي بيوتات لها مركزيتها في بيئتها المحلية ولها تواصل ثقافي وتجاري وديني مع عموم جمهورها، ويمكن ملاحظة الترابط بين تلك العوائل. بمعنى آخر إن المعارضة الحجازية لم تستطع بحكم تركيبة المجتمع الحجازي، أو لم تعمل بما فيه الكفاية، لإشراك جمهورها في النشاط السياسي أياً كانت صفاته، وبقي ذلك الشأن منذ السيطرة النجدية على الحجاز وحتى اليوم رهين بتلك النخبة وتوجهاتها.
الثانية، أنها معارضة معتدلة دينياً، فالتوجهات الدينية التي تصدر من الحجاز يغلب عليها طابع الاعتدال، ويميل الحجازيون الى المؤسسة الدينية في مصر والى رموز دينية مصرية وسورية وغيرها، حيث يرون في هذه المؤسسات والشخصيات أنها أقرب إلى تمثيلها دينياً من المؤسسة الدينية الرسمية الوهابية.
الثالثة، أنها معارضة غير عنفية، حيث نجد أن دعوات الإصلاح أكثر اعتدالاً من مثيلتها في نجد، ومثال ذلك العريضة التي غلب عليها الطابع النخبوي الحجازي في عام 1991، في حين ـ بالمقارنة ـ تجد عرائض النجديين، الدينيين خاصة، حادّة عنيفة جذريّة إقصائية «مذكرة النصيحة مثلاً». لكن في حالات قليلة من التاريخ ظهرت معارضة عنيفة من الوسط القبلي الحجازي، وليس المدني/ الحضري منه. بيد أن هذا لا يمنع احتمال قيام معارضة عنيفة في المستقبل، آخذين بعين النظر حقيقة أن السيطرة الحكومية/ النجدية قائمة في أحد أهم أوجهها على معطيات قوة وعنف، وعلى حسابات نفسية للشارع الحجازي، الذي يعتقد الحاكمون أنه مازال يعيش مرحلة انكسار تاريخي منذ مجازر الطائف المروعة عام 1924م، وما تلاها من سياسات باطشة لازال الكثيرون يتذكرونها. وأيضاً لا يستبعد أن تكرر النخبة الحجازية اعتمادها على الجناح القبلي الحجازي وإقحامه في النشاط المعارض، كما فعلت في الثلاثينيات الميلادية الماضية بتحالفها مع قبيلتي الحويطات وبلي، مع أن الحكومة تبدو وكأنها استطاعت تحييد الجزء الأهم من العنصر القبلي الحجازي لصالح مشروعها، واستخدامه ضد تلك النخبة الحضرية.
أيضاً، ظهرت لمرة واحدة محاولة استخدام السلاح ضد الحكم السعودي، حين قام الطيار عبدالله المنديلي في الأربعينيات الميلادية الماضية بمحاولة «مع آخرين» قصف مخيم الملك عبدالعزيز، وقيل أن عناصر قبلية كانت ضمن التخطيط لتحرير الحجاز، ولكن المحاولة فشلت وأعدم بعضهم، وفرّ المنديلي الى العراق الهاشمي، تاركاً عائلته وأصدقاءه في الحجاز حتى مات. في تلك الأثناء، ظهرت أنشودة وطنية حجازية لم يفهمها النجديون، وكان الكبار والصغار يرددونها وهي تعكس الحالة النفسية لدى الجمهور الحجازي الذي تألم لفشل المحاولة. يقول مطلع النشيدة/ الأغنية:
منديلـي لا تبكـي قبلك بكيـنــا
حتى حمـام البيت يـشهـد علينـا
يشار هنا أيضاً الى أنه في عام 1969، قام بعض الحجازيين في الجيش بمحاولة تدبير انقلاب عسكري ضد آل سعود، بقيادة العقيد المتقاعد علي زين عابدين والعقيد المتقاعد عبدالله عيسى وآخرين. قيل أن هؤلاء كانوا يعملون تحت إمرة أو تأثير أحمد الطويل، الذين كان ينظر اليه كصديق للأمير فهد وزير الداخلية «الملك فيما بعد». قيل أيضاً أن الإنقلابيين كانوا يؤيدون فيصل مقابل سعود، وكانوا على علاقة مع الأمير طلال، وأن هدفهم في الأساس كان تحقيق بعض الإصلاحات السياسية ولكن تأخر تلك الإصلاحات دفعهم لمحاولة الإنقلاب «حسب هيلين لاكنر، في دراستها: بيت بني على الرمال، ص 102-103».
الرابعة، من جهة الأهداف يمكن اعتبار المعارضة الحجازية ذات هدف مناطقي، سواء تعلق الأمر بهدف كبير كإعادة الحجاز الى عهده القديم: دولة مستقلة معترف بها من قبل الأمم المتحدة «مثلما كان معترفاً بها من عصبة الأمم» أو تعلق الأمر بهدف أقل: أي تحصيل منافع لجمهورها الحجازي، الذي ترى أنه محروم ـ على خلفية مناطقية ومذهبية وعنصرية ـ من حقوقه كمواطن من الخدمات والوظائف. ولعلّ هذا الهدف، واحدٌ من أهم الأهداف التي تريد النخبة الحجازية من اشتراكها في مهمات بناء وطن المساواة والعدالة والإصلاح، عبر الوسائل السلمية «العرائضية» المعروفة والتي لم تغيّر حتى الآن شيئاً من الواقع التمييزي.
لقد اتخذ النشاط السياسي للنخبة الحجازية في السنوات الأخيرة مسارين واضحين:
الأول، الاشتغال بالعمل الوطني، والتحرك من أجل إصلاح سياسي، يشمل خيره إن تحقق أهل الحجاز وغيرهم، أي أبناء الوطن بقضّهم وقضيضهم. وقد شاركت بعض الأسماء المعروفة في الدفع بهذا التوجّه رغم الميل السلبي تجاه نتائجه المتوقعة، على أمل أن يستعيد الحجاز وأهله مكانته الدينية والسياسية والعلمية في الدولة والتي تمّ تقزيمها منذ أواخر السبعينيات الميلادية فصاعداً.
الثاني، هناك بين النخب الحجازية من لا يأمل بتغيير سياسي في المستقبل المتوسط والمنظور، بالنظر الى التجارب السابقة، وقد أدى القمع السلطوي المتعمّد «المنهجي» للخصوصية الحجازية، وسقوط الدولة في أوحال الطائفية والمناطقية إلى قيام محاولة نخبوية حجازية بتأسيس حراك ثقافي لإعادة إحياء الهوية الحجازية دينياً وثقافياً واجتماعياً. ولذا توجهت بعض الجهود في هذا الإتجاه كرد فعل طبيعي على التهميش وخشية من ضياع التراث والهوية الخاصة. بيد أن هذا التوجه يقابل بالحذر الحكومي، والخشية من أن يقفز الحجازيون من فوق هذا التراث الى مطالب الإنفصال.
الحزب الوطني الحجازي: الحزب المناطقي النخبوي
ظهر الحزب قبيل سقوط دولة الحجاز وإنهائها على يد الملك عبد العزيز آل سعود، وتولّى زعماء الحزب وهم أعيان الحجاز: عبد الرؤوف الصبان، وفؤاد الخطيب، والقائم مقام محمد صادق، وطاهر الدباغ، وعبد الحميد الخطيب، ومحمد الطويل وغيرهم، تولوا معارضة الحكم السعودي داعين إلى استقلال الحجاز، وعودته إلى ما كان عليه: مملكة ذات سيادة يحكمها حجازيون. وقام هؤلاء النفر بنشاط سياسي وإعلامي مكثف ـ بحساب ذلك الزمان ـ فاتصلوا بالجمعيات الإسلامية في الهند وغيرها، وارتبطوا بوشائج سياسية قوية مع اليمن ومصر والأردن والعراق لتخليص الحجاز من الحكم «الوهابي». كما حاول بعض أفراد الحزب إقامة تحالفات مع قبائل حجازية بدوية من أجل الإستفادة من قواها العسكرية في مناهضة الوجود السعودي في الحجاز.
ورغم أن الحزب لم يكن يمانع من استخدام العنف، إلا أنه كان حزب نخبة وأعيان، أبدى براعة في العمل السياسي والإعلامي، ولكنه لم يكن قادراً على القيام بأي عمل عسكري، اللهم إلا عبر الإتفاق مع زعماء قبليين. قيل أن ثورة قبيلة «بلي» في شمال الحجاز في 1934م كانت بتحريك من أعيان الحزب، وقالت تقارير بريطانية بأن اعتقالات واسعة قد طالت الحجازيين أثناء ثورة زعيم القبيلة حامد بن رفادة، والذي قتل وتلاعب الصبيان برأسه بأمر من الملك السعودي، كما يقرر ذلك خير الدين الزركلي في كتابه: «شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز».
كان معظم قادة الحزب قد قطنوا مصر بعيد الاحتلال السعودي للحجاز، وكانت حكومة القاهرة وملكها «فؤاد» ساخطين بشدة على آل سعود واستيلاء «الوهابيين» على الأماكن المقدسة، وما تلاها من مشاكل للحاج المصري، إلى حد انقطاع الحج لفترة «مصادمات وقتلى المحمل المصري المعروفة»، ورفض السعوديين أن تأتي كسوة الكعبة من مصر كما هي العادة. قام الحجازيون ـ في ظل الصراع السعودي المصري ـ بنشاط إعلامي غير قليل، ولكنهم بعد مضي نحو عشر سنوات من سقوط دولة الحجاز عادوا إلى بلادهم بتمهيد من الملك عبد العزيز حيث أصدر عفواً عاماً عن وجهاء الحجاز في السابع من شوال 1353هـ، فعادوا وقدم بعضهم اعتذاره للملك، بل أن الملك عبد العزيز أراد أن يصنع من عودتهم مناسبة تآلف وطني في ظاهرها.
بعد إخماد ثورة قبيلة بلي المسلّحة، وبعد الضغوط السعودية البريطانية على كل من الملك فؤاد في مصر والملك عبد الله في شرقي الأردن، والملك فيصل الأول في العراق للكف عن التدخل في الشؤون الداخلية لابن سعود!، عاد زعماء الحزب الوطني الحجازي الى وطنهم، وشغل الملك عبد العزيز أعضاءه ببعض المناصب الصغيرة.
ففؤاد الخطيب الذي كان وزيراً لخارجية الحكومة الهاشمية في عهد الشريف حسين ثم في عهد إبنه الملك علي بن الحسين، ظلّ ملازماً للأمير عبد الله في شرق الأردن قبل أن يعيّنه الملك عبد العزيز سفيراً للسعودية في أفغانستان حتى وفاته، فكان تعيينه ذاك بمثابة النفي «الى الآخرة».
ومحمد الطويل الذي كان وزيراً مسؤولاً عن الرسوم والضرائب في عهد الملك علي، عينه الملك عبد العزيز ناظراً لعموم جمارك الأحساء الى حين.
في حين عُين طاهر الدباغ مديراً عاماً للمعارف، وهو أعلى منصب تعليمي يومئذ، ولم يكن يوجد حينها تعليم نظامي إلا في الحجاز.
وعبدالحميد الخطيب، الذي كان أحد أهم علماء مكة ووجهائها، والذي فرّ لاجئاً الى مصر ورأس جمعية الشبان الحجازيين في مصر، فقد تم تعيينه فيما بعد في الخارجية ثم سفيراً للمملكة لدى الباكستان.
أما عبد الرؤوف الصبّان فقد عيّنه الملك عضواً في مجلس الشورى الحجازي، في حين تم تعيين القائمقام محمد صادق مديراً لإحصاء النفوس في المملكة.
لا شك ان الملك عبدالعزيز أراد أن يقضي على النشاط المزعج من الخارج بتسهيل عودة اللاجئين المنفيين، أو بعضهم على الأقل، ومن جهة ثانية كان يعلم أن النخبة الحجازية كفوءة في إدارة دولة جديدة، لوجود الخبرة لدى تلك النخبة وإجادتها لفنون السياسة واللغات المتعددة والإدارة، وهي أمور كانت مجهولة بالكامل لدى من كانوا يعتبرون «محتلين نجديين».
وإذا كان الحزب الوطني الحجازي بحق حزب نخبوي مناطقي، فلأن أهدافه المعلنة كانت تتلخص في تحرير الحجاز من يد السعوديين، ومن ثم إعادة بناء الدولة الحجازية التي كانت قبلة الثورة العربية الكبرى التي قادها الشريف حسين وأبناؤه، والذين كانوا حينها أحياءً ويسعون ويتمنون إعادة أملاكهم في الحجاز التي هي مسقط رأس الأسرة الشريفية الحاكمة في كل من الأردن والعراق. والحزب الوطني الحجازي هو أول حزب شبه منظم يضم خلاصة أعيان الحجاز وقواه الفاعلة من تجار وسياسيين وأصحاب مصالح ورجال دين، وقد اعتبر الحزب نفسه الوريث الشرعي للأشراف خاصة بعد أن قضى الإنجليز على حلم زعيمهم الشريف حسين، عبر نفيه الى خارج الديار العربية ـ الى قبرص ليموت فيها بعد فترة وجيزة من خلعه.
أما أبناء الشريف فقد انشغلوا بمناصبهم الجديدة: الشريف عبد الله في شرق الأردن، والأمير فيصل في سوريا ثم في العراق، الأمر الذي أشغلهم عن الحجاز والعودة إليه دون أن ينسوه، لهذا اعتبر أعيان الحجاز أنفسهم مسؤولين عن تحرير بلادهم، وكان نشاطهم يلقى دعماً خفياً من العراق والأردن، وكان الملك عبد العزيز يدرك بأن الحزب رغم ضعفه العسكري، إلا أنه يمثل البديل السياسي لحكومته، فوجد أنه من الأفضل استقطاب عناصره، وإشراكهم في حكمه، بدل أن يكونوا عامل نقمة وتثوير.
عادت قيادات الحجاز التي اختارت المنفى لتنضم الى تلك التي بقت داخل البلاد، على أمل أن تنقذ ما يمكن انقاذه، خاصة بعد أن أدرك أولئك العائدون بأن الأوضاع الإقليمية والدولية تسير باتجاه معاكس لمسعاهم في الإستقلال وبعث دولة الحجاز، فانخرطوا في أجهزة الدولة على أمل أن يكونوا شركاء في السلطة؛ ولقد قدّمت النخبة الحجازية خدمات جلّى لعموم المملكة، وأعطت الكثير من أجل تحديث الإدارة الحكومية التي كانت في تلك الأيام الخوالي مجرد أشكال هلامية هزيلة.
لكن هذه النخبة كانت تبحث عن «شراكة سياسية» وليس على «شراكة وظيفية» مقابل قبولها بالأمر الواقع، أي احتلال السعوديين للحجاز، لتشكيل دولة تحمل مسمى المملكة العربية السعودية. غير ان العائلة المالكة، والنخبة النجدية بشكل عام كان تسعى الى دمج النخبة الحجازية حفاظاً على وحدة السلطة السعودية من جانب، وإضعافاً للهاشميين ومنعاً لهم من التسلل الى مهد آبائهم وأجدادهم في الحجاز، ومن جهة ثالثة تضليلاً للرأي العام المحلي والدولي. يدلنا على ذلك ما ذكره أمين المميز الوزير العراقي المفوض في جدة في كتابه «المملكة العربية السعودية كما عرفتها» فهو يعترف بأن الأمير عبد الإله الوصي على العرش في العراق لم يتنازل عن الحجاز كحق شرعي وتاريخي في حكمه؛ وأنه طلب منه أن يتفحص الدعوات الحجازية الشعبية ما إذا كانت تريد الهاشميين لحكم الحجاز من جديد، وقد أثبت المميز في أكثر من مناسبة قوة المشاعر الحجازية تجاه الهاشميين؛ لكن المميز نقل عن الأمير فيصل «الملك فيما بعد» أنه قال له بأن أصحاب الشأن «الحجازيين أو النخبة الحجازية» نسوا موضوع الحجاز تحريراً أو انفصالاً، فلماذا يصر عبدالإله عليه؟ بمعنى أن الحجازيين سلموا بالأمر الواقع، فلماذا لم يفعل الأمير عبد الإله الأمر ذاته؟
ونتيجة ضعف موقف الهاشميين جرى تفاوض بين عبد الإله والملك سعود حول دفع السعوديين لعبد الإله مبلغاً من المال نظير تنازله عن حقوقه في الحجاز، وقد استمر الأمر أكثر من ثلاث سنوات 1954-1956 ولكن لم يتم التوصل الى حل بين الطرفين.
المهم أن موضوع الحجاز وإن لم يخرج كاملاً من يد الأشراف «حتى يومنا هذا» بالنظر للحقوق التاريخية التي يدعيها الهاشميون، وهي أقوى بكل المقاييس من الحقوق التاريخية للسعوديين، فإن النخبة الحجازية الماضية كما الحالية حين تأتي المفاضلة فإنهم يقفون الى جانب الهاشميين، ولكنهم في الوقت نفسه يشعرون اليوم بأنهم أقدر على حكم أنفسهم بعيداً عن العائلتين المتصارعتين منذ مطلع القرن العشرين حتى اليوم «مطلع القرن الواحد والعشرين»!
إن الأحلام التي رسمتها النخبة الحجازية بانضوائها في مشروع بناء الدولة السعودية تكسرت في النهاية، فقد تنبهت تلك النخبة وبشكل متأخر الى حالها، فوجدت أن المراكز التي كانت بيدها بدأت بالتسرب كما يتسرب الماء في رمال الصحراء العطشى، فحتى الأجهزة الفنيّة لم يعد الحجازيون الأساس في إدارتها اليوم، بعكس ما كان عليه الحال في العقود الماضية.
لقد قبل زعماء الحزب الوطني بالشراكة الجزئية في الدولة، شأنهم شأن أعيان الحجاز الآخرين الذين بقوا في الداخل، وذلك مقابل تخلّيهم ـ الضمني ـ عن موضوع «استقلال الحجاز».. غير ان الشراكة التي أرسيت معالمها عبر مجالس الشورى الأهلية وتوظيف النخبة الحجازية في بعض مؤسسات الدولة الوليدة لم تعد مرضية للحجازيين اليوم. فحتى هذه المناصب جرى اختاطفها نجدياً أو جردت من جوهر قوتها، وأصبحت الدولة «منجدة» فيما عرف بعملية «تنجيد مؤسسات المملكة» منذ تولي الملك فهد الحكم.. وفضلاً عن هذا فإن الحجازيين وبعد مضي نحو ثمانية عقود لازالوا غير قادرين على إرساء مبدأ التكافؤ في الشراكة السياسية مع النجديين الذين يسيطرون على مفاتيح السلطة في المملكة.
الجمعية الوطنية الحجازية: إمتداد للحزب الوطني
بدا ان موضوع الحجاز قد هدأ في حمّى الطفرة النفطية بعيد عام 1975، ولكن أدوات التحديث خلقت مشاعر تأزم في النسيج الإجتماعي السعودي، فتعززت هوية الأقاليم والمناطق، وانحازت السلطة النجدية الى عرينها، وتمّ تنجيد الدولة والسيطرة عليها شبه الكامل بلون ثقافي وسياسي وعسكري واحد. لم تنته فترة الطفرة إلا والمشاعر الفئوية حادة جامحة في كل المناطق وبين مختلف الفئات المسيطرة أو المهمّشة. لقد أضاف التحديث عناصر تنازع اجتماعي جديدة، وعزّز الفوارق بين الهويات ولهذا ما أن أطلت أزمة احتلال الكويت حتى تفجر موضوع تقسيم المملكة، واشتغل السعوديون ـ كحكام ـ بأطماع الملك الهاشمي حسين بن طلال في الحجاز، واشتغل النجديون كنخبة في الداخل بإثارة الهواجس وتضخيمها، بل أنهم لم يقبلوا بأن يصف صديق لهم بأن هناك تضخيماً في الموضوع «جيمز أكينز، سفير اميركا الأسبق في جدة».
كان السعوديون مقتنعين بأن النخبة الحجازية ـ شأنها شأن النخبة الشيعية في الشرق ـ لا يمكن الوثوق بولائها. بديهي أن السياسي الذي يمارس التمييز المناطقي والطائفي بالحدّة التي تعيشها المملكة لا يمكنه أن يطمئن لولاء الضحايا. فعنصر الولاء لا يمكن أن يأتي كمكافأة على السياسات الطائفية والمناطقية. فحين تنثر البغضاء والكراهية والتمييز، لا يجب أن تتوقع حباً وإخلاصاً. وهذا ما كان يعتقده الأمراء السعوديون. فرغم ظاهر الولاء المصطنع، فإنهم يرون بأعينهم أن النخبة الحجازية الحاضرة وبحسابات مصلحية أخرى تتعلق بالكرامة الإنسانية تميل الى تغيير النظام القائم او الإنسلاخ عن الدولة السعودية ـ النجدية، وأنها تنتظر الفرصة والغطاء الدولي المناسب لتستعيد الدولة الحجازية المصادرة.
لقد دمرت سياسات الملك فهد بالتحديد الكثير مما تبقى من قواسم مشتركة بين النجديين والحجازيين ـ وبين النجديين وغيرهم عامة ضمن إطار الدولة القائم، فهذا الإطار لا يحمل أي إغراء ينافس إغراء «دولة الخاصة». لقد كانت ازاحة الحجازيين الى الهامش طيلة العقود الثلاثة الماضية القشة التي قصمت ظهر البعير، فانفجرت الخصوصيات وقامت النخبة ذات المواصفات القديمة التي كانت تتمتع بها مثيلتها في بداية القرن العشرين «تجار رجال أعمال إدرايين وفنيين وكتاب» تتطلع الى قيام بديل للحكم السعودي يتمثل في دولة يشترك فيها الجميع على قدم المساواة، وهذا ما كان واضحاً في بداية التسعينيات الميلادية من القرن الماضي. ولكن لأن الإصلاح تأخر، وبدا شبه مستحيل، لهذا فإن فكرة العودة الى الماضي التليد بقيام دولة الحجاز هي ما يستهوي تلك النخبة اليوم. ويبدو أن تجربة الحزب الوطني الحجازي، تعاد صياغتها على أرض الواقع من جديد بكثيرمن الحذر، وبكثير من المهارة ايضاً.
يدلنا على هذا، أن علو صوت «الإنفصالية» من كل بقاع المملكة وخارجها بعيد احداث سبتمبر 2001، كان إيذاناً للقيام بعمل جديد، فقد تغير الظرف الدولي، الذي منح السعوديين شرعية احتلال الحجاز، وبات النظام السعودي منبوذا على الصعيد الدولي وعاجزاً عن إصلاح نفسه، وفي ظل غياب الهوية الوطنية، فإن فرصة تقسيم المملكة قد لاحت في الأفق من جديد. ليس غريباً والحال هذه أن تكون نفس النخبة الحجازية التي استقطبها عبدالعزيز وأبناؤه هي التي تقود الإنشقاق أو العودة الى الجذور عبر أحفادها، وإن بدا للنظام بأن مصالح بعض أفراد تلك النخبة توحي وكأنها قد تخلّت عن مطلب «الإستقلال».
مجلة «الحجاز» صوت «الجمعية الوطنية الحجازية» والتي بدأت بالصدور في نوفمبر 2002، كانت مجرد إشارة خجولة الى ذلك المشروع الكبير. فعلية المجتمع الحجازي ما فتئت تذكرنا بالجذور الحجازية الماضية، وكيف أنها ـ أي تلك النخبة ـ وريثة ذلك التراث الإستقلالي الذي لم ولن تتنازل عنه، حتى ولو تنازل عنه حفدة الحكام الهاشميين.
تطل مجلة الحجاز على قرائها بنفس واضح يميّز الحجازي وتراثه وتاريخه وآماله وطموحاته عن الآخرين، وبالخصوص فيما يتعلق بالخلفية الإجتماعية النجدية الوهابية للسلطة القائمة. وتتحدث المجلة بلغة براغماتية من جهة وبلهجة تهديدية من جهة أخرى، فهي من ناحية تريد إصلاحاً سياسياً ومساواة في المواطنة وحرية للخصوصيات المحلية، وعدالة في توزيع الثروة.. ومن جهة ثانية فإنها تحذر من الإستمرار في سياسة الهيمنة السعودية الوهابية، وتدفع بالقارئ الى استنباط أن البديل عما ذكر هو تأسيس دولة الحجاز. وتذكر الحجاز قراءها بتاريخ وتراث الحجازيين وتنقد نخبهم وممارستهم السياسية غير الحاسمة، كما تنتقد التحالفات الوهابية السعودية، وتدمير تراث الحجاز. وفي الجملة فإن المجلة تعدّ نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه مجلة تدافع عن الحجاز وأهله.
إن النخبة التي تقف وراء مجلة «الحجاز» تعي بالضبط ماذا تريد، وهي تعلن تأوهها مما تتألم منه من خلال ما تطرحه من مقالات ودراسات، كما أنها تدرك حجم العقبات التي تقف أمام الأهداف المبتغاة. وبالرغم من أن أياً من الأسماء لم يظهر وراء المجلة «الحجاز» وبالرغم من كثرة التقولات حول الأسماء التي يمكن أن تكون وراء المجلة، فمن الواضح جداً أنها مجلة تمثل جزءً على الأقل من النخبة الحجازية، وأنها تمتلك خطاباً سياسياً واضحاً ومتطوراً، بل أكثر وعياً مما كان البعض يتوقعه.. فضلاً عن أن غياب الأسماء قد يلفت الأمر الى حقيقة وجود تنظيمات على مستوى الشارع أو مستوى النخبة الحجازية تعمل من أجل مستقبل أفضل للحجازيين سواء كان ذاك ضمن إطار الدولة السعودية الموحدة، أو إن لم ينجح الأمر، فعبر الفكاك عنها وتأسيس دولة مستقلة.
وبشكل ملخص، نعيد التذكير بمجموعة من الملاحظات تتعلق بالمجتمع الحجازي وخصائصه التي جعلت من المعارضة فيه متميزة بتلوينات بيئته:
الأولى: لم تنشأ في الحجاز معارضة واسعة على الصعيد الوطني، تتبنى مطالب عامة. فقد كان الهمّ الإقليمي ـ المناطقي هو الغالب على ما سواه وهو «الإستقلال للحجاز». صحيح أن عدداً غير قليل من الحجازيين تأثروا بالحركات القومية في العالم العربي خاصة في مصر، التي كانت على الدوام صاحبة التأثير الأكبر سياسياً ودينياً.. وصحيح أن أقطاب معارضة حجازيين حملوا الهم الوطني العام وسعوا الى إصلاح وضع المملكة وبينهم ضباط في القوات المسلحة وفي أجهزة الأمن كانوا قد تأثروا بالأفكار القومية التي حمل لواءها الرئيس جمال عبد الناصر، ووقفوا معه ورفضوا حين اشتعلت ثورة اليمن أن يحاربوا النظام الجمهوري الوليد.. بل أن عدداً من الطيارين الحجازيين رفضوا استخدام طائراتهم لقصف القوات المصرية في اليمن، وفرّ عدد منهم بطائراتهم الحربية الى مصر في قصة معروفة ومشهورة.
كل هذا صحيح، لكن المسحة العامة للحركة الحجازية المعارضة ـ كما يقول باحثون ـ كانت تغلب الهمّ المناطقي، كما هي الحال في مناطق أخرى من المملكة.
الثانية: لم تنشأ في الحجاز حركة شعبيّة معارضة، يكون الجمهور مشاركاً فاعلاً في صياغتها، بل وجدت وتوجد على الدوام تجمعات نخبوية، تعبّر عن طموحات الشارع الحجازي. إن النخبة الحجازية ـ كبيرة الحجم ـ هي التي تغذي الشارع بمقومات الحفاظ على الهوية، وتنفخ فيه روح التميز وتالياً طموح الإستقلال والإنفصال.
الثالثة: لم تنشأ في مراكز الحجاز المدينية حركات عنف، فالمجتمع الحجازي بطبيعته مسالم، ويميل الى الاحتفاظ بمكتسباته؛ إنه مجتمع تجاري مدني؛ باعتبار موطنه مكاناً مفتوحاً لكل مسلمي العالم، فكان من الطبيعي أن يتصف مجتمعه بالاعتدال فيحمل أفكاراً لينة نابذة للعنف والتطرف.
لكن عدم استخدام العنف لا يعني أنها ليست خياراً، فقد تساق مجتمعات ما إلى ما لا ترغب فيه أحياناً. وإذا ما علمنا أن أية دعوات انشقاق لا بد وأن تواجه بالعنف، فإننا ندرك أن تحقق قيام «دولة حجازية» قد لا يتم بدون ثمن مادي قد يكون أحد ثمار استخدام العنف والعنف المضاد بين الدولة والمجتمع الحجازي.
الرابعة: إن المعارضة الحجازية أو من يصنّفون على أساس معارض، تحمل ويحملون صفات لا تخطئها العين.. فإضافة الى ما ذكر: نجد تأثر المعارضة بالبيئة الدينية، مع ملاحظة ان الحجاز لم يعرف في تاريخه منذ بزوغ الإسلام حركات عنف وتشدد ديني على الإطلاق. ويمكن ملاحظة ان الحجازيين يميلون الى التكتل والتجمع والتعاون من خلال القنوات الاجتماعية الطبيعية، ولا يبدو أنهم يحبذون ـ كما أن الأوضاع الأمنية الداخلية القمعية لا تسمح بذلك ـ اعتماد تنظيم سياسي علني، فضلاً عن أن النخبة الليبرالية التجارية صعبة الإنضباط ضمن قنوات تنظيمية حديدية. وباختصار يمكن القول أن المعارضة الحجازية تحمل الصفات الأهم التالية: أنها حجازية الهوى والهدف، وأنها تميل إلى الإستقلال عن الدولة، وأنها نخبوية ـ ليبرالية معتدلة دينياً.