|
المملكة أضحت مفرخة إرهاب حقيقي، جاهز للتصدير والتدمير. في سلطنة عمان والمغرب والعراق والكويت والبحرين فضلاً عن أفغانستان والشيشان وغيرهما، يقدم السلفيون السعوديون الدليل تلو الآخر، على أن المملكة ليست مصدراً لفكر العنف، بل ولمقاتليه وقياداته وتمويله أيضاً. ما يحدث سيكون له أثر كبير على علاقات المملكة بجيرانها وعلى المواطن السعودي المتهم في كل مكان.
لا يكاد ينتهي مفعول نفي رسمي حول دور الفكر السلفي السعودي في إنتاج وتعميم العنف خارج الحدود حتى ينبري الضالعون بامتياز فيه لتقديم المزيد من الأدلة القاطعة على الرابطة الوثيقة بين هذا الفكر والظواهر العنفية المحلية والخارجية..
إن البصمة السعودية على العنف في دول الجوار ومناطق عديدة من العالم باتت شديدة الوضوح ولا يمكن لجملة التصريحات الرسمية المتواصلة أن تزيلها أو حتى تخفف من وطأتها.. فقد بات العنف الخارجي منتجاً سعودياً خالصاً.
وفيما تستعد السعودية لاحتضان مؤتمر دولي حول الإرهاب، فإن عناصر سعودية ضالعة في الإرهاب تواصل عملياتها خارج الحدود كما داخلها، تطبيقاً للمثال القائل (حاميها حراميها)، فبينما تناضل خلايا العنف في الداخل لكسر الطوق الأمني، يتم افتتاح جبهة واسعة لنقل عمليات الجماعات المسلحة إلى مناطق أخرى لا تقل من حيث أضرارها وتداعياتها عن عمليات الداخل..
إنها حرب مفتوحة يستطيع عناصر العنف أن يديروا معركتهم بطريقة مختلفة تفوق قدرة الحكومة على المواجهة.
إن الانتشار الواسع النطاق لجماعات العنف الذين يحملون على عاتقهم مهمة (إصلاح الكون) فرض حضوره المدوّي حتى أن الأمير نايف وزير الداخلية بات محاصراً بسيل من الأسماء والحقائق حول حوادث العنف ليس في الداخل فحسب بل وفي دول الجوار، فقوائم الأسماء التي يتم الإعلان عنها في وسائل الإعلام المحلية قبل الأجنبية تضع المسؤول الأمني الأول أمام مسؤولية كبيرة وخطيرة، إذ أن توجيه أصابع الاتهام لجهات خارجية تقوم بتجنيد عناصر محلية للقيام بعمليات إرهابية هي من قبيل نفي التهمة عن الذات ولعبة اللوم التي تحاول الحكومة الخروج منها بأقل الخسائر بعد أن أحاطت نفسها بسوار من نار.
فكلما خبت ظاهرة العنف زادها المنخرطون فيها سعيراً، فلم يعد هناك من هو قادر على إخمادها، فالعنف يفرّخ عناصر جديدة ويغذي ميول التشدد في مناطق كانت آمنة مستقرة قريبة كانت أم بعيدة.
وكأن الثقافة الدينية التي كانت تبث بلا انقطاع طيلة عقود قد أنجبت وبدفعة واحدة كتائب مدججة بمشاعر الانتقام من كل من يحول دون انتشارها، فهي تكتسح من أمامها بالعنف وبقوة السلاح دون اكتراث، فالرسالة الكونية، التي حمّلها علماء الدين هؤلاء الذين يتسللون عبر الحدود تحت جنح الظلام من أجل الوصول بها إلى حيث يجب أن تتحقق الدعوة، كانت مصممة في الأصل لتعميم العنف قبل الحكمة والجهاد قبل الدعوة.. إن الأدبيات الدينية السلفية تنبئ عن ميل موهوم محمّلاً بأعباء مجهدة مضنية لتغيير معتقدات البشر، وإقامة النظام الديني عن طريق القوة الإكراهية، فشعلة الهدايا الموهومة يحملها الدعاة المتحزّمون بأدوات الموت إرضاءً لنزوة الفداء البلهواني لتضيء طريق الندامة وإن تحقق فيه أقصى درجات التضحية.
اليوم كما الأمس كما الغد.. فلا شي يغيّر معادلة العنف، فذات الأفراد وذات الأفكار تشارك في صياغة عالم بجولات عابثة ليس فيها سوى الدم رسولاً بلا رسالة.. فالخائضون في الدم وحدهم يعلمون سر رسالتهم، التي لا يدرك أحد مغزاها ومنتهاها سوى أنها محمّلة بمفردات منزوعة من تاريخ لا صلة له بحاضر ممزق لا يصطلح بالنار وإنما بالنور.
وعلى الضفة الأخرى تقف الحكومة معصوبة الرأس لما أصابها من ذهول الفارين من تحت عباءتها ليوثقوا صلة أراد المسؤول الأمني قطعها. فالبيانات الدينية التحريضية التي تصدر تباعاً من مركز السلطة تبصم بيد الحكومة دماً على تراب الدول القاصية والدانية لتؤكد تورطها في عمليات لم يسعفها الوقت والحظ للتنصل منها أو فك الارتباط بها. فدورة العنف تتسع أفقياً وعمودياً، وتتسع معها أفاق المسكونين بإبلاغ الدعوة لكل فرق ومذاهب وأديان العالم. إن خارطة الدعوة في إطارها الكوني قد أملت على الدعاة انتحال رداء الرسول المبعوث للناس كافة.
لقد بليت بلدان عربية عديدة بالفكر المتشدد، الذي شرعن لغة الدم كوسيلة للتخاطب بين الجماعات.. فقد اتهمت الجزائر في مرات سابقة السعودية بتصديرها للفكر السلفي المحرّض على العنف.. إن انتشار الفكر السلفي المتطرف والإقصائي في الجزائر وقف وراء تلك النزعة الاستئصالية لدى بعض الجماعات التي ارتأت بأن يتم إقرار البديل الديني عن طريق السلاح وتهديد الأمن الاجتماعي والسياسي..
وقد سمح استبداد السلطة وشموليتها لمثل هذا الفكر بالانتشار والترعرع، فهذا الفكر يجد أرضاً خصبة في أجواء سياسية معلولة، ولا مكان له في ظل أجواء الحرية والديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني.
المغرب هي الأخرى كانت منذ سنوات إحدى المناطق المستهدفة لنشر الفكر السلفي المتشدد، وقد أصبحت قبل عدة أشهر ساحة لحوادث عنف تورطت فيها عناصر سلفية قريبة من السعودية.. فالسعوديون الذين صاهروا الشعب المغربي قدّموا مهورهم دما عبيطاً يهرق على بوابات المنشآت المدنية المغربية.. لقد حاز الفكر السلفي على موطأ قدم له في الساحة المغربية بالرغم من حرية التعبير النسبية ومؤسسات المجتمع المدني، وقد جرى استغلال الفقر والحاجة لدى بعض العوائل في المغرب من أجل تجنيد أبنائها في حلقات تنظيمية يتم تأهيلها في وقت لاحق للقيام بعمليات عسكرية داخل الأراضي المغربية.
أما العراق فظل منذ سقوط الصنم ساحة حرب تقودها عناصر سلفية سعودية، فالمتورطون من هذا البلد باتوا يديرون معارك عنفية حصدت أرواح آلاف الأبرياء من الشعب العراقي الذي خرج من دوامة الاستبداد ليعيده الإرهابيون إلى دوامة العنف..
بالأمس حصد طاغية بغداد باسم العروبة الأرواح واليوم يحصد الإرهابيون المتسللون من الخارج باسم الإسلام الرؤوس.. لقد كثر الحاصدون في سواد العراق، وكثر الأوصياء والوكلاء أيضاً!!
وفيما نأى الأردن، ظاهراً عن عدوى العنف، بعد أن هرب منه الرموز والملهمون إلى العراق وأفغانستان وأوروبا، فقد ظل في حالة ترقب دائم من ولادة خلايا سرية تعصف بالاستقرار في هذا البلد، فالأجهزة الأمنية الأردنية تدرك تماماً أين يمكن لمثل هذه الخلايا أن تولد ومن هي العناصر المرشحة للانخراط فيها.. فالمناطق الحدودية كانت دائماً حواضن عالية التأهيل لاستقبال الوافدين من السعودية والمحمّلين بالمال والدعوة، فالأطراف التي تبقى عصيّة على الضبط الأمني تسمح بنشوء بؤر تنظيمية تقوم باستكمال إجراءات التشكل قبل أن تنتقل إلى المدن أو خارج الحدود القريبة.
علاقة أبو مصعب الزرقاوي بتنظيم القاعدة، والعناصر السعودية المتحلقة حوله، ليس سوى النتوء البارز من جبل الثلج، فالعناصر السلفية الأردنية تحتفظ بعلاقات استراتيجية وتنظيمية مع التيار السلفي الجهادي في السعودية.
منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، واجهت الحكومة ضغوطات متعاظمة على المستوى الدولي، وقد أنستها (غزوة منهاتن) الغزوات الأخرى التي كان يديرها الملهمون الدينيون في مناطق أخرى في روسيا والشيشان وباكستان ولا ننسى أفغانستان التي كانت الملتقى الكبير لكتائب المجاهدين المحثوثين بتوجيهات دينية شديدة التفجر فتلك التوجيهات التي تم توظيفها في معركة الجهاد ضد الغزو الشيوعي عادت لتستعمل في معارك أخرى ليس ضد المشركين وأهل الضلال من الأميركيين والأجانب الغربيين فحسب، بل نقلوها إلى بلدان المنشأ، التي هاجر منها المجاهدون.. أما اليوم فإن جبهات المعركة استوعبت دول الجوار أيضاً، مما حدا بالأجهزة الأمنية الخليجية لإعلان حالة الاستنفار القصوى في صفوفها تحسباً للقادم من الجارة.. خلية الزنابير كما وصفها مراقب خليجي.
فمن عمان، حيث بدأت الأجهزة الأمنية بملاحقة بعض العناصر المشبوهة والتي يعتقد بأنها على صلة مع الجماعات السلفية المتطرفة، وكان السلطان قابوس قد منح قوة إضافية للمؤسسة الدينية الأباضية في عمان درءا لتغوّل أو تسلل السلفية حيث يسعى بعض أفرادها للوصول إلى هذا البلد المعروف بمناوئته للوهابية.
البحرين هي الأخرى عانت من تأثيرات التيار العنفي السلفي، منذ اكتشاف خلية سرية في إحدى البيوتات، فضلاً عن الدعوة التي وجهها سعد الفقيه لسنة البحرين للتظاهر ما أثار علماء الدين السنة والتي اعتبروها استغلالاً رخيصاً للحريات النسبية في هذا البلد الخليجي، وهناك نفور عام داخل البحرين من الخطاب السلفي السعودي، على المستويين الشعبي والرسمي، فالبحرين التي تحاول التحرر من ربقة النفوذ السياسي السعودي تنبذ بشدة الشكل الديني للنفوذ.
لقد كانت الإمارات مستعدة لمواجهة اختراق التيار السلفي العنفي خصوصاً وأن بعض أفراد تنظيم القاعدة استعملوا الأراضي الإماراتية لأغراض لوجستية. فليست تلفونات الثريا التي يقتنيها المنضوون في هذا التنظيم للتواصل البعيد عن الرقابة وحدها الرابطة التي يحتفظ بها أعضاء التنظيم مع الإمارات، فهناك التحويلات البنكية واللقاءات السرية التي تقوم بها شبكة القاعدة.
ويبقى للكويت نصيب مر من جارة انطلقت ولادتها العسيرة من أراضيها..
فقد شهدت الكويت مؤخراً سلسلة حوادث عنف ثبت تورط عناصر سلفية سعودية فيها، ولم يكن الكويتيون بحاجة إلى مزيد من الأسباب للإعراب عن انزعاجهم ومقتهم الشديد لمنتجات الثقافة الدينية السعودية، فهم لديهم ما يكفيهم من تأثيراتها في الداخل، ولكن بدخول عنصر العنف فإنهم باتوا أشد مقتاً ليس للثقافة السلفية بل ولكل ما هو سعودي.. نتذكر قبل أشهر قليلة أن الكويت رفضت استقبال مجموعة من رجال الدين السلفيين على أراضيها، وكأنها تحسب لأيام وشيكة قادمة يدخل فيه فكر أولئك حيز التنفيذ في ساحة الكويت.
حوادث السالمية وأم الهيمان وميدان حولي في نهاية شهر يناير الماضي كشفت عن الضلوع المباشر لعناصر سعودية. ورغم أن ملف قضية الشبكة الإرهابية التي تم القبض على بعض أفرادها لم يستكمل بصورة نهائية إلا أن ما تم الإعلان عنه يؤكد ارتباط هذه الخلية بتنظيم القاعدة، وقد أشارت مصادر أمنية كويتية بحسب جريدة الوطن الكويتية في الأول من فبراير إلى (تورط عناصر إرهابية في المملكة العربية السعودية مع التنظيم الإرهابي) وذكرت المصادر (أن المؤشرات تكشف عن تورط شخص سعودي بمثابة المرجع الأعلى لهذه الخلية، وعرف باسم (أبو زياد السعودي) وهو المسؤول عن تمويل خلية الكويت بالأموال التي يتم إيصالها يداً بيد، وكان أبو زياد قد زار الكويت في وقت سابق لإجراء ترتيبات تنظيمية مع خلية الكويت والإعداد لعمليات عسكرية ضد مؤسسات أمنية وعسكرية داخل الكويت. في السياق نفسه، ذكرت جريدة السياسة الكويتية في الأول من فبراير بأنه تم القبض على 13 سعودياً في مسجد في الفحيحيل، ونقلت عن بعض المصادر قولها إنهم قدموا لإسناد خلية الكويت.
ولاشك أن تورط عناصر سلفية سعودية في حوادث العنف الأخيرة قد تسبب في إحراج القيادة السياسية السعودية.
فصورة مواطني هذا البلد باتت أكثر تشويهاً من ذي قبل، فالاقترافات الدموية تلطخ الصورة باللون القاني وتجعل من النظرة إليها أكثر ازدراء.. إن مثل هذه العمليات قد تنشّط الذاكرة التاريخية حيث يحتفظ الكويتيون بذكريات مريرة حول معركتي حمض والجهراء، وقصة سور الكويت التي بُنيت من أجل صد الهجمات الوهابية عليها.
يبقى هناك فارق جوهري في الموقف من العنف بين السعودية والكويت..
إن أجواء الحرية والاصطفاف الشعبي خلف الحكومة في الكويت ساعد كثيراً في تضييق الخناق على النشاط الإرهابي، فكثير من المعلومات التي كانت الأجهزة الأمنية تحصل عليها مستقاة من المواطنين الذين جنّدوا أنفسهم لملاحقة العناصر الإرهابية وإبلاغ الأجهزة الأمنية بكافة المعلومات التي تتوفر لديهم. الصحافة الكويتية، المؤسسات الدستورية، مجلس الأمة، كلها شاركت في الحملة واضطلعت بدور رئيس في محاصرة النشاط الإرهابي.. لا ريب أن حرية الصحافة والأجواء الديمقراطية والروح الوطنية السائدة في الكويت تساهم بدرجة فاعلة في احتواء المشكلات التي تنال من سلامة المواطنين وكرامة الوطن وأمنه، ولذلك فإن رد الفعل التلقائي لدى الشارع الكويتي يكشف بصدق عن الموقف من الإرهاب..
على العكس من ذلك إلى حد كبير، فإن الموقف من العنف في السعودية يختلف، فبالرغم من وقوف الصحافة ووسائل الإعلام ضد ظاهرة العنف إلا أن هذا الموقف يلبي في الغالب إرادة السلطة أكثر من تلبيته لإرادة الشارع، فالعناصر المسلحة تستثمر السخط العام ضد الأوضاع السياسية والعائلة المالكة لاحتضان أو السكوت عن خلايا العنف. بل هناك من يتمنى ويدعو بصمت لتنامي العنف واستمراره من أجل كسر جبروت العائلة المالكة، أضف إلى ذلك انعدام الإحساس بالروح الوطنية الذي يعزل الشارع عن السلطة، ويجعل قضية العنف ظاهرة تهدد استقرار السلطة ولا ينظر إليها على أنها ظاهرة مهددة لأمن الوطن والمواطنين.
في المجمل، فإن السعودية أصبحت في موقف لا تحسد عليه، فما كان تخشاه من القاصين أصبح الدانون يتجرعون مرارته، فقد ضاقت الحلقة حول الجارة الكبيرة، وباتوا، وهم الأقرب إليها، يشددون الرقابة على الحدود معها لدفع ما يتسرب من أفرادها وأفكارها..
مؤتمر مكافحة الإرهاب التي سرقت السعودية فكرته من مصر يشكل محاولة يائسة وأخيرة لإعادة ترميم صورة تزداد تشويهاً.
|
محمد
الهويمل |
|
|