مراحل سقوط النظام السعودي في دائرة النفوذ الأمريكي 

 

 1 ـ الخلفية العامة للنظام الدولي والإقليمي
2 ـ التنافس البريطاني ـ الأمريكي حول النفط في الجزيرة
3 ـ التنافس البريطاني ـ الأمريكي للهيمنة على الجزيرة

  
توطئــــــة
         الحديث عن مراحل سقوط النظام السعودي في دائرة النفوذ الأمريكي في حقيقته حديث عن تطور الهيمنة الغربية الحديثة على المنطقة بشكل عام، حيث سنلاحظ من خلال تتبع مفردات حركة تطور هذه المراحل أنّ الاهتمام الغربي وخاصة الأمريكي لم يكن منفصلاً عن مجمل الحركة السياسية في المنطقة والتطورات التي حدثت نتيجة المواجهات الغربية لتثبيت (المصالح) التي أوجدها تطور النظام الرأسمالي وظهور الثورة البلشفية في روسيا ثم تراجع الإتحاد السوفيتي الذي أوجدته هذه الثورة فيما بعد عن شعارات هذه الثورة وما أعقبه من انحسار التواجد الشيوعي عن المنطقة كما أنّ الحديث عن سقوط النظام السعودي في دائرة النفوذ الأمريكي يقودنا ولو على سبيل الإجمال إلى بيان التغيير الذي أصاب البنية الاجتماعية لشعب الجزيرة، هذا التغيير الذي يمكن رصده على حساب التراجع في التطور التاريخي على الأقل في مسيرة الشعوب في الحالات العادية التي تتطور بها الشعوب دون مؤثر خارجي.
لهذا يرى الكثير من المراقبين الاجتماعيين أنّ وجود الثروات الهائلة في الجزيرة والتي من المفترض أنّ تؤدي إلى الإسراع في تجاوز المعوقات التي تقف في طريق تطور شعوب المنطقة أصبحت هذه الثروات العقبة الكبرى في هذا التطور لأنّها استخدمت سلاحاً بيد سلطة أميّة لا تعرف غير التبعية السياسيةً ولا تعرف غير السيف عاملاً حاسماً في حل أبسط مشكلة سياسية أو اجتماعية.
ولطمع الغرب المستعمر بهذه الثروات ولاستعداد الأنظمة الحاكمة للتفريط بهذه الثروات لصالح الدول الغربية المستعمرة تعهدت هذه الدول بحماية هذه الأنظمة وبمدّها بالوسائل والإمكانات التي تستطيع بها قمع شعوبها.
كما أنّ معرفة كنه العلاقة بين النظام السعودي والولايات المتحدة يظهر لنا نفاق الغرب من خلال التناقض بين ما يدعيه برغبته في تطوير الشعوب الفقيرة وإشاعة الديمقراطية في الوقت الذي يدعم أنظمة دكتاتورية كالنظام السعودي الذي يحمل كل مساوئ الأنظمة الدكتاتورية في العالم.
كما أنّ الباحث في هذا الموضوع يصاب بهلع قبل أنّ يصاب بالقرف من رؤية استعداد
بني سعود في تقديم كل ثوابت شعب الجزيرة المسلم التاريخية الدينية والاجتماعية والعرفية بسخاء على طريق تنفيذ سياسة الولايات المتحدة الأميركية رغم أنّ الباحث لا يرصد ولو على سبيل ذر الرماد في العيون موقفاً يُشعر أنّ الإدارات الأمريكية تصرّفت تصرفاً ينم عن احترام لهذا النظام ورموزه، وإنّما على العكس فإنّ طابع الإذلال والاحتقار هو السائد في علاقة الإدارات الأمريكية مع النظام السعودي .
الخلفية العامة للنظام الدولي والإقليمي
قبل الخوض في مراحل سقوط النظام السعودي في دائرة النفوذ الأمريكي لا بد لنا من وقفة ولو قصيرة على الخلفية العامة للنظام الدولي والإقليمي لمعرفة نوعية التنافس الغربي للسيطرة على المنطقة التي تعتبر أكثر المناطق في العالم حيوية بالنسبة (لمصالح) الدول الغربية الاستعمارية.
1ـ الخلفية العامة للنظام الدولي
كانت بريطانيا وفرنسا اعتباراً من النصف الثاني للقرن التاسع عشر الميلادي هي التي تمتلك المبادرة في اتخاذ القرارات الدولية والتي كانت تنبع من سياستهما الاستعمارية. ونتيجة لوقوع منطقة الجزيرة والخليج على طرق المواصلات التي توصلها بمستعمراتها في الهند نجد أنّ بريطانيا أبدت اهتماماً كبيراً في السيطرة على هذه المنطقة التي كانت رسمياً تحت نفوذ الدولة العثمانية التي أخذت تتآكل بفعل العوامل التاريخية والاجتماعية وطبيعة الحكم الدكتاتوري وللصراع التاريخي بين الكنيسة وأنصارها وبين المسلمين أنظمةً وشعوباً.
لذلك فقد كانت بريطانيا وفرنسا تنتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على الرجل المريض واقتسام ممتلكاته الثمينة: كما أنّ روسيا كانت لها أطماعها في الدولة العثمانية وكانت بريطانيا والدول الأوروبية تظهر أنها تقف مع الدولة العثمانية في وجه الأطماع الروسية في حين أنّ بريطانيا وفرنسا في حقيقة الأمر ترغب في إضعاف هذه الدولة، لذلك نجد أنّ بريطانيا لم تعترض على روسيا عندما وصلت قواتها إلى سواحل مرمرة في 28 يناير 1878 م، فالسلطان عبد الحميد كان يعتقد أنّ بريطانيا ستهب لنجدته تجاه الأطماع الروسية وقد توضحت مطامعها بصورة جليَّة عندما رفضت معاهدة (سان ستيفانو) التي وقعت في 3 آذار عام 1878 م بين روسيا والدولة العثمانية إلاّ بعد أنّ حصلت من الدولة العثمانية على قبرص.
أمّا الولايات المتحدة فقد قامت سياستها على مبدأ الحياد والذي أعلنه الرئيس الأميركي (مونرو) سنة 1823 م والذي عرف بمبدأ مونرو. وقد نص مبدأ مونرو هذا والذي طرحه في خطاب أمام الكونغرس الأمريكي على.

أ ـ يجب على الدول الأوربية عدم مد نفوذها الاستعماري لأمريكا .
ب ـ تلتزم الولايات المتحدة الأمريكية من جانبها بعدم التدخل في المشكلات أو العلاقات الأوروبية.

إلاّ أنّه رغم مبدأ مونرو وإعلان حياد الولايات المتحدة إلاّ أنّها بدأت في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر تتطلع خارج حدودها حينما رأت أنّ الدول الأوروبية تتسابق لاقتسام العالم فسعت للمشاركة في الحصول إلى نصيب منه، واكتفت في المرحلة الأولى بالقضاء على ما تبقى من الإمبراطورية الإسبانية في العالم الجديد والمحيط الهادي. كما أبدت اهتمامها بالحصول على بعض الامتيازات التجارية والجمركية في الصين .
وتعززت مكانة الولايات المتحدة الدولية بعد تولي (تيودور روزفلت) الرئاسة في مطلع القرن العشرين بحيث أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية إحدى الدول الثلاث أو الأربع الكبرى التي لها تأثير فعّال في التوازن الاستعماري في العالم.
إلاّ أنّ المصالح الأمريكية لم تكن قبل الحرب العالمية الثانية بأهمية مصالح الدول الأوروبية الكبرى وربّما لهذا السبب لم تدخل الولايات المتحدة حلبة الصراع الدولي من أجل تقسيم الدولة العثمانية، أو ربّما لانشغالها بالتوسع في المحيط الهادي والبحر الكاريبي.
2 ـ الخلفية العامة للنظام الإقليمي للمنطقة .
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي كانت المنطقة رسمياً تحت النفوذ التركي وهي جزء من ممتلكاتها، إلاّ أنّ منطقة الخليج بصورة خاصة كانت تحت النفوذ البريطاني الفعلي منذ أنّ حسمت بريطانيا الأمور بوضع إمارات الخليج تحت سيطرتها بموجب معاهدة الساحل العماني عام 1820م والمعاهدة السرية مع حاكم الكويت في عام 1899.
كما أنّ بني سعود رغم أنّ منطقة نجد التي يسيطرون عليها هي ضمن نفوذ الدولة العثمانية إلاّ أنّ واقع الحال هو أنّ هذا النظام يمثل أحد الأعمدة البريطانية المهمة في المنطقة رغم أنّ بريطانيا استطاعت جذب الشريف حسين الذي كان يحكم الحجاز من قبل الدولة العثمانية. وقد تصرّف بنو سعود وخاصة بعد سيطرة عبد العزيز على الرياض عام 1902م تصرّف الموظف المجد في تنفيذ سياسة بريطانيا في المنطقة مما جعله يحظى بدعم غير محدود من قبل بريطانيا والولايات المتحدة التي ورثت دورها في المنطقة. وقد أظهر ابن سعود إمكانية كبيرة في تدعيم أسس السياسة الغربية في المنطقة الأمر الذي جعل بريطانيا تقرر أن يكون بن سعود هو الرجل الأول في المنطقة. يقول (وايزمن) أول رئيس للكيان الصهيوني في كتابه (التجربة والخطأ): دخلت على تشرشل فناداني قائلاً: أريد منك أنّ تعرف أنني قد أعددت ترتيبا خاصاً لا يمكنني أن أقدم على تنفيذه إلاّ بعد أن تضع الحرب أوزارها بصورة نهائية. فانا أريد أن أجعل من ابن سعود سيد الشرق الأوسط كافة ورئيس الرؤساء.
الصراع الأمريكي البريطاني النفطي
لم تكن الشركات الأمريكية قد أبدت اهتماماً يذكر باحتياطي النفط في الشرق الأوسط قبل عام 1920م، كما لم تكن هذه الشركات تمتلك استثمارات خارجية سوى في دولتين هما المكسيك ورومانيا، وذلك يعود لسببين :
أولهما ـ إنّ كشف نفط أوكلاهوما عام 1907 قد ضمن احتياطيا كافياً في الولايات المتحدة، والثاني: هو أنّ عمليات التنقيب عن النفط كانت حكراً على الدول الأجنبية الأخرى صاحبة النفوذ في العهد العثماني.
هذه الشركات بدأت بعد عام 1920م تبدي اهتماماً زائداً بالاحتياطي الخارجي من النفط كما أنّ السياسيين الأمريكيين قد تنبهوا لأهمية النفط الموجود في المنطقة، وكان سبب اهتمام الشركات الأمريكية هذا وتخوف السياسيين الأمريكيين يعود إلى عدة عوامل:

أوّلها ـ النقص المتوقع في النفط الأمريكي.
وثانيها ـ التّخوف من احتكار بريطاني ـ هولندي لاحتياطي النفط العالمي.
وثالثها ـ توقعات الكشف عن احتياطي عالمي واسع ورخيص التكاليف .
ورابعها ـ أنّ الحرب العالمية الأولى قد جعلت الدول الكبرى أكثر تحسساً لحاجتها في النفط.
وخامسها ـ أنّ ظروف الحرب العالمية الأولى أظهرت أهمية النفط في مسألة الدفاع والتجارة.

هذه العوامل دفعت بالولايات المتحدة إلى التفكير جدياً في البحث عن مصادر للنفط ولرسم سياسة نفطية جديدة.
وقد أثار هذا الأمر بقوة قسم المناجم، فقد ذكر مستشار هذا القسم (مارك ل. ركو) في عام 1916م أنّ الولايات المتحدة ستحتاج في المستقبل إلى موارد نفطية أجنبية لتغطية احتياجاتها النفطية، وقد أيّد (فان هـ. ما ننج) وزير الخارجية الأمريكية إلى أنّه لا بد من أن يتشاور الأمريكيون مع رعايا الدول الأجنبية الأخرى في البحث عن الموارد البترولية في الخارج، وقد انتقد (جورج و. سميث) رئيس ومدير الجيولوجيين الأمريكيين سياسة عدم التدخل التي تتبعها الحكومة الأمريكية واعتبرها حجرة عثرة ضد تقدم الشركات البترولية الأمريكية. وقد استمرت هذه الضغوط على الحكومة الأمريكية حتى أقرّ الكونغرس الأمريكي قانون استئجار المعادن عام 1920م.
من الناحية الواقعية إنّ عملية الاستثمار في المنطقة كانت تسيطر عليها الشركات النفطية البريطانية وهذه الشركات تحت حماية الحكومة البريطانية، وكانت الحكومة البريطانية تعمل على الاستئثار بعمليات التنقيب واستثمار البترول في المنطقة. وحاول المسؤولون البريطانيون منع الشركات الأمريكية من عمليات التنقيب في المنطقة حتى أنّ
(ل. ي توماس) أحد كبار رجال شركة إستاندرد طلب تدخل الحكومة الأمريكية رسميا مع لندن ضد ما اسماه (بالسياسة البريطانية التعسفية في الشرق الأدنى)، لذلك يمكن القول أنّ بداية التنافس على المنطقة قد بدأته الشركات النفطية لينتقل إلى أروقة السياسة في الدولتين، وقد دخل الكونغرس الأمريكي حلبة الصراع هذه عندما طلب من الحكومة التدخل لحماية تطلعات الشركات الأمريكية في المنطقة بعد أنّ منعت السلطات البريطانية شركة سوكوني من التنقيب في العراق .
ارتكزت الحكومة الأمريكية في احتجاجها على نصرتها للحلفاء في الحرب وقدمت احتجاجاً شديد اللهجة في فبراير عام 1920م إلى مكتب المستعمرات البريطانية. وفي مايو 1920م أرسل السفير الأمريكي في لندن مذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية تضمنت الطلب بأن تشمل مشروعات النفط الأمريكية في الأراضي العربية الواقعة تحت الحماية والانتداب البريطاني مبدأ الأبواب المفتوحة والفرص المتكافئة لأن الحكومة البريطانية تحابي الشركات البريطانية للبحث عن النفط في مناطق الانتداب على حساب الشركات الأمريكية وأنّ الحكومة البريطانية تعمل في الخفاء للسيطرة على مصادر النفط في البلاد العربية مع أنّه من المتفق عليه كمبادئ عامة في مؤتمر الصلح أنّ استغلال مثل هذه المصادر حق مشاع بين جميع الأمم وليس حكراً على أمة واحدة .
لم تستجب بريطانيا للاحتجاجات الأمريكية واندفعت أكثر عندما وقعت مع فرنسا معاهدة في (سان ريمو) على هامش اجتماع الحلفاء في سبتمبر عام 1920م خاصة بالامتيازات النفطية والذي حصلت فرنسا بموجب هذه الاتفاقية على حصة ألمانيا في شركة البترول التركية.
(ت. ب. س) التي كانت تمتلكها الحكومة البريطانية فأصبحت لديها حصة في إنتاج النفط في منطقة العراق فيما تعهدت فرنسا بالسماح ببناء خط أنابيب للنفط لبريطانيا يمر بسوريا ولبنان (التي هي اللتان هما تحت الانتداب الفرنسي) إلى ميناء على البحر المتوسط تقوم فرنسا ببنائه، وبعد أن علمت الحكومة الأمريكية بهذه المعاهدة قدّمت احتجاجاً شديد اللهجة عن طريق سفيرها في لندن إلى الحكومة البريطانية بيّنت فيه إن الولايات المتحدة قد ساعدت على تحقيق النصر في الحرب العالمية الأولى وأنّ لها الحق في مشاركة الغنائم وأنّ بريطانيا تريد احتكار بترول العالم. واستمرت الاحتجاجات الأمريكية على الحكومة البريطانية حتى غيّرت بريطانيا موقفها في أواخر عام 1921م وتعّهدت بألاّ تقترح أو تقبل أي تغيير في مبادئ الانتداب بدون استشارة مسبقة مع الولايات المتحدة والحقيقة أنّ سبب تراجع الحكومة البريطانية جاء نتيجة حراجتها اتجاه الثورات في أنحاء مختلفة من المنطقة، كما أنّ حكومة تركيا الجديدة أخذت تطالب بضم منطقة الموصل، وكان من الممكن أن تدعم حكومة الولايات المتحدة المطالب التركية.
على ضوء هذه التطورات حاولت الشركات الأمريكية وضع خطة لإجراء محادثات تجارية مع الأعضاء العاملين في (ت. ب. س) البريطانية، وقد استطاعت مجموعة الشركات السبع الأمريكية أنّ تحصل على نسبة 12% من أسهم (ت. ب. س) وفي عام 1929م تم )IPC تغيير اسم (ت. ب. س) إلى شركة البترول العراقية (آي. ب. س
وفي 31 يوليو 1928 وقعت بريطانيا مع الولايات المتحدة على اتفاقية (وهي المسماة باتفاقية الخط الأحمر) أصبح بموجبها الرأسمال الأمريكي مساهماً على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى المشاركة في شركة نفط العراق. وأهمية الاتفاقية بالنسبة للولايات المتحدة أنّ حصتها أصبحت تتجاوز الربع لأنّه طبقاً للمادة (10) من الاتفاقية التزم مساهمو شركة النفط هذه بالامتناع عن تسلّم الامتيازات الفردية ليس فقط في أراضي العراق بل وفي جميع الأراضي التي كانت في السابق ضمن الدولة العثمانية، كما التزموا بتوزيع جميع الامتيازات النفطية التي يتم الحصول عليها في البلاد العربية فيما بعد بين مساهمي شركة النفط التركية بحصص تعادل أسهمهم في الشركة وألحقت بالاتفاقية خريطة رسمت عليها حدود هذه المنطقة بخط أحمر.

يتبـــع