|
قامت الحركة الوهابية – السعودية، منذ بداياتها، على مزيج من السيف والفكر المتخلف والرجعي وكان يترأس هذه الحركة " الأمير " محمد بن سعود (الهالك عام 1765) وابنه عبد العزيز (حكم للفترة من 1765 – 1803) اللذان تعاقبا على حكم " إمارة " الدرعية بنجد . وقد اعتنق هذان الشخصان الدين الوهابي، ودخلا عام 1733 في حلف مع الشيطان نفسه ؛ أي مع محمد بن عبد الوهاب . ومنذ ذلك الوقت، شن ّ أتباعهما خلال ما يربو على الأربعين عاما ً، حروبا ً دموية على القبائل والأمصار والأقاليم، لإلحاق نجد وغيرها من أطراف شبه الجزيرة العربية، بالركب الوهابي الزاحف لتدمير الحضارة، وإيقاف التقدم الفكري والسياسي في عموم المنطقة العربية والإسلامية .
وأخضع الوهابيون السعوديون، أثناء حروبهم تلك، إمارات الجزيرة العربية الواحدة تلو الأخرى، وجلبوا إلى طاعتهم القبائل البدوية، الواحدة بعد الأخرى . وانقاد أهل بعض القرى للوهابيين طوعا ً، لا لأن المبادئ الشيطانية لمحمد بن عبد الوهاب استهوتهم، فهم همج رعاع لايفقهون من أمور الدين والدنيا شيئا ً، وإنما طمعا ً في الغنائم من المال والأباعر والحلي ّ، فقد " كانوا يعانون من فقر مدقع وحرمان فظيع، حتى وصول ابن عبد الوهاب، وعقد الاتفاقية بينه وبين محمد بن سعود " (1).
والحقيقة، أن قبائل البدو هذه التي كانت عمادا ً وأساسا ً للحركة الوهابية السعودية، وللإمارة السعودية الأولى والمملكة السعودية الحالية، هي مجموعات بشرية لا تعرف الله أو القيم والأخلاق، وهي على العكس من كثير من القبائل البدوية الأخرى في العالم العربي، بعيدة كل ّ البعد عن القيم الدينية . وقد أخضعت ُ، ذات يوم، واحدا ً من جنود الحرس الوطني السعودي المكلـّفين من حكومتهم بقمع زائري حرم النبي محمد (ص) في المدينة المنورة، للدرس والتأمل الوجيز ؛ إذ أمعنت النظر إلى تضاريس وجهه المخيفة، وهو يرمق الزوّار المتعبّدين في البقعة الشريفة، التي وصفها الرسول الكريم بأنها روضة من رياض الجنة (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة) بعينين يختبئ في محجريهما عدد من الشياطين المتكوّرة، ثم تابعته وهو يعنـّفهم ويدفعهم ويسوقهم نحو خارج المسجد النبوي بحجة انتهاء الدوام الرسمي (؟!) وحلول موعد إغلاق الأبواب، وتساءلت مع نفسي بمرارة : هل خلت هذه الأمة العربية والإسلامية الطويلة العريضة، التي يقولون إنها تناطح المليار، ممن يوقف هؤلاء البدو المتخلـّفين عند حدّهم، ويطردهم عن حرم الرسول، مسلـّما ً زمام أمور الديار المقدسة إلى إدارة أممية إسلامية، غير تابعة لأي دولة، إحتراما ً للرسول الكريم قبل أي شيء آخر ؟
إن هذه القبائل البدوية المسيطرة على الديار المقدسة الآن، باسم خدمة الحرمين الشريفين، في الوقت الذي يعتبر كبيرها الذي علـّمها السحر، هادم الحرمين الشريفين ؛ هذه القبائل والقطعان المتخلفة إنما تمارس نفس الدور الذي كان أجدادها يمارسونه، بهدف إقلاق الحجيج وتشريدهم ومنعهم من معاودة الحج والعمرة، أو، على الأقل، بهدف السلب والنهب والسرقة لتمشية أمورها بالمال الحرام .
وقد اعتاد أسلاف هؤلاء، خاصة ً في القرن الثامن عشر الذي شهد ظهور الدين الوهابي، على الاعتماد على سرقاتهم من الحجيج لملء بطونهم وبطون عوائلهم . وأحلـّوا نهب الحجيج وسلب أمتعتهم . فأمهاتهم ترقـّصهم وهم أطفال مترنـّمات :
أبو عيون لجلاج ... تكبر وتسرق الحاج (2) !
وكانت قوافل الحج تتعرض لغارات مستمرة من قبل هذه القبائل البدوية المتوحشة . فعلى سبيل المثال، هاجمت قبائل حرب وعنزة وعدد كبير من القبائل الأخرى موكب الحج المصري عند عودته في منطقة الشرفة عام 1688، وقتلوا عددا ً كبيرا ً من الحجاج، ونهبوا نحو ألف جمل بأحمالها (3) . وفي عام 1786 هاجم العربان موكب الحج المصري أيضا ً ونهبوا أحماله وبضائع التجار، وأسروا النساء . ولم يـُعـِد هؤلاء المتخلفون النساء إلى ذويهن إلا مقابل أموال دفعوها لهم (4) . وفي العام التالي، هاجم العربان قافلة حج مصرية ونهبوا ستة آلاف من الإبل وما تحمله من بضائع، وسلبوا أمتعة الحجاج، حتى ملابسهم، وأسروا النساء وباعوهن كجواريٍ (5) .
وعلى أية حال، فهناك أيضا ً، قبائل أخرى سيقت إلى دين الوهابية بحدّ السيف (6) . هذا السيف، الذي، كما أسلفنا، كان القاسم المشترك بين ابن عبد الوهاب، وابن سعود، بالإضافة إلى الفكر السقيم .
ولكن، متى وكيف تم التحالف بين هذين الشخصين ؟
قبل كل شيء، لا يسعنا إلا أن نثني على حسن اختيار المناضل المرحوم ناصر السعيد لعبارة " شركة " في وصفه للحلف الوهابي – السعودي (7) . فقد كان هذا الحلف، وما يزال، شركة غير مسجلة رسميا، في قائمة الأحلاف النظيفة . ولم يكن لهذا الحلف من هدف، غير التسلط على البلاد والعباد، وتخريب الدين والدنيا، في العالم العربي والإسلامي، لصالح دوائر عالمية معروفة .
ومهما يكن من أمر، فقد وصل محمد بن عبد الوهاب إلى الدرعية عام 1160 الهجري، وكان أميرها حينئذ ٍ محمد بن سعود، جد السعوديين الحاليين، ووهب الشيخ إبن عبد الوهاب نجد وعربانها لابن سعود، ووعده بأن تكثر الغنائم عليه، والأسلاب الحربية التي تفوق ما يتقاضاه من الضرائب (8) على أن يسمح ابن سعود لابن عبد الوهاب، بأن يضع ما يشاء من الخطط لتنفيذ دعوته . وبايع محمد بن سعود، محمد بن عبد الوهاب، على " القتال في سبيل الله " و " معلوم أنهما لم يفتحا أبدا ً بلدا ً غير مسلم في الشرق والغرب، وإنما كانا يغزوان ويحاربان المسلمين الذين لم يدخلوا في طاعة ابن سعود " (9) .
الدوائر اليهودية .. المستفيد الأول
ومن المؤكد، أن محمد بن عبد الوهاب لم يذهب إلى الدرعية اعتباطا ً، كما أن محمد بن سعود لم يتلـقـّه بالترحاب التزاما ً بالأخلاق العربية والإسلامية . كذلك فإن الحلف الذي عقداه (10) لم يكن من بنات أفكارهما . ولو كان كذلك لانفصمت عراه منذ أمد بعيد، شأنه في ذلك شأن مواثيق البدو التي تنقض من قبل أحد الطرفين لأتفه الأسباب وأبسط الخلافات . في الوقت الذي نلاحظ أن الحلف التاريخي بين آل سعود وآل الشيخ، والقائم إلى يومنا هذا، يبدو وكأنه لا تزلزله الرياح العواصف، بالرغم من كل الشوائب التي تعتور العلاقة بين الأسرتين من حين لآخر .
إن مصدر التخطيط لحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نحو الدرعية، وللحلف بينه وبين محمد بن سعود، ولمجمل الإحتلال الوهابي – السعودي للديار المقدسة، هو الدوائر اليهودية العالمية، أي المستفيد الأول والأخير مما حدث، حينما انتصرت الوهابية عام 1786، وكونت من الإمارات النجدية دولة واحدة كبيرة نسبيا ً، ذات طابع ثيوقراطي قبلي برئاسة آل سعود، الذين ينحدرون هم أيضا ً من أصل يهودي، لاشك ّ في يهوديته .
ودليلنا في هذا التصور أمران :
الأول : تشابه مجيء جدّ آل سعود إلى الديار المقدسة، مع مجيء جدّ آل الشيخ، أي شولمان قربوزي – سيأتي تفصيل ذلك فيما بعد – فالذي يبدو من خلال الحقائق التي سنذكرها، أن جدّ آل سعود قدم إلى شبه الجزيرة عامدا ً ومختارا ً تماما ً، مثلما جاء جدّ آل الشيخ . كما فضـّل صحراء الجزيرة على روضات العراق – الذي كان يقيم فيه – بما تعنيه الصحراء من شظف عيش، وما تعنيه الرياض والبساتين من نعمة وافرة، وواضح لكل ّ ذي لب ّ أن تلك التضحية لا يعقل أن تكون لوجه الله، خصوصا ً وأن جدّ السعوديين كان يهوديا ً، واليهودي لا يعرف، عادة، للتضحية المجانية معنى ً !
والثاني : الذكاء الملحوظ في التخطيط للتحالف وتنفيذه
1- جعفر سبحاني – الوهابية في الميزان – قم – 1407 الهجري – ص 39 .
2- مصطفى بن سليمان الطيب – موسوعة القبائل العربية – دار الفكر – القاهرة – 1992- ص 656، نقلا ً عن : حسام محمد عبد المعطي – العلاقات المصرية الحجازية في القرن الثامن عشر – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة – 1999 – ص 220 .
3- العلاقات المصرية الحجازية في القرن الثامن عشر – ص 220 .
4- المصدر السابق – ص221، نقلا ً عن : عبد الرحمن الجبرتي – عجائب الآثار في التراجم والأخبار – ج2 – ص 12 و 13 .
5- المصدر السابق – ص 221، نقلا ً عن : الجبرتي – ج3 – ص 55 .
6- لوتسكي – تاريخ الأقطار العربية الحديث – بيروت – 1980 – ص 97 .
7- ناصر السعيد – تاريخ آل سعود – دار مكة المكرمة – 1404 الهجري – ص 19 .
8- سانت جون فيلبي – تاريخ نجد – ص 35 .
9- محمد جواد مغنية – هذي هي الوهابية – ص 125، 126 .
10 – لم أستطع التثبت من تاريخ عقد هذا الحلف، فالأقوال في ذلك متضاربة ومتناقضة . إذ يذكر المستشار السعودي حافظ وهبة (جزيرة العرب في القرن العشرين، طبعة القاهرة – 1354 الهجري) إنه تم في عام 1150 الهجري . بينما يقول محمد جواد مغنية (هذي هي الوهابية – ص 128) إنه حصل عام 1158 الهجري . في حين يقول جعفر سبحاني (الوهابية في الميزان – ص 38) إن الإتفاق حدث عام 1160 الهجري . |
|