|
ما إن انتهت حرب الخليج الثانية لصالح أمريكا والدول الحليفة معها حتى أخذ الباحثون والمهتمون بشؤون المنطقة يبحثون عن المكاسب التي حققها المنتصر من هذه الحرب، وما مدى تأثيرها وانعكاساتها على قضايا الشرق الأوسط بؤرة التوتر والقلق.
والمؤكد في استراتيجية الولايات المتحدة هو تسخير هذه النتائج بأملها لتحقيق أمن واستقرار (إسرائيل) فمن الواضح أن ميزان القوى العسكرية أصبح لصالح (إسرائيل) والخاسر الأكبر هي القضية الفلسطينية، فلا تحرير لمقدسات مغتصبة ولا مساندة لشعب مضطهد يعيش تحت رحمة رصاصات بني صهيون الحاقدين فانطلقت التصريحات تلو التصريحات من القادة الخونة الذين ينتظرون الفرصة لإعلان ما أخفوه سنين طويلة..
فنطق عبد الله بشارة "أن الفلسطينيين ليسوا دولة وإنما هم شعب" وقطعت المساعدات المالية عن المنظمات الفلسطيني بأنواع العذاب جراء تأييدها لجريمة صدام بغزوه الكويت واتسعت هذه الفجوة لتشمل المستوى الشعبي فيتمنى أحد أبناء الكويت احتلال الأردن ويؤيد قتل الفلسطينيين على يد الصهاينة الغاصبين وكنا نشعر بأن كل هذه الأمور ما هي إلا مقدمة لتحركات أكبر تدور في فلك توجهات السادة الأمريكيين واستجابة لمبادراتهم القاضية بإحلال السلام في الشرق الأوسط والتعايش السلمي مع إسرائيل فجاءت السياسة (السعودية) متماشيةً مع رغبة السيدة الكبرى أمريكا فكانت التصريحات والتحركات (السعودية) معبرة عن ذلك ومما يذكر في هذا المجال..
1ـ بندر بن سلطان سفير (السعودية) في أمريكا عند اجتماعه بمسؤول اللجنة الأمريكية الإسرائيلية صرح "بأن السعودية حريصة على تحسين علاقتها مع إسرائيل".
2ـ خالد بن سلطان في مؤتمر صحفي في القاهرة قال "أنه يأمل بحصول إسرائيل على الأمن والاستقرار وأن جميع الدول العربية تحب السلام..
3ـ نقلت وكالة الصحافة الفرنسية نقلاً عن التلفزيون الصهيوني أن أحد أفراد العائلة (السعودية سيصل إلى القدس الشرقية)..
4ـ نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن أحد المستشارين لتركي بن عبد العزيز (حسين خطاب) أنه يود زيارة إسرائيل والقدس ويرغب في لقاء أي شخصية إسرائيلية ترغب في لقائه..
وإسرائيل من جانبها لم تغفل هذه التصريحات ولم تتركها بدون جواب فاقترحت وأيدت هذه الخطوات المباركة.!!
فها هو موشي أرينز يصرح "أن إسرائيل ستكون سعيدة للتحاور مع السعودية… إذا كان لدى السعوديين أفكار كفيلة بجعل عملية السلام تتقدم فسيكون من المستحسن إبلاغنا إياها مباشرة وسنكون سعداء للتحدث إليهم".
ويقول وزير الزراعة الإسرائيلي "سيكون للمملكة العربية السعودية دور مهيمن في العالم العربي وعلى إسرائيل أن تبدأ في إجراء محادثات مع هذا البلد بمساعدة الولايات المتحدة أو دول أخرى" إن هذه المستجدات تجعلنا نرجع قليلاً إلى الوراء لنلقي نظرة موجزة عن علاقة الحكومة السعودية مع الدول التي تكلفت بحفظ أمن واستقرار دويلة (إسرائيل) ونلقي نظرة على المشاريع الاستسلامية التي تبنتها (السعودية) فنجد حكام (السعودية) وراء القضاء على الحركات الثورية الفلسطينية الرامية إلى تحرير الأراضي الإسلامية المغتصبة ولكنها تسير وفق قاعدة "خطوة خطوة"..
السعودية والدول الحامية لإسرائيل..
في عام 1917م دخلت القوات البريطانية القدس الشرقية واعتبرت بريطانيا هي الدولة الداعية إلى قيام دويلة صهيونية على حساب الشعب الفلسطيني فتوالت الهجرة اليهودية إلى فلسطين تحت نظرها وبمساعدتها وقاسى الشعب الفلسطيني شتى صنوف التعذيب والتشريد على أيد الإنجليز، في هذه الفترة كان (عبد العزيز آل سعود) منشغلاً بتوسعة رقعة مملكته والمحافظة على استمرار الدعم البريطاني له خصوصاً الدعم المالي المقدم على صورة مرتب شهري وهو في أمس الحاجة إليه لذلك فهو "مستعد لبذل ما في وسعه لا لإيجاد أحسن الظروف والفرص لتفاهم دائمي وصداقة وطيدة" كما يقول جون قيلبي، على ذلك كان واضحاً سر اهتمام بريطانيا بابن سعود ومملكته وفي تلك الفترة كانت بريطانيا تقيم ذلك المجهود الذي تقدمه الحكومة (السعودية) لصالحها وصالح اليهود الساعين لقيام دويلة لهم في فلسين فكما يقول جون قيلبي صانع العرش (السعودي) في كتابه أيام عربية "وقد مضى على الحكومة البريطانية نحو من عشر سنوات طويلة بين عامي (1917م، 1927م) وهي مدركة عظمة ابن سعود بالنسبة لها وأهمية آل سعود في هذه المنطقة لمصالحها ومصالح اليهود ومصالح الغرب كله(1).. فلولا الدور (السعودي) الذي أدته على كمل وجه لما وصل بنو صهيون لمقصدهم وهذا ما صرح به (ونستون تشرشل) في لقاءه مع عبد العزيز "أنه شرف عظيم وسرور ما بعده سرور أن أجتمع إلى الرجل الذي برهن حقاً على أنه صديق في الشدة والضيق ولولاه ما وصل اليهود لأدنى حقوقهم" وحينما اشتد أزر بن سعود وأدى المهمة جاء اعترافه بتلك الخدمات البريطانية ".. الحقيقة أن الإنكليز لم يدفعوا لنا إلا اليسير مما تستحقه الأعمال التي قمنا بها أثناء الحرب وبعدها ونحن بيننا وبينهم عهد نحافظ عليه ولو تضررنا في أنفسنا ومصالحنا"(2).
وما إن تقوض الوجود البريطاني من المنطقة وحلّت أمريكا مكانها وتكفلت بحماية (إسرائيل) وتوفير الأمن والاستقرار لها حتى أخذ ساسة البيت الأبيض يقترحون السماح بإدخال أكبر عدد ممكن من اليهود المهاجرين إلى فلسطين"(3) وكذلك تفعل الإدارة الأمريكية بتوفر الأمن اللازم (لإسرائيل) فهذا كارتر وهو يرشح نفسه لرئاسة البيت الأبيض يؤكد استمراره في نهج سلفه "لقد التزمت بقوة وأنا أعلن ترشيحي للبيت الأبيض بأن استمر فيما لو انتخبت رئيساً بتعهد (إسرائيل) بالمساعدة الأمريكية في كل الظروف"(4) على ذلك دخلت (السعودية) تحت الطاعة الأمريكية وأدركت الإدارة الأمريكية أن السعودية بوسعها أن تلعب دوراً له مغزاه في البحث عن الحل للنزاع العربي الإسرائيلي"(5) وكما ينقل سايروس فانس في مذكراته عن زيارة فهد للولايات المتحدة الأمريكية وبعد تأكيد رئيسها له على التزامه الذي لا يتزعزع بأمن (إسرائيل) وحينما يسأل (الملك) فهد عن رأيه يجيب "إن هذه السنة ميمونة للتوصل إلى حل شامل للمشاكل العربية الإسرائيلية"(6) ولم يحدث أن توترت علاقة (السعودية) مع الولايات المتحدة الحامية الأقوى لدويلة (إسرائيل) وحتى بعض المواقف (السعودية) وحتى بعض المواقف (السعودية) والتي تبدو وكأنها مخالفة لسياسة أمريكا فإن ذلك "نوعاً من الخلاف بين الأحباب"(7) كما يعبر عن ذلك فاسيليف مؤلف كتاب العربية السعودية هكذا كانت علاقة (السعودية) مع الدول التي تحمى (إسرائيل) وهكذا كان دورها الذي لا ينسى السعودية والمشاريع الاستسلامية.
ينقل كارتر في مذكراته أن السادات "كان يرغب أن يعلن على الملأ بأنه غير راغب في إيجاد دولة فلسطينية مستقلة وهو يرى أن وجهة النظر هذه مشتركة بينه وبين السعوديين والعرب المعتدلين"(8) هذه مع الحقيقة التي يكتمها (آل سعود) من موفقهم من كامب ديفيد ومن عدم قيام دولة فلسطينية مستقلة فالنظام (السعودي) لا يمتلك أي مشروع جدي يقضي بحل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً بل الاستسلام والتعايش مع (إسرائيل) بسلام هو مشروعهم الوحيد هكذا طرح فهد مشروعه الفاشل في (فاس) كان يحوي هذا المشروع على ثمان نقاط أهمها انسحاب (إسرائيل) من جميع الأراضي العربية التي احتلت عام 1967م بما فيها القدس وإزالة المستعمرات التي أقامتها (إسرائيل) في الأراضي العربية بعد عام 1967م وخضوع الضفة الغريبة وقطاه عزة لفترة انتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة ولمدة لا تزيد عن بضعة أشهر وتأكيد حق دول المنطقة في العيش بسلام ومن ضمنها إسرائيل طبعاً، فقوبل المشروع بالرفض القاطع من قبل دول الرفض (سوريا وليبيا واليمن والجزائر) أما الدول البقية بما فيها الدول الخليجية فقد أيدت المشروع تبعاً (للسعودية) وما حقيقة هذا المشروع إلا دفع أمريكي لإشاعة روح الانهزام والتخاذل عن المطالبة بالحقوق المشروعة للمسلمين وخصوصاً الشعب الفلسطينية، وهنا نذكر بعض الملاحظات على هذا الطرح (السعودي)
1ـ بالتدقيق في بنود المشروع يلاحظ عليه أنه جاء موافق لمشروع كامب ديفيد الخياني.
2 ـ يؤكد المشروع على حق
التعايش لجميع الدول بسلام بما فيهم (إسرائيل).
3ـ طرح المشروع في الوقت الذي لا تزال (إسرائيل) تكرر الاعتداءات على الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني..
4ـ حقق المشروع نجاحاً لخروج إسرائيل من العزلة السياسية
5ـ أعطى تنازلاً من طرف واحد دون التنازل قيد أنملة من قبل (إسرائيل)
وفي هذا اليوم لا نحتاج لإثبات الدور (السعودي) في إقرار أمن (إسرائيل) والاعتراف بها لأن ما يحدث ونراه كافٍ لذلك إلا أن ذلك يعطينا بوضوح مدى تغلغل وتأصل الدور (السعودي) في خيانة القضية الفلسطينية ويذكرنا بقول والدهم عبد العزيز" لو أطاعوني أهل فلسطين لاتخذوا المطالبة بالطرق السلمية الوسيلة الوحيدة لمطالبهم".
السعودية والقضاء على التحركات الثورية الفلسطينية في مواجهة الثورات الفلسطينية كان موقف (السعودية) بين أمرين:
الأول:
السكوت والتجاهل لما يجري وذلك حينما كانت الغلبة للمحتل وهذا ما حدث لثورات 1929م، و 1933م، و 1935م.
الثاني:
التدخل السريع لإطفاء الثورة وذلك بعقد اللقاءات مع قادة الثورات وإرسال النداءات التي تحث على السكينة وبعدة ذرائع تشمل حقن الدماء والمحافظة على الوطن ولا تكتفي (السعودية) بالعمل بنفسها بل تشرك معها ملوك العرب وذلك لطمئنة الثائرين وأخذ قسط من المسؤولية فيما لو حدث خلاف ما يتوقعه وهذا فعلاً ما حدث في ثورة عام 1936م حينما أرسل عبد العزيز نداءه الموقع بملوك العرب وخاطب الثائرين قائلاً "ندعوكم للإخلاد إلى السكينة وإيقاف الإضراب حقناً للدماء، معتمدين على الله وحسن نوايا صديقتنا بريطانيا…"(9) وكان لأبناء عبد العزيز (فيصل وسعود) أكبر الأثر في إحباط تلك الثورة المباركة فمبادرة عبد العزيز هدفت إلى بث روح الانهزام عند المجاهدين وإحداث انقسام في صفوفهم ومن ثم تم إخماد الثورة وهذا ما تم (لابن سعود) في تلك الفترة وهكذا اليوم فإن (السعودية) تسعى لإخماد كل التحركات الثورية والانتفاضات الفلسطينية اعتمادً على حسن نوايا الصديقة أمريكا ـ إلا أن الفارق هو وعي الجماهير فلا يمكن (للسعودية) خدعهم وعرفوا بأن الحق يأخذ ولا يعطى خصوصاً بعد أن وجد أهل القضية في الإسلام الذي لا يقبل الجلوس مع الصهاينة للتنازل..
سر اهتمام (السعودية) بالقضية الفلسطينية:
بقى أن نعرف ما هي أهداف حكام (السعودية من وراء الاهتمام بهذه القضية فنذكر عاملين جعلا النظام (السعودي) يتحرك باتجاه هذه القضية..
1ـ بما أن (السعودية) قد تلبست باسم الإسلام فلا يناسبها أن تتخلى عن أهم قضية في حياة المسلمين وهي قضية الأراضي الإسلامية المغتصبة فإذا لم تتظاهر بالاهتمام بالقضية فأنها ستفقد سمعتها مما قد يسبب لها مشاكل داخلية وخارجية وفي هذا المجال .
يذكر مؤلف كتاب العربية السعودية أن "التناقض كان يمزق سياسة الرياض حيال النزاع العربي الإسرائيلي فإن الولاء للولايات المتحدة حامية إسرائيل يتنافى مع طموح الرياض إلى لعب دور زعيم العالم العربي (وحامي الحرمين)"( 10).
2ـ طبيعة الدور الموكل (للسعودية) من قبل الدول الكبرى المساندة (لإسرائيل) حيث أوكل (للسعودية) بث روح الاستسلام والخنوع والقبول بشروط الذلة وطبيعة هذا الدور يقتضى أن تمارس (السعودية) شيء، من الجاذبية في قضية فلسطين وهذا ما يؤكده وزير خارجية أمريكا السابق (كوردهل) ولا بد أن يدرك اليهود بمعنى الوجود الأمريكي في السعودية لدفعهم إلى الأمام ومدهم بالبترول وبالعون المادي باستراتيجية الحماية الممتازة وبالاستفادة من الشيخ (السعودي) بإقناع العرب والمسلمين بطرق مباشرة وغير مباشرة بإمكانية اتساع رقعة فلسطين لليهود".
وما أحسن ما قاله الدكتور أمين الشنطي في رسالته للإمام الخميني (قده) حينما قال "إن الفلسطيني العربي المسلم يحرم عليه دخول دول البترول أما الإفرنجي إذا كان أوروبياً فبإمكانه أن يدخل أي بقعة من الأراضي التي يحكمها العملاء"(11).
وخلاصة القول فإن التمهيدات التي تجرى الآن على الأرض من أجل قبول العالم العربي والإسلامي سوف تبدأ من (السعودية) ولكن بنحو لا يريدونه أن يثير الرأي العام الإسلامي وبعد ذلك تسلك خطوة أكبر من التعامل مع (إسرائيل) من هنا جاءت الإشارات للتنبيه على الدور المشبوه الذي تمارسه السلطات (السعودية) في شأن القضية الفلسطينية.
|