|
جاء خطاب سعود الفيصل في الأمم المتحدة ومقال مدير المخابرات السعودي السابق تركي الفيصل الذي نشرته الواشنطن بوست في خانة الاعتذار وتلطيف السمعة التي تلوثت بسبب الاتهامات الأمريكية التي زعمت أن عددا من السعوديين اشتركوا في أحداث 11 سبتمبر. إلا أن هذا السيل من الاعتذارات وحملات العلاقات العامة لم تفلح في إزاحة تهمة الإرهاب عن العقيدة الوهابية ومؤسستها الرسمية في العربية السعودية وبالتالي يجب عليها تغيير مناهجها الدينية التعليمية وتقليص صلاحيات المؤسسة الدينية. بالطبع لم تلتفت العيون الأمريكية لا للنموذج الديني السعودي ولا لهذه المناهج إلا بعد 11 سبتمبر. فكل شيء كان على ما يرام في العربية السعودية قبل هذا التاريخ.
أصبحت مواقف الولايات المتحدة الأمريكية بعد 11 سبتمبر متشددة إزاء الثقافة الدينية السائدة في السعودية وتحديدا إزاء مناهجها التعليمية الدينية وهو ما بات معروفا الآن كجزء من الإجراءات الأمريكية لإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في المنطقة العربية والإسلامية الأمر الذي سوف يضر بمصالح الشعوب العربية والإسلامية دون استثناء. وبرغم خطورة المقاصد الأمريكية على مصالح الشعوب في المنطقة ، إلا أن هذا لا يلغي وجود خلل حقيقي في بعض جوانب الثقافة الدينية والمناهج التعليمية الدينية في السعودية. المطلوب إزالة هذا الخلل بإجراء مراجعة صادقة لهذه الجوانب والمناهج ثم تغييرها لتفويت فرص استثمار الخلل خارجيا أو أمريكيا. أما الإنكار أو التمويه على وجود الخلل فلا يجدي نفعا. إن التشدد الديني الوهابي المتبع في السعودية هو حقيقة. ومن غير النافع الآن أن يردد الأمراء السعوديون تصريحات صحفية في وسائل الإعلام المختلفة ويكونوا كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمل لكي تقنع نفسها والآخرين بأنها على ما يرام. فكثيرا ما يردد الأمراء السعوديون عبارات مؤسلمة مطاطة للتمويه مثل " الدولة دولة عقيدة " [7] أو " الإسلام ديننا ولن نغير فيه حرفاً واحدا"[8]. فعن أي عقيدة أو إسلام يتحدث الأمراء ؟ هل قصدوا بالعقيدة أو الإسلام بحسب الرأي الوهابي أم بحسب أيضا الآراء المذهبية الأخرى في البلاد ؟ إنهم يتجاهلون في تصريحاتهم التعددية المذهبية في شبه الجزيرة العربية ويتمسكون في الوقت نفسه وإلى أقصى حد باستمرار هيمنة المؤسسة الدينية الوهابية السلفية على مقاليد السلطة الدينية وخصوصا في مكة والمدينة المنورة حتى يضمنوا استمرار الشرعية الدينية للحكم. لأن ليس كل الآراء الإسلامية المذهبية تجيز لآل سعود احتكار السلطة والثروة الوطنية واستلابها من مستحقيها الشرعيين. وشاهد ذلك ، التعيين الأخير للشيخ صالح بن محمد بن إبراهيم آل طالب إماما وخطيبا بالمسجد الحرام بمكة المكرمة. وهو من مواليد الرياض عام 1393هـ من أب نجدي هو الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمد آل طالب الذي أسس مدارس تحفيظ القرآن الكريم التابعة لوزارة المعارف. وتلقى تعليمه الديني في الرياض من الابتدائية حتى الجامعة[9]. وهذا ليس سوى نموذج واحد لعدد من النماذج الأخرى التي تؤكد على أن الحكومة السعودية تسعى الآن إلى الإمساك بمنتصف العصا. فلا هي ترغب في التخلي عن الوهابيين كسلطة دينية توفر لها شرعية الحكم ولا هي ترغب كذلك في إغضاب الولايات المتحدة بعد أن طلبت منها تقليص دور السلطة الدينية. يبدو أن الحكومة السعودية لم تتعلم الدرس بعد نظرا لاستمرارها في تثبيت الوهابيين في مواقع دينية رسمية رفيعة بدون الأخذ بالاعتبار حقوق المواطنين الدينية والمدنية في الحجاز أو في غيرها من المناطق غير النجدية.
التصريحات الصحفية والعبارات المؤسلمة لا تُصلح الخلل في بعض جوانب الثقافة العقائدية الدينية السلفية الوهابية في السعودية التي نهل وينهل منها الكثير من أطفال وشباب الوطن. كذلك لا تؤثر هذه التصريحات في الركام الضخم من التراث العقائدي الوهابي المتشدد الذي شيّدته المؤسسة السعودية السياسية والدينية خلال أكثر من سبعين عاما ، وسمحت لهذا التراث بالتوسع والانتشار في داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها وبدون حسيب أو رقيب. في الواقع يجب على الأمراء السعوديين وعلى السلطة السعودية بشكل عام الاعتراف بأخطائها التاريخية عندما دعمت التوجهات الدينية الوهابية وباركت خطواتها في محاربة المواطنين الشيعة وغيرهم في البلاد وخارجها. كما يجب على هذه السلطة التخلي عن التراث السلفي المتطرف وأن توفر الشروط التعليمية والثقافية والاجتماعية والسياسية التي تحترم حقوق الإنسان. وهذا يتطلب إصلاحا سياسيا حقيقيا وتعليميا متمثلا في تغيير ما تحتويه المناهج الدينية في المدارس من ثقافة عنف وتحريض وكراهية إلى ثقافة التآخي والتعايش المشترك بسلام بين المواطنين واحترام حقوقهم الدينية والمدنية. كذلك لا يجب إن تتحول الشهادتان الإسلاميتان المقدستان في عَلم الدولة إلى وسيلة لفرض القيم والقواعد الوهابية العقائدية أو إلى ديكتاتورية دينية مفروضة فرضا أو أن يكون السيف وسيلة لفرض الهيمنة السياسية على رقاب المواطنين باسم الدين الإسلامي.
من الأهمية أن نلفت انتباه السلطة السعودية إلى أن مناهجها الدينية في التعليم المدرسي لم تأت من فراغ ، إنها نتيجة للعقيدة الوهابية التي تسيد تراثها المتشدد مجتمع شبه الجزيرة العربية بسيف هذه السلطة. ويبدو أنه قد أُريدَ لهذا التراث أن يكوّن ثقافة دينية وطنية إلا أنه اصطدم بتراث مذهبي آخر لفئات من السكان كما في القطيف والاحساء والحجاز. وبرغم ذلك سمحت السلطة السعودية للتراث الوهابي بالتوسع والامتداد عن طريق الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي. فجميع البرامج الدينية الإذاعية والتلفزيونية والصحفية تشرف عليها المؤسسة الدينية الوهابية السعودية فقط. أما ما يُنشر من كتب ونشرات عقائدية فيجري بيعها وتوزيعها بسهولة وعلى نطاق واسع في البلاد. ونستشهد في هذا الخصوص بالسماح الرسمي ببيع كتب العقيدة الوهابية التي تتعرض بالتجريح والتشويه لقناعات المواطنين الشيعة في العربية السعودية وخارجها. فبينما يُسمح حاليا ببيع هذه الكتب في المكتبات السعودية بدون سلطة رقابية رسمية ، يجري منع بيع الكتب العقائدية التي تعكس وجهة نظر الشيعة أو المعتزلة أو الصوفية في نفس هذه المكتبات. ومن أمثلة هذه الكتب العقائدية الوهابية التي تُباع علنا في المكتبات السعودية مثل مكتبة العبيكان في الرياض والدمام ، كتاب يناقش أهواء الفرق وأهل البدع وجاء في أربعة أجزاء طبعة ثانية لمؤلفه الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل ، وصدر عام 1417هـ عن دار الوطن بالرياض. ومن نماذج ما ورد في هذه الأجزاء الأربعة من وجهة نظر وهابية معادية للشيعة وأمثالهم ، أن هؤلاء أهل بدع يحدثون ".. في الدين ما ليس منه في الاعتقاد ، والأقوال ، والأعمال.. " [10]. ومن هذه البدع " الاحتفالات بيوم عاشوراء التي أحدثها الرافضة بعد مقتل الحسين سنة (61) وفيها كانوا يقيمون المآتم والنياحة الجاهلية كل عام إلى يومنا هذا " [11]. ومن غلو الشيعة وتعصبهم كما يعتقد هذا المؤلف أن ".. الغلو في الصالحين ضلت به طوائف كثيرة في تاريخ الإسلام ، كالرافضة والصوفية والمقابرة.. " [12]. كما وصف الشيعة أو الرافضة ".. بالكذب وقصب السلف (أي سب الصحابة وأئمة الهدى) والتقية (النفاق) والشركيات والبدع والمقابرة "[13]. ويقول عن الشيعة كذلك " وأما الشيعة فإنها فارقت الجماعة في الاعتقاد والعمل ، وترى الخروج بالسيف لكنه مشروط عندهم بخروج مهديهم الموهوم. ومع ذلك كانوا يسارعون في الإسهام في كل فتنة تضر بالمسلمين " [14]. وفي كتاب آخر صدر عن دار الصميعي للنشر والتوزيع بالرياض عام 1419هـ – 1998م يناقش ظاهرة الغلو في الدين من حيث أسبابها ومظاهرها وعلاجها من إعداد عبود بن علي بن درع المحاضر بكلية الشريعة وأصول الدين فرع أبها وعضو وحدة البحث العلمي بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ويزعم معد هذا الكتاب في مقدمته أنه ضد العنف والتطرف والإرهاب ويحاول أن يقنع الآخرين بأن منهج السلف الصالح المتبع في السعودية لا يحمل ولا يشجع على التطرف والإرهاب والعنف. ومن هنا أراد أن ينفي تهمة الإرهاب والتطرف عن العقيدة الوهابية ليلصقها بغيرها من الفرق الضالة التي اعتبرها حركات تتبنى العنف والإرهاب والتطرف. وتتبنى ذلك لأنها تتصف بصفتين خطيرتين: الجهل بكتاب الله وبسنة الرسول وبمنهج السلف الصالح ، وتتّصف كذلك بالتكفير. وعلى هذا الأساس يوجه اتهامه للشيعة كإحدى الفرق الضالة بقوله: "وهاتان الصفتان متلازمتان لجميع من حمل معنى التطرف والعنف والإرهاب من الفرق الضالة عن منهج السلف الصالح في العقيدة والشريعة ، قديماً وحديثاً " [15]. والفرق الضالة والطوائف المنحرفة كالخوارج ، والرافضة ، والقدرية ، هم بالتالي المخالفون لمنهج السلف الصالح والمتبعون لأهوائهم على حساب الشرع[16]. ويتهم الشيعة بأنهم ".. أول من فتح باب الغلو في هذه الأمة بغلوهم في علي – رضي الله عنه – والأئمة من ذريته حسب زعمهم.. " وأنهم كذلك متأثرون " بالتراث المجوسي اليهودي لدى السبئية وفرق الغلاة.. وكان هؤلاء هم المعبر الرئيس لانتقال العقائد الباطلة إلى الصوفية "[17]. إن ادعاء عبود بن علي بن درع بأن العقيدة الوهابية ضد العنف والتطرف والإرهاب هو ادعاء زائف لأن موقفه العقائدي الوهابي إزاء الشيعة موقف متطرف بصرف النظر عن إدعائه بالاعتدال أو الوسطية. وإلا بماذا نقيّم آرائه الدينية الوهابية وهو يصف الشيعة بالكذب والانحراف العقائدي والضلال كما تبيّن. إن اضطرار المؤسسة الدينية وبعض العقائديين الوهابيين السعوديين إلى الادعاء بالاعتدال والوسطية ليس نتيجة لتطور آرائهم الفكرية وتحولهم عن نهج التشدد العقائدي الوهابي وإنما نتيجة لشعور المؤسسة السياسية السعودية بخطورة نتائج الخطاب الديني الوهابي المتطرف على الوضع الأمني الداخلي وعلى سمعة السعودية لا سيما بعد 11 سبتمبر. وبرغم ذلك تستمر الهيمنة العقائدية الوهابية على قسم كبير من شعب شبه الجزيرة العربية لأن في هذا الاستمرار تكمن رغبة المؤسسة السياسية والدينية الخفية في إبقاء سيطرتهما على مقاليد الأمور الدينية والاقتصادية والسياسية.
|
|