تطويع الخطاب الديني خدمة للسلطة

         من الواضح أن السلطة السعودية لا تزال مترددة في إحداث تغيير جوهري في بعض جوانب ثقافتها الدينية الوهابية وفي مناهجها التعليمية الدينية. وأثناء زيارة الأمير نايف وزير الداخلية لمنسوبي الهيئة في مقرهم في الرياض أكد على " دعم الدولة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موضحا أن ذلك نهج المملكة منذ عهد جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله "[29]. وهذا يشير إلى أن السلطة السعودية لا زالت لا تريد إغضاب المؤسسة الدينية الرسمية برغم الضغوط الأمريكية نظرا لدورها الأمني والسياسي المستمر حتى الآن. كذلك يشير موقف هذه السلطة إلى دعمها للخطاب الديني الوهابي معتبرا إياه جزءا لا يتجزأ من الحياة الدينية السعودية ومتجاهلاً التعدد المذهبي والأيديولوجي في البلاد. ولذلك يرفض الأمير نايف وجود تيارات دينية وليبرالية وغيرها. يقول الأمير " التيارات.. مرفوضة وبالنسبة للدولة فهي دولة عقيدة ودولة دين وليست لشخص معين وليس مقبولا أن يزايد أحد في هذا الأمر.. ولا نقبل أن يأتينا أحد بأفكار دخيلة على الإسلام ويحاول أن ينشرها هنا أو تعطي الإسلام وجها لا يليق بالإسلام والدين.. "[30].
لم تعد المؤسسة الدينية مقبولة لدى كثير من المواطنين لا سيما الهيئة لكثرة ما تمارسه من انتهاكات لحقوق وخصوصيات المواطنين الشخصية. أما الأمير نايف فصب عبارات المدح على رجال الهيئة ودافع عنهم مؤكدا على أن " كل المسؤولين في الهيئة دائما تواقون إلى تنظيم الأمور بالشكل الذي يحقق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما أمر به التشريع الإسلامي وورد في كتاب الله وفي سنة نبيه وما كان السلف الصالح.. "[31]. وحول تصرفات رجال الهيئة قال " هذا على كل حال من مسؤولية الهيئة على الحق والصواب ، وقد يحدث شيء فيبالغ فيه فرجال الهيئة بشر قد يقع منهم خطأ ولكن لا نحمل الأمور إلا على المحمل الحسن ، وإذا وقع خطأ من واحد فلا يعمم على الجميع.. بالنسبة للعقيدة واضحة وهي الحامية وهي التي تعلم هذا الشيء ممثلة في المناهج الدراسية وهيئة الإرشاد وهيئة الأمر بالمعروف وأئمة المساجد ولسنا محتاجين لأحد، وهناك التيارات الدنيوية الأخرى مرفوضة كل الرفض.."[32]. والأمير في لقائه مع منسوبي الهيئة أكد مساندته للمؤسسة الدينية طالما استمرت تؤدي دور الضامن لاستمرار الشرعية الدينية للحكم السعودي الذي يفتقد للشرعية الدستورية والشعبية. ودافع باستماتة خلال تصريحاته الصحفية لجريدة السياسة الكويتية عن الهيئة (الشرطة الدينية) وعزى مشكلات السعودية من تطرف وتشدد ديني إلى جماعات من خارج البلاد التي كانت تمد الجماعات السعودية الدينية بالأفكار المتطرفة. فزعم الأمير أن مراجع المعتدين على الحرم الذين قادهم جهيمان العتيبي من الكويت من خلال الكتب الصادرة عن دار الطليعة. وهاجم الأمير بشدة الأخوان المسلمين ورموزهم واتهمهم بأنهم أصل البلاء وأنهم أساؤوا للسعودية[33]. وتفسر جهات داخلية معارضة تصريحات الأمير نايف مؤخرا لجريدة السياسة الكويتية بأنها تصب في خانة المساندة الرسمية السعودية لمؤسستها الدينية ولموقفها المعلن من مناهج التعليم الديني الذي يعتقد الأمير أنها خالية تماماً من أي تطرف أو تشدد[34]. وجاء توقيت هذه التصريحات في الوقت الضائع. فهو لم يصرح بمثل هذه الآراء المتشددة ضد الأخوان المسلمين من قبل لأسباب سياسية ، واختار التصريح بها الآن لأسباب سياسة متعلقة بحماية المؤسسة الدينية التي يعتمد عليها الحكم السعودي في بقاء شرعيته الدينية. ويعتقد معارضون آخرون في الداخل بأن تصريحات الأمير نضعها ضمن محاولات الأمير المستمرة لردم عيوب النهج المذهبي الوهابي السعودي المتطرف الذي افرزه النهج السياسي للحكم السعودي المتبع في التعليم والدعوة والإرشاد من خلال السماح للمؤسسة الدينية بالتدخل بالطريقة التي يحلو لها بدون رقابة وبحرية واسعة. وإن إلقاء اللوم على الآخرين في الخارج لا يعدو أن يكون محاولة من الأمير لتخفيف الانتقادات عن المؤسسة الدينية السعودية واعتبار الجماعات الدينية السعودية المتشددة أو المتطرفة ضحايا التغرير بهم وتضليلهم من قِبل الآخرين وليس نتيجة لتطرف الأفكار الوهابية السعودية التي لم تلقَ اعتراضاً سعوديا رسميا فعاثت في أرض الوطن فسادا تغذي عقول الطلاب والشباب بالتطرف والتشدد المذهبي الذي يأخذ طابعا إسلاميا هو بالضد من كل منْ يخالف هذه الأفكار الرأي والأيديولوجيا سواء في داخل الوطن أم في خارجه. وبهذه المحاولات يكون الأمير نايف قد أعطى دفعة جديدة لمناصرة الخطاب الديني الوهابي السلفي السعودي وأظهر مساندته الرسمية القوية له. أما تحذير الأمير عبد الله للطلاب بعدم الغلو والتطرف ومطالبتهم بالاعتدال فليس له ولا لمطالبته أهمية تذكر ما دامت المؤسسة الدينية السعودية تحتكر تقييم الثقافة الوطنية كما تحتكر إعداد المناهج الدينية التعليمية ، وما دام يُسمح لها كذلك بالتدخل في حياة الناس الشخصية والاجتماعية والثقافية والأيديولوجية تحت مبرر الحفاظ على النهج الإسلامي الصحيح وحماية المجتمع من الفساد والرذيلة.
بكل تأكيد ليس من صالح الوحدة الوطنية ولا سمعة البلاد الخارجية استمرار النهج الديني السعودي المتطرف وهيمنته على مقاليد شؤون المواطنين الثقافية والاجتماعية والدينية والتعليمية. وليس من الصالح كذلك أن يجد هذا النهج من يسانده في السلطة السياسية السعودية أو يقف معه ليبرئه من كل تشدد أو انتهاك لخصوصيات المواطنين. فبأي مبرر يقتنع الآخرون بصدق نوايا الحكومة السعودية وخطابها الديني لا يزال يتسلط على الثقافة الوطنية وينمي التطرف العقائدي في مناهج التعليم الديني في المدارس. إن استمرار هذا الخطاب سيزيد من الانقسامات الداخلية ويعرض الوطن للتجزئة والتفتت وتحويله إلى كانتونات مذهبية ومناطقية وحتى قبلية. من المعيب أن يتستر المسؤولون السعوديون عن انتهاك حقوق المواطنين الدينية والمذهبية والأيديولوجية من خلال غض النظر عن الممارسات الوهابية العنصرية داخل البلاد ، وغض النظر كذلك عمّا يحتويه المنهج المدرسي الديني في مدارسنا من تشدد عقائدي. ألم تنتبه كل طواقم وزارة المعارف وعلى رأسها وزير المعارف لما يسببه التشدد العقائدي الوهابي من تدمير لعقول الطلاب الذين هم عماد المستقبل وعجلة بناء التنمية الوطنية ؟ ألم تتوصل وزارة الداخلية والإعلام والمعارف بكل طواقمها الأمنية والإعلامية والتربوية إلى معرفة أن مناهج التعليم السعودية وبعض النشرات والكتب العقائدية الوهابية المتشددة لازالت تُوزّع وتُباع علنا في المكتبات السعودية برغم ما يثيره ذلك من تمييز طائفي ومذهبي بين المواطنين ؟ أبهذه الطريقة يُبنى الإنسان داخل الوطن ؟ هل بالتمييز الطائفي والمذهبي والأيديولوجي يتماسك الوطن أمام التحديات والأخطار ؟ أهكذا يتقلص التطرف العقائدي وينمو التسامح والتآخي ؟ ألم يحن الوقت لكي تسود الحكمة وتبدأ المسيرة بإزاحة الشوائب المتخلفة من مناهج التعليم ومن المؤسسات الدينية المتطرفة ومن الحياة الثقافية الاجتماعية ؟ ألم يحن الوقت لتكون مناهجنا التعليمية وإعلامنا ممثلاً لكل المذاهب الإسلامية ولكل الآراء دون تمييز ؟ ألم يحن الوقت لرد الاعتبار الرسمي لجميع الذين وطأتهم مطرقة الطائفية والتدخل الوهابي في خصوصياتهم المذهبية والثقافية في الوطن ؟ ألم يحن الوقت للاعتراف الرسمي القانوني والحقوقي بالتعدد المذهبي والثقافي في البلاد ؟ ألم يحن الوقت لكي تتخلص ثقافتنا الوطنية من الوصاية الوهابية قبل فوات الأوان؟