الاقتصاد السعودي وارتباطه بالاقتصاد الصهيوني  

 

مقدمـــــــــــة :
ارتبط الاقتصاد السعودى بعجلة الرأسمالية الغربية منذ تأسيس الدولة الثالثة الموجودة حتى الآن على الساحة العربية والإسلامية والدولية .
لقد اقتصرت موارد السعوديين فى الدولة الأولى على الغارات التى كان يشنها البدو على غيرهم من القبائل ، منذ كانوا بعد أن يتغلبوا عليهم يأخذون أموالهم ونخيلهم ودوابهم ثم يسترقونهم لبيعهم فى أسواق النخاسة كمصدر آخر من مصادر تمويل حملاتهم .
ثم أوغلوا فى ذلك عندما دخلوا المدينة المنورة ، فقد سرقوا الذهب الذى كان موجوداً فى الحجرة النبوية ، وكان كثيراً يفوق ما يتخيله الرأس فقد كان فيه إيوان كسرى المذهب الذى غنمه المسلمون بعد موقعة القادسية ، وتركه الخلفاء الراشدون والملوك من بعدهم على حاله فى الحجرة النبوية ، وحتى فى أشد حالات الضنك المادى الذى واجهه الملوك والحكام – رغم استبدادهم – لم يأخذوا منه شيئاً ، كما كان يوجد بالحجرة النبوية عقود من الذهب كانت السيدة زبيدة زوج هارون الرشيد وضعته هناك ، كما كان هناك غيره الكثير .
أخذ الوهابيون هذا المال لا ليقيموا به المنشآت فى البقاع المقدسة التى تخدم حجاج بيت الله الحرام ، كما لم يأخذوه حتى ليقيموا مؤسسات فى نجد ، ولكنهم أخذوه وقطعوه ووزعوه فيما بينهم باعتباره من غنائم الحرب التى يجوز أخذها وتوزيعها على الجنود .
لكن ذلك المال بعد أن تم نهبه وإنفاقه لم يجد السعوديون المال الذى يؤسس لهم كياناً متماسكاً ، فقاموا بفرض اتاوات على الحجاج والعودة إلى شن الغارات على القبائل ، ولكن ذلك لم يف بالغرض المطلوب .
جعل ذلك السعوديين يرتبطون بالدولة البريطانية التى منحتهم الأموال عبر فرض ضرائب مرتفعة على القوافل المارة من مصر إلى الثغور التى احتلتها بريطانيا فى عدن ومضيق هرمز والكويت ، ثم إعطاء ابن سعود الكبير وأبنائه حصة من المال ، وعموماً سقطت الدولة بعد أن هاجمتها قوات محمد على بأمر من الخليفة العثمانى ، وتخلت بريطانيا عنهم وكان ذلك من أقوى الأسباب التى جعلت الملك عبد العزيز فيما بعد يربط دولته سياسياً واقتصادياً بالقوى الدولية الكبرى ، وتلك القوى مرتبطة بالاقتصاد الصهيونى ، أى أن النظام السعودى جعل نفسه مرتبط بالاقتصاد الصهيونى بطرق مباشرة وغير مباشرة .

الاقتصاد السعودى فى بداية الدولة الثالثة :-
فى عام 1902 دخل الملك عبد العزيز الرياض وأسقط عرش آل رشيد ، كان مدعوماً بقوات بريطانية آتية من الكويت وليس أربعين رجلاً كما تذكر المصادر السعودية ، المهم فتح عبد العزيز الرياض ، ثم أسس حكم نجد ليجد نفسه بلا موارد تجعله يتمكن من تسيير أمور سلطنته خاصة أن منطقة نجد لا توجد فيها أية موارد فهى منطقة صحراوية شديدة الوعورة يعيش فيها الناس على المطر حيثما حل .
من هنا كان تفكير الملك عبد العزيز فى عقد اتفاقية دارين مع بريطانيا والتى هدفت إلى استقراره السياسي المدعوم من بريطانيا ، ولا يكون هذا الاستقرار السياسي إلا باستقرار اقتصادى ، فساندته بريطانيا بطريقين :
1 – حددت للملك عبد العزيز مرتباً ثابتاً شهرياً حسب ما يقول جون فيلبى وهو مرتب يمكنه الانفاق جزئياً على جنوده وإخوانه وعلى أسرته ، وحدد فيلبى هذا المبلغ بعشرين ألف جنيه استرلينى شهرياً .
2 - دعمت بريطانيا الملك عبد العزيز إلى الإشراف على الاحساء ليصل إلى شط الخليج العربى ، ففرض ضرائب على السفن التى تمر فى مياه الخليج القريبة من شواطىء الأحساء، ثم ما لبث عبد العزيز آل سعود من توسيع سلطنته ومع كل توسيع كان يفرض الجبايات على القبائل التى يغزوها .
الاقتصاد السعودى بعد احتلال الحجاز:-
ما أن وصلت القوات الوهابية السعودية إلى الحجاز واستقرت فيه اعتباراً من عام 1926 وجدت نبعاً مالياً لا ينضب من الضرائب التى فرضت على الحجاج فكانت تصل إلى خمسة جنيهات من الذهب ، بالإضافة إلى ثمن تأشيرة الحج التى كانت تصل إلى خمسة جنيهات من الذهب للفرد الواحد ، كذلك جعل الملك عبد العزيز من مصادر تمويله الزكاة التى كان يجمعها الجباة من أهل الحجاز لا لإنفاقها فى مصارفها الشرعية ولكن لتمويل سلطنته التى كانت قد بدأت تستقر .
فى أثناء تلك الفترة كان التمويل الصهيونى الذى جاءه من يهود بريطانيا ليكون عبد العزيز بديلاً للشريف حسين الذى بدأت مشاريعه السياسية تتعارض مع السياسة البريطانية .

النفط .. والاقتصاد السعودى وارتباطه بالاقتصاد الصهيونى:-
أذاع البرق فى اليوم الثانى عشر من مارس / آذار عام 1938 نبأ حفر بئر منتجة للنفط فى الظهران ، ثم توالت الأنباء بعد ذلك معلنة عن اكتشاف آبار أخرى فى بقيق على بعد 37 ميلاً جنوبى غربى الظهران ، وفى نفس العام اكتشفت الحقول فى الدمام وأبى حدريه ، وتوالت الاكتشافات النفطية لتصبح مملكة عبد العزيز آل سعود فى طريقها إلى الغنى والاستغناء عن المسلمين الذين كانوا ينفقون على الحجاز وأهله بدون من أو أذى ، ولكن ما حدث يفوق الوصف :
لقد بدأ البحث عن النفط منذ عام 1930 من قبل شركة " ستاندرد أويل كاليفورنيا " الأمريكية التى بدأت تنقب فى منطقة الإحساء ثلاثة أعوام لكى تدرك أن هذه المنطقة يوجد فيها بترول، ولذلك وصل مدير الشركة إلى الظهران عام 1933 بعد توقيع اتفاقية الزيت مع الملك عبد العزيز ، وظلت خمس سنوات تبحث عن النفط حتى اكتشف البئر الأول عام 1938 ، أنفقت الشركة الأمريكية خمسة عشر مليوناً من الدولارات كان عليها أن تستردها عبر تحديد السعر الذى تدفعه لحكومة السعودية ، ثم السعر الذى تقوم بتسويق النفط للدول والشركات الأخرى ، فكان سعر برميل النفط نصف دولار تأخذه حكومة المملكة ، وتقوم الشركة ببيعه بثلاثة دولارات .
كانت السعودية فى ذلك الوقت لا تتعامل إلا بالنقد الذهبى ، ولكن وتحت الإصرار الأمريكى البريطانى فرض عليها التعامل بالدولار الأمريكى والجنيه الاسترلينى ، ومن ثم بدأ التعامل السعودى المباشر مع الاقتصاد العالمى الذى يسيطر عليه اليهود ، وقد نتج ذلك عن التناقض بين الثروة والقدرة على حمايتها ، وحلت السعودية الأمر بالتحالف الوثيق مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد بروزها كقوة كبرى فى العالم ، وهذا التحالف استجلب معه تبعية هيكلية متمثلة فى تدفق الأموال السعودية على البنوك الأمريكية والغربية التى يملكها اليهود ، وظلت هذه التبعية مستقرة ، ولكن العوائد السعودية من النفط تعاظمت بعد حرب 1973 الذى رفع سعر البترول إلى اثنا عشر دولار ثم أربعين دولاراً دفعة واحدة ، الأمر الذى أدى – حسب ما يؤكده د. جلال أحمد أمين فى دراسته المنشورة فى مجلة السياسة الدولية أكتوبر 1980 – إلى وجود ظاهرة جديدة إلى دخول النفط كعنصر فى الانقسام الاقتصادى الذى يميز النظام العربى ، فقد أدى دخول الثروات والفوائض النفطية الهائلة الى انقسام إلى مجموعات اقتصادية متمايزة وإلى نوع من " عدم تناسق المكانة " ، ويقول : إن استثمار أموال النفط يتعلق أصلاً بإعادة تشكيل هيكل الانتاج العالمى ، فالنفط لم يعد سلعة محلية بل هى صميم الحضارة الغربية بأسرها وجعل اقتصاديات الدول النفطية تحت الوصاية الأجنبية ضرورة تفرضها الظروف السياسية والاقتصادية الدولية .
نجحت ليبيا فيما فشلت فيه إيران بثورة محمد مصدق 1951 – 1953 ، لتأميم النفط الإيرانى، وما فشل فيه عبد الكريم قاسم تقييد امتيازات شركة البترول العراقية عام 1959 ، فقد تمكنت ليبيا عام 1971 من رفع سعر البترول لأول مرة ، صحيح أنه ارتفاع محدود من دولارين إلى ثلاثة دولارات ، ولكنها محاولة مكنت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) من رفع السعر فى عام 1974 (أى بعد حرب أكتوبر 1973) – لقد تحولت السعودية (ومعها باقى دول الخليج) إلى قوة مالية عالمية عن طريق زيادة أسعار النفط وزيادة المدخرات من أموالها وأموال باقى الدول المصدرة للنفط ، وبالتالى كانت السعودية تتخلص من أصول حقيقية (النفط) لتحصل بدلاً منه على أصول مالية ، ومن الخطأ هنا المطابقة بين الثروة الحقيقية والثروة المالية ، فالثروة الحقيقية (النفط) هى الثروة المطلقة ، أما الثروة المالية فإنها مجرد مطالبات على الأصول الحقيقية ، وقد قامت المملكة باستثمار تلك الأصول المالية فى دول الغرب الصناعية ، وبالتالى صارت هذه الأموال عرضه للتآكل الاقتصادى كما صارت عرضة للتجميد والمصادرة كما حدث عندما أقدمت الإدارة الأمريكية بتجميد الأرصدة الحكومية الإيرانية فى الولايات المتحدة فى أعقاب الثورة الإسلامية فى إيران عام 1979 .

كيف ارتبط الاقتصاد السعودى بالاقتصاد الصهيونى:-
كما ذكرنا فإن الملك عبد العزيز قبل ظهور النفط تعامل مع اليهود البريطانيين وقبل أخذ المرتب السنوى منهم ، وبعد ظهور النفط قبل استبدال الذهب بالعملة الورقية وذلك عام 1938 أى قبل ستة أعوام من إقرار اتفاقية بريتون وودز التى وقعت عام 1944 ، والتى أقرت أن تكون المعاملات الدولية خاضعة للنقود الورقية بدلاً من التعامل بقاعدة الذهب التى تمسك بها الكلاسيكيون .
صحيح من المنطقى القول إن دول العالم بأسره استقر الوضع الاقتصاى بها على التعامل بالنقد الورقى ، ولكن السعودية منذ البداية كانت السباقة فى هذا الأمر ، ولو أنها اشترطت أن يكون ثمن البترول يؤدى إليها بالذهب لكان حدث تحول فى الاقتصاد العالمى بأسره .
والأفدح من ذلك هو ما حدث بعد حرب 1973 وما حدث من طفرة نفطية أدت إلى بروز السعودية كقوة عالمية تؤثر فى الدول العربية المتقدمة مثل مصر وسوريا التى دخلت بأموالها لتؤثر فى المناخ الثقافى الداخلى لتلك الدول وتجعل مصر تنتقل الى التحالف مع أمريكا العدو التقليدى للقضية العربية فى فلسطين ، والدول الحليفة والصديقة للدولة السعودية .

يتبـــع