سيادة الدولة وحقوق الشعب

         منال آل غريب
لماذا تعلن بعض الشعوب التمرد والعصيان ضد سياسة دولها ؟! ولماذا تبحث عن أنظمة أخرى تحتكم لها في قضاياها المرفوعة ؟! ولماذا بالرغم من فقدان بصيص الأمل في استرجاع الكثير من الحقوق يلجأ البعض منا إلى من يأمل منهم التغيير والتجاوب مع ما يستجد في الساحة الشيعية من ألوان التمييز الطائفي؟!
ولا يزال البعض يجدد المطالب في توقيتات زمنية مختلفة ولكن بذات اللغة المستخدمة، الأمر الذي يجعل البعض يستنكر ويتساءل: هل جفت الأقلام ورفعت الصحف وضاقت استعمالات اللغة بحيث لا تتمكنون من وضع صياغة خطابية ملائمة لحجم القضية التي ألقت بظلها القاتم على المنطقة؟!
السيادة وتجاوز الخطوط الحمراء
السيادة هي السلطة العليا، وما يهمنا في هذا المقام الحديث عن السيادة كشأن داخلي، فلكل دولة من الدول لغة سيادية خاصة بها تتعاطاها مع مواطنيها، ومن جهة أخرى هناك من الدول من لا تعترف بالالتزام بهذه اللغة السيادية التي حددتها مسبقاً.
إن من أبرز صفات هذه الدول أنها تدعي احترام حقوق الشعوب المحكومة وتوفير الأمن ورعاية الحريات والاستقلال و.. إلى غير ذلك من المفاهيم التي تجعلها في مصاف الدول التي تنشد الواقعية في تعاطيها مع الحقوق على رغم أنها من أكثرهم انتهاكاً لها.
وهذا يقودنا للحديث عن أهمية البحث عن لغة معينة للتعاطي مع هكذا سلطة.
والواقع أن ما نشهده من لغة التعاطي عند البعض في الداخل يصب في إطار البحث عن اللغة الملائمة التي نخاطب بها الدولة؛ بحيث لا نخل بسيادتها.
ففي ظل هذا الحراك الثقافي الذي يقف مع المطالبة بالحقوق ويوجز تلك المطالب بكل وضوح في حق المساواة العادلة وعدم التمييز الطائفي ورفع الحيف وفتح المجال لممارسة الشعائر الدينية الخاصة بحرية وعدم التعرض لعقائد الناس ورموزهم - ولاسيما أن الطائفة الشيعية في المملكة ليس لها أي طموح سياسي لمس سيادة الدولة وخلق النزعات الداخلية، بل كل ما في الأمر هو السعي لإيجاد لغة تفاهم وتحاور- نحن بحاجة إلى لغة تخاطب عامة الناس وتوضح لهم المطالب الحقوقية الغائبة عن الأذهان، وبحاجة للتركيز على القضية بصفتها هم مشترك وعلى جانب الحقوق وضرورة التعبير عنه والمطالبة بها بكل الوسائل المتاحة، وهذا أمر لا يتعارض مع سيادة الدولة واحترام القوانين والأنظمة.
واليوم وكما نشهد في مواقع الانترنت حالة نوعية من التفاعل مع الحقوق، والمتوجهة بنصوصها وخطابتها للسلطة، كما أن هناك تعددا في اللغة التي يكتبون بها بتعدد القناعات التي يحملونها، ولكن هناك من تدعوه قناعاته في لغة الخطاب لتكريس نوعية خاصة من الخطاب في أوساطنا باستحداث ديباجة خاصة متكلفة مملوءة بالمجاملة والألقاب المخلقة، ومتكررة فيما بين السطور.
وهذا ما يعزز في أوساطنا حالة سلبيه من ثقافة المهابة والخوف والخنوع حتى في الخطاب، إذ المبرر لهكذا نوع من الخطاب هو(موجه السيادة الشمولية)، ولا اقصد بذلك التحريض ضد الأنظمة في أسلوب الخطاب؛ وإنما تخير الخطاب الذي يحفظ خصوصياتنا أولاً ويوضح جانب المظالم وانتهاك الحقوق ثانياً كما هي وكما يراها الناس العقلاء ويحكمون على ضوءها.
حينما لا يكون الخطاب كذلك فالحال ينبئ عن - كما يعتقده البعض منا -موقف هزيل يعبر عن ضعف موقف صاحبه وعن قصور فهمه وتوقعاته.
السيادة وحدودها مع حقوق الإنسان
سيادة أية دولة من الدول مرهونة بمدى تطبيقها للأنظمة والقوانين التي تحمي المواطن من وقوع أي ضرر عليه، سواء كان ذلك الضرر انتهاكات داخلية أو خارجية.
واليوم تقع مفردة الحقوق بين مطرقة المدعي مطالبتها وسندان من يدعي حمايتها،
إذ لا يكفي – كوجهة نظر- أن ندعي أننا مع كل من يطالب بالحقوق ونستخدم لغة احترام سيادة الدولة بصفتها واحدة من الحقوق التي لا ينبغي تجاوز حدودها والواقع السياسي يعبر بوضوح عن عدم وجود إي نوايا لمس تلك السيادة.
ولم ينشغل بال الشارع الشيعي على مدى مرور الزمن إلا بالتفكير في الأساليب التي تؤدي إلى نيل بعض من حقوقه بعد أن سئم من كثرة الوعود أو عدم محاولة إعادة النظر في المطالب إن لم يكن التعذر بعدم النظر لها، والتي هو محروم منها بصفته فقط وفقط ينتمي للمذهب الشيعي، وإن لاح في الأفق ما يدعو للأمل فهو لا يخدم صالح الطائفة، إنما يصب في مصلحة ضمن نطاق ضيق، لا يتعدى أن يكون ضمن مصالح فئة معينة أو شخصية محددة.
وهذا ما دعا البعض للبحث عما يمكن أن يحقق له شغل بعض المناصب العليا في الدولة كمدير مصلحة حكومية، أو عضو في جهة عليا، أو وكيل وزارة، أو غير ذلك.
إن قضية الشيعة في المملكة أكبر من أن تحل بهكذا تطلعات، وإن كانت تحوي جوانب ايجابية – وهذه ليست محل النقاش في المقال.
وما أود التأكيد عليه أيضاً هو أن الإعلان عن مواقفنا ورفض ما يمارس من ضغط على الطائفة ينبغي أن يكون بلغة بعيدة عن التصنع والتملق المبالغ فيه، لنقترب من الوجه الواقعي، وإذ أن هذه الوجه ليس فيه أي وجه من التعدي على السيادة القانونية للسلطة.