|
لم تخرج المعارضة في نجد عموماً من إسارها المناطقي والطائفي؛ بالرغم من أن عدداً من التنظيمات السياسية ذات الأيديولوجيات القومية واليسارية والتي كانت قاعدتها في المنطقة الشرقية وكوادرها الوسيطة من المواطنين الشيعة، هذه التنظيمات كانت قياداتها ذات منشأ نجدي سواء قطنت المنطقة الشرقية أو نجد نفسها.
اذا كانت التنظيمات السلفية قد غرقت في مستنقع المناطقية والطائفية، فإن التيارات الليبرالية التي نشأت في نجد لم تخرج هي الأخرى من إطارها المناطقي، وإن تحررت من الإسار الطائفي؛ بيد أن هذه الملاحظة قد لا تكون دقيقة، فكثير من المراقبين للحركة السياسية في نجد يعتقدون بأن النخبة السياسية النجدية تتمتع بحسّ طائفي عالي الوتيرة، وهي بالرغم من كونها على طرف نقيض مع التيار السلفي ـ النجدي المكافئ لها، إلا أنها ترى في «الوهابية» مكوناً أساسياً للهوية والسيادة النجدية[1] .
المعنى المراد إيصاله هنا، أن النخبة النجدية عامة، حتى المعارضة منها، هي مؤطرة مناطقياً إن كانت دينية ـ طائفية، ومؤطرة طائفياً ومناطقياً إن تحدّثت وطنيّاً. يخرج هنا ـ وبالدليل ـ حركة شمال نجد المعارضة، ونقصد بها «حائل» إذ يكشف تراث المعارضة الوطنية في السعودية، أن قيادات العمل الوطني التي جاءت من الشمال النجدي كانت أصدق في التصاقها بمشروعها الوطني ومفاهيمه الحديثة، كما تدلّنا على ذلك تجارب شخصيات وتنظيمات كان لرجال من حائل دورٌ فيها «نذكر هنا بدور المناضل ناصر السعيد، وهو من حائل، وكان قومي ناصري النزعة، صادق الوطنية، ورأس تنظيم إتحاد شعب الجزيرة، كما نذكر بآخرين من حائل قاتلوا الى جانب المقاومة الفلسطينية وقاموا بعمليات ضد إسرائيل وسجنوا فيها مثل المناضل رخا الدليم، فضلاً عن آخرين يقطنون دول الجوار الخليجي وبعض العواصم الأوروبية».
رجال حائل بدوا متسامين على مناطقيتهم النجدية، خلافاً لنظرائهم القصيميين، كما كانوا متسامين على الإنتماءات الدينية الوهابية، بل كانوا شديدين ضدّ هذه الأخيرة. وحتى القبلية الشمّرية، لم تك تُلحظ في حركة المعارضين الوطنيين «من حائل».
فيما عدا حائل، فإن معظم أصناف المعارضة في نجد حملت مواصفاتها الخاصة بها، وهي في الغالب الأعم: إقليمية الهوى، مذهبية طائفية، وعنفيّة. في بعض الأحيان يجمع بعض أصناف تلك المعارضة الصفات الثلاث، كما في حركة «الإخوان».
ويمكن ملاحظة صفات عامّة تجمع المعارضة النجديّة: أولها أنها مع وحدة الدولة، وإن كان هذا لا يخرجها من أسار مناطقيتها أو طائفيتها، وأنها عنفية في أكثر الأحيان. ومع أن المعارضة النجدية ليس من هدفها الإنفصال، فإنه يمكن وصفها بأنها أقرب ما تكون الى «القومية النجدية»: أولاً لأنها ذات نفس مناطقي قوي، وأن مساهمتها على الصعيد الوطني المعارض ضئيل؛ وثانياً لأن أهدافها إما تحصيل المزيد من السلطات من الدولة أو أن تحكم الدولة كلية بديلاً عن آل سعود. بهذا المعنى، يمكن القول بأن المعارضة النجدية تعمل على إدامة الهيمنة النجدية على الدولة، وأنها ترى في الصراع مع آل سعود وكأنه صراع بين أطراف البيت «الداخلي»، خاصة وأن من يؤمن بذلك لا يؤمن بإقامة أية تحالفات مع آخرين من خارج الإطار المناطقي. وفي أقل الأحوال هم لا يقبلون إلا أن يكونوا الرأس المقدّم على الجميع. يرشدنا الى هذا، حركة المعارضة المطلبية في السنوات الماضية، فقد رأينا أن الجزء الأكبر من النشطين النجديين قد رفضوا الإنضمام لأول عريضة بمواصفات وطنية في تاريخ المملكة «وثيقة الرؤية» والتي قدمت لولي العهد عبدالله «الملك فيما بعد». ربما كان السبب أنهم رأوا أن القائمين على العريضة إما أدنى من أن يتبعوهم «وطنياً» أو لأنهم رأوهم بالمنظار الأيديولوجي أقلّ من أن ينضوي تحت لوائهم، وهم ليبراليون في المجمل من مختلف المناطق: شيعة وصوفية ويساراً، وقوميين عرباً.
الدكتور عبدالله الحامد، الإصلاحي النجدي المعروف، نجح في إقناع بعض النشطين النجديين في توقيع العريضة الدستورية، ولكن بعد أن أعطاهم زمام القيادة واليد العليا في تحديد طبيعة النص بحيث صيغ بنفس سلفي واضح، وبعد أن صار بإمكانهم تحديد من سيوقع، بل وحصّة كل منطقة وفئة اجتماعية!، الأمر الذي دفع ببعض الليبراليين الى رفض المشاركة «علي الدميني وجماعته مثلاً». هذا التصرّف أعطى مؤشراً لبعض الإصلاحيين، بأن نجد لن تقبل بأقل من دور القيادة في حركة المعارضة، وأنها كما تتزعم الدولة فإنها تتزعم وحدها حركة المعارضة وتحدد أجندتها[2] .
وهناك ملاحظة ثالثة يمكن إيرادها على المعارضة النجدية وهي أنها بالرغم من تأكيدها على وحدة الدولة من «الناحية النظرية» فإنها من الناحية العملية، من جهة الأهداف والوسائل، تشجع على الإنقسام وتدفع بالآخرين تجاه الإنفصالية.
نجد الفتاة: من آل سعود الى نجد
تأسس تنظيم نجد الفتاة في الخمسينات الميلادية، وضم بين صفوفه الطبقة العليا من العاملين النجديين في جهاز الدولة، وشددت مطالبه المعلنة على الإصلاح السياسي، وخاضت قيادته وبينها عبد الله الطريقي وناصر المنقور وجميل الحجيلان وغيرهم، صراعاً مريراً لإجبار العائلة المالكة على تقديم تنازل ما للمواطنين ووضع البلاد على طريق الإصلاح باعتماد دستور وإنشاء برلمان وتطبيق نظرية الحكم اللامركزي؛ بالرغم من أن هناك من يعتقد بأن حركة التنظيم لم تكن تستهدف هذا كله وإنما رفعت هذه المطالب للتغطية على هدفها الأساس وهو: إعطاء مثقفي نجد دوراً أكبر في جهاز الدولة وإشراك قيادته في صنع القرار.
وفي الحقيقة فإن هذا الإسم «نجد الفتاة» يثير الإستغراب الشديد؛ إنه يحمل شعوراً مناطقياً متعاظماً للغاية؛ فضلاً عن كونه يحمل صبغة «علمانية» وبالتالي من الصعب أن يلقى تفهّماً إذا كان حملته يمثلون المنطقة الحاكمة. ولو أن الحجازيين فعلوا ذلك في الغرب وكذا الشيعة في الشرق، لما كانوا ملومين لأن مناطقهم أو بعضها على الأقل تبحث عن دور أو مشاركة، وبالتالي لا معنى لتميّز نجد «المتميّزة أساساً» والمسيطرة من الناحية الفعلية على الحكم، اللهم إلا إذا كان الغرض فصل نجد عن جسد الدولة وهذا لم يكن مطلوباً. ولو كان الإسم: «السعودية الفتاة» على غرار «مصر الفتاة، او تركيا الفتاة» لما كان الإسم يثير ما أثاره من اندهاش واستغراب، خاصة وأنه لا مقام لنجد بدون جناحيها في الشرق والغرب.
ان الحركة التي تصنف على أنها ليبرالية أو علمانية في نجد، هي أيضاً حركة مناطقية ولا تشذ ـ كما يراها المراقبون ـ عن الحركات الفئوية الأخرى. لهذا اعتبرت حركة نجد الفتاة بمثابة التصحيح الداخلي لمراكز القوى النجدية. كانت العائلة المالكة والمؤسسة الدينية القوتان اللتان تديران الدولة وتقرران شؤونهما، فأراد النجديون الآخرون من الفئات المتعلمة كسر هذا الإحتكار والخروج بحصّة من الحكم، والقبول بهم كشركاء «من داخل البيت النجدي».
لم يكن أولئك المعارضون ـ كما نظراؤهم الكثر هذه الأيام ـ يعتبرون أنفسهم معنيين بكامل التراب الوطني، فيسعون لإنصاف من هم على شاكلتهم في المناطق الأخرى، فجل ما كانوا يريدونه هو: تحصيل حصة من الحكم والقرار من يد النجديين أمثالهم: سواء كانوا سلفيين أو من العائلة المالكة.
لقد أصبح إصلاح النظام عند بعضهم يعني: إشراك مثقفي نجد ممن هم خارج الجهاز في ماكنة السلطة مع العائلة المالكة. وعلى أحسن التقادير: فإن البعض قد يكون مهتماً بإخراج كثير من السلطة من يد آل سعود، ليتم تداولها في المحيط النجدي بحيث لا تتجاوز أسواره.
يعتقد كثير من المثقفين الليبراليين النجديين أنه ليس من مصلحة البلاد ونجد أن تساهم الأخيرة في المطالبة بالإصلاح لأنها ستتقاسم النفوذ والسلطة مع آخرين مهمشين، أي أنها ستدفع من حصتها للآخرين! فيما ترى قلّة أخرى ضرورة انخراط الأطياف النجدية ضمن الفئات المعارضة والإصلاحية في المملكة، لأن غياب نجد يعزّز الشعور والحاجة الى الإنفصال، ويصبح الصراع نجدياً مع كل المناطق الأخرى؛ ولكن هؤلاء يعتقدون بأن الدور المعيّن لنجد هو أن تقود المعارضة لا أن تُقاد، وهناك مؤشرات كثيرة على ذلك.
هناك خشية لدى عدد من مثقفي المملكة بأن تكرر تجربة تنظيم «نجد الفتاة» بالرغم من أن النخبة المثقفة النجدية تبدو وكأنها أكثر اصطفافاً اليوم مع آل سعود «ونقصد بالنخبة أولئك المشاركين في السلطة».. ويخشى إصلاحيون من خارج نجد أن يجري تسوية الصراع النجدي على حساب المعارضة الإصلاحية التي تريد تغييراً في بنيان السلطة لا أن يستخدم الصراع من أجل تغليب مصالح فئوية خاصة بنجد.
الجماعات السلفية الوهابية المعارضة
المعارضات الدينية في نجد كانت على الدوام المسيطرة على المسرح السياسي. فحتى الوقت القريب، كان ولاء أكثرية الوهابيين للعائلة المالكة غير قابل للنقاش، بالرغم من الإنشقاقات الخطيرة والحادة التي استمرت في الوقوع من وقت لآخر. في العقدين الأخيرين، فإن حجم الإنشقاق العنفي التي أظهرته تلك المعارضة الدينية، وحجم شعبيتها بين الطبقات الشعبية الوهابية، أعطى الإنطباع والإشارة الى أن الولاء للدولة ولآل سعود يتعرض لامتحان عسير وخطير يمكن معه ليس فقط التأثير على استقرار الدولة بل قد يهدد أيضاً وجودها.
يمكن تلخيص المشكلة بين آل سعود والتيار السلفي الحليف على هذا النحو: لقد تطورت الدولة باتجاه علماني أكثر مما يمكن للوهابيين فكرياً ومعتقداً أن يتحمّلوه. هذا ما جعل الوهابيين، ومن ضمنهم المؤسسة الدينية، غير قادرين على تكييف أنفسهم مع المتغيرات الشديدة، وغير قادرين على القبلو بعدد من القرارات والسياسات التي تتعارض مع تفسيراتهم الدينية. هذا قاد الأكثرية الوهابية الى سحب غطاء الشرعية عن تلك السياسات، وهو ما كان يفعله المفتون الوهابيون، والعديد من المشايخ مع محاولتهم حصرها ضمن حدود الموضوعات المطروحة، وقد أثرت تلك المواقف على شرعية النظام، وإن لم يعلنوا أن النظام الذي يجري السياسات غير الشرعية خارجاً عن نطاق الشرعية، كما لم يجيزوا الخروج على آل سعود بسبب تلك الممارسات والسياسات.
بدلاً من ذلك عمدوا الى «النصحية» لولاة الأمر كوسيلة لتصحيح تلك السياسات، ولوضع المكابح أمام إقرار المزيد منها، وبالتالي فإنهم كانوا يتحركون بصورة دفاعية لمنع المزيد من الخطوات باتجاه علمنة الدولة. هذا التوجه من العلماء لم يثبت نجاحه، كما لم يقنع القاعدة النجدية الوهابية الشعبية ـ مع الزمن ـ من محاولة استخدام وسائل أخرى لإجبار الحكام السعوديين للإلتزام بآرائهم وتفسيراتهم. هذا بالضبط كان مصدر الإنشقاق الوهابي عن آل سعود منذ أيام «الإخوان» في العشرينيات الميلادية من القرن الماضي. فقد كانت استجابة قيادات الإخوان ومطالبهم تأخذ منحى إعطاء المزيد من السلطات لرجال المذهب الوهابي، والمطالبة بالمزيد من التزام الدولة والمجتمع بالمظاهر والمعطيات الدينية حسب التفسير السائد. أولئك الذين نفد صبرهم تحولوا الى العنف، رغم إجماع مشايخ الوهابية على أن مطالبهم محقّة، وحاولوا ـ أي قادة الإخوان ـ السيطرة على الدولة وإدارتها بأنفسهم.
بهذا المعنى، فإن مظاهر الإنشقاق الوهابي، سواء نجح أم فشل، يمكن النظر اليه على أنه أداة «إضعاف» للحكم النجدي والدولة التي بناها وحكمها النجديون. ولو نجح المعارضون الوهابيون من الإخوان في الإطاحة بحكم آل سعود، فإنه من غير المحتمل أن يتمكنوا من حكم دولة موحّدة فترة طويلة. فعداء الوهابيين ليس لآل سعود فحسب، بل لكل فئات المجتمع الأخرى، وفي حال غاب آل سعود عن الساحة، فإنه لا توجد قيادة نجدية سياسية قادرة على إبقاء الدولة موحّدة.
لقد شهدت الدولة السعودية عدة أعمال انشقاق وتمرد وهابي كلها كانت عنيفة جامحة حادّة. أهمها أربعة انشقاقات: الإخوان الأوائل 1928ـ1930؛ حركة جهيمان فيما سمي بالجماعة السلفية المحتسبة 1979، والصحويون الذين ظهروا في التسعينيات الميلادية من القرن الماضي بعد غزو العراق للكويت؛ وأخيراً ما عرف بإسم الجهاديين الذين تصدروا التفجيرات والعنف منذ أحداث 11/9/2001.
الإنشقاق الأول: حركة الإخوان
إن حركة الإخوان التي نشأت في منتصف العقد الثاني من القرن الميلادي الماضي، والتي قام على أكتافها عبء التوسّع السعودي، تحولت فيما بعد الى حركة معارضة للملك عبد العزيز حتى صفّى قيادتها في يناير 1930م. تلك الحركة كانت تؤمن بإدخال الناس في الدين حسب فهمها: بالعنف وقوة السلاح وعبر الجهاد المستمر الذي لا يتوقف عند حدود قطرية مصطنعة، أو جغرافيا غير مواتية؛ ومع أنه من المفترض في حملة رسالة تزعم تجديد الدين، أن تنظر الى الناس باعتبارهم سواسية، وتبتعد عن اعتبارات الأصول والأعراق والأقاليم، إلا أن حركة الإخوان التي انضم اليها كل المجتمع النجدي بالقهر أو بالرغبة، لم تتفلت من الداء المناطقي والقبلي. فحين ثار الإخوان ضد مرجعيتهم السياسية «السعودية» أعادوا تفعيل الروابط القبلية مقابل الروابط الدينية التي استخدمت من قبل في مكافحة الآخرين واحتلال ديارهم؛ فكان لعتيبة زعيمها المعارض: سلطان ابن بجاد؛ وكان لمطير زعيمها: فيصل الدويش وابنه عزيز؛ وكان للعجمان زعيمهم: ابن حثلين؛ وكذا بقية الزعماء مثل ابن لامي «ابي الكلاب» وزعيم الرولة «ابن مشهور» الذي دسّ السعوديون له السمّ فيما بعد وقتلوه في الخارج.
الإنشقاق الثاني: حركة جهيمان
ومثل حركة الإخوان الأولى، جاءت حركة الإخوان الثانية بزعامة جهيمان العتيبي عام 1979م؛ فالرجل بدا وكأنه تسامى على الإنتماء القبلي، بل وعلى الإنتماء الوطني؛ حيث شارك معه مقاتلون من جنسيات مختلفة مصرية ويمنية وعراقية ومصرية وغيرها، مثلما شارك معه آخرون من قبائل غير عتيبة مثل قحطان «لا ننسى أن المهدي الذي تمت مبايعته في الحرم من قبل الحركة هو محمد القحطاني». لكن ـ كما أوضحت بعض الدراسات الغربية ـ فإن القبليّة لم تخرج من «دماغ» جهيمان بتاتاً، وكأن الحركة الدينية عامة بالرغم من تبنّيها من الناحية النظرية أطراً فكرية أوسع من المنطقة والدولة القطرية الى «الأممية» إلا أنها في مستقرّها النهائي خاضعة لمزاج غير عقدي «قبلي ومناطقي وأحياناً وطني/ قطري». ولذا لاحظنا في حركة جهيمان أن الكثير من الأتباع جاؤوا من عتيبة ومن بلدة ساجر، ومن حفدة الأخوان القدامى، وهو ـ أي جهيمان ـ كان واحداً من أولئك الحفدة، كما كان من المدافعين عن أجداده بالقلم والسنان «انظر مثلاً رسالة جهيمان: دعوة الإخوان كيف بدأت والى أين تسير».
جهيمان لم يدافع عن الإخوان القدامى، بل استعار اسمهم، واتهاماتهم ضد آل سعود، بل واستخدم وسائلهم في النضال «العنف»[3] . بل أن جهيمان ارتكب نفس الأخطاء التي ارتكبها أجداده.
من جهة العنف، فإن المعارضة السلفية الإخوانية استخدمته على نطاق واسع في العقود الثلاثة الأولى من القرن الماضي، مرّة ضد المخالفين الفكريين والمذهبيين «أي ضد الشيعة والحجازيين وسكان حائل والإسماعيليين وكل الإمارات في الجزيرة العربية» إنتصاراً لرؤية مذهبية، وتجييراً لتلك الرؤية والحرب الدموية لصالح مشروع سياسي نجدي/ قصيمي ـ سعودي/ عائلي؛ ومرة اخرى لما تحقق مشروع قيام دولة نجد من البحر الى البحر ومن حدود الأردن والعراق شمالاً الى حدود اليمن جنوباً، وحينها تضاءلت قيمة الأداة الإخوانية «الجيش السعودي» فقررت الثورة على صانعيها، وارتدّت الى عصبيتها القبلية مقابل العصبية المذهبية والمناطقية للعلماء، فكانت موقعة السبلة، وكانت حينها نهاية الإخوان.
سار على ذات النهج وبنفس الإسم «الإخوان/ جماعة الدعوة المحتسبة» جهيمان العتيبي حين اقتحم مع مئات من مقاتليه الحرم المكي الشريف في نوفمبر 1979م لتحقيق نبوءة تفيد بإسقاط النظام السعودي عبر الخسف بجيش آل سعود حين يقتحم الحرم؛ وقد اقتحم الجيش السعودي بمعاونة القوات الفرنسية الخاصة وكذا الأردنية والمغربية الحرم الطاهر، وتمّ تدمير منارات الحرم، وأرضياته، وأقبيته بالدبابات، فلم يخسف الله بالجيش، كما لم يخسف من قبل بالجيش الأموي في عهد يزيد أو في عهد الملك بن مروان على يد الحجاج!
إن حركة أحفاد «الإخوان» القدامى التي قادها جهيمان وصفت نجدياً بالتطرف، سواء من قبل الفئة الليبرالية «او العلمانية» أو من قبل المؤسسة الدينية، التي لم تفتأ أن تطلق على جهيمان وجماعته لفظ الخوارج والمروق من الدين والفئة الضالة، وهي ذات الألفاظ والتهم التي استخدمها المشايخ أنفسهم ضد زعماء الحركة الإخوانية الأولى، وسيكررون الأمر لاحقاً بعد جهيمان كما هو حاصل اليوم. وبقدر ما أكدت حركة جهيمان على عنفية الحركة فإنها أكدت على طائفيتها وبدا ذلك واضحاً في عدائها الشديد للمواطنين في شرق المملكة وغربها وجنوبها من الذين لا يعتقدون بمذهب الدولة الرسمي ـ الوهابي. وكان جهيمان يشنّع على الدولة السعودية ـ كما هو واضح في رسائله ـ بأنها سمحت لغير الوهابيين بالحج، وبأن يكونوا مواطنين في الأساس! يقول جهيمان في «رساله بيان الشرك وخطره»: «لماذا لا يُكفّر اليوم من يدعو علياً وفاطمة ورضي الله عنهما، وكذلك من يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم من دون الله؟ ولماذا تُرك العمل بقوله تعالى: "إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا"؟ بل نرى المشركين الشيعة وأمثالهم يملؤون مكة والمدينة ويجاهرون بشركهم؟! ثم نتساءل: هل وُجد في دين الإسلام من يأخذ الزكاة من الروافض، ويعطيهم الإعانات، ويعتبرهم من رعاياه، كما يعامل اليوم رافضة الجنوب والأحساء».
وفي رسالة «الإمارة والبيعة والطاعة» وجه الى الحكومة اتهاماً بأنها «والت وصالحت النصارى وأوت المشركين من الشيعة والروافض» ويمضي فيقول بأن آل سعود «ليس لهم على المسلمين بيعة ولا تجب عليهم لهم طاعة، ومع ذلك لا يلزم من هذا كله تكفيرهم ـ بل من أظهر منهم الإسلام حكمنا له به حتى تثبت ردّته عنه فنحكم عليه بالكفر.. مع اعتقادنا أن بقاءهم اليوم هدم لدين الله عز وجل ولو كانوا يدعون الإسلام، نسأل الله ان يريحنا منهم أجمعين».. ويضيف: «وامتازت دولتنا بقسط وافر من هذا التلبيس منها ومن علمائها، والتي تسمي نفسها اليوم بدولة التوحيد، وإنما وحدت بين صفوف المسلمين والنصارى والمشركين، وأقرّت كلا على دينه كالروافض، وحاربت من خالف ذلك، وقاتلت من قاتل المشركين الذين يدعون علياً والحسين، وقد حاربت كذلك عبادة القبور والقباب وأرست قواعد عبادة الريال».
لكن جهيمان اختلف مع حركة أجداده في أمرين: الأول، تبنيه المهدوية، وطلبه من الحجاج مبايعة المهدي؛ والثاني أنه بدا أكثر من أجداده في مسألة التسامي على الولاءات الوطنية والقبلية «رغم أنه لم يستطع التخلص منها». ومعلوم كيف انتهت حركة الإخوان الأولى بدعم من الإنجليز «خاصة غلوب باشا» والجيش البريطاني المرابط على الحدود مع العراق والكويت، وهي نهاية تتشابه من جانب من جهة أن العلماء وقفوا مع آل سعود ضد الإخوان القدامى والجدد وشرعنوا قتالهم، ومن جهة ثانية شاركت قوات فرنسية وأردنية القوات السعودية في القضاء على حركة الإخوان الثانية. وإذا كان الملك عبدالعزيز قد حقق هدوءا واستقراراً بعد مقتلة الإخوان الأولى «القرعا، كما يسميها» فإن الثانية كانت أخطر بكثير من حيث انعكاساتها المستقبلية. لقد قاتل جهيمان في ظرف نهوض المد الديني، وكان الملك فهد يشعر بحساسية تجاه التزامه الديني، ولكي يتخلص من الأزمة أعطى سلطات غير مسبوقة للتيار الوهابي، بعكس ما فعله عبد العزيز حيث ضعف التيار الوهابي بشكل عام في الدولة بعد مقتل الأخوان الأوائل[4] .
الذي حدث أن تنازل الملك فهد للتيار الديني وإن عضد شرعيته الداخلية من التيار الوهابي، إلا أنه فجّر مشاكل لاحقة بينها مشاكل العنف والصحويين وغيرهم، ولاتزال المملكة حتى اليوم تعيش نتائج ما جرى من سياسات بعد مقتل جهيمان، حيث اعتبر ما فعله الأخير زلزالاً كلف الدولة والمجتمع الكثير ولايزال[5] .
الإنشقاق الثالث: الصحويون
الحركات السلفية الحديثة، التي ظهرت بعد جهيمان، خاصة بعد أزمة احتلال الكويت، وبعد تفجيرات نيويورك 11/9/2001م، كانت في جزء كبير منها منتج ما فعله جهيمان، ومنتج ما قدمه الملك فهد للتيار الوهابي من سلطة ودعم، ومنتج التحدي الأيديولوجي الإيراني وعسكرة الوهابيين عبر أفغانستان المحتلة سوفياتياً. هذه الحركات التي انتظمت تحت مسمّى «الصحوة والصحويين» كان هواها وخطابها ولايزال ذا لحن طائفي، وذا عمق مناطقي، شديد النزعة باتجاه استخدام العنف تجاه الآخر الفكري أو السياسي. بدا وكأن العصبية النجديّة ستخفّ في التيار السلفي الحديث، ولكن التأسيس الفكري والثقافي والنفسي والمصلحي لهذا التيار يجعل نجاحه في هذا الأمر شبه مستحيل.
التيار الصحوي ظهر في التسعينيات الميلادية وقاد أخطر الإنشقاقات وأعقدها ضد آل سعود كانت له سمة فكرية وكان على رأس الإنشقاق رجال دين شباب لهم جماهيريتهم «العودة والعمر والحوالي وغيرهم» وليس أنصاف رجال دين أو زعماء قبائل كما حدث مع الإخوان وحركة جهيمان، وبالتالي سُحب أكبر سلاح من العائلة المالكة وهو سلاح الفتوى، حتى سلاح المفتي لم يعد مفيداً للإستخدام ضدهم. الصحويون لم يستخدموا العنف ضد الدولة، ولكن حركتهم من التطرف والتشدد بحيث أنها لا بد وان تفرز حركتها العنفية وهو حدث في وقت لاحق، خاصة وأن الصحويين لا يشرعنون حكم آل سعود، وإن كانوا غير جريئين في البوح بذلك علناً.
حشد الصحويون الشارع ضد الحكومة وضد كل التيارات الأخرى السياسية والفكرية والإجتماعية تحت مسميات محاربة الرافضة والمتصوفة والعلمانية والحداثية والليبرالية وما أشبه. كما نجح هؤلاء في تهميش دور كبار العلماء وإن لم يصطدموا بهم علناً، وفي مقدمتهم المفتي وابن عثيمين الذي بذل جهوداً كبيراً لمنع الصدام بين القاعدة الوهابية وآل سعود، وتنفيس الإحتقان خشية من أن ينفجر على شكل عنف أعمى. هاجم الصحويون النظام السعودي من المساجد وعبر أشرطة الكاسيت والفيديو والكتيبات والمطويات والمنشورات والمخيمات.
المفتي ابن باز وغيره من كبار العلماء دافع مراراً عن آل سعود، وحض جماهير الوهابية على الخضوع وعدم الثورة على الحكومة باعتبارها شرعية[6] ، وكان فيما يبدو يدرك أن المعركة هذه المرة تختلف عن سابقاتها باعتبار المشايخ طرفاً فيها، وقادة الصحويين هم تلامذة المفتي وكبار العلماء، وضربهم يعني إضعافاً للتيار الوهابي داخلياً لصالح فئات يعتقد المشايخ أنهم بعيدون عن الدين وجادة الصواب.
كل الفتاوى لم تفد في منع الصدام بين الحكومة وجماهير الصحوة السلفية، مع أن القادة الصحويين استخدموا كبار العلماء كمظلة حماية لهم من تغوّل الدولة، ولكن الى حين.
ولكن ماذا كان يريد الصحويون؟ هذا السؤال تجيب عنه «مذكرة النصيحة» المطولة التي قدمت للحكومة عام 1992م، والتي حوت مطالب وقعها 108 أشخاص كلهم من لون واحد «سلفي» ومعظمهم من القاطنين في نجد، ومن القيادات النجدية الوهابية الوسيطة. كل المذكرة تشير الى حقيقة واحدة، وهي أن التيار السلفي/ الوهابي يطالب بحصّة أكبر في الدولة. وكل المطالب التي حوتها المذكرة لا علاقة لها بشيء إسمه «وطن» الذي كان حتى تلك اللحظة يسمى عندهم «وثن». أي ان قائمة المطالب فئوية الى أبعد الحدود، وإن جاءت في سياق عام وكأنها تعبير عن مطالب شعبية. والمطالب على كثرتها يعني الإستجابة لها «تغييراً» لشكل الدولة وجوهرها، وتقليصاً كبيراً لدور العائلة المالكة المستبدّة أصلاً.
المطالب شملت كل الحقول السياسية والتعليمية والجيش والقوى الأمنية والإقتصاد والدين والإعلام وفي كل هذا يريد الصحويون أن تكون لهم الكلمة العليا والقوة في التنفيذ، ويمكن مراجعة المذكرة لمعرفة تفاصيل المطالب[7] . ترددت الحكومة في مواجهة القيادات الصحوية، لأن المذكرة حصلت على دعم من شخصيات كبيرة في المؤسسة الدينية.
ولكن بعد تأسيس لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية، والتي قصد منها الدفاع عن أهل التوحيد فقط في نجد، وخشية من تطور الأوضاع نحو الأسوأ، حيث بدأت بعض المواجهات والمصادمات في المساجد والشوارع ووقعت بعض أحداث العنف، اتخذت الحكومة قراراً كانت مرغمة على اتخاذه، فاعتقلت معظم مؤسسي اللجنة بين عامي 1993-1999، وبعد اطلاق سراحهم أصبح أكثرهم أقل ميلاً للمواجهة مع آل سعود، وإن كانت لغتهم الطائفية بقيت على حالها باعتبار أن ذلك جزء من صميم المعتقد غير قابل للتغيير.
غير أن بعض القيادات الصحوية من الطبقة الثانية انخرطوا في العنف كما سنرى ليؤسسوا لانشقاق عنفي مدني حاد.
الإنشقاق الرابع: الجهاديون القاعديون
كان العنف جزءً من التيار السلفي ولازال، وإن كانت الصحويون أقل جرأة في ممارسة العنف مع أن قاعدتهم تميل اليه بشكل كبير، وكذلك بعض مشايخ وقادة التيار. لم يكن هناك انفصال بين الإثنين. وقد التقى هؤلاء جميعاً بالعائدين من افغانستان منتصف التسعينيات، منتشين بالنصر الذي حققوه، ليكرروا بعض ما تعلموه وفعلوه هناك. ابتدأ الأمر بتفجيرات الرياض عام 1995، ثم تلاها انفجارات الخبر 1996 «التي قام بها القاعديون واتهم بها الشيعة دون دليل». بناء على التفجيرين اعتقلت السلطات الأمنية المئات من العائدين الأفغان وبدا أن الحكومة أحكمت السيطرة الى حد ما خاصة بالنسبة لانفجار الرياض. لكن أحداث سبتمبر 2001 زادت من شعبية استخدام السلاح في المملكة بشكل داراماتيكي، ومنذئذ والعنف لم يتوقف. تيار العنف هذا «الجهادي كما يطلق عليها» بدأ بالعمل تحت مسمى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وبهدف واضح اسقاط آل سعود، وتأسيس دولة اسلامية شبيهة بدولة الطالبان التي قال منظر القاعديين الشيخ حمود العقلا أنها الدولة الإسلامية الوحيدة في العالم، والنموذج الذي يجب أن يقتفى.
هذه هي أهم الإنشقاقات الوهابية العنفية ضد الدولة السعودية، ولكن يمكن تصنيف التيار السلفي العام في المملكة على أساس وجود تيارين عريضين:
الأول، التيار المؤيد للحكم السعودي
ويشمل:
1/ هيئة كبار العلماء اضافة الى المفتي والموظفين الكبار في المؤسسة الدينية. هذا التيار خسر كثيراً بسبب اقترابه الكبير من آل سعود الى حد فقدانه مصداقيته واستقلاله. وايضاً بسبب وفاة أقوى شخصيتين دينيتين هما: المفتي ابن باز، والشيخ ابن عثيمين. ولم يفد تعيين الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ في دعم مشروعية العائلة المالكة، كونه أكثر التصاقاً من أي من المفتين السابقين بآل سعود. ويدخل ضمن هذا التيار الشيخ صالح اللحيدان رئيس المجلس القضائي الأعلى، ورئيس رابطة العالم الإسلامي الشيخ عبدالله التركي، إضافة الى وزير العدل الشيخ صالح آل الشيخ، ومشايخ آخرين كالشيخ عبدالله المنيع، والشيخ عبدالمحسن العبيكان وأمثالهما.
2/ ومن المؤيدين من يسمون بالجاميين أو المدخليين، ومنظرهم الشيخان أمان جامي وربيع المدخلي. وهذان يعتقدان بولاية آل سعود وهما شديدا العداء للتيار الجهادي أو الصحوي، وهو أقلّ تشدداً تجاه التيار الليبرالي.
التيار السلفي المعارض
وينقسم الى:
1/ تيار العنف السعودي السلفي سواء الذي يشارك في العراق أو أفغانستان أو الشيشان أو داخل السعودية نفسها وغيرها من الدول، وإن كان تنظيم القاعدة في جزيرة العرب هو الفرع السعودي للقاعدة الأم. ويرأس هذا التيار من الناحية التنظير الديني الشيوخ: ناصر الفهد وعبدالعزيز الخضير وأحمد الخالدي الذين اعتقلوا، أو أولئك القادة الذين ماتوا: الشيخ حمود العقلا، أو قتلوا: الشيخ عبدالله الرشود. القادة العسكريون قتلوا مثل الشيخ يوسف العييري وخالد الحاج، وعبدالعزيز المقرن وصالح العوفي. وفي الجملة فإن التيار العنفي صغير بالمقارنة مع حجم التيار السلفي، لكنه مؤيد من قاعدة شعبية غير قليلة، وإن كان الممارسون قلة، كما أن تأثير العنف شديد الأهمية والتعقيد.
محفّزات العنف كانت كثيرة في المملكة ولاتزال، من بينها الإختلالات الفكرية والإقتصادية والسياسية؛ ولعلّ ما صدرته المملكة من أفكار متطرفة الى أفغانستان ارتدّ عليها عنفاً غير متوقع. هناك قابلية للعنف في الثقافة السلفية، وهناك انسدادات حقيقية في المجتمع غير مبررة، وهناك أيديولوجيا تشرعن الخروج على نظام العائلة المالكة، وهناك فوق هذا تقنيات سياسية وتنظيمية ومسلّحة استوردت من خارج الثقافة المحلية ـ سواء من خلال التفاعل المباشر في أفغانستان مع تنظيمات إسلامية، أو من خلال الإسلاميين المستقدمين للعمل في السعودية ـ لتلعب كلها دوراً كبيراً في انفجار الأوضاع الأمنية.
بتراجع شرعية النظام في التسعينيات لأسباب سياسية واقتصادية وعقدية؛ ومع عودة السعوديين الأفغان الى ديارهم، بدا أن الأرض أخذت تميد بالأمراء؛ فكان انفجار العليا في الرياض عام 1995، وكان انفجار الخبر عام 1996م. لم يكن العنف الذي انفجر منذ منتصف التسعينيات إلا بداية اكتشف الملك فهد أنها قد تتطور الى ما هو أسوأ، فأمر بإطلاق سراح العائدين من أفغانستان من جهة، ثم ما لبث أن أعادهم وعاملهم بقسوة بالغة ـ البريء والمتهم ـ وفي نفس الوقت أرسل مسؤول الإستخبارات الأمير تركي الفيصل الى أفغانستان ـ حسب مصادر المخابرات الأميركية المنشورة في تقرير 11/9 عن السعودية ودورها فيه ـ وذلك ليفاوض زعيم الطالبان الملا عمر بحيث يقنع ابن لادن بأن يوفّر السعودية في صراعه مع أميركا! وقيل أن عشرين مليوناً من الدولارات قدّمت من أجل إنجاح تلك الصفقة، في حين نفى السعوديون ذلك.
جاءت انفجارات نيويورك وواشنطن كالصاعقة على رؤوس المسؤولين السعوديين، بالنظر الى أنها دقّت اسفيناً في العلاقات السعودية الأميركية، والعلاقات السعودية الغربية عموماً. وكان من الطبيعي أن يستنتج المراقبون بأن العنف السعودي الذي وصل الى نيويورك وواشنطن قادر على أن يفعل ذات الشيء داخل السعودية نفسها وبأيدٍ سعودية نفسها. في الفترة اللاحقة لتلك الأحداث العنيفة، كانت تصريحات الأمراء ـ خاصة الأميرين سلطان ونايف ـ تؤكد أن لا وجود لتنظيم القاعدة ولا لخلاياه في السعودية. لكن القاعدة لم تكن لتوفر ساحة صدام مع أميركا مثلى كالسعودية حيث يترعرع فكرها ويتزايد مؤيدوها وأتباعها.
وهكذا بدأت الإنفجارات تتوالى في العاصمة السعودية وفي مدن أخرى من المملكة حيث المواجهات المستمرة على خلفية إسقاط النظام السعودي ـ الذي أصبح كافراً الآن ـ أو على خلفية مواجهة الأميركيين «وآل سعود بنظر القاعدة من ذيولهم» وسجل تنظيم القاعدة في بلاد الحرمين إسمه على معظم العمليات العسكرية التي قامت ولاتزال. لقد سقط الكثير من رموز وقيادات القاعدة في السعودية، وهناك من يرى بأن العنف وإن كان سيستمر إلا ان القاعدة لن تكون بديل حكم، وإن كانت ستساهم في تقويض نظام الحكم الحالي؛ ومع هذا ينبغي الإلتفات الى ظاهرة أن المجتمع النجدي بعامته وقياداته لم يلتف حول القاعدة، ربما لأن أسامة بن لادن لا ينتمي الى العصبة النجدية، وإن انتمى الى تراثها المذهبي/ السلفي.
بيد أن ابن لادن فشل في جرّ القيادات الدينية والنخبوية عامة في نجد الى مشروعه في وضع حدّ للزواج الديني السياسي السعودي، ولعل السبب يعود الى ان التيار السلفي عامة لا يستطيع أن يحكم على آل سعود بالطلاق النهائي «كفراً ومن ثمّ إسقاطاً» لأن هذا التيار شريك في الغنم، وله مصالح لا يستطيع او لا يريد التضحية بها. ولهذا فهو مجبر ان يمنح شرعيته للنظام القائم وممارساته لأنه في واقع الأمر يشرعن نفسه أيضاً. لهذا فشل ابن لادن في إيجاد حالة طلاق نهائي للتحالف الوهابي السعودي.
2/ التيار الصحوي أو الوسطي، والذي يؤيد العنف في الخارج ويرفضه في الداخله، وهو يمثل التيار الأغلب بين السلفيين الوهابيين خاصة بين الشباب، وقيادته تشمل العودة والحوالي وناصر العمر، والذين هم أكثر شعبية من رجال الصنف الأول المؤيد للحكومة بمن فيهم المفتي. وبالرغم من أن قادة التيار الصحوي شديدي الولاء للوهابية، فإنهم غير موالين سياسياً للعائلة المالكة، وإن كانوا لا يطعنون بشكل علني وواضح في شرعية الحكم السعودية. وتتهم الحكومة وكثير من الكتاب والمفكرين والمشايخ بأن التيار الصحوي هو الذي فرّخ تيار العنف، في حين يقول آخرون بأن الوهابية كمعتقد هي التي فرّخت كل التطرف والعنف اللفظي والمادي.
3/ اتباع التنظيمات الإسلامية مثل الإخوان المسلمون وحزب التحرير. حيث يتبع بعض الناشطين السياسيين النجديين هذه الأحزاب مع بعض التحفظات ومع إضفاء الصبغة الوهابية المحلية عليها. وينسب الى هذه الأحزاب كما يقال: محمد المسعري، وسعد الفقيه، وتوفيق القصير، وأحمد عثمان التويجري، وغيرهم. حزب التحرير الذي كان في الأساس معادياً للوهابية باعتبارها كانت ضد الخلافة العثمانية، تحوّل في كثير من الأماكن بعد أحداث 9/11 الى الأيديولوجيا الوهابية وصار داعماً لابن لادن.
تصور الكثيرون أن العنف في المعارضة الدينية ـ السلفية ليس أصيلاً، بل هو ظاهرة مؤقتة، وأن السلفيين صاروا أقلّ ميلاً باتجاه العنف، أولاً لأنهم شركاء حقيقيون في السلطة، وثانياً لأنهم ومناطقهم أصابوا من غنائم التنمية الإقتصادية الشيء الكثير بما لها من تأثيرات نفسية وفكرية عميقة، وثالثاً لإن قوى الأمن تمددت وتطورت وسائلها، وبالتالي فإن إمكانية عودة العنف بدت بعيدة بالنسبة للحكومة ولدى الكثير من المراقبين.
لكن التيار السلفي فاجأ الجميع بشراسته في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وكررها في أحداث نيويورك 2001 المعروفة. في الحالة الأولى ـ التسعينيات ـ بزّت الرموز السلفية ـ التي حسبت متنورة ـ التقليديين من مشايخ المؤسسة الرسمية في طائفيتها الفاقعة، وفي المدى الذي وصل اليه عنفها النظري وتحريضها العملي على تطبيقه. لقد تبين اليوم بشكل واضح أن طائفية من يعتبرون أنفسهم وسطيين أو صحويين أو متنورين في الوسط السلفي، ويطرحون أنفسهم كبديل لرجال المؤسسة الدينية التقليدية، أشدّ من طائفية الدولة السعودية نفسها، ومن التقليديين الوهابيين، وأضحت الدولة تستخدم شراستهم الطائفية في تخويف الآخرين بهم، وحملهم على القبول بأهون الشرين!
إن ما قاله الشيخ سلمان العودة، وناصر العمر، وسفر الحوالي عن الشيعة والصوفية في الحجاز والإسماعيلية في الجنوب وغيرهم، حتى الليبراليين السعوديين أنفسهم، قد يكون غير مسبوق في تاريخ المملكة. فالشيخ سلمان، وهو أهون من زميليه، قدم الكثير من الكلام ضد المخالفين «انظر مثلاً محاضرته: أسباب سقوط الدول» حيث وصف التشيع بأنه مذهب رافضي خبيث صنعه اليهود والنصارى، واستمع لمحاضرته الأخرى التي ندد فيها بسواقة المرأة للسيارة وكيف أنه استثير لمجرد وجود «رافضية!» تشغل منصباً إدارياً وسطياً في كليّة البنات بالدمام! وانظر أقواله الأخرى التي طالب فيها بتمييز المواطنين الشيعة من حيث اللبس حتى يسهل تمييزهم ومن ثمّ الإساءة إليهم، شأنهم في ذلك شأن ما جرى في التاريخ الإسلامي من تمييز المسيحيين والمسيحيات!! وأيضاً انظر كتابه «في حوار هادئ مع محمد الغزالي» الذي ردّ فيه على كتاب الشيخ محمد الغزالي رحمه الله «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث»؛ فكان كتاب العودة لا علاقة له كثيراً بالحوار ولا بالهدوء المزعوم في العنوان، والذي لم يعترف بأن الغزالي «شيخ»! لأنه انتقد منهج تفكير السلفيين من جهة ودعا الى الإعتدال في الموقف من الشيعة.
أما ناصر العمر، وهو من القيادات الجديدة فله مواقف شديدة التطرف ضد أهل الحجاز والشرقية والجنوبية، وله مذكرة رفعها للشيخ ابن باز وعلماء المؤسسة الرسمية يحرضهم أكثر على الشيعة! حملت عنوان: «واقع الرافضة في بلاد التوحيد» دعا فيها الى استئصال الشيعة، وايقاف تكاثرهم! وفرض الإقامة الجبرية عليهم، وفرض المذهب السلفي رغما عنهم! ووضع العلماء الشيعة في الإقامة الجبرية، وضرب عنق من يخالف ذلك!
ومن رموز التيار الجديد سفر الحوالي الذي كان هو الآخر من أشد المحرّضين على علماء الحجاز مثل المرحوم الشيخ محمد علوي مالكي، وهناك عشرات المحاضرات والكراسات في هذا الشأن، التي لا نحتاج لكثرتها أن نذكرها، التي تكفر الحجازيين والشيعة والإسماعيليين وغيرهم. ويتهم هذا التيار المخالفين له من مختلف التوجهات بأنهم متآمرين ضده سواء مع الحكومة أو مع الغربيين أو مع بعضهم البعض، كأن يكون هناك اتفاق بين الليبراليين والشيعة والحجازيين. وإذا صحّ هذا الإتهام الأخير، فلأن ال تيار السلفي يخيف مخالفيه، فهو يتوعدهم بأكثر من قمع حريتهم، ليصل الى قطع الأعناق والنفي من الوطن، والحرمان من حقوق المواطنة وإكراههم دينياً. ولن نعدم بأن هناك فئات تؤيد العائلة المالكة لا حباً فيها وإنما خشية من هذا التيار المتطرف، وهذا ما تريد أن توصل العائلة المالكة المواطنين إليه من نتائج؛ فهي من جهة تشحذ وتشيطن التيار السلفي ليقمع خصومه وخصوم الحكومة من أجل أن ينبطحوا ويتنازلوا!
حين ظهر التيار السلفي «الصحوي أو الوسطي» حارب على أكثر من جبهة، ودخل السياسة من بابها الخطأ أحياناً، عبر تكتيل وحشد الأتباع على قاعد الإختلاف مع الآخرين. وفي حمّى المطالبة بالإصلاح، عبر حركة عرائض أخذت في الظهور في بداية التسعينيات، توقّف الأمر حين دخل التيار السلفي لينسف الحراك القائم ويطرح صراعاً مفتوحاً مع العائلة المالكة. توقفت حركة العرائض، وبقيت النخب المثقفة تتفرج على الصراع بين السلطة والتيار الصحوي الجديد، الذي جرى قمعه كما قمع معه الحراك نحو التغيير، فكانت النتيجة تأجيلاً له لمدّة عقد كامل على الأقل، وها هي التجربة تتكرر مرة أخرى عبر حركة العنف التي يراد منها تأجيل العمل الإصلاحي عقداً آخر، ما لم تحدث تطورات أخرى محلية واقليمية ودولية ضاغطة.
التيار الصحوي كان قليل التجربة السياسية، وبالتالي كانت أخطاؤه كثيرة جداً؛ ونظراً لفتحه أكثر من معركة مع أكثر من جهة إضافة الى الحكومة، خسر الكثير من التعاطف. من الواضح أن من يطلق عليهم صحويين ووسطين يمثلون تيارات مختلفة في السياسة، فبعضهم يقترب من الحكومة كثيراً؛ وبعضهم يحاول التعاون مع السلطات ضمن حدود بغية «الحفاظ» على وحدة التيار السلفي وعدم وقوع صدام بين التيار والحكومة يكون الرابح فيه «الروافض والصوفية والعلمانيون»! ويمثل هذا التيار الحوالي. وبعضهم طلّق السياسة مثل الشيخ عائض القرني بعد تجربة مريرة انتهت بتدبير مخابراتي استهدف تلطيخ سمعته، وبعضهم الأخير انساق وراء العنف يشرعنه ويؤسس له، كما هو الخضير والفهد والخالدي، وغيرهم. واخيراً هناك من احتفظ بمسافة واضحة بينه وبين السلطات السعودية كالشيخ سلمان العودة.
وفي الجملة فإن هؤلاء الوسطيين ـ بنظر غيرهم ـ ليسوا وسطيين. فحركات العنف السلفية الأكثر تشدداً تعتبرهم «انهزاميين» «مهادنين» «متخاذلين»؛ والليبراليون يصفونهم بأنهم لا يختلفون عن العنفيين في شيء، بل أن العنف خرج من تحت عباءتهم، فالوسطية لديهم «وهم» ـ مثلما كتب تركي الحمد عن: وهم الوسطية. ويرى الباحث السعودي علي العميم أن الصحويين او الوسطيين «يتبنون موقفاً سياسياً يمكن وصفه بأنه موال للجسم الديني للدولة السعودية وغير موال للجسم السياسي فيها... بكلام آخر، هم موالين لـ«الدعوة» وغير موالين لـ «الدولة» التي تمخضت عنها في الطور السعودي الثالث».
ويعتقد عبد العزيز الخضر ـ رئيس تحرير المجلة ـ أن الحدود الفاصلة بين التكفيريين والرسميين والوسطيين «او الصحويين» من جهة سحب بساط الشرعية عن الدولة وتوفير المستلزمات الفكرية والعقدية لممارسة العنف ضدها غير موجودة، فحسب رأيه إنه لا فرق من حيث الأيديولوجيا بين المعتدل والصحوي والرسمي السلفي، فكلهم ينتمون الى ذات المدرسة التي أفرزت العنف وشدد على أن «الإختلافات في حقيقتها شكلية، والأزمة الفكرية واحدة، وأي محاولة تفريق جذرية هي من قبيل الأمنيات أكثر منها حقيقة واقعية تستحق أن يتوهم تيار أنه في مأمن من تحمل أخطاء ما يحدث من أزمات سياسية ونزوع نحو العنف»[8] . لذلك ـ حسب الخضر ـ لا توجد موجة تطرف وعنف ديني في المملكة إلا وتتقدمها أسماء دينية، في ظاهرة تتكرر كل بضع سنوات جاعلة البلاد محط تجارب[9] .
لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية وحركة الإصلاح:
حركة الإصلاح حركة ناشئة ولدت في الخارج في منتصف التسعينيات على أنقاض تشكيل غير مترابط أو متجانس من الأفراد والفعاليات من ذوي المشارب السياسية والفكرية المختلفة، اتفق على تقديم «مذكرة النصيحة» ومن ثم تأسيس «لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية» التي انفرط عقدها بين الداخل والخارج، وبعدئذ انشقّت على نفسها بسبب اختلاف الرجلين الجديدين القادمين من المملكة: محمد المسعري وسعد الفقيه؛ بحيث أسس كل واحدٍ منهما لنفسه إطاراً من نوع ما يتواصل من خلاله مع أحداث المملكة، فاختار الأول المضي في الإسم القديم «لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية» ثم غيّر المسمّى قبل فترة وجيزة الى «التجديد الإسلامي» في حين اختار سعد الفقيه لنفسه إسماً جديداً هو «حركة الإصلاح».
كلا الإسمين لم يكونا «تنظيمين» حقيقيين على الأرض. ورغم أنه لا ينكر وجود تعاطف معهما بين شرائح المجتمع في المملكة، إلاّ ان نقطة ضعفيهما تكاد تكون واحدة: وهي غياب التنظيم. ونقصد بذلك، التنظيم على الأرض الذي يستطيع أن يحوّل خطط وبرامج الحركة الى واقع ينمو باتجاه تحقيق أهداف التجمعين، سواء كانت أهدافاً جذريّة «إسقاط النظام القائم» أو ما دون ذلك «إصلاحية» خاصة وأن إسم «حركة الإصلاح» يتضمن هذه الإشارة، وأن «التجديد» أقرب الى التغيير المتدرج.
إن التعاطف، الكثير أو القليل، مع أية حركة سياسية، وبغض النظر عن أهدافها، لا فائدة كبيرة ترجى منه ما لم يتحول الى قنوات واضحة، تنظم صفوف الشباب وتغذيهم باطروحاتها، وتضع لهم برامج محددة للنمو بذواتهم من خلالها. وهذا الأمر لم يتحقق بالنسبة لحركة ولدت خارج الحدود، وقطعت معظم اتصالاتها فيما يبدو مع محيطها النخبوي الذي شكّل أساساً لهجرتها الخارجية، وبالتالي لم يكن هناك سوى أفراد الشعب العامين بدون كوادر تنظّم صفوفهم، أو تقودهم باتجاه الأهداف المتوخاة. وهذا ما جعل حركة الإصلاح بالدرجة الأساس، كونها الإسم الأكثر اشتهاراً، أضعف من أن تحقق أهدافها المعلنة وهي «إسقاط النظام السعودي القائم».
للتعويض عن مشكلة التنظيم الداخلي، أخذ الفقيه وكذلك المسعري باستراتيجية واحدة وهي:
اعتماد التواصل الإعلامي مع الجمهور، وتكثيف الإتصالات الهاتفية مع المتعاطفين في محاولة لإيجاد شيء من التنظيم الهلامي الأولي، الذي قد يقود الى بلورة أنوية تنظيم من نوع ما. لكن يبدو أن المسألة كانت صعبة.
وبعكس حركة الإصلاح، فإن تنظيم القاعدة الأم أو الفروع، قد حاز على تقنية تنظيمية هرمية عالية لم تكن مجرّبة بين التيار السلفي في المملكة، وهذه التقنية هي ما كانت تنقص هذا التيار أو معظم فروعه على الأقل، وهي تقنية «مستوردة» إن جاز لنا التعبير، حصل عليها السعوديون المقاتلون في أفغانستان من نظرائهم في التنظيمات العربية، وبالخصوص في تنظيم «الجهاد» المصري، بحيث تحولت التجمعات السلفية الفضفاضة الى خلايا حقيقية، تمارس العمل الأمني والتنظيمي بحرفية عالية. ومن هنا قيل ـ وهو صحيح الى أبعد الحدود ـ أن أيمن الظواهري هو العقل المدبّر لتنظيم القاعدة، وهو الذي حوّل «قاعدة أسماء السعوديين» القادمين الى أفغانستان، والتي اعتبرت مجرد أرشيف معلومات، الى قوّة وطاقة جبّارة، تواصلت مع المقاتلين القدامى، وأعادت تنظيم صفوفهم، وفتحت لهم آفاقاً غير مألوفة في العمل العسكري.
وإذا كانت الحركات السياسية في المملكة، قومية أو يسارية أو إسلامية شيعية، قد سبقت التيار السلفي الى الأخذ بسلاح التنظيم المتعارف عليه في حركات التحرر والتحرير في العالم، فإن التيار السلفي كان الأبعد عن هذا، ربما لأنه دخل المواجهة مع الحكومة متأخراً وكان حليفها ويدها اليمنى قبل أن ينقلب عليها. وحتى الأجنحة السلفية المعارضة التي تظهر بين الفينة والأخرى، لم يُلمس منها أنها كانت تنظيماً دقيقاً، بقدر ما كنت «تجمّعاً» سهل الإختراق. يدلّنا على ذلك حركة «الإخوان» التي قادها جهيمان العتيبي باتجاه الإستيلاء على الحرم المكي الشريف في نوفمبر 1979م. فهذه الحركة الدينية ـ العسكرية كانت تعتمد على تجمعات موالية تلتقي في منازل متفرقة في مدن المملكة، خاصة في المنطقة الغربية، وكان لها بيوت أشبه ما تكون بمقرات في بريدة والشرقية ومكة والمدينة التي كانت قاعدتهم الأساس، والتي كان يجري التبليغ منها وفي محيطها، بل أن معسكرات تدريبها كانت ـ حسب بعض المعلومات ـ في تلك المناطق. وبالرغم من بساطة التنظيم الجهيماني، وبالرغم من اكتشاف الدولة واندساس أجهزة مباحثها في بعض تجمعاته، وهو ما أشار إليه جهيمان في إحدى رسائله حيث اتهم الشيخ صالح اللحيدان والذي أصبح اليوم رئيس المجلس الأعلى للقضاء، بأن الدولة قد بعثته ليتجسس على حركته.. إلا أن الحركة استطاعت تأمين مسألتين في غاية الأهمية:
الأولى: التغذية الفكرية، من خلال كتابات جهيمان نفسه «رسائله السبع» إضافة الى بضع رسائل أخرى لأشخاص آخرين، والتي ميّزت أفراد حركته عن الآخرين. وبالرغم من صعوبات النشر ـ ونحن نتحدث هنا عن مرحلة السبعينيات من القرن الماضي ـ فإن جهيمان وأتباعه استطاعوا توفير المواد الفكرية اللازمة من خلال طباعة كراساتهم في الكويت، وقيل أنها مطبعة الطليعة. في ذلك الوقت كان من الصعب تحصيل آلة طابعة أو استنسل أو جهاز نسخ آلي، أو ما أشبه، بدون إجازة مباشرة من وزارة الداخلية.
الثانية: تأمين الكوادر العسكرية والسلاح، سواء من مخازن الحرس، أو بالشراء.. أما مواقع التدريب، فكانت هناك الصحراء والكثبان الرملية التي سهلت المهمة. وبالرغم من المعطيات الأولية التي لدى الحكومة بأن هناك شيئاً ما يدور في الأفق، وبالرغم من اعتقالها لجهيمان وعدداً من عناصره، إلا أن أجهزة الأمن لم تكن تنظر إليه بجدّية، وقد ألقى نايف باللوم على رجال الدين الذين توسطوا لاطلاق سراح جهيمان، فأطلقه ولم يكن يدر بخلده وخلدهم أنه كان يعمل لهدف أكبر وبوسائل عنف غير متيسّرة للأفراد.
يتتبع
|
|