|
|
|
|
|
الآثار الاقتصادية السلبية للإنفاق العسكري |
|
|
|
خالد الدوسري: تحتل المملكة المرتبة الأولى في العالم في نصيب الفرد من الإنفاق العسكري، بينما تحتل المرتبة الخامسة والثالثة عشر على التوالي في مجال التعليم والصحة.
في عام 1986 واجهت المملكة تذبذبا كبيرا في أسعار النفط حيث انخفضت أسعاره من 28 دولارا للبرميل الواحد في يناير إلى حوالي 8 دولارات في منتصف تلك السنة مما أدى إلى ضرورة إحداث تغييرات هيكلية في كثير من النواحي الاقتصادية والإدارية للدولة.
فقد تركت التغييرات الكبيرة في أسعار البترول أثرها السلبي على الاقتصاد السعودي عندما أعلنت الحكومة السعودية في مارس عن تأجيل ميزانيتها السنوية لعام 1986 ـ 1987 لخمسة أشهر على الأقل والبقاء على معدل إنفاق حكومي شهري مساوي للإنفاق الحكومي المخصص لميزانية 1985م. وفي أغسطس من نفس العام 1986 أجلت الحكومة وللمرة الثانية إصدار ميزانيتها السنوية معلّلة ذلك بصعوبة تقدير عائدات النفط نظراً لتذبذب أسعاره في السوق العالمية.
غير أن المثير للدهشة هو إعلان الحكومة عن ميزانيتها السنوية في 31 ديسمبر 1986 والتي احتوت على معدل إنفاقي عالي بلغ 170000 مليون ريال (335,43 مليون دولار) وبمعدل 6 بالمائة فقط أقل من مخصصات ميزانية العام السابق. من جهة أخرى، احتوت الميزانية على مخصصات كبيرة للمشاريع الرأسمالية بلغت 50,000 مليون ريال" 335,13 مليون دولار" بينما بلغت تكاليف التشغيل والصيانة 20,000 مليون ريال "5335 مليون دولار".
لقد سمحت اتفاقية الأوبك والتي تم التوصل إليها في جنيف في ديسمبر، سمحت للملكة بأن تضع حداً أعلى لمدخولها النفطي لعام 1987 أكثر مما كانت عليه في عام 1985 ـ 1986 حيث كان من المتوقع أن يزداد دخل الدولة من النفط بنسبة 5,6 بالمائة بحيث يبلغ 65200 مليون ريال "17390 مليون دولار"، وهذا يشكل 55 بالمائة من الدخل الحكومي الكلي، أما باقي الدخل فإنه سوف يتحصل من الدخل الاستثماري "8 بليون دولار" ومن السحب من الاحتياطي العام للدولة. من ناحية أخرى بلغت ميزانية 1988، 141,2 بليون ريال مقابل رقم ميزانية 1987، وهو 170 بليون ريال، ويمثل نقصاً إسمياً في النفقات بمقدار 17 بالمائة، كما أن رقم ميزانية 1988 يمثل زيادة 3,3 بالمائة فقط على الرقم الفعلي لميزانية 1986 "136,7 بليون ريال" والتي مدتها عشرة أشهر فقط مع العلم بأن هذه الزيادة تعتبر نقصاً إذا قورنت الميزانيتان على أساس سنوي، إن المؤشر الرئيسي على زيادة التقشف في ميزانية 1988 هو نقص العجز العام فيها "بما في ذلك إصدار السندات الحكومية" من 52,7 بليون ريال في عام 1987 إلى 35,9 بليون ريال في عام 1988 وهذا الرقم يشكل أقل عجز واجهته الميزانية السعودية منذ عام 84 ـ 1985 حتى عام 1988.
وبالرغم من الارتفاع الحاد والمستمر في عجز الميزانية "50000 مليون ريال لعامي 1989 و 1990 و 30000 مليون ريال لعام 199"، وبالرغم من فرض الضرائب المختلفة "ماء ـ كهرباء ـ بريد ـ رسوم عقار.." فقد لجأت الحكومة السعودية إلى تخفيض بعض بنود الميزانية كالإنفاق على تجهيزات البنية الأساسية، الإعانات المحلية، الصحة، التنمية الاجتماعية وتنمية الموارد الاقتصادية، إلا أنها تعتقد بأن هناك نفقات يصعب تخفيضها مثل الدفاع والأمن مبررة ذلك بأن الأحداث التي وقعت في منطقة الخليج "الحرب العراقية الإيرانية ثم احتلال الكويت وما تلاه من حرب التحالف الدولي ضد العراق" وضعتها في مواجهة أخطار اقتصادية وعسكرية وبالتالي يجب مواجهتها بزيادة الإنفاق الحكومي بما في ذلك الإنفاق العسكري، كل هذا بالرغم من أن الدولة تواجه وبشكل مستمر عائدات بترولية منخفضة.
ومن الواضح أن الحكومة السعودية في استطاعتها تخفيض عجوزات الميزانية تدريجياً بتخفيض مخصصات الإنفاق العسكري "الدفاع والأمن" فلقد شكلت النفقات العسكرية الحوالي 25 ـ 30 بالمائة من الميزانية العامة للدولة، وبالرغم من انخفاض عائدات النفط فإن النفقات العسكرية لم تنخفض إلا قليلاً من أعلى مستوى لها في عام 1982 "25,4 بليون دولار" إلى 21,4 بليون دولار في عام 1985.
تتمتع المملكة بثروة بترولية كبيرة "بلغ احتياطي الدولة المؤكد من البترول في أوائل عام 1991، نحو 257,504 مليون برميل والذي يساوي ربع الاحتياطي العالمي المؤكد من البترول، إلا أنها تفتقر إلى العناصر الضرورية لتنمية اقتصاد إنتاجي متنوع فبالرغم من وفرة العملات الصعبة وازدياد الإنفاق الحكومي لم تستطع المملكة الوصول إلى تنمية اقتصادية متوازنة. فبعد أكثر من 20 عاماً من التخطيط الاقتصادي، مازالت صادرات البترول تشكل العنصر الرئيسي في دخلها الإجمالي ومازال الإنفاق الحكومي هو القوة الرئيسية الفعالة في الاقتصاد.
لقد زادت النفقات العسكرية السعودية وبشكل كبير منذ ارتفاع أسعار النفط في عام 1974، حيث تعتبر المملكة الأولى في العالم في نصيب الفرد من الإنفاق العسكري كما أنها الأولى أيضاً في نصيب الجندي الواحد من الإنفاق العسكري إلا أنها تأتي في المرتبة الخامسة والثالثة عشر على التوالي في نصيب الفرد من الإنفاق على التعليم والصحة.
لقد أنفقت الحكومة السعودية مبالغ ضخمة لتطوير وتنمية البنية الأساسية للقطاع العسكري واشترت ومازالت تشتري معدات عسكرية كثيرة ومعقدة وبأثمان باهظة معللة ذلك بحماية حدودها وضمان أمنها الداخلي، غير أن الذي خذ من زيادة مشترياتها أكثر من ذلك هو عدم القدرة الاستيعابية وعدم وجود أيدي عاملة محلية مدربة.
من الواضح أن هناك علاقة عكسية بين ارتفاع الإنفاق العسكري والنمو الاقتصادي، فمن جهة يؤدي الإنفاق العسكري إلى تحويل الموارد الاقتصادية الضرورية والتي تساهم في النمو الاقتصادية كالتعليم والصحة والتنمية الاجتماعية أو إلى إنقاص مخصصاتها، كما يؤدي من جهة أخرى وعلى المدى الطويل إلى نضوب الموارد الاقتصادية، زيادة التضخم وزيادة مشاكل ميزان المدفوعات، وبالتالي زيادة المشاكل الاقتصادية والسياسية مما يؤدي إلى عدم استقرار الدولة.
يتأثر الأداء الاقتصادي للدولة "الاستهلاك العام و الخاص من جهة، والاستثمار والنمو الاقتصادي من جهة ثانية" بزيادة الإنفاق العسكري معتمدا على العوامل التالية: مستوى التنمية الاقتصادية، طبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي، فاعلية التخطيط الحكومية ومستوى الإنفاق العسكري.
ففي ما يخص التنمية الاقتصادية وبالذات النمو الاقتصادي، فان المحافظة على مستويات انفاقية عسكرية عالية سوق تمتص موارد اقتصادية كبيرة لدرجة أنها تؤثر على كمية ونوع الاستثمار وعلى حجم وتشكيل الأيدي العاملة، فتأثير الإنفاق العسكري على الاستثمار يعتمد على البنية الاقتصادية للدولة، على القرارات السياسية وعلى مقدار سيطرة الحكومة على الاقتصاد.
فالحكومة تستطيع توجيه أو إعادة توجيه الموارد الاقتصادية تجاه الإنفاق الاستثماري خاصة إذا ما كانت الميزانية المخصصة للإنفاق العسكري تعتبر كبيرة مقارنة بمجموع الإنفاق الاستثماري للدولة "لقد بلغ الإنفاق العسكري العام لعام 1989 حوالي 50 بليون ريال بينما بلغ مجموع الإنفاق الاستثماري بشقيه العام والخاص في نفس العام حوالي 64680 مليون ريال فقط".
فإذا ما تناقصت مخصصات الإنفاق العسكري فإن الإنفاق الاستثماري، سيزداد وبالتالي فان إمكانية التأثير على النمو الاقتصادي تكون كبيرة خاصة إذا ما ستثمرت الدولة هذه المخصصات المحوّلة من القطاع العسكري في قطاعات مدنية ضرورية مثل الصحة والتعليم.
بالرغم من صغر القاعدة السكانية والتي تتراوح بين 4 ـ 5 ـ ملايين، والذي أجبر المملكة على استقدام 2,5 مليون عامل من الخارج، فان قّوة العمل المحلية تعتبر مورداً حقيقياً من الممكن استغلاله بطريقة أفضل خاصة إذا ما أطلقت من الوظائف العسكرية المتعلقة بها أحبت أن المملكة تعاني من قلة الأيدي العاملة المدربة.
قد يقال بأن هناك بطالة في المملكة حالياً ولا داعي لإطلاق الأيدي العاملة من القطاع العسكري، ولكن سبب هذه البطالة هو انخفاض الإنفاق الاستثماري والذي ساهم فيه بشكل كبير ارتفاع تكاليف النفقات العسكرية.
أيضاً يساهم الإنفاق العسكري في إحداث آثار سلبية على ميزان المدفوعات ويؤدي بالتالي إلى زيادة التضخم خاصة إذا ما رغبت الدولة في المحافظة على قطاع عسكري متزايد التكاليف، فعالي المدى الطويل يؤدي الإنفاق العسكري إلى زيادة البطالة، وبالتالي فان تخفيضه سيساهم في الحد من المشاكل التضخمية لأنه يؤدي إلى زيادة الطلب بدون زيادة المبيعات أو الصادرات وبالتالي تعميق مشكلة التضخم ثم عدم فعالية السياسات الانفاقية التوسعية، كما أنه قد يؤدي إلى إطالة الانكماش الاقتصادي.تلعب النفقات العسكرية دوراً كبيراً في زيادة الأسعار، فعبر زيادة الطلب يرتفع مستوى التضخم خاصة إذا ما رافق ذلك عدم قدرة الدولة على الإنتاج لمقابلة الطلب الاستهلاكي المستقبلي مما يؤدي إلى ضعف القاعدة الإنتاجية.
كما تؤدي النفقات العسكرية إلى زيادة الإصدار النقدي للحكومة لمواجهة العجز في الميزانية وبالتالي ارتفاع نسبة التضخم عبر زيادة كمية النقود المتداولة في الاقتصاد. كما تؤدي النفقات العسكرية أيضاً إلى زيادة تكاليف الأيدي العاملة نظراً لقدرة القطاع العسكري على جذب الأيدي العاملة المدربة زيادة تكاليف الإنتاج حيث أن القطاع العسكري يعتمد على عوامل إنتاجية مرتفعة التكاليف كرأس المال والتكنولوجيا المتقدمة.
إن زيادة تكاليف عوامل الإنتاج سوف تزداد بالتالي في الصناعات الأخرى خاصة تلك التي تعاني من انخفاض إنتاجية عوامل الإنتاج سوف تزداد بالتالي في الصناعات الأخرى خاصة تلك التي تعاني من انخفاض إنتاجية عوامل الإنتاج فيها مما يؤدي إلى زيادة أسعارها وبالتالي ارتفاع أسعار منتجاتها على المستهلكين النهائيين، بالإضافة إلى عجز الميزان التجاري، فإن القطاع العسكري يؤدي إلى تحويل كميات كبيرة من رأس المال والموارد الاقتصادية المخصصة للبحث والتنمية من القطاعات المدنية وباتالي إعاقة نموا الإنتاجية على المدى الطويل مما يجعل الاقتصاد أكثر عرضة للضغوط التضخمية.هناك مشاكل رئيسية تواجه الحكومة وهي تبرر الإنفاق العسكري المتزايد التكاليف مع العلم بأن تخفيض هذا الإنفاق سوف يحرر أموالاً كافية تحد من إنقاص المخصصات الضرورية لقطاعات الاقتصاد الأخرى كالتعليم والصحة والتنمية الاجتماعية والتي عانت من انخفاض عائدات النفط .
إن بناء المؤسسات والمنشآت العسكرية المختلفة تحتاج إلى أموال طائلة وعملات صعبة كبيرة وتدريب عسكري متواصل خاصة لدولة غير منتجة للسلاح وتعاني من قلة وتنوع الموارد الاقتصادية.لقد أدى الإنفاق الحكومي المتزايد وبالذات الإنفاق العسكري إلى وضع الدولة في وضع مالي محرج، فقد واجهت الميزانية السنوية ولعشر سنوات مضت عجوزات مالية متزايدية بلغت ما لا يقل عن 70 بليون دولار غطيت عن طريق استنزاف الاحتياطي العام للدولة بحيث انخفض من أعلى مستوى له في عام 1982 "150 بليون دولار" إلى حوالي 50 بليون دولار فقط في عام 1989، ثم جاءت حرب تحرير الكويت فدفعت الحكومة السعودية ما لا يقل عن 40 بليون دولار لقوات التحالف كما إنها اضطرت وبصورة علنية إلى اقتراض ما لا يقل عن 7 بليون دولار من بنوك محلية وأجنبية.
لقد حان الوقت لاعتماد سياسية انفاقية عسكرية متوازنة تأخذ في الاعتبار الموارد الاقتصادية المتاحة للدولة، كما تأخذ في الاعتبار أهمية الإنفاق الحكومي على القطاعات الحيوية الأخرى، بدلاً من إضاعة موارد الدولة في صفقات عسكرية مشبوهة أثبتت الأحداث وخاصة الاحتلال العراقي للكويت عدم فعاليتها في الدفاع عن أرض الوطن.
|
1 – The Economist Intelligence. Unit country report, SAUDI ARABIC: NO.1, 1988 p.11.
2 – Mordechai Abir. (Sudi Security and Military Endeavor) The Jerusalem Qunarterly, Fall 1988 pp.79 – 80.
3 – EIU, country report, profile, 1991 – 92, p. 17.
4 – ruth Leger Sivard, (World Military and Social Expenditures) Wshington, D.C. World Priorities, 1985, pp. 40 – 41.
5 – Mordechai Abir, p 80.
|
|
|
|