البرنامج البحثي الإعلامي عن التدويل الإسلامي للأماكن المقدسة "النخب العربية و التدويل" إعداد /عبد الحميد غانم




(3)

  إن التاريخ العربي المعاصر عاصر أربعة مقترحات لتدويل الأماكن المقدسة خاصة فى مكة والمدينة المنورة من المهم ذكرها حتى يمكننا الانطلاق منها إلى تعميم الفكرة والأخذ بها حتى ننهى من ناحية عمليات العدوان والتدمير التي يرعاها الغرب بقيادة أمريكا ويمولها بل وينقذها كما يحدث في العراق وحتى ننهى أيضاً التوظيف السياسي الرخيص لها كما حدث ولا يزال في العديد من الأماكن المقدسة ؛ وهذه الأفكار الأربعة للتدول التى عاشها القرن العشرين بشأن أحد أبرز هذه المقدسات الإسلامية التي ندعو اليوم إلى أسلمة (أو التدويل الإسلامي) للإشراف عليها ألا وهى الأماكن المقدسة فى مكة والمدينة ، هذه المقترحات قدمها الباحث الأستاذ على أبو الخير الباحث فى مركز يافا للدراسات فئ بحث له حول هذه القضية وتنحصر مقترحاتها في الآتي:
أ – أن تقوم كل دولة إسلامية بالإشراف على الحج كل عام بالتناوب فيما بينهم ، وهو اقتراح صعب التحقيق ، لأن الإشراف معناه أن يكون للدولة سيطرة على الشرطة والجيش والأمن، وهذه كلها لا تتحقق إلا للسعودية لأنها جغرافيا وتاريخيا تسيطر عليها وشرطتها وجيشها هو الذي يتواجد في مكة والمدينة ، ووجود سلطة غير سعودية يكون أوامرها ملزمة لن تتحقق كما يريد أن يقنعنا من يقول بعملية تناوب الإشراف .
واقترح البعض أن تأتى الدولة المشرفة بالشرطة والجيش من عندها وتقوم هى بالإنفاق والإشراف، وهذا نوع من المستحيلات ، فكيف يأتي أفراد من الشرطة أو الجيش من إحدى الدول الإسلامية لتقوم بالانتشار في أراضى لم تستقر عليها الا لبضعة أشهر ثم العودة ، ليعود شرطة من دولة أخرى وهكذا .
هذا إلى جانب أن المشكلة التي من أجلها حدث التناوب ستظل قائمة ، فكل دولة ستحاول أن تروج لمفهومها الديني والسياسي أثناء موسم الحج ، لتنتقم الدولة الثانية من الأولى إذا حدث ما يستوجب هذا الانتقام مثل النيل من المذهب أو الترويج للنظام ، وهنا نرى هذا الاقتراح غير عملي لأنه غير منطقي .
ب – يقترح آخرون أن يستقل الحجاز سياسياً ، أي يكون دولة مستقلة له حكومة مستقلة ، ولا بأس أن تنضم هذه الحكومة للجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وهيئة الأمم المتحدة ، وهذا الاقتراح سيجد صعوبات حقيقية ، منها على سبيل المثال كيف يستقل الحجاز ، وهل سيكون أهل الحجاز أنفسهم هم قادة الدولة أو مشكلي نظامها ، وإذا حدث هذا فسيكون لهذه الحكومة المستقلة اتجاهها المذهبي كذلك سواء استمر الفكر الوهابي أو أى فكر غيره يعتقد أنه الفرقة الناجية الوحيدة ، كما أن مثل هذه الدولة لن تكون بعيدة عن الأثر السياسي والمذهبي للدولة السعودية بحكم الجغرافيا ، كما ستحدث مشكلة موارد تلك الدولة المستقلة ، هل ستقوم المملكة بالتمويل لأن الحجاز أصلاً فقير فى موارده الطبيعية ، أم سيكون التمويل من الدول الإسلامية مجتمعة بحصص محددة تقوم كل دولة بدفعها إلى الحكومة المنتظرة .
وهذه المشكلة رغم أنها أسهل المشاكل لكنها على كل حال ستأتي بنفوذ الذين يدفعون أكثر من غيرهم ، وقد تتـعقد المشاكل ويتوقف التمويل إذا انحازت الحكومة لأحد المذاهب أو لإحدى الدول .
ولكنه على العموم اقتراح أسهل من الاقتراح السابق ، كما انه ليس الاقتراح الوحيد للرد على سابقه .
ج – هناك اقتراح ثالث يتلخص أن يكون للحجاز سلطة سياسية روحية بعيدة كل البعد عن الأنظمة الإسلامية ، أي يتم اختيار العلماء لهذه الدولة لتكون محل إقامة وسكن دائم ، على أن يكون هؤلاء العلماء ممن تنطبق عليهم شروط الاجتهاد ، وهم فيما نعرف ربما لا يصل عددهم إلى العشرين أو الثلاثين عالماً من كل المذاهب ، وهؤلاء العلماء ينتخبون من أنفسهم من يحكم الحجاز على أساس أنه مهبط الإسلام وأصله .
وهذا الاقتراح قد يؤدى إلى ما يشبه سلطة الفاتيكان بما فيه من كهانه وكهنة وسدنه وكهنوت، والإسلام ليس فيه من هذه الأشياء أي شيء ، فالإسلام يمكن اعتباره دين جماهيري ليس فيه أسرار أو كهانه أو تقليد ، فكل إنسان له حق الاجتهاد في حدود إمكاناته الدينية والعقلية ، وإذا لم يستطع يمكنه تقليد أحد العلماء ، وهو ما يحدث في كل المذاهب ، ولكن ذلك لا يعنى عصمة العلماء .
إن مثل هذه الحكومة مهددة بالتحول إلى المفهوم الأيديولوجي للكهانة الدينية ، ولا يحبذه الكثيرون .

(4)

  د – وهناك اقتراح يجمع بعض ما في المقترحات الثلاثة ، وهو أن يكون للحجاز سلطة سياسية مستقلة بأي نوع من أنواع الاستقلال ، وتكون هذه السلطة إدارية فقط تشرف وتدير المشاعر المقدسة وتخدم الحجيج جميعاً ، ولا تمنع مسلماً من دخول الأراضي المقدسة وتطلق الحرية للمسلمين فى الالتقاء والحوار والمناقشات العلمية وذلك بإشراف السلطة السياسية التي لا تنحاز لأحد،وهو اقتراح قد يبدو عمليا ، ولكن تبقى بعض المشاكل مثل من يحكم الحجاز، هل الحجازيون أم يكون من خارج بلادهم وكذلك موارد الدولة وغيرها من الأمور السياسية.
  لكن من الممكن أن يكون الحجازيون هم أهل السلطة ، أما مجالس الشورى فإنهم يكونون ممثلين للدول المختلفة والمذاهب المتعددة ، كما يمكن حل مشكلة التمويل عبر وجود إيرادات دائمة إما بحصص من الدول الإسلامية ، أو بدفع اشتراكات مستحقة على كل دولة في مواسم الحج .
  * إن هذه المقترحات وغيرها بالنسبة للأماكن المقدسة في مكة والمدينة تنسحب في تقديرنا على الرموز الإسلامية في فلسطين والعراق وباقي بلادنا الإسلامية وينبغي الأخذ به في هذه اللحظة التاريخية التي تتعرض فيها الأمة لفتن مذهبية أطلق شرارتها العدوان الأمريكي الذي يقود هجمة منظمة بالتحالف مع أنظمة ملكية وجمهورية فاسدة ، أنظمة لا يشغلها الرسول أو الصحابة أو مقامات الأولياء الصالحين بقدر ما يشغلها العرش والملك ، والسياسة ، إنها أنظمة تتغطى بالدين لتدارى عيوباً فاضحة ، عيوب العمالة المبكرة لهذا الغرب الغاصب للثروات والخيرات والحقوق . في هذه اللحظة التاريخية تأتى أهمية الدعوة (لأسلمة) الأماكن والرموز المقدسة سواء في مكة والمدينة أو العراق وفلسطين ، فمنَّ لهذه الدعوة حتى نحمى مقدساتنا من التخريب الداخلي (كما حدث في سامراء) أو العدوان الخارجي أو التوظيف السياسي غر الإسلامي كما حدث ويحدث في فلسطين والسعودية بل وفى مصر ؟!


التالي

السابق