كيف حمى الخداع السعودي أسامة بن لادن الحلقة الثانية

        السعوديون ألقوا القبض على ناشط من حزب الله السعودي في مارس وبحوزته متفجّرات وأنهم اكتشفوا ضلوع الشيعة في تفجير أبراج الخبر. ويفيد تصريح نايف برابطة محتملة بتفجير الرياض في نوفمبر السابق كان خداعاً متعمّداً للولايات المتحدة، التي لم يقم السعوديون بتاتاً بتوضيحها للمسؤولين الأميركيين.
 ويقول وليامز (لقد سألنا لماذا لم يبلغونا ـ أي السعوديون ـ حول ذلك في وقت سابق، والحصول على جواب).
 وإذا كان السعوديون بالفعل قد قاموا باعتقال أربعة من أعضاء حزب الله السعودي، الذين تلقوا أوامر بالقيام بالتفجير، كما ادعى هؤلاء المسؤولون ذلك لاحقاً، فلا بد أن يكون ذلك معلوماً بصورة مباشرة لبقية عناصر حزب الله السعودي، الذين من الواضح أنهم كانوا سيوقفون مخطط التفجير ويهربوا من البلاد.
 ماذا عن اعتقال السلفيين بتهمة تفجير الخبر؟!
 أيضاً فإن ما يقوّض رواية تهريب متفجيرات من قبل الشيعة ومخطط التفجير، حقيقة أن السعوديين قاموا، بعد انفجار الخبر، وبصورة سريّة باعتقال وتعذيب عدد من الجهاديين السنة المحاربين المرتبطين بأسامة بن لادن.
 كان من بين المعتقلين السنّة في قضية الخبر يوسف العييري، الذي تبيّن لاحقاً بأنه كان الرأس الحقيقي للقاعدة في السعودية. وفي 2003، أكّدت نشرية منتظمة للقاعدة اعتقال وتعذيب العييري بعد انفجار الخبر.
 وفي تقرير نشر في منتصف أغسطس 1996 من قبل جريدة فلسطينية في لندن، القدس العربي، بناء على مصادر على صلات بالحركة الجهادية في السعودية، جاء بأن ستة من المحاربين السنّة في حرب أفغانستان اعترفوا بارتباطهم بتفجير الخبر تحت التعذيب.
 وجاء ذلك بعد يومين من تقرير في نيويورك تايمز بأن المسؤولين السعوديين يعتقدون الآن بأن مقاتلين حرب أفغانستان هم من قاموا بتفجير الخبر. على أية حال، فبعد أسابيع قليلة بدا واضحاً أن النظام السعودي قرر أن يضع اللوم على الشيعة السعوديين في تفجير الخبر.
 قاعدة السعودية تتهم الشيعة لإنقاذ العييري بالتواطؤ مع النظام!
 وبناء على خبير نورويجي متخصص في الحركة الجهادية السعودية، ثوماس هيجهامر، في 2003 وعقب مقتل العييري بفترة قصيرة في تبادل لإطلاق النار في الرياض في أواخر مايو 2003، وجّهت مقالة لزعيم القاعدة منشورة في دوريات القاعدة اللوم على الشيعة في انفجار الخبر!
 وفي وثيقة لمركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت، نقل هاجهمر تلك العبارة كدليل على أن القاعدة لم تكن متورّطة في انفجار الخبر.
 ولكن واحدة من الأهداف الرئيسية للعييري في تلك المرحلة كانت الخروج من السجن، ولذلك فإن تأييده لموقف النظام السعودي لم يكن مستغرباً. وقد تم الإفراج عن العييري من السجن في منتصف 1998، بواسطة هذه الرواية.
 ولكن تم اعتقاله مرة ثانية في أواخر 2002 أو بداية 2003، حيث توصّلت وكالة الاستخبارات المركزية CIA حينذاك بأنه ـ أي العييري ـ كان شخصية هامة جداً في القاعدة، بالرغم من أنها لم تكن تعلم بأنه كان قائد القاعدة في الجزيرة العربية، بحسب كتاب رون سوسكيند (The One Percent Doctrine).
 وفي منتصف مارس 2003، كتب سوسكيند بأن المسؤولين الأميركيين ضغطوا على السعوديين بأن لا يدعوه يفلت. ولكن السعوديين زعموا بأنه ليس لديهم شيء حول العييري، وبعد أسابيع قلائل تم الإفراج عنه مرة أخرى. فقد كان رأس القاعدة في السعودية والمخابرات السعودية يمارسون لعبة معقّدة. ماذا عن المتفجرات؟
 كان أحد الأسئلة المركزية في التحقيق حول انفجار الخبر، هو كيف أن المخطّطين المزعومين وضعوا أيديهم على ما يقرب من 5000 رطلاً من المتفجرات، وهي الكمية التقديرية للشاحنة المفخّخة التي دمرت أبراج الخبر.
 مقابلات مع ستة من مسؤولين سابقين في (FBI)، عملوا في التحقيق حول انفجار الخبر، كشفوا بأن التحقيق لم يفضِ إلى أي دليل حول كيفية دخول طنين من المتفجّرات الى السعودية. ولا يكاد أي من الستة يتذكر دليلاً واحداً حول كيفية قيام المخطّطين المزعومين بوضع أيديهم على هذا الكم الهائل من المتفجّرات. وقد رفض مسؤول سابق في (FBI)، والذي مازال يدافع عن نتائج التحقيق، أن يخبر كاتب التقرير ما إذا كان التحقيق قد كشف عن معلومات بناء على ذلك السؤال.
 وإذا كان عناصر حزب الله السعودي هم من قاموا بالتخطيط فعلياً لإدخال متفجّرات الى البلاد عن طريق إخفائها في سياراتهم، فإن عليهم أن يوفّروا أكثر من 50 سيارة مفخّخة بالمتفجرات وتمر على حرس الحدود الذين كانوا حينذاك على أهبة الإستعداد.
 وعلى أية حال، ليس هناك مؤشر على سيارات إضافية عبرت الحدود في الأسابيع التي سبقت الإنفجار.
 قضية هاني الصايغ واعتقاله في كندا في مارس 1997، حصل مدير هيئة التحقيقات الفيدرالية (FBI) لويس فريه على ما وصفه في مذكراته
 (أول اختراق حقيقي كبير في القضية) عبارة عن: إعتقال في كندا لواحد من أعضاء حزب الله السعودي، الذي يتهمه السعوديون بكونه قائد الشاحنة التي تفجّرت عند أبراج الخبر. هاني الصايغ، 28 عاماً، وصل إلى كندا في أغسطس 1996 بعد أن غادر السعودية، بناء على روايته، في أغسطس 1995، الى إيران وسوريا. وقد وجّهت الحكومة الكندية له تهمة كونه إرهابياً، بناء على مزاعم النظام السعودي.
 وفي سبيل نقله إلى الولايات المتحدة بدون مواجهة الترحيل إلى السعودية، حيث كان يعتقد بأنه سيواجه عقوبة الاعدام، وافق الصايغ على مساومة تشتمل على اعتراف بأنه هو من اقترح فكرة الهجوم على القوات الأميركية، والذي سيقضي على إثره افي السجن مدة عشر سنوات.
في الحقيقة، إن الشيء الوحيد الذي اعترف به، بحسب مصادر (FBI)، هو أنه كان قد اقترح مهاجمة طائرة أواكس التي تم تسليمها لقوات الجو السعودية ـ وهو اقتراح كما قال قد تم رفضه.
 وقبل وبعد إحضاره إلى واشنطن، نفى الصايغ بصورة قاطعة أي معلومات لديه حول تفجير أبراج الخبر.
 وبالرغم من النفي الثابت من قبل الصايغ، فإن صحيفة (واشنطن بوست) في 14 إبريل 1997 نقلت عن مسؤولين أميركيين وسعوديين قولهم إن الصايغ التقى قبل عامين من وقوع الإنفجار بضابط استخباري إيراني كبير وهو الجنرال أحمد شريفي، وأن إيران كانت (القوة المنظّمة) وراء تفجير الخبر.
 ولكن هذه الرواية، المسرّبة من قبل مسؤولين يدعمون النسخة السعودية لرواية الخبر، تنقل عن تنصتّات كندية لمحادثات هاتفية للصايغ في أوتاوا قبل اعتقاله، باعتبارها دليل إدانة زعماً.
 وقد وهبت الرواية مصداقية أكبر للاعتقاد العام في واشنطن بأن إيران كانت العقل المدبّر للتفجير، لأن الاستخبارات الأميركية لحظت مراقبة المواقع العسكرية والمدنية في السعودية من قبل الإيرانيين وحلفائهم في السعودية في عامي 1994 و1995.
 مهما يكن، فإن ما قاله الصايغ في حقيقة الأمر لموظفي (FBI) في سلسلة من المقابلات في أوتاوا وواشنطن، يتناقض مع الرواية المسرّبة، بناء على مصادر قريبة من تلك المقابلات.
 اعترف الصايغ بأنه قام بمراقبة موقع عسكري غير الخبر لحساب الإيرانيين، ولكنه ألحّ على أن ذلك لم يكن بهدف التحضير لتفجير إرهابي محتمل، ولكن للتعرّف على الأهداف الكامنة للانتقام الإيراني في حال هجوم أميركي على إيران.
 وكانت شهادته متوافقة مع كان يقوله السفير رون نيومان، الذي كان مدير مكتب إيران والعراق في هيئة شؤون الشرق الأدنى التابع لوزارة الخارجية في الفترة ما بين 1991 و1994، حول استكشاف إيراني للأهداف الأميركية. وفيما كان أغلب المحللين الرسميين على أهبة الإعتقاد بأن إيران كانت تخطط لهجوم إرهابي ضد الولايات المتحدة، فإن نيومان يتذكر بأنه كان بيّن نمطاً في السلوك الإيراني:
 في كل مرة تتزايد التوتّرات الأميركية ـ الإيرانية، كانت هناك زيادة في عملية الاستكشاف الإيرانية للمواقع الدبلوماسية والعسكرية الأميركية. ويقول نيومان (هذا النمط قد يؤخذ على أنه عدائي ولكنه قد يكون بنفس القدر دفاعياً) بمعنى أن الإيرانيين ينظرون إلى مثل هذا الاستكشاف لأهداف أميركية محتملة بأنها جزء من الوقاية إزاء أي هجوم أميركي.
 لقد كان هاني الصايغ خياراً مستغرباً كيما يكون سائق الشاحنة المفخّخة التي انطلقت نحو أبرج الخبر. فرجل قصير القامة بنوبات ربو دائمة أدّت في مرات عديدة الى وقف المقابلات مع محققي (FBI) لا يمكنه القيام بذلك، فيما حكى الصايغ الى المحققين بأنه شارك في دورة تدريب عسكري مع الحرس الثوري الإيراني، ولكنه أٌبلغ من قبل مسؤوله في الحرس بعد تمرين كارثي بأن مرض الربو الذي يعاني منه يجعله غير مناسب للقيام بعمليات عسكرية.
 جاك كلونان، الموظف القديم في FBI، والذي كان يتحدث مع المحققين الذين قابلوا الصايغ في ذلك الربيع والصيف، أبلغ محامي الهجرة الخاص بالصايغ، مايكل وايلدز، بأنه مقتنع بأن الصايغ لم يكن مشاركاً في العملية، بحسب الملاحظات الواردة في مفكرة وايلدز المحفوظة على ذمة القضية. إستمر هاني الصايغ في نفي تورطه، وكذلك نفي أي علاقة للإيرانيين بما حدث في الخبر، وكنتيجة تم ترحيله الى السعودية في 1999، بالرغم من الفرضية الرائجة داخل (FBI)، بأن سيتم قطع رأسه بعد عودته.
 الإف بي آي تحاول الوصول الى المعتقلين الشيعة لم تكن لدى فريه أي قضية حقيقية ضد الإيرانيين أو حلفائهم السعوديين (أي حزب الله الحجاز) ما لم يستطع الوصول الى المعتقلين الشيعة السعوديين. في المفكرة المعنوّنة (My FBI) إدّعى فريه بأن الرئيس بيل كلينتون رفض الضغط على ولي العهد الأمير عبد الله (الملك الحالي) بالوصول إلى هؤلاء السجناء، وطلب منه تقديم الدعم للمكتبة الرئاسية المستقبلية الخاصة بكلينتون في لقاء في فندق هاي أدامز في سبتمبر 1998.
 على أية حال، فإن هذه الرواية مختلف عليها بين عديد من مسؤولي إدارة كلينتون. وفريه، الذي لم يكن حاضراً، ينقل فقط عن (مصادري my sources)، بما يفيد بقوة بأنه حصل عليها من الأمير بندر، المستفيد شخصياً.
 وزعم فريه بأن الرئيس السابق جورج بوش قد توسّط لدى عبد الله، بطلب من فريه، ونتج عن ذلك لقاء بين فريه وعبد الله في منزل بندر في فرجينيا في 29 سبتمبر 1998.
 وفي اللقاء، عرض عبد الله السماح لـ (FBI) بتقديم الأسئلة للمعتقلين ومراقبة الأسئلة والإجابات من خلف زجاجة مظللة ذات اتجاه واحد. ولكن ما أسقطه فريه من الرواية هو أن عرض عبد الله الجديد جاء في وقت شعر فيه السعوديون بالحاجة الماسّة لاسترضاء واشنطن في تحقيق أبراج الخبر بأكثر مما كانوا عليه في السابق.
 السعودية: إبعاد أثر بن لادن عن الأميركيين وفي مايو 1998، علمت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA بأن المخابرات السعودية أحبطت مخطط القاعدة بتهريب صواريخ مضاده للدبابات من نوع صاغر Sagger من اليمن إلى السعودية قبل إسبوع من الزيارة المقررة الى السعودية من قبل نائب الرئيس الأميركي أل جور، ولم تبلغ، أي المخابرات السعودية، المخابرات الأميركية بتلك الواقعة. وفيما بعد، في 7 أغسطس 1998، تعرّضت سفارتا الولايات المتحدة في نيروبي، كينيا، ودار السلام، تنزانيا الى تفجيرين في غضون عشر دقائق وأدت إلى انهدامهما.
وتوصّلت CIA، على الفور، الى أن القاعدة كانت المسؤولة عن التفجيرات، وبدأت الاستخبارات الأميركية، بناء على ذلك، بتسليط الضوء بصورة أكبر على عمليات بن لادن في السعودية.
 التقى أل جور مع عبد الله في 24 سبتمبر 1998م، وضغط بشدة من أجل الوصول إلى المسؤول المالي للقاعدة مدني الطيب، الذي تم اعتقاله من قبل الحكومة السعودية قبل عام، ولكنها أبقته بعيداً عن الاستخبارات الأميركية.
 عمل النظام السعودي طويلاً من أجل إبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن أثر بن لادن في السعودية. وخلال الحرب الأفغانية، عمل مسؤولون سعوديون كبار، بمن فيهم وزير الداخلية الأمير نايف شخصياً، بصورة وثيقة مع بن لادن.
 ومن الواضح، فقد استمرت تلك الروابط حتى بعد سحب الحكومة السعودية الجنسية من بن لادن، وتجميد أرصدته، وبدء ملاحقة بعض المتطرّفين الإسلاميين المناهضين للحكومة في سنة 1994. وأظهر الدليل لاحقاً بأن النظام سمح للداعمين السعوديين لابن لادن بتمويل عملياته عبر الجمعيات الخيرية السعودية، التي شجّعت بن لادن على التركيز على الجيش الأميركي وليس على النظام.
 وعلم محققو هيئة 9/11 لاحقاً، بأنه بعد مغادرة بن لادن السودان الى أفغانستان في مايو 1996، طلب وفد من مسؤولين سعوديين من قيادين كبار في طالبان، بأن يبلغوا بن لادن بأنه في حال لم يهاجم النظام، فإن (الاعتراف سيعقب ذلك) أي بحكومة طالبان.
 التواطؤ السعودي مع بن لادن والتغطية على أتباعه في غضون ذلك، كان نايف يقاوم طلبات الـ CIA بشأن شهادة ميلاد، وجواز سفر، والسجلات البنكية الخاصة بابن لادن.
 وكانت الـ CIA تتبادل معلوماتها الإستخبارية حول بن لادن مع المباحث السعودية، وتشمل نسخاً من تنصتات وكالة الأمن الوطني الأميركية على المكالمات الهاتفية الخليوية لمسؤولي القاعدة المشتبه بهم.
 وفيما بعد، توقف المقاتلون بصورة مفاجئة عن استعمال هواتفهم الخليوية، بما يشير إلى كونهم أبلغوا بذلك من قبل المباحث. في أوائل 1997، أصدرت وحدة بن لادن في وكالة الاستخبارات المركزية CIA مذكرة لمديرها جورج تينيت، الذي كان على وشك السفر الى السعودية، وصفت فيها الاستخبارات السعودية بأنها (إدارة معادية).
 وفي أواخر سبتمبر 1998، كان النظام السعودي يشعر بالحماوة من إدارة كلينتون بسبب فشله في التعاون في قضية عمليات بن لادن في السعودية. وكان اقتراح عبد الله سبيلاً لابداء التعاون في موضوع الإرهاب في وقت يساعد فريه على تعزيز المسار السعودي في انفجار الخبر.
 الربط الصحيح بين تفجيري العليا (الرياض) والخبر لم يخفِ أسامة بن لادن نيته بمهاجمة الوجود العسكري الأميركي في السعودية. فقد كان يدعو لمثل هذه الهجمات لإخراج ـ القوات الأميركية ـ من البلاد منذ أن دعا في أول فتوى له للجهاد ضد الاحتلال الغربي للأرضي الإسلامية في بداية 1992.
 في 11 يوليو 1995، كتب ـ أسامة بن لادن ـ (رسالة مفتوحة) الى الملك فهد يحثّ فيها على حملة من الهجمات الفدائية لإخراج القوات الأميركية خارج المملكة. وبدأت منظمة القاعدة التي يقودها بن لادن بتنفيذ هذه الحملة في وقت لاحق من نفس العام. في 13 نوفمبر 1995، دمّرت سيارة مفخخة مكتب مدير البرامج في الحرس الوطني السعودي في الرياض، ما أدى إلى مقتل خمسة من عناصر القوة الجوية الأميركية وجرح 34 آخرين. وأفادت إعترافات أربعة من الجهاديين في الحرب الأفغانية بخصوص الإنفجار، والتي بثّها التلفزيون السعودي، بأنهم كانوا يستلهمون من أسامة بن لادن، وأحال أحدهم الى معسكر في أفغانستان كان على ارتباط بابن لادن. يقول محارب قديم في FBI دان كولمان (كانت تلك إحالة غير مباشرة إلى بن لادن)، (في إشارة إلى دور بن لادن لاحقاً في تفجير الخبر).
 السعودية لم تتعاون في تحقيقات تفجير الرياض 1995 طلبت السفارة الأميركية في الرياض على الفور بأن يسمح لـ FBI بالتحقيق مع المشتبه بهم فور اعلان اعتقالهم في إبريل 1996.
 ولكن السعوديين لم يستجيبوا للطلب أبداً، وفي 31 مايو 1996، تم إبلاغ السفارة قبل ساعة ونصف من تنفيذ حكم الإعدام بقطع رؤوس المتهمين الأربعة. وحين انفجرت الشاحنة المفخخة في أبراج الخبر في 25 يونيو 1996، كان سكوت إريسكين، العميل المختّص بالتحقيق في انفجار الرياض، على وشك العودة الى الولايات المتحدة بعد لقاء محبط آخر، حيث لم يكن المسؤولون السعوديون متعاونين بشأن الاشخاص الذين سيقومون بالتحقيق معهم. وحين زار مدير FBI لويس فريه مدينة الخبر بعد أيام قلائل من التفجير، تم إبلاغه بأن لا يتوقع أي معلومات أخرى حول تفجير الرياض. وبدلاً من الإلحاح على أن تقوم إدارة كلينتون بممارسة ضغط أكبر على السعوديين للتعاون حول احتمالية الربط بين التفجيرين (أي الرياض والخبر)، قرر فريه بهدوء إلغاء التحقيق في تفجير الرياض بصورة كاملة.
 ووضعت القضية في خانة وضع (غير فاعل)، بحسب إفادة مسؤولين إثنين سابقين في FBI، بما يعني أنه لن تكون هناك أية إجراءات أخرى يمكن أن تتخذ بهذا الشأن، رغم أن القضية لم يتم إغلاقها بصورة رسمية.
بن لادن يعترف بمسؤوليته عن تفجير الخبر على أية حال، كان من الصعوبة بمكان إنكار دور بن لادن الذي تبنى علنياً مسؤوليته عن تفجيري الرياض والخبر. وفي أكتوبر 1996، أي بعد إصداره فتوى أخرى يدعو فيها المسلمين لإخراج الجنود الأميركيين من المملكة، نقلت صحيفة (القدس العربي) الفلسطينية الصادرة من لندن عن إبن لادن قوله (الجيش الصليبي تمزّق حين قمنا بتفجير الخبر).
 وفي مقابلة نشرت في الصحيفة في 29 نوفمبر 1996، سئل ـ بن لادن ـ لماذا لم تكن هناك عمليات أخرى موازية لعملية الخبر.
 قال بن لادن (يدرك العسكريون أن التحضيرات لعمليات كبيرة تتطلب وقتاً، بالقياس إلى عمليات صغيرة).
 ومن ثم ربط بن لادن التفجيرين في السعودية بصورة صريحة كمؤشرات الى الولايات المتحدة من قبل تنظيمه:
 (كنا نعتقد بأن تفجيري الرياض والخبر كانا إشارة كافية لصنّاع القرار الأميركيين بدرء معركة بين الأمة الإسلامية والقوات الأميركية، ولكن يبدو لم يفهموا تلك الإشارة) حسب بن لادن.
وبحسب كولمان، أحد كبار المحققين في هيئة التحقيقات الفيدرالية FBI في قضية القاعدة، فإن بن لادن كان يكسب مجد العمليات الإرهابية التي خطّط لها وليست العمليات التي لم يخطط لها.
 على سبيل المثال، لم يعلن بن لادن مسؤوليته عن تفجير مركز التجارة العالمي، وأبلغ وكيله التجاري السابق الذي تحوّل إلى مصدر معلومات لهيئة التحقيقات الفيدرالية FBI، جمال الفضل، بأن لا علاقة له ـ أي بن لادن ـ بذلك، كما يقول كولمان.
 كان لتفجيري الرياض والخبر خاصية عملانية مشتركة. وكما لحظ رئيس وحدة بن لادن في الـ CIA، مايكل سكيور، في القضيتين، فإن السيارة لم تكن متوقفة بحيث تؤدي الى هدم المبنى بالكامل.
 فلو كان الفريق الذي نفّذ تفجير الخبر قد ركن السيارة بموازاة السياج الأمني بدلاً من امتطائها، كما يقول سكيور، فإنها ستؤدي الى تدمير كامل المبنى.
 وكان يمكن أن يحدث الشيء ذاته في تفجير مكتب برامج تدريب الحرس الوطني في الرياض.
 كيف هرب بن لادن المتفجرات الى الخبر؟ وحدة بن لادن في الـ CIA جمعت معلومات استخبارية صلبة حول دور بن لادن في التخطيط لتفجير ابراج الخبر.
 وفي منتصف يناير 1996، بناء على المعلومات الاستخبارية المجموعة من قبل الوحدة، سافر بن لادن الى العاصمة القطرية، الدوحة، حيث تمت مناقشة خطط الهجوم في المنطقة الشرقية من السعودية.
 وأعدّ بن لادن ترتيبات لشحن 20 طناً من مادة سي ـ 4 شديدة الإنفجار من بولندا الى قطر، وتم إرسال طنين منها الى السعودية، بحسب التقرير.
 وحدد بن لادن بصورة دقيقة عمليات تستهدف مصالح أميركية في مثلث مدن الدمام، الظهران والخبر في المنطقة الشرقية، باستعمال خلايا سرية تابعة للقاعدة في السعودية، بحسب تقرير استخباري.
 FBI تعتمد المعلومات السعودية، والقاعدة نشيطة في الشرقية وقد رفض موظفو FBI العاملون في قضية الخبر ببساطة أي دليل على ضلوع بن لادن في الخبر، لأن قراراً قد تم اتخاذه باعتبار الشيعة هم المسؤولين.
 ويتذكر ديفيد وليامز، الذي أصبح لاحقاً عميل الـ FBI المسؤول عن مكافحة الإرهاب فيها، بأنه قرأ تقارير استخبارية تفيد بضلوع بن لادن في التفجير، ولكن قال بأنه فعل ذلك (بعين الريبة).
 واستبعد المحققون في الـ FBI أية علاقة لدليل يربط بن لادن بتفجير الرياض. وكما يوضّح أحد مسؤولي FBI السابقين المنطق لهذا الموقف: كان تفجير أبراج الخبر يختلف كلياً عن تفجير الرياض الذي وقع قبل سبعة شهور سابقة:
 إنه كان في المنطقة الشرقية حيث يغلب عليها المعارضون الشيعة، ولم تكن للقاعدة أي خلية معروفة. على أية حال، فإن الحقائق تخبر عن قصة أخرى.
 فمدينة الخبر نفسها كانت ذات غالبية سنية، وليست شيعية، وكذلك المنطقة المثلثية للمدن الثلاث، فهناك أعداد كبيرة من المقاتلين في حرب أفغانستان وكانوا من أتباع بن لادن. وبحسب الصحيفة الفلسطينية الصادرة في لندن (أي القدس العربي) التي نشرت في أغسطس 1996 بأن الستة الجهاديين الذين اعترفوا بالتفجير كانوا كلهم من منطقة تدعى الثقبة بالقرب من الخبر.
 وقد تم اعتقال أحد الجهاديين القدامى بعد التفجير، وهو يوسف العييري، الذي كان الرأس الحقيقي للقاعدة في الجزيرة العربية، وهو من الدمام، وكان يعرف الجماعة الجهادية في المنطقة بصورة جيدة، بحسب الخبير النرويجي في شؤون القاعدة، ثوماس هاجهامر.
 على أية حال، لا تعرف FBI و الـ CIA شيئاً عن حركة بن لادن في ذلك الجزء الشرقي من السعودية، كونهما يعتمدان بصورة كاملة على المخابرات السعودية في مثل هذه المعلومات.
 أوردت مذكرة لـ CIA في 1 يوليو 1996، بأن لدى الوكالة (معلومات ضئيلة) حول (موقع، وحجم، تركيبة، ونشاطات) خلايا المعارضة في السعودية. وتكشف مقابلات مع مسؤولين في FBI يعملون في التحقيق بوضوح أنه لم يكن لديهم إهتمام بالحصول على دليل يربط بن لادن بالتفجير، لأنهم أدركوا بأن مهمتهم محدودة بجمع أية معلومات يمكن الحصول عليها من المسؤولين السعوديين.
 يقول وليامز بأنه لم يحقق في الرواية السعودية بشأن مخطط الخبر، لأنه حسب قوله (تبدأ تصدق الناس الذين هم محاوريك). وسئل عن الدليل الذي يفيد بأن بن لادن كان وراء مخطط التفجير، قال مسؤول آخر في FBI، ولديه مسؤولية كبيرة في التحقيق: (لم أدخل في هذا الجانب. لم يكن ذلك من صميم عملي)!
 المباحث السعودية وفبركة التحقيق والمعلومات في أوائل نوفمبر 1998، أرسل لويس فريه فريق من FBI لمراقبة مسؤولي المباحث السعوديين وهم يحققون مع ثمانية من المعتقلين الشيعة من وراء ألواح زجاجية باتجاه واحد في مركز الإحتجاز بالرياض.
 وكان قد خطط لاستعمال شهادة الشيعة لإظهار أن ايران كانت وراء الانفجار.
 وكما كان متوقعاً، فإن الروايات التي أدلى بها المعتقلون لخّصت الخطوط العريضة للمخطط الشيعي الذي جرى توصيفه من قبل السعوديين قبل عامين من الواقعة.
 أما الآن، بعد مهمة FBI في معاينة الاعترافات، فهناك تفاصيل أكثر تشويقاً للتورّط الإيراني المباشر.
 أحد المعتقلين قال بأن الجنرال في قوات الحرس الثوري الإيراني أحمد شريفي اختار شخصياً ثكنات الخبر هدفاً للعملية.
 وقال آخر بأن أعضاء حزب الله السعودي لم يتدربوا فحسب بل تلقوا أموالاً من قبل الإيرانيين. يقول عميل سابق في FBI (لقد خرجنا بأدلة صلبة بأن إيران كانت وراء ذلك)!
 كانت هناك مشكلة واحدة مع تلك الأدلة التي قام فريق FBI بجمعها:
 كان لدى المباحث السعودية عامان ونصف العام من احتجاز عناصر حزب الله، حيث أتيح لها أن تقول ما تشاء حول القضية، بالنظر إلى التهديد المتواصل بمزيد من التعذيب لخلق الحافز.
 ولكن فريه لم يكن ليدع موضوع التعذيب يؤثر على مهمته. وبحسب مسؤول رفيع المستوى في FBI: (بالنسبة للويس، إذا كانوا سيدعونا في الغرفة، فإن ذلك أهم شيء.
 إننا سنذهب هناك ونحصل على الإجابات حتى لو تم تحريفها).
 وزارة العدل الأميركية ترفض المعلومات السعودية وبوش يتبنّاها مهما يكن، فحين حصل فريه على الروايات التي أدلى بها المعتقلون الشيعة في التحقيقات التي شهدها فريق FBI، فإن تلك المعلومات لم تحظ بقبول وزارة العدل ـ الأميركية ـ ولم تنظر إليها بوصفها شهادات صالحة.
 ورفضت الوزارة المضي في الإتهام بحسب رغبة فريه، القائمة على ذات الإعتراض الذي تم طرحه قبل عامين من تلك الواقعة:
 أن المعتقلين الشيعة خضعوا للتعذيب. وفي يناير 2001، أبقى الرئيس جورج بوش، الإبن، لويس فريه كمدير لـ FBI.
 وأبلغ فريه الرئيس الجديد بأن إيران هي العقل المدبّر لانفجار الخبر، بحسب شهادته أمام هيئة الحادي عشر من سبتمبر، وبدأت وزارة العدل حينئذ بالتعاون مع فريه في توجيه الإتهام الى حزب الله السعودي بما يورّط إيران في تفجير الخبر.
 وقد تم الإعلان عن الإتهام في 21 يونيو 2001، أي في آخر يوم لفريه كمدير لـ FBI.
 التعذيب السعودي ممنهج، وهنا يستهدف حماية القاعدة الوهابية على أية حال، فإن دليلاً عالي الثقة كشف عن أن المباحث السعودية استعملت فعلياً التعذيب والإكراه لإرغام المعتقلين على الإدلاء بشهادات بحسب طلب النظام السعودي ـ وحتى أمام المراقبين الأجانب ـ وفعل النظام ذلك كله من أجل حماية القاعدة من التحقيق من قبل الولايات المتحدة.
 نجمت ثلاث انفجارات بسيارات مفخخة في الرياض في نوفمبر 2000 عن مقتل مواطن بريطاني.
 وعموماً كان الاعتقاد يقوم على أن تلك الانفجارات كانت من عمل القاعدة.
 ولكن أربعة مواطنين بريطانيين، ومواطناً كندياً، وآخر بليجكي اعترفوا بمسؤوليتهم عن الإنفجارات، وقد بث التلفزيون السعودي اعترافاتهم. على أية حال، بعد الإفراج عنه في 2003 أدلى المواطن الكندي وليام سامبسون برواية مأساوية أمام الرأي العام تحدّث فيها عن اللكمات التي تعرض لها على يد المباحث، وكان معلّقاً من قدميه متدلياً الى الأسفل، إضافة إلى الضرب المبرح الذي أدى إلى احمرار خصيتيه.
 وقال سامبسون بأن السعوديين أبلغوه من البداية ما يريدون منه الإعتراف به، وقد أعادوا ذلك عليه مراراً فيما كان الضرب متواصلاً، وتمت غربلة الرواية مع الوقت، وبإضافة مستمرة لتفاصيل جديدة. ستة أسابيع من التحقيق، وبعد أن بدأ سامبسون بإبلاغهم ما يريدونه منه، قاموا بتسجيل اعترافاته على شريط فيديو، باستعمال لوحة إيضاحية لمساعدته على تذكّر تفاصيل حركاته التي يفترض منه أن يدلي بها.
 لقد درّبه السعوديون على ما يقوله حين زاره موظفون من السفارة الكندية، وهدّدوه بمزيد من وجبات التعذيب إذا ما أخبر مسؤولي السفارة الحقيقة. وحين جاء موظفو السفارة للحديث معه، كان إثنان من معذبي سامبسون حاضرين طيلة فترة المقابلة، تماماً كما حدث الشيء ذاته مع المعتقلين الشيعة حيث كان فريق FBI حاضراً خلال فترة توجيه الأسئلة اليهم من قبل المباحث السعودية.
 أدلى أجانب آخرون بروايات مماثلة حول اعترافات قهرية تحت التعذيب. وقد تم الإفراج عن سامبسون وخمسة أجانب آخرين بعد التفجير الإنتحاري في مايو 2003 من قبل القاعدة في مجمع الرياض الذي يأوي 900 وافداً أجنبياً، وقد أرغم الحادث وزير الداخلية السعودي الأمير نايف على الإقرار بأن القاعدة تمثل تهديداً إرهابياً في السعودية. مدير FBI أصبح محامي الدفاع عن آل سعود!
 في غضون ذلك، وبعد تركه لمنصبه، أصبح فريه من الناحية الفعلية محامي الدفاع عن النظام السعودي في قضية تفجير أبراج الخبر.
 وفي شهادته أمام لجنة الإستماع المشتركة من البيت الأبيض ولجنة الإستخبارات التابعة للكونغرس في 9 أكتوبر 2002، برّأ فريه السياسة السعودية إزاء تحقيقات FBI.
 واقترح فريه، الذي استبعد أي ذكر للخداع السعودي بشأن حادثة تهريب مواد متفجّرة بما يسمح لـ FBI بمتابعة مهمات تحقيقية جوهرية، بأن السعوديين عملوا كل ما يتوقع منهم فعله بهذا الشأن.
 وقال: (لحسن الحظ، فإن FBI كانت قادرة على خلق علاقة عمل فاعلة مع البوليس السعودي ووزارة الداخلية).
 وأضاف بأن أي (طريق مسدود أو عائق قانوني) قد يحدث، كما يؤكّد ذلك فريه، كان بسبب (الإختلاف الثابت بين أنظمتنا القانونية والإجرائية). دفع فريه جزية الى الأمير بندر بن سلطان، السفير السعودي، باعتباره (حرجاً في تنفيذ الأهداف التحقيقية لدى FBI في قضية الخبر، واقترح بأن أية مشاكل مؤقتة مثل هذه كانت دائماً تحل عبر التدخل الشخصي من قبل بندر)!
 لقد عمد فريه إلى تحريف الترتيبات التي قام بها لجعل فريق FBI يقوم بمراقبة التحقيق ـ مع المعتقلين الشيعة ـ (بما يجعل هؤلاء الشهود ـ أي عناصر الفريق ـ حاضرين بصورة مباشرة).
 وفي مقابلة لحساب السيرة المتزلّفة للأمير بندر، ذهب فريه بعيداً إلى حد دعوة السعودية لقطع رؤوس الجهاديين الأربعة الذين اعترفوا بمسؤوليتهم عن تفجير الرياض بعد أن رفض السماح لـ FBI التحقيق معهم، باعتبارها قضية عدالة مستعجلة في (شأن داخلي سعودي)!
 إن الفصل الأخير من علاقة فريه ببندر والسعوديين لا يزال في الطريق.
 وفي أبريل 2009، أصبح فريه محامي الدفاع عن بندر في قضية لدى محكمة بريطانية، حيث تم توجيه الإتهام إلى بندر بتلقيه، بصورة غير قانونية، ملياري دولار كرشوة في صفقة أسلحة سعودية ـ بريطانية.