دور العائلة الحاكمة السعودية بين الإرهاب
واحتمال تقسيم البلاد  

 

       ناجي حسن عبد الرزاق: يعاني الحكم في العربية السعودية من خلل عميق في مكوّناته الجذرية الداعمة لوجوده الحالي. بكلام آخر، هذا الخلل يعبر عن مكوّنات بنيوية متهالكة في نظام الحكم ومؤسساته. وأهم مكوّناته هذه هي الطابع التسلطي والاستبدادي في الحكم.
لا يمكن لهكذا حكم إلا أن ينتج تشكلات سياسية ودينية واجتماعية متسلطة ومستبدة تعزز تسلط واستبداد النظام السياسي. وبالتالي على الأغلب سوف تعمل هذه التشكلات وبمرور الزمن على إنهاء وجودها عبر توليد نقائضها. لا يساورنا شك في أن المشكلات السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي تنخر الدولة السعودية اليوم برزت كنتائج لتهالك بنية نظام الحكم ومؤسساته حتى لو حاول تبرير عيوبه وترقيعها ببعض الإجراءات الشكلية لإطالة عمره .
ومن أبرز وأخطر هذه المشكلات الماثلة الآن التطرف الأيديولوجي الوهابي. لقد صنع هذا التطرف الأيديولوجي الوهابي مواطنين كأسامة بن لادن، فساهموا بثقل في تأسيس تنظيم القاعدة ومهاجمة الولايا المتحدة في عقر دارها. ولأن الوهابية تشكل عصب نظام الحكم السعودي أيديولوجيا، فإن مشكلات أخرى سوف تظهر لتعمل على إعاقة فاعلية أجهزة الدولة السعودية أمام التحديات التي تفرضها عليها مختلف الأحداث التي تفرزها آلية حكم العائلة الحاكمة السعودية. إن تزايد المشكلات قد لا يمكّن العائلة الحاكمة في ظل تمسكها ببُناها الأيديولوجية القديمة من اتخاذ القرارات الصائبة وذات التأثيرات الصحيحة استراتيجيا. وعليه لابد أن نتساءل حول مدى قدرة العائلة الحاكمة على إدارة أزماتها المختلفة الحالية ومنها أزمتها الأمنية مع تنظيم القاعدة الذي هو الجانب الطافي من الجذر الوهابي المتشدد. فهل سوف تصبح العائلة الحاكمة عاجزة عن تطبيق الحلول الصحيحة المختلفة لمجمل القضايا العالقة داخليا بما في ذلك قضية التوافق بين الديمقراطية من جهة والأمن والوهابية من جهة أخرى؟ فهل هذا العجز سوف يقود البلاد إلى

 المزيد من التسلط والاستبداد في الحكم؟
 المزيد من الإرهاب؟
 المزيد من العجز عن ضبط تسلل الإرهابيين من وإلى السعودية؟
 المزيد من احتمال التقسيم؟
 التسلط والاستبداد السياسي في الحكم:
العربية السعودية كيان يستمد قوته وتسلطه واستبداده من قوة النفط والوهابية. والعائلة الحاكمة تدرك جيدا أنها بلا نفط ولا وهابية لن تكون متسلطة ولا مستبدة. ولهذا السبب تمارس هذه العائلة التسلط السياسي على جميع القرارات، وبالنتيجة يتحول القرار الوطني إلى مجرد قرار عائلة بعيد كل البعد عن قرارات ممثلي المواطنين. إنه ببساطة تهميش لمن سُمّوا مواطنون سعوديون. غيّب هذا التهميش عبر الزمن الشعور الوطني لدى المواطنين. بل جرى إعادة صياغة معنى الوطن والوطنية على أساس الولاء لعائلة آل سعود. فتحول مفهوم الوطن والمواطن إلى وجود قبلي «السعودية - سعودي» والوطنية إلى ولاء لقبيلة «آل سعود». فصار الوطن والوطنية مجرد شعار يتكرر في الإعلام الرسمي ولكن بلا معنى جوهري داخل كل مواطن.
كما صارت الحكومة السعودية انعكاسا لما تقبله أو ترفضه العائلة الحاكمة السعودية. وبالتالي ما ترفضه هذه الحكومة أو تقبله هو في الواقع يمثل إرادة آل سعود الحاكمين الفعليين ولا يمثل إرادة مستقلة للوزراء من غير آل سعود «إن كانت لهم إرادة مستقلة في الأساس». ومع ذلك يزعم الحكام السعوديون أنهم عادلون ويقبلهم المواطنون، وبنفس الوقت يعيش المواطنون مهمّشين ومعزولين عن القرارات التي تهم مصيرهم في وطنهم.
العدالة من وجهة نظر العائلة الحاكمة السعودية هي أن تبقى مصالح المواطنين مرهونة بقرارات أمراء العائلة لا بقرارات الممثلين الحقيقيين لهؤلاء المواطنين .
وعليه لا تلتفت العائلة الحاكمة لتكاثر صرخات المطالبين بالإصلاح السياسي. فهي ثابتة في مكانها وكأن هذه الصرخات لا تعنيها. بل آثرت تضليل الرأي العام عبر وسائلها الإعلامية وعبر مؤسستها الدينية الوهابية التي استماتت وهي تحاول تبرير الإجراءات التي تتخذها الحكومة السعودية أو آل سعود ضد المطالبين بالإصلاح الحقيقي الذين زُجّ ببعضهم في المعتقلات بدون محاكمات عادلة وعلنية، وعلى رأسهم قادة الإصلاح الدستوري الدكتور الفالح والحامد والشاعر الدميني. أما انتخابات المجالس البلدية التي نصفها معيّن فجرى تهميش المرأة فيها تماما. ومع ذلك تستثمر العائلة الحاكمة الانتخابات من أجل تحسين صورتها داخليا وخارجيا بعد أن بدت السعودية دولة رافضة لأي توجه إصلاحي أو ديمقراطي .
تتحدث آراء سياسية عن ظاهرة تهميش المواطنين في البلدان غير الديمقراطية كعامل من عوامل خلق بيئة عنف. فالمهمشون سياسياً لا تتوفر لهم الفرصة للتمثيل السياسي أو تفويض الآخرين للتعبير عن مصالحهم. فالتهميش الذي تمارسه الدولة ضد مواطنيها يرتبط بإسقاط الصفة القانونية عن المهمشين لتصبح علاقاتهم مع نظام الحكم موسومة بالعداء وعدم الثقة والخروج على القانون والشرعية[1] . والتهميش يقتضي القمع كوسيلة غير ديمقراطية «كما يحدث في السعودية». ما يعني أن حالة التهميش تتضاعف فيتضاعف العنف الذي يبرر زيادة القمع الرسمي فتتحول الدولة إلى وضع غير مسيطر عليه ضمن دائرة العنف والعنف المضاد.
من غير شك أن تهميش المواطنين عن المشاركة السياسية واتخاذ القرارات الوطنية نتيجة حتمية للنظام السياسي للدولة الريعية. وهذا ما ينطبق على الدول النفطية الخليجية قبل 11 سبتمبر 2001م، لاسيما العربية السعودية. فهيمنة الدولة «العائلات الحاكمة الخليجية» على ريع النفط جعل منها دول تسلطية تتميز بعدد من الخصائص بحسب أحد التحليلات السياسية الاجتماعية :

1-السعي لتحقيق الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع لمصلحة النخبة الحاكمة.
2-اختراق النظام الاقتصادي وإلحاقه بالدولة عن طريق توسيع القطاع العام والهيمنة البيروقراطية الكاملة للدولة على الحياة الاقتصادية أو إلى ما يسمى برأسمالية الدولة.
. 3-استخدام العنف والإرهاب لبسط شرعية الدولة

ولهذا هناك سمات يتسم بها نظامها السياسي :
.- عدم وجود انتخابات لها معنى أو عدم وجودها إطلاقاً
.- عدم وجود تنظيمات مجتمعية مستقلة عن الدولة كالأحزاب والنقابات والمنظمات المهنية
.- الوصول للسلطة بطرق غير انتخابية أو ديمقراطية
.- الدساتير ملغاة أو معلقة أو غير معمول بها
.- الحقوق المدنية ملغاة أو مجمدة اعتباطيا
.- نسبة عالية من الإنفاق على العسكرة وأجهزة القمع الأمنية
.- استخدام الجيوش لأغراض الأمن الداخلي[2]
إلا أن دول الخليج العربي كدول ريعية أعادت ترتيب نفسها سياسيا واقتصاديا بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية في الولايات المتحدة. فبدأت بتغيير نفسها محاولة منها التكيف مع المستجدات العالمية المابعد سبتمبرية. فبدأت بإصلاحات ديمقراطية خففت من غلواء تسلط واستبداد العائلات الحاكمة. ويُستثنى من هذه الدول السعودية التي آثرت عائلة آل سعود الاستمرار في غلوائها التسلطي والاستبدادي بإصرارها على نهجها السياسي القديم الذي حددت معالمه عموما الخصائص والسمات السابقة للدولة التسلطية .
لاشك أن إصرار العائلة الحاكمة السعودية على عدم إعادة ترتيب نفسها بما يتناسب مع التحول السياسي والاقتصادي الديمقراطي سوف يضر بالمصالح الوطنية داخليا وخارجياً. ففي الداخل تضطر العائلة الحاكمة لاستخدام القبضة الحديدة كوسيلة لإحكام الأمن من الانفلات. إلا أن القمع يدفع الأمن للانفلات على عكس الافتراض القائل بأن تشديد القبضة الأمنية سوف يبقي الوضع الداخلي مستقرا وآمنا. لقد راهنت العائلة الحاكمة كثيرا على استخدام القبضة الحديدة الأمنية والدينية لحفظ الأمن الداخلي طوال السنوات السابقة. إلا أن الزمن قد أماط اللثام عن خطأ هذا الرهان الذي لم يؤسس إلا بيئة حاضنة للعنف والإرهاب أنتجت أفراد شاركوا في هجمات 11 سبتمبر كما شارك غيرهم في أعمال إرهابية أخرى في أماكن مختلفة من العالم مثل العراق والكويت. ففي المناخ القمعي الذي راهنت عليه العائلة الحاكمة تشكل الخطاب الأصولي والمتطرف. بل صار هذا الخطاب أكثر استحسانا لدى غالبية الفئات المقموعة حتى ولو لم تعلن عن استحسانها له. وهذا ما يفسر لنا أحياناً وجود عدد كبير من المتعاطفين مع أسامة بن لادن وجماعات العنف السعوديين في العربية السعودية برغم تهديدات أمراء في العائلة الحاكمة لهؤلاء المتعاطفين باعتبارهم شركاء مع الإرهابيين. إن التعاطف مع تنظيم القاعدة بين السعوديين صار حقيقة ولا مجال لإنكارها. لقد توصلت إلى هذه الحقيقة المخابرات السعودية في استطلاع أجرته قبل أسابيع فقط من أحداث 11 من سبتمبر. فقد وجد في منتصف أكتوبر 2001م أن التأييد لابن لادن قد بلغ 95% بين الفئتين العمريتين 24 و40 سنة من خريجي الجامعات[3] . وربما يكون سبب تعاطف بعض هؤلاء ليس حبا في جماعات العنف أو أسامة بن لادن وإنما كرهاً للنظام السياسي السعودي الذي تقوده العائلة الحاكمة والتي لم تتوقف يوما عن ممارسة الفساد والتسلط على المواطنين منذ نشوء الدولة السعودية حتى اليوم .
إن مشكلة المشاكل في العربية السعودية هي احتكار اتخاذ القرار والتسلط والحكم المطلق للعائلة الحاكمة. بالطبع لا تريد العائلة الحاكمة في السعودية أن تفقد تحكمها في اتخاذ القرار لأنه يمكّنها من الاحتفاظ بامتيازاتها ومصالحها الضخمة في داخل البلاد وخارجها. ولهذا تعاني الحكومة السعودية الآن ارتباكاً في معالجتها للمشكلات الداخلية وفي رؤيتها للوضع العالمي والإقليمي وعلاقته بالوضع الداخلي برغم تجنيدها لكل طاقاتها المخابراتية والأمنية والدبلوماسية والعقائدية والإعلامية .
الأستاذ محمد سعيد الطيبان الطبيعة التسلطية والاستبدادية في بنية حكم العائلة الحاكمة السعودية ترجح احجامها عن الشروع في تغييرات ديمقراطية حقيقية وشاملة في المستقبل المنظور في العربية السعودية. أما التغييرات التي تحاول هذه العائلة القيام بها الآن فمحدودة وسطحية جدا فضلا عن بطئها الذي لا يتناسب مع سرعة اتساع الكراهية بين المواطنين ضد العائلة الحاكمة المستبدة وبالتالي زيادة احتمال حجم المتعاطفين مع تنظيم القاعدة في السعودية كرد فعل لهذا الاستبداد. ومع ذلك تتم هذه التغييرات تحت تهديد الإجراءات الأمنية المشددة وعلى أساس القبضة الحديدة. لقد أعاقت هذه الإجراءات وبشكل ملحوظ عقد نشاطات أهلية لنشر الثقافة الانتخابية في المناطق المختلفة إلا ضمن المضلة الرسمية. كما قامت الأجهزة الأمنية السعودية أيضا بمنع أية تجمعات أهلية تعنى بالشأن العام، كالتجمع الأهلي الذي يستضيفه محمد سعيد الطيب في منزله في جده وأمثاله في الإحساء والدمام والقطيف.
فإذا كانت هذه النشاطات على بساطتها ومحدودية أهدافها غير مسموح بها، فكيف يمكن تصور أن يكون موقف العائلة الحاكمة من النشاطات الأهلية ذات التطلعات السياسية الواضحة والمعلنة. ما ترمي إليه العائلة الحاكمة من إجراءاتها الأمنية ضد الأنشطة الأهلية المستقلة عن سلطتها هو وقف أو إبطاء مجريات التغيير الشعبي المتجهة نحو دمقرطة المجتمع. لذلك ضاعفت وزارة الداخلية من نشاطاتها التجسسية على المواطنين وملاحقتهم أمنيا والتضييق عليهم في أنشطتهم الأهلية وفرض مظاهر أمنية بهدف التخويف وإبلاغ رسالة للمواطنين بأن الأجهزة الأمنية مستيقظة وهي على وضعها المعهود الذي لم تغيره أعمال العنف الأخيرة ولا مطالبات المعارضة في لندن أو واشنطن أو حتى مطالب وجهها اصلاحيون في الداخل للأمراء السعوديين.
في ظل هذا الهاجس الأمني المسيطر على ذهن الحاكم السعودي والذي تغذيه وزارة الداخلية في الأساس، سوف يزيد من ضيق الخيارات السعودية كلما مرّ الزمن. فعنق الزجاجة على العائلة الحاكمة يضيق بينما هي تركن بشدّة للحلول الأمنية غير مبالية كثيراً بالحلول الأخرى الصحيحة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية.
الحل الأمني كمنطلق أساسي لإحكام السيطرة على الوضع الداخلي السعودي لن يوقف، على الأغلب، أفراد تنظيم القاعدة في السعودية عن تكرار هجماتهم ضد المقرات الحكومية أو الأجنبية وأفراد العائلة الحاكمة. في الواقع أن استمرار هذه العائلة بإتباع القبضة الحديدة لإحكام الأمن الداخلي والتغافل عن الحلول الجذرية للمشكلات الملحة الداخلية هو ضرب من التيه يزج بالبلاد عمليا نحو أتون الفوضى والهلاك.
هل سيفرض تنظيم القاعدة نموذجه في السعودية؟
عندما تفشل الوسائل السلمية في تغيير الأوضاع المحتقنة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، تصبح الوسائل العنفية والإرهاب أقرب إلى الخيار الأول أو تكون سيدة الموقف. والعائلة الحاكمة حتى هذه الساعة ترفض بشدة إعطاء حرية لأية جماعة أو أفراد بالتعبير السلمي عن آرائهم السياسية لإحداث التغييرات المطلوبة شعبيا والتخفيف من حدّة الاحتقانات السياسية. ولهذا السبب قادت المعارضة «السعودية» في لندن وواشنطن منذ زمن حملة قوية ضد الحكم السعودي لكشف استغلاله للسلطة
واستحواذه عليها بالقمع ومصادرة الحريات والإبقاء على الفساد الواسع الذي يقوده أمراء متنفذين في السلطة.
المعارض السعودي سعد الفقيهما تقوم به المعارضة السياسية في الخارج «لندن وواشنطن» يثير دويا غير مرغوب فيه سعوديا. وقد زاد ضجيج هذا الدوي بعد أن بدأ الدكتور سعد الفقيه دعوة المواطنين للتظاهر والاعتصام أمام المساجد عبر محطة تلفزيون الحركة الإسلامية للإصلاح. وسوف تكون أذن العائلة الحاكمة أكثر انزعاجاً بعد أن تبدأ إذاعة الحرية بالبث والتي يديرها علي الأحمد. بل أن المواقع الإلكترونية المعارضة لنظام الحكم السعودي «شؤون سعودية - الحجاز - دولة الحجاز - دولة نجد الحرة - دولة عسير - دولة الإحساء والقطيف - التجديد الإسلامي وغيرها» تزيد من ارتباك الحكومة السعودية التي تعتبر هذه المواقع إشارة مزعجة جدا لخطورة أنشطة المعارضة الخارجية بامتلاكها وسائل إعلامية يصل مدى تأثيرها لكثير من المواطنين في شبه الجزيرة العربية وبدون أن يكون للعائلة الحاكمة تأثير مضاد يمنع هذه الوسائل أو يوقفها عن العمل بشكل دائم. وبرغم أن التأثير الإعلامي للمعارضة لم يصل داخليا بعد للنقطة المطلوبة لتحريك الشارع بطريقة أكثر فاعلية وضغطاً على نظام الحكم، إلا أنه إعلام لا تريد العائلة الحاكمة
أن يسمعه أو يراه أو يقرأه المواطنون. لهذا أعطت وزارة الداخلية بالتنسيق مع دوائر أمنية سعودية أخرى الأوامر لتتولى مدينة الملك عبد العزيز مهمة حجب مواقع المعارضة على شبكة الانترنت، كما أوعزت لوسائل إعلامها لتشويه إعلام المعارضة السياسية. فجرى التشكيك في وطنية خطاب المعهد السعودي بواشنطن واتهامه بالعمالة للولايات المتحدة الأمريكية. وجرى اتهام الحركة الإسلامية للإصلاح باعتبارها الغطاء السياسي للقاعدة وخصوصاً بعد تصريحات بن لادن حول تركيز الضربات على الأمراء ومصادر النفط في الخليج والجزيرة العربية والتي جاءت متزامنة تقريبا مع دعوات الفقيه للتظاهر والاعتصام.
تنشط أجهزة المخابرات السعودية وبقية أجهزتها الأمنية والدبلوماسية الأخرى لوقف نشاطات المعارضة السلمية وإسكات صوت المعارضة الخارجية بأي ثمن. فالمحاولة للتشويش على محطة الحركة الإسلامية للإصلاح التلفزيونية والإذاعية أو حتى وقفها يندرج ضمن سياق هذه النشاطات. بل لا تتردد الحكومة السعودية عن القيام بأعمال إرهابية ضد معارضيها في الخارج كما كان نظام صدام حسين البائد يفعل بالمعارضين العراقيين. ومؤخراً أعلن مشعل المطيري «وهو مسؤول الأمن السابق في السفارة السعودية في لاهاي» لوكالة فرانس برس أن ثلاثة رجال هاجموه مع عائلته أمام منزله في لاهاي، موضحا أن مهاجميه كانوا مجموعة محسوبة علي السفارة السعودية في هولندا[4] وقد سبقه في ذلك المناضل ناصر السعيد الذي اختطف من بيروت بالتنسيق مع سفارة السعودية في لبنان والدكتور الفقيه الذي تعرض لمحاولة اعتداء أيضا في منزله من قِبل عناصر اعتبرت ذات صلة بالسفارة السعودية في لندن التي تتلقى التعليمات من السفير السعودي الأمير تركي الفيصل المسئول الأول السابق في المخابرات السعودية .
اعتقال أحد المتظاهرين في المظاهرات التي دعا إليها المعارض السعودي سعد الفقيه داخليا، تم إيقاف المطالبين بالإصلاح لنهج الحكم السعودي ومحاكمتهم صورياً وبطريقة مخالفة للأعراف الحقوقية الدولية. وجرت محاكمة 15 متظاهراً بينهم امرأة محاكمات صورية في جدة تفتقد لأصول المحاكمات القانونية العادلة التي نصّت عليها الشريعة الإسلامية كما يفسرها غير الوهابيين، والتشريعات الحقوقية العالمية .
فحكم عليهم أحكاما تضمنت السجن من شهر إلى ستة أشهر مع التعهد بعدم تكرار ما قاموا به والجلد من «100-250» جلدة بحسب نوع المشاركة والإدانة وبحسب تراجع المتهم عما بدر منه وإقراره بخطئه[5] . وقد أدانت منظمة هيومان رايتس ووتش في بيان صحفي لها صدر مؤخراً «يناير / كانون الثاني 2005» هذه الأحكام وطالبت الحكومة السعودية بإيقاف هذه الأحكام فورا. كما بدأت حملة أمنية طالت معارضين سياسيين سابقين من القوى الوطنية بمن فيهم القوى السياسية الشيعية في المنطقة الشرقية. فقد جرى سحب جوازات سفر بعض المعارضين السابقين، وضُيّق على بعضهم الآخر تضييقا شديدا كلما أرادوا الخروج من الحدود السعودية .
في الوقت نفسه لا تعترف العائلة الحاكمة السعودية على ما يبدو بمقدار حاجة العالم إلى نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط من أجل مكافحة الأفكار والأفعال الإرهابية المتتابعة والتي تعتبر العربية السعودية المنبع والمنطلق الأساسي لهذه الأفكار والأفعال. فالعراق والكويت اليوم تعانيان الكثير من السعوديين الذين يتوجهون من السعودية للقيام بأعمال إرهابية في الكويت والعراق .
ومع ذلك تحجم الحكومة السعودية عن أية إجراءات ضد الوهابيين الذين أفتوا بالجهاد في العراق. وبالتالي ليس من المستبعد أن يكون الهدف من هذا الإحجام إعطاء الضوء الأخضر العقائدي الذي يسمح للإرهابيين السعوديين بالخروج من السعودية ودخول العراق أو غير العراق للقيام بأعمال إرهابية لتجنيب الساحة السعودية أية أخطار إرهابية يتسبب بها هؤلاء. لكن المشكلة الآن بدأت ترتد على العائلة الحاكمة نفسها بعد أن بدأ بعض هؤلاء الإرهابيين بالعودة للسعودية ليباشروا مع آخرين موجودين في الداخل أعمال العنف المرشحة للاستمرار والتزايد خلال الفترة القادمة إذا ما استمرت هذه العائلة في تجاهلها رغبة المواطنين في إصلاحات ديمقراطية حقيقية تطال العائلة نفسها .

يتبـــع