|
هل هناك خصوصية للمعارضة في السعودية تميزها عن نظيراتها في الخليج أو ربما في البلدان الأخرى، العربية أو غير العربية؟ ما هي هذه الخصوصية: في الأسلوب، في الأهداف، في الخبرة والتجربة؟
المعارضة في المملكة شأنها شأن أي معارضة أخرى، لا بد وأن تكون متأثرة بالبيئة التي تنشأ فيها، وبنوعية المجتمع الذي تعمل من أجله: مستواه الثقافي، أفكاره وقيمه، ظرفه الإقتصادي، كما تتأثر بنوعية السلطة التي تواجهها، وبالظرف السياسي والإقتصادي للمحيط الإقليمي، وغير ذلك.
المعارضة وليدة بيئتها، وإن كان هذا لا يلغي تأثرها بنمط معين أو بفكر آخر، أو بتجربة قد تقترب أو تبتعد عن الواقع المحلي؛ غير أن من المستحيل نقل تجربة كاملة وتطبيقها على بلد آخر، كما أن نجاح أي معارضة مرهون بالدرجة الأساس بقدرتها على التعبير عن واقع مجتمعها وبيئتها، وبمقدار تجاوبها مع طموحات الناس وأفكارهم وقيمهم، ومدى معرفتها للخصم وآليات التغيير التي توصل للهدف.
سمات المعارضة السعودية
من هذه الزاوية، يمكن القول إن هناك خصوصية للمعارضة في المملكة، تميزها عن نظيراتها في بلدان خليجية وعربية أخرى، وإن كانت تتفق معها في كثير من الخصائص، بل يمكن القول إن هناك خصوصية لأكثر من معارضة في المملكة، نظراً لتعدد أقاليمها كما تعدد ثقافة وتاريخ مجتمعاتها. وبإمكان أي باحث لتاريخ المعارضة في المملكة أن يقسمها على أسس مختلفة: كالأيديولوجيا: إسلاميين سلفيين، إسلامييين شيعة، إسلاميين ليبراليين، إسلاميين سنّة، يسار بمختلف أصنافه، قوميين: ناصريين وبعثيين وغير ذلك؛ كما يمكن تقسيم المعارضة على أسس مناطقية: نجدية، حجازية، شيعية قطيفية أو أحسائية؛ او تصنيفها على أسس اجتماعية: قبلية، طبقية، وغيرها؛ أو تقسيمها على أسس وسائلها ومستهدفاتها، كأن تكون المعارضة جذرية، عنفية مسلحة، إصلاحية ليبرالية، سلميّة، وهكذا.
لقد عرفت المملكة كل هذه الأنواع من المعارضة منذ أن تأسس كيانها الحديث وحتى اليوم، ولكننا نرى من المهم النظر الى تأثير الإنتماء الإقليمي والأيديولوجي على عمل كل منها لاسيما تلك التي اقتصر نطاق عملها على إقليم أو أقاليم محددة.
أهم الملاحظات على العمل المعارض في المملكة يمكن تلخيصه في التالي:
1 ـ إن معظم أطياف المعارضة في المملكة رأت ـ على الأقل لفترة من الزمن ـ التوسّل بالسلاح لإزالة النظام السعودي؛ وهي لذا يمكن اعتبارها معارضات جذريّة من حيث الأهداف ومن حيث اعتماد الوسائل.
2 ـ إن المعارضة في المملكة متشطرة ـ كما هي الدولة وأقاليمها ـ بسبب الجغرافيا التي تفصل المناطق، وبسبب ضعف الهوية والوحدة الوطنية الأمر الذي جعل من بروز حركة وطنية أمراً صعباً وإن اعتمدت على أيديولوجية وطنية أوفوق ـ وطنية.
3 ـ ان المعارضات في المملكة لم تكن تطلب يوماً أو تسعى أو حتى ربما تؤمن بالديمقراطية والنضال من أجلها؛ فهذه «بدعة» جديدة على الساحة السياسية العربية عموماً، فضلاً عن الساحة السعودية. وهناك شبه قناعة ـ لاتزال مسيطرة عند الكثيرين حتى الآن ـ تفيد بأن لا حرية ولا ديمقراطية ولا إصلاح في وجود العائلة المالكة الحالية، وبالتالي فإن أية دعوة للديمقراطية مع بقاء النظام مجرد سراب وخداع للنفس. نعم حدث خلال العقدين الماضيين بعض التغيير، حيث اقتنعت مجاميع معارضة عديدة بأن الإصلاح السلمي أمرٌ ممكن، وأن الدعوة الى الديمقراطية تمثل خشبة إنقاذ للدولة والمجتمع في المملكة؛ بيد أن هذا التغيير في الرأي ما يكاد يرتفع مؤشره حتى ينتكس بسبب الصدود الكبير من قبل العائلة المالكة، وإصرارها على أن لا تغيير سياسي بدون إجبارها عليه بالعنف أو بالسيف كما يقول بعض الأمراء.
4 ـ لكن هناك سمة غالبة أخرى، وهي واضحة بالفئات المعارضة «اليوم»، من جهة أنه لا تنطبق عليها صفة «الحزب» لأن هدف الحزب هو الوصول الى السلطة سواء بطريق انتخابي أو إنقلابي، فمعظم حركات المعارضة في المملكة أقرب ما تكون الى «جماعات الضغط» منها الى الأحزاب السياسية المتعارف عليها في العالم.
المعارضة في المملكة العربية السعودية لا تنطبق عليها في المجمل صفة «الحزب المعارض» فهي لا تسعى لإسقاط النظام السياسي، فتكون بذلك معارضة «جذريّة» «إنقلابية» «ثوريّة» تقلب كيان البلاد رأساً على عقب، في ثورة تغيّر معها الوجوه والسياسات والأولويات والأهداف في شتى المجالات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والفكرية وغيرها.
ورغم وجود أحزاب في المملكة، أو أنوية أحزاب، فإنها تميل الى التمثيل المذهبي والمناطقي، وبالتالي فهي من الناحية الفعلية تمارس دور جماعات الضغط الهادفة الى تحصيل بعض الحقوق لمن تمثلهم، دون أن يكون لها بالضرورة مشروعاً وطنيّاً. وحتى المشروع الوطني، الذي لايزال جنيناً حتى الآن، فإن المساهمة فيه غالباً ما تعكس الرغبة في تمثيل الجماعة أو المنطقة، ويستهدف الدخول في الإطار الوطني إصلاحاً عاماً ينعكس على الوضع الخاص بالمنطقة والجماعة المذهبية أو القبلية.
هذا لا ينفي أن أحزاباً سعودية نشأت وتحركت على مساحة واسعة من أرض الوطن، كالحزب الشيوعي، وحزب البعث، والحزب الديمقراطي، واتحاد شعب الجزيرة، وحزب العمل الإشتراكي وغيرها، هذه الأحزاب، رغم أن أجندتها وأيديولوجيتها تتسع لكل الوطن، إلاّ أن الصبغة الأيديولوجية والصيغة الحزبية «كأداة» سياسية لم تترسخ في الوجدان الجماهيري، فكان أن حققت فشلاً في إيجاد أرض صالحة لنموها كقوى حزبية معارضة على المستوى الوطني.
وبغض النظر عن هذا، فإن هذه الأحزاب ذات الأيديولوجية العريضة التي يفترض فيها أن تخترق الحواجز والأطر الضيقة، لم تفلح كثيراً في الخروج من شرنقة المذهب والمنطقة، ومثل هذا وجد في كثير من الأحزاب العربية، التي ولدت في بلدان ترتفع فيها الحدود بين الجماعات والأثنيات والأيديولوجيات، بحيث انعكست على العمل الوطني بمختلف توجهاته.
غير أنه ينبغي الإلتفات حالياً، الى حقيقة وجود معارضة ـ وإن كانت غير منظمة ـ تسعى الى التغيير الجذري الشامل، أي الى اسقاط النظام والسيطرة على الحكم، ونقصد بها المعارضة السلفية، أو بعض أجنحتها التي تميل الى استخدام العنف، باعتباره الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك الهدف.
وبسبب حدّة الإنقسامات الداخلية في المملكة، وتباعد المناطق، صار من الصعب كثيراً إيجاد حركة وطنية شاملة تتفق على أهداف محددة وبرامج عمل مشتركة. ويلعب غياب الهوية الوطنية دوراً مهماً في تقزيم عمل المنظمات والأحزاب السياسية ضمن محيطها الإجتماعي وانتماءاتها المناطقية والمذهبية وربما الأثنية. وهذا الأمر رغم أنه يمنح الحكومة السعودية راحة وفرصة في ضرب كل تجمّع معارض على حدة بمعزل عما يجري في المناطق الأخرى، ويتيح لها الفرصة للتلاعب بالقوى الإجتماعية وتحريض بعضها على بعض، في ظل تباعد جغرافي ونفسي وثقافي عن الآخر.. إلاّ أنه من الزاوية الأخرى خلق مشكلة عويصة، هي جذر مشكلة الدولة السعودية نفسها. ذلك أن انحصار التجمعات الوطنية في مناطقها، أعطى فرصة التمثيل الضيق للجماعة ومصالحها وحدود الجماعة أرضاً وثقافة وشخصية، وبالتالي فتح باباً لإمكانية «التقسيم».
بمعنى أن غياب التمثيل الشعبي الشامل في مؤسسات الدولة كما في المعارضة، يؤدي بصورة تلقائية الى الإنحصار في توجه معين ومصالح مجموعة محددة، ومن ثمّ إذا فشل الإصلاح السياسي العام، الذي هو القدر الطبيعي لكل مجتمع حيّ، فإنه سيفضي بلا شك الى التفكير في «إمكانية الإنفصال» عن الدولة التي لا تمثل الجميع مصالح ومشاعر وهويات، والتي فشلت في إيجاد القواسم الوطنية المشتركة والهوية التي تعزز الإنتماء للدولة بحدودها وقيادتها وثقافتها الوطنية الخاصة، والتي هي جماع الثقافات الأدنى «المحليّة»، والتي بإمكانها صهر تلك الثقافات في مطبخ واحد والخروج بترويكة ترضي الجميع وتجعلهم على قدم المساواة في الحقوق والمواطنة.
إن جماعات الضغط الحالية، سواء بين الشيعة أو الحجازيين أو أهل الجنوب أو سكان الشمال «الجوف» وغيرهم، من المهمّشين في السلطة، أو الذين لم يحظوا إلاّ بالقليل منها مقابل استهداف الهوية المحلية الخاصة من قبل الدولة.. هذه الجماعات يمكن أن تتحوّل بصورة طبيعية، الى حركات انفصال، وتتبلور لديها مشاعر العزلة والثقافة الخاصة بحيث تدفعها الى العمل باتجاه قيام دولة «الخاصة» أو استعادتها إن كانت قائمة من قبل كما في الحجاز.
في هذا الوقت، نحن نرى أن كل جماعة معارضة أو مختلفة مع النظام، أياً كان توصيفها حزباً أو جماعة ضغط، لا تستطيع أن تخرج من قوقعتها، وبالتالي لا تستطيع تمثيل غيرها، حتى وإن رفعت شعارات وطنيّة، أو دعت الى الإصلاح الوطني، فكل المطالب العامّة تغيب أمام مطلب صغير محلي «مدسوس» بين ثنايا مطالب الإصلاح العامة، أو حين يظهر على السطح شخص ينتمي الى منطقة محددة أو مذهب مختلف. فالسلفيون مثلاً يمثلون أنفسهم، ويفكرون بالإستحواذ أكثر على المناصب والمواقع والصلاحيات والإمكانات المادية، ورسالة المعارضة السلفية مذهبية مناطقية لا تستهوي الآخر، بل هي تخيفه بنزعتها الشمولية الإستحواذية، وهي تعطي عكس مفعولها، أي تجعل الآخر يرتدّ على ذاته، ويفكّر في مستقبل جماعته وتعزيز هويته. والفئات الإجتماعية غير السلفية تنظر بقلق الى تنامي التيار السلفي، وبقلق أكبر الى السلطات التي تمنح له من قبل الدولة، وكلما جاءت هذه الإمتيازات والتنازلات، تعزّز الشعور لدى غير الفئات السلفية بأن الإصلاح الوطني غير قابل للتطبيق، وأن الحل لا بدّ ان يكون عبر الإنسلاخ عن الدولة السعودية القائمة وتأسيس «دولة خاصة»، خاصة في ظل المغريات الكثيرة التي تتنازع الداخل غير السلفي، بين الأمل بوحدة وطنيّة صادقة يتساوى فيها الجميع غنماً ومغرماً، وبين فقدان الأمل بالإصلاح وبالتالي الركض وراء العروض التي تعزف على وتر تفكيك مقومات الدولة وأسسها.
هذا هو حال الحجازيين والشيعة وربما سكان الجوف ونجران، إن كانت القراءة آنفة الذكر صحيحة. ومن هنا فإن تأخير الإصلاحات، يعجل بدعوات التقسيم ويعزز مشاعر الإنفصال، ويحوّل التجمعات الموصوفة بالمعارضة ـ وهي مجرد جماعات ضغط محليّة أكثر من كونها معارضة او أحزاباً ـ يحوّلها بصورة تلقائية الى حركات انفصال تبحث عن مساعدات تمتد لها ـ ولاتزال حتى الآن ترفضها ـ بغرض إنهاء كيان الدولة السعودية، وتفتيتها الى مكوّناتها التاريخية مطلع القرن العشرين.
الحكومة السعودية من جانبها، مصابة بعمى الألوان، وهي ـ كما الإعلام شبه الرسمي ـ لا تميّز بين المعارضة والإختلاف، ولا تميّز بين جماعات المصالح والمعارضة، ولا تفرّق بين المعارضة السلمية والعنفية، كما لا تميّز في الأهداف الإصلاحية عما سواها من الأهداف الجذرية الراديكالية؛ كما لا تميز بين المعارضة الإصلاحية والتدميرية، ولا الفرق بين هدف «إسقاط النظام» وهدف «إسقاط الدولة وتمزيقها». الخطاب الحكومي واضح: كلهم مفسدون مخربون، متآمرون مع الأجانب، إرهابيون، خارجون عن القانون!
وإزاء هذا التعميم، في الخطاب، كما في العقاب دونما تمييز بين صاحب الرأي وبين حامل السلاح، وبين الإصلاحي وبين التغييري الثوري.. وإزاء الجمود القاتل في حركة الدولة باتجاه إصلاح الوضع السياسي والإجتماعي والمعاشي للمواطنين، تظهر في الأفق علامات القلق من حقيقة أن الأمراء السعوديين لا يريدون مساعدة من أحد، فهم فوق المساعدة، وفوق الإستشارة او الحاجة إليها، بل ان تقديم الرأي يصبح جريمة، لأنه خطوة أولى لتدخل «أفراد» فيما لا يعنيهم، فهم يدخلون حقلاً خاصاً بالأمراء. إزاء هذا كله.. تبدو الأمور اليوم، وكأن جماعات الضغط أقرب الى الإقتناع بأن الدولة السعودية ـ الرافضة للإصلاح والتغيير الجزئي ـ أو غير القادرة على إنجازه، مخلوقاً غير مرغوب فيه، أو كالمريض الذي لا يرجى شفاؤه، وكأن هذه الجماعات تتحزّم للخطوة التالية ـ المنطقية بنظر البعض ـ وهي انحلال الدولة وأجهزتها، وهي ترقب الأمر عن قرب، وتستشرف المستقبل الآتي رغم ظلامه وعبوسه.
لقد حاولت وثيقة الرؤية الوطنية التي اطلقت عام 2002م، تجميع الأطياف المختلفة، وجماعات المصالح والرأي في كل المناطق، وعبّرت عن الحاجة الى الإصلاحات وبسرعة، وكأن الموقعين عليها يقولون بأن الوقت لا يجري في صالح الجميع، والسرعة مطلوبة حتى لا تفاجأ الدولة بحرائق لن تكون قادرة على إطفاء لهيبها. استشعرت وثيقة الرؤية ذلك، وحددت المشكلة والعلاج، وألمحت الى المخاطر التي تحدق بوحدة الوطن، وأشارت بوضوح الى مصالح الجماعات المهمّشة في الدولة، وطالبت بإيقاف التمييز على أسس قبلية ومناطقية وطائفية. ولكن لم تكن هناك أية استجابة.
وفيما الأنظار تتوجّه ـ برغبة حكومية خاصة ـ الى الوضع الأمني الذي لازال متدهوراً، وتحاول حشد الشارع وراء إنجازات أمنية مؤقتة، بغرض تغييب جذور المشاكل واستبعاد الحلول السياسية والطروحات الإصلاحية المكلفة لنظام الحكم.. في هذا الوقت، هناك تحولات أخرى لا يجري التركيز عليها، أو هي بطبعها لا تلفت النظر، وهي مسألة تحوّل فئات اجتماعية من «الطروحات الإصلاحية» الى «الطروحات الإنفصالية»، التي بدأت تأخذ مساحة أوسع من الرأي العام، الذي بدأ يقتنع بأن آخر الدواء الكيّ.
لمحة تاريخية في العلاقات الحجازية ـ النجدية
لا توصف العلاقة بين الداخل الصحراواي الذي تمثله نجد، وبين أقاليم الساحل، وعلى مر التاريخ، بأنها علاقة حسنة. فقد كان الإقليم الصحراوي أكثر إغراقاً في العصبيات القبلية، وأقلّ ميلاً للخضوع الى السلطة المركزية، خاصة إذا كانت تلك السلطة تتخذ من الساحل مقراً لها. وحتى في عصر الإسلام الأول، رأينا أن الحواضر المدنية أو الريفية في اليمن والبحرين، كانت أسرع إنقياداً للدعوة الإسلامية.
وإقليم نجد وإن كان قد خضع ردحاً من الزمن ـ وبشكل صوري وإسمي في الغالب ـ الى السلطة المركزية التي مثلتها المدينة المنورة او الكوفة او دمشق او بغداد.. فإن سكان الإقليم قادوا العديد من التمردات التي يمكن وصفها بأنها تمردات ضد الحواضر، وأخذت في بعض الأحيان صفة دينية. كما لعبت القبائل النجدية دوراً سياسياً وعسكرياً هاماً في المناطق المجاورة، وبالخصوص في مناطق الشرق «ما يعرف بإقليم البحرين تاريخياً» واتخذت صفة الهجرة والإقامة في تلك المناطق الحضرية لدعم الحكم القائم هناك.
كانت الحواضر الساحلية في الحجاز وموانئ الشرق تمثل رئة نجد التي تطلّ منها على العلم، ولذا كانت الأخيرة محكومة في الغالب بسلطانها، وإن كانت نجد نفسها لا تفتح شهيّة حكام الحواضر للسيطرة عليها، لأن تكاليف السيطرة غالية جداً قبال مردود محدود من الناحية الإقتصادية. حتى السلطات البريطانية كانت والى مطلع القرن العشرين تنتهج سياسة عدم التورط في شؤون الداخل الصحراوي، وركزت اهتمامها بالساحل إلا إذا ارتبطت أمور «الساحل» بتمدد من قبل سلطات «الداخل»، مثلما حدث في الدولة السعودية الأولى التي توسعت حتى وصلت الى عمان والساحل المتصالح، وقامت رأس الخيمة بمضايقة الإنجليز وحلفائهم عن طريق ما أسماه الغربيون بـ «القرصنة». وحتى حملة محمد علي باشا التي قام بها لتدمير دولة السعوديين الأولى بالنيابة عن العثمانيين، كان من أهم أسباب عدم تحقيق نجاحها النهائي، أن إقليم نجد لم يكن مربحاً، بل لم يغطّي الجزء الضئيل جداً من تكلفة بقاء الحاميات والعسكر فيه.
لقد كانت أقاليم الساحل مكتفية اقتصاديا، وكان تدخلها في موضوع نجد محدوداً. وبعبارة أصح، إنه لم يكن يستهدف السيطرة عليها، ويمكن الإستشهاد بحكم الخوالد والأشراف الذين لم يتدخلوا في الشأن النجدي إلا في نطاق محدود، وضمن خارطة التحالفات المحلية النجدية، لكن أحداً لم يفكر في إلحاق نجد بسلطة الساحل، بل يمكن القول أن خشية الحواضر من نجد كانت غير قليلة، رغم عدم وجود سلطة مركزية فيها، أو ربما بسبب غياب تلك السلطة. فجموح القبائل وتعدياتها كان من الأمور الإعتيادية، ولذا كانت سلطات الساحل مهتمة بمعالجة المخاطر التي قد تمتد من إقليم الوسط إليها، ولا شيء أكثر من ذلك.
في الطرف الآخر، كان الإقليم النجدي الذي تعصف به المجاعة والحروب الداخلية، وما يتبعها من هجرات كبيرة ومتواصلة الى أقاليم الساحل الحضري، يبحث عن حل يتغلب به على قسوة الطبيعة من جهة، وعلى الفوضى والتناحر الداخليين.. حلّ يعطي للإقليم الصدارة في صنع الأحداث والتحكم بمسارات الإقتصاد. كان إقليم نجد بحاجة الى رسالة تجديد وإحياء، فكانت الوهابية.
وبانبعاث سلطة الوهابيين في نجد وتوسيعها الى مناطق الساحل، بدأ التركيز على الهوية.. فالنجدي هو المجاهد دفاعاً عن التوحيد وأهله، وهو الجدير بالحكم دون غيره، وهو المسلم الموحد، ودياره هي أرض الإسلام وما عداها فأرض كفر وحرب، يجب إدخالها في الدين بسلطان القوة، وإذا لم يتمكن الموحدون من إدخال البلدة في حظيرة الإسلام فإن من الواجب مغادرتها باعتبارها ديار شرك يجب الهجرة منها. وأصبحت الإمتيازات السياسية والإقتصادية ـ وفق هذه النظرة ـ خاصة به. وفي وقت كان الحكام السعوديون يغالون في استخدام أسلوب الغرامات الجماعية والمصادرات في المناطق المفتوحة والذي أشعل النقمة في النفوس، كانت نجد ترفل بالثراء بعد ان امتدّ سلطان الدعوة الى المناطق الغنية، وكتب المؤرخين الوهابيين ـ كابن بشر في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد ـ تحفل بالكثير من الإشارت التي تدل على الثراء المفرط.
كان غنى الداخل الصحراوي ووجاهته مرتبطين بمقدار ما للنظام السياسي الذي يمثله ـ آل سعود ـ من اتساع نفوذ وسيطرة على الإمارات والدويلات المجاورة، بحيث اصبح إقليم نجد العاصمة، أو مركز السلطات الدينية والسياسية والإقتصادية والعسكرية للدولة. ربما لهذا السبب بالتحديد أقبل النجديون على الوهابية وأقبلوا على آل سعود ومنحوهما الولاء.
في صيف 1918، وقبل أن يسيطر الملك المؤسس عبد العزيز على الحجاز لتقوم دولة السعوديين الثالثة، قال الأخير لجون فيلبي، العميل البريطاني المعروف: «إذا قدّمت أنت الإنجليزي إبنتك لي كزوجة، فسأتزوجها، ولكنني لا أتزوج إبنة الشريف، ولا بنات أهل مكة، ولا غيرهم من المسلمين الذين نعتبرهم مشركين. وآكل اللحم الذي ذبحه المسيحيون دون تردد، ولكن المشرك الذي يعبد مع الله إلهاً آخر، فهذا هو ما نبغضه». وقال ذات مرة في كلام منشور ومطبوع عن أهالي الحجاز: إن الحجازيين دجاج مناقيرهم من حديد. أي أنهم جبناء وإن كانت ألسنتهم جارحة حادّة.
في تلك الفترة، أي في بداية العشرينات الميلادية من القرن الماضي، وقبل بضع سنوات من سقوط الحجاز بيد القوات النجدية، ينقل لنا أمين الريحاني مشاعر ورؤى الحجازيين تجاه نجد وحاكمها ومذهبها، فيقول أنه سمع في الحجاز من يقول: «إبن سعود بدوي جاهل، إبن سعود جلف لا قلب له ولا دين. هو من الخوارج، بل من الذين يخدعون وينافقون بإسم الدين. والإخوان رجاله ذئاب تعصّب ضارية، يذبحون ويحمدون الله، يسلبون وينهبون ويكفرون من لا يقتدي بهم، ويشنّعون بالقتلى في الحرب، ويرتكبون من الفظائع ما تقشعر منه الأبدان. إن دعوة ابن سعود مذهبية، لذلك لا تنجح خارج نجد».
لقد بعث الملك عبد العزيز في مطلع القرن العشرين سلطة عائلته في وسط نجد من منظور أنه يريد اعادة ملك آبائه وأجداده. وتشير المصادر السعودية الى أن الملك لم يكن يحمل رسالة دينية حتى لأهل نجد، حيث شعرت البيوتات الحاكمة بأنها ـ وبالإعتماد على نفس المنطق ـ أولى بالحكم من الغريب، وقد خاض ابن سعود صراعاً شاقاً حتى تمكن من السيطرة على القصيم بعد نحو أربع سنوات من احتلال الرياض، ولكنه لم يستطع مقاومة العصبية القبلية في حائل التي كانت المركز السياسي لنجد والتي كان يحكمها الشمريون إلا بعد مرور نحو عشرين عاماً حيث أخضعت بدعاوى دينية. ذلك ان الملك عبد العزيز لم يرفع شعار الدين إلا بعد مرور 12 عاماً من سيطرته على الرياض وتبنّى أو أسس ـ على اختلاف الروايات ـ حركة الإخوان، فأصبحت رسالة الحكم مذهبية استطاع على أساسها إخضاع الحجاز وحائل ومناطق الجنوب، والتي لولا ـ الوهابية والإخوان ـ ما قام كيان المملكة بشكله المعروف حالياً.
كان احتلال الحجاز قد جاء بمقدمة دموية للغاية، ومجازر مازالت عالقة في أذهان الأجيال. وكان العديد من شخصيات الحجاز الدينية إضافة الى الجيش الحجازي نفسه قد ذهبوا ضحية مجازر الطائف وتربة. ويصور لنا الريحاني مجزرة الطائف بقوله: «طفقوا يطلقون بنادقهم في الأسواق وهم يطوفون المدينة، وراح العربان والإخوان يطرقون الأبواب ويكسرونها فيدخلون البيوت ثم يعملون فيها أيدي السلب، وكانوا يقتلون في سبيل السلب... وقتل مفتي الشافعية الشيخ الزواوي وأبناء الشيبي... أما الشيخ عبد القادر الشيبي، سادن الكعبة، فقد نجا من الإخوان بحيلة ظريفة. بكى عندما وقع في أيديهم، فسأله أحدهم وقد استلّ السيف فوق رأسه: وليش تبتسي «تبكي» يا تسافر «يا كافر»؟ فأجاب الشيخ: أبكي والله من شدة الفرح! أبكي يا إخوان لأنني قضيت حياتي كلها في الشرك والكفر! ولم يشأ الله أن أموت إلا مؤمناً موحداً.. الله أكبر! الله أكبر! لا إله الا الله!».
هناك مفارقة تجلب الإهتمام، وهي أن إتفاقية سايكس بيكو بقدر ما مزّقت البلدان العربية، فإنها أفسحت المجال لقيام مملكة سعودية تمتد من البحر الى البحر.. ولولا سايكس بيكو لم تلقَ مملكة الأشراف الهاشمية حتفها في الحجاز وهي رائدة الدعوة لقيام وحدة عربية، ولولا استثمار الملك عبد العزيز الصراع العثماني مع القوى الغربية الطامعة وارتباط مشروعه السياسي بالمشروع الغربي، ما تيسر له احتلال الأحساء والقطيف.. ولما سقطت حائل وأفنيت زعامتها الرشيدية، بل ولما سمح للملك عبد العزيز بإنهاء دولة الأدارسة في الجنوب.
كان من السهل على الملك هضم حائل في شمال نجد، أو عروس الشمال، باعتبارها متقاربة من حيث الفكر والخصوصيات القبلية وإن كانت الأشدّ في العداء لآل سعود. اما الحجاز فقد كان كياناً مستقلاً من الناحية الفكرية والسياسية والمذهبية. إنه دولة تعتبر بمقاييس ذلك الزمان حديثة عصرية وذات رسالة قومية حملها الشريف حسين ثم أبناؤه، وقد كان هضم الحجاز أمراً في غاية الصعوبة، لهذا سلك الملك طرقاً غير وعرة للإبقاء على الحجاز خاضعاً لسيطرته. كان الملك يدرك حجم الحساسيات المناطقية والمذهبية بين النجديين والحجازيين، ووجد من الصعب إن لم يكن من المستحيل ضم الحجاز بما يمثله من ثقل ديني واقتصادي وسكاني الى نجد دفعة واحدة، فكان أن قرر جعل البلاد مملكتين لا يربطهما مع بعضهما سوى شخص الملك.. المملكة الأولى تمثلها نجد وملحقاتها «اصبحت الأحساء والقطيف تابعة لنجد ضمن ما عرف يومئذ بسلطنة نجد وملحقاتها». والثانية: المملكة الحجازية، حيث أن ابن سعود كان ملكاً للحجاز، وهو في نفس الوقت «سلطاناً» لنجد وملحقاتها. وقد اصبحت نجد مملكة هي الأخرى بقرار من الملك في أبريل 1927م، ولكنه لم يضع لها تعليمات أساسية أو نظاماً أو ما يشبه الدستور الذي يحفظ لها خصائصها كما فعل في الحجاز.
فبعد اسبوعين من سقوط جدة أصبح ابن سعود ملكاً للحجاز، بعد أن كان يعيّر الملك حسين بأنه نصب نفسه ملكاً خلافاً لمقتضيات الدين! وبعد أن مضت بضعة اشهر وضع بنفسه «نظاماً» للمملكة الحجازية كانت نصوصه من إملائه في أغسطس 1926، تضمن المواد التالية: إن المملكة الحجازية بحدودها المعلومة «لم تكن الحدود معلومة، حيث أن الملك بقي يطالب بالعقبة ومعان باعتبارهما جزءً من الحجاز» مرتبطة بعضها ببعض لا تقبل التجزئة ولا الإنفصال بوجه من الوجوه ـ وأن الدولة العربية الحجازية دولة ملكية شورية إسلامية مستقلة في داخليتها وخارجيتها ـ وأن مكة المكرمة هي عاصمة الدولة الحجازية ـ وأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية ـ وتكون جميع إدارة المملكة الحجازية بيد صاحب الجلالة الملك عبد العزيز الأول بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود ـ وأن الأحكام تكون منطبقة على كتاب الله وسنة الرسول وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح ـ وأن يعين من قبل الملك نائباً عاماً وبقدر اللزوم مديرون ورؤساء لإدارة أمور المملكة الحجازية ـ وتكون النيابة العامة مرجعاً عاماً لجميع دوائر الحكومة وأقسامها، وتكون النيابة مسؤولة أمام الملك.
لم تكن التعليمات الأساسية للحجاز هذه، تعني استقلالاً.. فملك نجد هو ملك الحجاز، الذي أوكلت إدراته وحكمه الى الأمير فيصل ـ الملك فيما بعد ـ أما الإستقلال في الشؤون الخارجية فأمرٌ لم يكن مطبقاً، حيث لم يكن هناك إعتراف من أحد باستقلال الحجاز كدولة بل ان الإعتراف من قبل بريطانيا ومن الإتحاد السوفياتي كانا قائمين على إعتبار الحجاز جزءً من المملكة النجدية، مثلما فعلت اتفاقية دارين ـ القطيف ـ في عام 1915 والتي وقعها الملك المؤسس مع المقيم البريطاني في بوشهر السير بيرسي كوكس، والتي كانت تستهدف إعطاء الشرعية على عملية ضم أو إلحاق «القطيف والأحساء والجبيل» الى نجد.
لكن التعليمات تلك أعطت في نفس الوقت شعوراً للحجازيين بأنهم بعيدون ـ رغم خضوعهم للسلطة السياسية لآل سعود ـ عن الهيمنة النجدية المطلقة، وأن الجهاز الإداري الداخلي سيكون بيدهم من قبيل البلدية والجمارك والتعليم والصحة. ولكن تصرفات الوهابيين المتطرفين في الجزء الديني والتعليمي أثارت النفوس. وحين غالى الإخوان في تصرفاتهم في الحجاز، أصدر الملك أوامره بتأسيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتنظيم عملية الأمر والنهي، وحتى لا يأخذ كل إخواني القانون بيده، مما يستتبعه فوضى وتأجيج لحدة الصراع النجدي الحجازي، الذي شهد بعد بضع سنوات ثورة قبائل بلي في شمال الحجاز بقيادة حامد بن رفادة، وبمساعدة الحكومتين المصرية والأردنية.
أنهى الملك الإزدواجية في الحكم لمملكتين متنافستين في نجد والحجاز، وأعلن بناء على استشارة جون فيلبي تسمية المملكتين وملحقاتهما بـ «المملكة العربية السعودية» في سبتمبر 1932. وكان القرار قد صور بأنه اتخذ بناء على طلب من الحجازيين الذين مثلهم سبعة عشر شخصاً كانوا ضمن مجلس الوكلاء الذي أنيط به يومئذ إدارة شؤون الحجاز الداخلية. من بينهم إثنان يمثلان نجد، هما مستشارا الملك ابن سعود: الدرزي فؤاد حمزة، والليبي خالد القرقني.
كان توحيد المملكة يعني سيطرة العنصر الحجازي على الإدارة، فالحجاز هو الإقليم الوحيد المنظم في إدارته على أسس عصرية، والحجازيون هم أكثر تأهيلاً وتعليماً وخبرة في الإدارة، وقد أنيط بهم فيما بعد وضع أغلب القوانين والأنظمة التي هي معتمدة الآن في المملكة. وهذا ما سبب بعض الحساسيات لدى النجديين، وخاصة رجال المذهب الوهابي الذين رأوا في الكثير من تلك الأنظمة والقوانين مخالفة للشريعة. ومما ساعد الحجازيين على تبوء المكانة في الجهاز الإداري للدولة، اعتبار جدة مقراً للبعثات الدبلوماسية طيلة ستة عقود، حيث لم تصبح الرياض مقراً للسفارات إلا في منتصف الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي. وكان سبب ابقاء جدة عاصمة للدبلوماسية السعودية، وبها مقر وزارة الخارجية الأساس، هو الخوف من تعرض الدبلوماسيين للقتل او المضايقة، وقد هاجم الإخوان ـ بعيد السيطرة على الحجاز ـ العديد من القنصليات وتعرض أكثر من قنصل الى الأذى ومحاولة القتل «قتل أحد أبناء الملك وهو مشاري بن عبد العزيز وهو في حالة سكر القنصل البريطاني في جدة سيريل اوسمان».
|
يتتبع
|
|